رواية عهد الدباغ الفصل الخامس والاربعون 45 والاخير بقلم سعاد محمد سلامه


 رواية عهد الدباغ الفصل الخامس والاربعون والاخير 

ارتفعت زاوية فم فاروق بابتسامة خافتة، وكأنها انتصار صغير انتظره طويلًا... 
ثبت عينيه عليها للحظات، يقرأ ملامحها جيدًا، يتأكد أن كلماتها لم تكن مجرد اندفاع لحظة أو خوف من خسارته... 
ثم قال بهدوء:
بلاش تتسرعي.. متوافقيش قبل ما تعرفي الشروط الأول.

هزت رأسها بإصرار قائلة:
موافقة مهما كانت شروطك..

لمعت عينيه وهو يقترب منها خطوة قائلًا:
أول شرط... مفيش أسرار بينا تاني.

ارتجفت أناملها قليلًا، لكنها أومأت بالموافقة.
أكمل:
أي حاجة تضايقك... أي خوف... أي مشكلة، يكون عندي علم بها منك مباشرةً. 

ابتلعت ريقها وهمست:
تمام. 

إستطرد سرد باقي الشروط: 
الشرط التاني... تبطلي تعاقبي نفسك على الماضي.

رمشت عدة مرات بعدم فهم... فتحدث بتفسير :
كل مرة ببصلك بحس إنك  شايلة ذنب أكبر من طاقتك... وأنا تعبت من الحرب اللي بينك وبين نفسك يا عهد.

تجمعت الدموع بعينيها... حقًا كانت تشعر بذلك... 
أما هو فأخذ نفسًا عميقًا قائلًا: 
والشرط التالت:.. 
صمت للحظة جعل قلبها يخفق بقوة.
لما ترجعي... ترجعي بجد.

ارتعشت شفتاها بعدم فهم سائلة:.
يعني إيه. 

اقترب أكثر حتى لم يعد يفصل بينهما شئ..قائلًا:.
يعني أول ما ندخل البيت، يبقى بيتنا إحنا الأربعة... مش بيت فاروق ولا بيت عهد... بيتنا.

انهمرت دموعها أخيرًا قائله: 
موافقة.

_ ومفيش هروب تاني يا عهد. 
قال ذلك وهو ينظر اللى عينيها،ثم أكمل
  ومفيش خوف يخليكِ تبعدي. 

تبسم حين أغمضت عينيها وهي تهمس:
طول ما أنت جنبي... مش هخاف ولا هبعد تاني. 

ساد الصمت بينهما لثواني طويلة... 
ثم مد فاروق يده إليها... 
نظرت إلى يده، ثم رفعت عينيها إليه... لم يكُن ذلك لمجرد مصالحة...بل كانت دعوة لبداية جديدة... 
وضعت يدها داخل قبضة يده دون تردد... 
فجذبها برفق نحوه...
استقرت بين ذراعيه أخيرًا، شعر أن سنوات من الغضب والوجع تنسحب من قلبه ببطء... 
دفنت وجهها في صدره وهي تبكي... 
أما هو فأغمض عينيه للحظة، ثم همس فوق رأسها:
كفاية فراق يا عهد... تعبنا كفاية.

أحاطته بذراعيها أكثر، وكأنها تخشى أن يختفي من بين يديها مرة أخرى... 
في تلك اللحظة... 
شعر الاثنان أن الحياة تمنحهما فرصة جديدة،.. فرصة تستحق أن يتمسكا بها بكل ما يملكان... 
تنهد فاروق للحظات، يطيل النظر إليها بينما كانت تنتظر باقي حديثه بفضول وترقب... 
ارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة، ثم رفع يده ببطء ووضع إبهامه فوق شفتيها قبل أن تنطق بأي كلمة وتحدث بهدوء:
فى لسه شروط كمان. 

همست وهى تومئ برأسها: 
أي شرط هتقوله هوافق عليه. 

تبسم وهو يرفع يده 
مش هترجعي بيت الدباغ.

رفعت رأسها  تنظر له تنتظر أن يكمل... 
أما هو فترك الصمت يمتد لثواني ، ثم أردف:
غير بفستان زفاف.
اتسعت عيناها بدهشة واضحة... بعدم فهم سائلة: 
فستان زفاف!. 

أومأ برأسه وكأن الأمر بديهي.
أيوه... فستان زفاف.

أطلقت ضحكة قصيرة غير مصدقة لما تسمعه قائلة: 
_ فاروق، إحنا متجوزين أصلًا.

_ عارف.

- وعندنا أطفال.

_ وعارف برضو.
تحدثت بتسأل: 
طيب، إزاي بتقول كده، الشرط ده... 

مال برأسه قليلًا وقاطع إعتراضها  بثبات:
بقول إنك مش هتدخلي بيت الدباغ مرة تانيه غير عروسة.

هزت رأسها معترضة قائلة: 
ده كلام غير منطقي يا فاروق. 

تبسم بتصميم قائلًا 
بالعكس... منطقي جدًا.

تنهدت باعتراض قائلة 
الناس هتفتكر إننا بنتجوز من جديد.

رفع أحد حاجبيه قائلًا:
وإيه المشكلة؟

تنهدت بضيق قائلة: 
المشكلة إننا مش بنتجوز من جديد.

وضع يديه حول خصرها قائلًا بصوت أخفض:
لا يا عهد... إحنا بنبدأ من جديد.

خفت اعتراضاتها للحظة أمام نبرته.. 
أما هو فأكمل:
يوم جوازنا الأول كان فيه كل حاجة إلا الفرح.

أنزلت عينيها إلى الأرض... كادت تعترض
فاروق...

قاطعها
سبيني أتكلم يا عهد. 

زفر ببطء ثم تابع:
تخيلي إن أكتر حاجة زعلان عليها لحد النهارده... إني ماشوفتكيش عروسة بجد.

ارتجف قلبها رغمًا عنها...
أما هو فتابع وعيناه لا تفارق وجهها:
عايز أشوفك جاية عليا بإرادتك... مش مجبرة.

ساد الصمت بينهما للحظات.
ثم همست:
كل ده عشان فستان زفاف. 

ابتسم وهو يهز رأسه...قائلًا:
أيوه...كمان عشان الذكرى.

اقترب أكثر حتى أصبحت كلماته تصل إليها كهمس دافئ.
عشان لما أفتكر  اليوم ده بعد سنين... أفتكر إنك رجعتي لي لأنك اختارتيني. 

شعرت بوخزة داخل قلبها... 
حاولت التمسك باعتراضها الأخير وقالت:
طب فستان زفاف ماشي... لكن من غير فرح.

ضحك فورًا قائلًا 
لا.

تنهدت باعتراض: 
فاروق.. 

قاطعها
لا يا عهد الفستان والفرح مع بعض.

مازالت تجادل باعتىاض:.
ليه بس. 

اتسعت ابتسامته بمكر.  قائلًا: 
عشان نفسي أشوف وشوش الناس وهي بتستوعب إنك رجعتي لي.

تنهدت باستسلام وهي تضع يدها بخفة على ذراعه.
إنت مستفز فعلًا... وشاطر فى الجدال. 

أمسك يدها قبل أن تبتعد، ثم رفعها إلى شفتيه وطبع قبلة خفيفة فوقها... 
وقال بنبرة صادقة جعلت قلبها يرتبك:
المرة دي مش عايزك ترجعي كزوجة وبس...

توقفت أنفاسها وهي تنظر إليه... وهو  يستكمل حديثه:
_ عايزك ترجعي العروسة اللي كان نفسي أشوفها من أول يوم شوفتك. 

ثم ابتسم بثقة قائلًا:
وعشان كده... جهزي نفسك يا عهد.
لأن فرحنا المرة دي... هيبقى زي ما كان المفروض يكون من البداية.

حدقت فيه  لثواني طويلة، كأنها تحاول اكتشاف إن كان يمزح أم يتحدث بجدية كاملة...
لكن المشكلة أن فاروق كان ينظر إليها بتلك النظرة التي تعرفها جيدًا...
نظرة الرجل الذي اتخذ قراره بالفعل... 
وضعت يدها على خصرها وقالت باستسلام ممزوج بدلال:
يعني مفيش فايدة. 

هز رأسه نافيًا يقول: 
لا  مفيش اعتراض .

زفرت قائلة:
طب لو رفضت. 

ابتسم بهدوء قائلًا بقرار وتصميم: 
يبقي هنفضل بعيد عن بعض. 

اتسعت عيناها... قائلة
إنت بتهددني. 

رفع كتفيه ببراءة مصطنعة.
لاء.. بسميها إقناع.

أطلقت زفرة طويلة وهي تنظر للسقف قائلة.
يا رب الصبر.

ضحك  بارتياح حقيقي... 
أما هي فظلت تهز رأسها غير مصدقة. تنهدت باستسلام قائلة: 
والله العظيم محدش في الدنيا عنيد زيك.

ضحك قائلًا: 
وأنا شايف واضح إنك لسه ماعرفتنيش كويس.
أشارت إليه بإصبعها.

تنهدت باستسلام: 
لا، عرفتك كويس جدًا... وعرفت إن الجدال معاك مضيعة للوقت.

اتسعت ابتسامته فورًا... سائلًا: 
يعني موافقة. 

ضيقت عينيها وهي تنظر إليه... قائلة 
متفرحش أوي كده. 

ضحك قائلًا: 
يعني موافقة.

تفوهت بتبرير: 
لا، يعني استسلمت.. من المجادلة معاك. 

ضحك قائلًا: 
نفس النتيجة.

إعترضت قائلة: 
لا مش نفس النتيجة.

ضغط على خصرها ... قائلًا: 
بالنسبة لي نفس النتيجة.

حاولت أن تحافظ على عبوسها لكنها فشلت.
فابتسمت رغمًا عنها... رفع حاجبه بانتصار... قائلًا 
أهو... الابتسامة دي معناها موافقة رسمية.

أخفت وجهها بكفيها قائلة:
يا ساتر... أنا فعلًا وقعت في حب واحد مستحيل.

أبعد يديها برفق ونظر إليها مطولًا.
ثم قال بصوت هادئ:
المهم إنك وقعتي.

احمر وجهها فورًا... بينما هو ضم يدها إلى يده وأضاف:
يبقى اتفقنا... فستان زفاف.. وفرح.

أغلقت عينيها... تنهدت باستسلام قائلة: 
اتفقنا.

ود زيادة المجادله بمرح قائلًا:
والقاعة اللي أختارها أنا.

فتحت عينيها بسرعة.
لا، ثانية واحدة ده مستحيل بقى. 

انفجر ضاحكًا وهو يراها تعود للاعتراض من جديد... 
بينما أدركت هي متأخرة أنه قد لا يكتفي بموافقتها فقط...
بل سيستمتع بكل لحظة وهو يفرض عليها بعض تفاصيل  فقط لأنه يُعاقبها...
بينما هو يخفي بسمة ماكرة... 
ظلت عهد تنظر إليه بغيظ مصطنع، بينما كان هو يستمتع بكل ثانية من استسلامها... 
هزت رأسها أخيرًا وقالت:
على فكرة... أنا وافقت عشان نتلم مع عيالنا. 

ضحك فاروق بخفوت قائلًا: 
طبعًا... وأنا مصدقك. 

شعرت بغيظ.. ضربته بخفة على كتفه، لكنه أمسك يدها قبل أن تبتعد... ساد بينهما صمت قصير... صمت مختلف هذه المرة...
لا يحمل غضبًا ولا عتابًا ولا خوفًا... 
فقط راحة افتقدها الاثنان طويلًا... 
نظر فاروق إلى ملامحها وكأنه يراها لأول مرة بعد وقت من الضياع... 
أما عهد فشعرت بنظراته تربكها كعادتها... 
فهمست وهي تشيح بعينيها:
بتبصلي كده ليه. 

ابتسم قائلًا: 
عشان وحشتيني.

ارتجف قلبها رغم بساطة الكلمة... 
رفعت عينيها الى وجهه وجدته يبتسم تلك الابتسامة الهادئة التي لا تظهر إلا نادرًا... 
مد يده وأزاح خصلة شعر أفلتت فوق جبينها.
ثم قال بصوت منخفض:
كنت فاكر إني خسرتك للأبد.

تلألأت الدموع في عينيها...قائلة:
وأنا كنت فاكرة إني ضيعت كل حاجة.

اقترب منها أكثر... قائلًا: 
المهم إننا لقينا طريق الرجوع.

ابتسمت أخيرًا... ابتسامة صغيرة لكنها كانت كافية لتبدد مرحلة من الوجع... 
نظر إليها طويلًا...
ثم رفع يده ووضعها برفق على وجنتها.
لم تبتعد هذه المرة... 
بل ظلت تنظر إليه وكأنها تحفظ ملامحه من جديد.
همس:
بحبك يا عهد.

أغمضت عينيها للحظة، وكأنها كانت تنتظر سماع ذلك منذ زمن... 
ثم فتحتها مجددًا وهمست:
وأنا كمان يا فاروق.

وانحنى نحوها يطبع قبلة رقيقة فوق شفتيها  ثم احتضنها بين ذراعيه.... 
اختبأت داخل حضنه وهي تبتسم من بين دموعها.
أغمض عينيه للحظة، وكأنه أخيرًا وجد السلام الذي ظل يبحث عنه طويلًا.
وبينما كانا متعانقين، أدرك الاثنان أن بعض الحكايات مهما تعبت وتكسرت...
تستطيع أن تبدأ من جديد، إذا تمسك أصحابها ببعضهم بما يكفي.

عاد للخلف ثم نظر لها وهو يملس على شعرها يتخلله بأصابعه قائلًا: 
فى شرط كمان. 

تنهدت تنتظر، تبسم على ملامحها المُترقبة  قائلًا: 
الحجاب يا عهد. 

هنا تبسمت بإرتياح قائلة: 
لو كنت وصلت بدري شوية كنت شوفتني أنا جاية بالحجاب. 

لمعت عينيه ببسمة رضا، تبسمت هي الأخري وهو يضمها يحتضنها بشوق، رفعت وجهها تنظر له تبسم وهو يعود يُقبلها، يديه تضعط علي حصرها بقوة، بينما هي عانقته تتنفس على عُنقة بإشتياق وشعور بالأمان. 
❈-❈-❈
بمقر شركة الدباغ...
كان كنان يجلس خلف مكتبه، عيناه مثبتتان على شاشة الحاسوب، يتنقل بين الجداول والأرقام بدقة شديدة، بينما انعكس ضوء الشاشة على ملامحه الجامدة. بدا غارقًا في مراجعة بعض الحسابات والتقارير المالية الخاصة بالشركة.
كانت غزال تجلس إلى جواره.. تشير بين الحين والآخر إلى بعض المراجعات وهي تتحدث بهدوء
لكن فجأة... شعرت بألم قوي فى ظهرها... حتى أنها رفعت يدها وضعتها على يد كنان ثم آنت بقوة... نظر نحوها بتلقائية، سُرعان ما تبدلت ملامحه الى قلق  وهو يراها تضغط على أسنانعا ثم تضم شفتيها بقوة تحدث بلهفة: 
في إيه مالك، إيه اللى حصلك فجأءة. 

تفوهت من بين أسنانها  بألم قائلة: 
شكلي هولد النهاردة. 

_إيه... تولدي.. هنا فى المكتب... مين اللى هيولدك. 
هكذا  تحدث بإرتباك، غير مستوعب... بينما هي إشتد الألم... تفوهت بوجع: 
آه.. خلاص... 

قاطعها بسؤال: 
خلاص إيه... الوجع راح. 

ضغطت على  شفتيها بقوة قائلة  بصرخة ألم: 
لا خلاص هولد... إلحقني الوجع... حاسه إن الولد هينزل مني. 

نهض قائلًا: 
ينزل فين، إنت مفكره إننا فى مستشفي. 

صرخت بألم وهي تبكي: 
وجع رهيب إتصل على الدكتورة... أو طنط إجلال... عمتي.... آه. 

شعر بريبه، سريعًا أخذها وذهب الى مكان سيارته بالمرآب...ساعدها حتى وصلت إلى السيارة، فتح الباب الأمامي بسرعة وهو يكاد يفقد أعصابه قائلًا:
اركبي بسرعة.

جلست غزال بصعوبة، واضعة يدها فوق بطنها المنتفخ بينما تتنفس بصعوبة من شدة الألم... 
أغلق الباب ثم التف مسرعًا إلى مقعد القيادة، أدار المحرك وانطلق بالسيارة كالسهم خارج مرآب الشركة... 
كان يمسك المقود بيد، وبالأخرى يحاول الاتصال بوالدته...
لكن الهاتف لم يُجب... 
نظر نحو غزال فوجدها تغمض عينيها وتتنفس بسرعة.
متعمليش كده... افتحي عينيكِ

فتحت عينيها بصعوبة وقالت:
أنا فاتحة عيني... بس مش قادرة خلاص. 

حاول مساعدتها قائلًا: 
طب استحملي شوية... إحنا في الطريق..

قاطعته فجأة أطلقت شهقة ألم قوية جعلته ينتفض في مكانه... قائلًا: 
يا نهار أبيض... هو الوجع بيزيد بسرعة كده ليه. 

رمقته بنظرة حادة رغم ألمها.
عشان دي ولادة يا كنان... مش صداع.

ابتلع ريقه بتوتر قائلًا: 
ما أنا عارف إنها ولادة... بس كنت فاكر إن الموضوع بياخد ساعات طويلة.

ضغطت على يده بقوة حتى تأوه هو الآخر.تفوه بألم: 
يا ساتر... هتكسري إيدي.

تفوهت بغيظ ممزوج بألم ودموع: 
وأنا الوجع هيكسرني.. 

زاد من سرعة السيارة وهو يتمتم بقلق:
ربنا يستر... ربنا يستر... 

ثم نظر لها بتحذير: 
إياكِ تولدي فى العربية... هتلوثيها بالدم. 

نظرت لع اضغط على شفتيها بغيظ وألم... 
بعد دقائق بدت له كأنها سنوات، توقفت السيارة أمام المستشفى.
لم ينتظر أحدًا.
ترجل سريعًا ، فتح بابها ثم حملها بين ذراعيه... شعر بثُقل جسدها قائلًا: 
إنتِ تقيلة كده ليه، معبية مايه. 

نظرت له بغيظ ثم 
تشبثت بعنقه وهي تتأوه من الألم، بينما اندفع بها إلى الداخل صارخًا:
دكتورة بسرعة... حد ييجي بسرعة... مراتي هتولد. 

التف حوله الممرضون على الفور، فأحضرت إحدى الممرضات سريرًا متحركًا... 
تنهد بارتياح حين  وضعها عليه  يقول: 
ثانية وضهري كان هيطرقع من وزنك.

  أمسكت غزال بيده بقوة... وهي 
ترفع عينيها إليه، ورغم الألم الذي يغمر ملامحها قالت بصوت مرتجف:
متسبنيش.

يشعر هو اللآخر بالتوتر والريبة، لكن يبدوا عكس ذلك 
شد على يدها فورًا وقال دون تردد:
مش هسيبك... يا حبيبتي. 

بعد لحظات اصبح يتحرك ذهابًا وإيابًا في الممر كأن الأرض تضيق تحت قدميه... 
كانت أصوات الحركة حوله طبيعية بالنسبة للجميع... إلا له... 
كل دقيقة تمر كانت تبدو وكأنها ساعة كاملة... 
وصلت إجلال مسرعة بالممر، وما إن رأته حتى اقتربت منه... قائلة  بلهفة: 
قريت رسالتك وجيت فورًا ... قولي غزال عاملة إيه. 

مرر يده بين خصلات شعره بتوتر.
جوه من ساعة تقريبًا... ومحدش طلع يقول حاجة.

ربتت إجلال على كتفه محاولة تهدئته: 
متقلقش... إن شاء الله خير.

رفع رأسه نحو باب الغرفة المغلق... ثم نظر لها قائلًا: 
أنا عمري ما خوفت بالشكل ده يا ماما. 

ابتسمت إجلال رغم قلقها.
عادي... متقلقش ان شاء الله  خير. 

وقبل أن يرد...انفتح باب  الغرفه فجأة... 
خرجت الطبيبة وهي تنزع القفاز الطبي من يدها.
أسرع كنان نحوها... سائلًا بلهفة: 
غزال؟

ابتسمت الطبيبة... قائلة بتطمين: 
الحمد لله  بخير.

أغمض عينيه للحظة وكأنه استعاد أنفاسه.
لكن الطبيبة أكملت:
الولادة كانت سهلة ولدت طبيعي، وهي مرهقة جدًا... بس هتفضل هنا للمسا للملاحظة. 

زال شحوب وجهه قائلًا:
أقدر أشوفها. 

أجابته: 
بعد شوية... هتتنقل لأوضة عاديه... 

ثم أردفت بابتسامة حين خرجت إحدى الممرضات تحمل طفلًا صغيرًا ملفوفًا بغطاء أبيض:. 
تحب تشوف ابنك الأول. 

تجمد في مكانه للحظة...يهمس:
إبني...

الكلمة وحدها كانت غريبة عليه... لك

اقتربت منه المُمرضة قائلة:
اتفضل.

نظر إلى الطفل بتردد، كأنه يخشى لمسه... 
ثم مد يديه ببطء وحمله.
في تلك اللحظة...
اختفى كل شيء حوله.
أصوات المستشفى...
الناس...
الوقت نفسه... 
لم ير سوى ذلك الوجه الصغير... 
عيناه امتلأتا بمشاعر لم يستطع تفسيرها.
ضحك بخفة وهو يهمس:
صغير أوي.

اقتربت إجلال تنظر إلى الطفل... بحنان قائلة: 
شبه مين. 

ظل كنان يتأمله طويلًا ثم قال:
شبه أمه.

وفي تلك اللحظة تحديدًا...خرجت الطبيبة مرة أخرى.
— تقدر تدخل تشوفها دلوقتي.
أعطي الطفل إلى إجلال التي حملته بحنان ثم اتجه بخطوات سريعة إلى الغرفة... 
دخل فوجد غزال مستلقية على السرير، شاحبة ومرهقة، لكن عينيها بحثتا عنه فورًا... 
اقترب منها وجلس بجوارها... 
ابتسمت بصعوبة... قائلة: 
الواد وصل. 

هز رأسه قائلًا: 
وصل.

_شكل مين؟ 

نظر إليها للحظات قبل أن يجيب بصوت خافت:
زي القمر طبعًا شبهي.
.
ارتسمت ابتسامة ضعيفة على شفتيها.
لكنها تفاجأت به ينحني قليلًا ويأخذ يدها بين يديه... يقبلها قائلًا: 
شكرًا.

رمشت باستغراب سائلة:.
على إيه. 

ابتلع غصته بصعوبة قائلًا:
عشان عيشت معنى كنت فاكر إني عمري ما هعرفه.

نظرت إليه بصمت... 
أما هو فرفع يدها مره أخري إلى شفتيه وقبلها برفق... 
ثم همس:
وعشان جبتِ ليا أغلى حاجة في الدنيا.

عندها فقط...
شعرت غزال أن كل ما مرت به من ألم خلال الساعات الماضية أصبح شيئًا بعيدًا أمام تلك النظرة التي تراها الآن في عينيه... نظرة رجل وقع في حب عائلته الصغيرة من أول لحظة...
إبتسمت له كأنها نسيت كل اوجاعها السابقة..أمنيتها تحققت..بيت وأمان... تشعر للمرة الأولى أن جذورها امتدت في الحياة... أدركت أن بعض البدايات السعيدة تستحق كل ما سبقها من عثرات.
❈-❈-❈________****
بمنزل أم صبري
بعدما إتصلت عليها إجلال وأخبرتها أن غزال قد وضعت وأنها بخير وأنهم عائدون بالطريق ... لم تستطيع البقاء هادئة، تنتظر على ترقُب... تسير تُحدث نفسها... بنفس الوقت دلف زوجها راها تحدث نفسها.. تهكم على ذلك قائلًا بحنق:
مالك يا ولية رايحة جاية تكلمي نفسك زي اللى فقد عقله.

توقفت تنظر له للحظات، نظرات ندم أنها أمضت جزءًا كبير من عُمرها معه...لكن سرعان ما تبسمت وهي تقترب منه وتفوهت بنبرة شماته: 
سبحان الله.. رغم إن فيك كل العِبر والعيوب بس ربنا له حكمة... تجي تضرها تنفعها. 

نظر لها بدون فهم وتفوه بغضب: 
تقصدي ايه يا ولية. 

أجابته بشماتة: 
غزال... اللى روحت تسوأ فيها لـ كنان تبخ سمك، بس ربنا كان شايل لها العوض الكبير، وإنت هتفضل طول عمرك، طماع وأناني، بحمد ربنا إن إبني مخدش من خصالك السيئة، هو وغزال اللى طلعت بهم بعد عمري معاك ده كله، البيت ده بإسمي كان بميراثي من أهلي، خطوة صبرت عليها كتير، معرفش كنت له مترددة،كنت بقول أهو راجل والسلام... رغم أنها كانت  خطوة تصحيح لأكبر غلطة فى حياتي... 
طلقني وشوف طريقك.. بعيد عني أنا وإبني.. وغزال. 

نظر لها بحقد دفبن للحظات قبل أن يفر من أمامها خاسرًا. 

بينما هي تبسمت بإرتياحٍ حقيقي لأول مرة منذ سنوات طويلة... كأن حملًا ثقيلًا ظل جاثمًا فوق صدرها طوال عمرها، وانزاح أخيرًا.
جلست على الأريكة، أغمضت عينيها للحظات، تسترجع كل ما مر بها... سنوات من الصبر والتنازل، من الصمت الذي كانت تظنه حفاظًا على بيتها، لتكتشف متأخرة أن بعض البيوت لا تُحفظ بالصمت، بل تضيع بسببه...
فتحت عينيها على صوت سيارة قريب المنزل.
انتفض قلبها قبل جسدها... 
همست بلهفة: 
وصلوا...
أسرعت نحو الباب، وما إن فتحته حتى رأت تلك السيارة تقترب... توقفت جانبًا.. 
إوقف كنان هو الآخر السيارة،توجهت نحوهم بلهفة تطمئن على غزال...التي رغم وهنها لكن ترجلت من السيارة،سرعان ما إحتضنتها قائلة:
أنا بخير يا عمتي،أنا وإبني...حفيدك الأول.

ضمتها بحنان قائلة:
ربنا يباركلك فيه ويعوضك كل خير وسعادة.

تبسمت غزال وهي ترفع يدها وقبلتها قائلة:
ربنا يخليكِ ليا يا عمتي.

شعرت أم صبري بسعادة وربتت على كتفها قائلة:
بلاش الوقفة دي فى الشارع  إنتِ نفسه كمان العين تصيبك...إركبي بسرعه..يلا.

تبسمت غزال...
لكن شيئًا ما لفت انتباهها... 
تلك التي كانت تقف على مقربة منهم، تتابع المشهد بصمت... 
تجمدت ابتسامتها للحظة وهي تتعرف على ملامحها... راندا
عاد بها الزمن إلى ذلك اليوم...
اليوم الذي وقفت فيه  أمامها بثقتها المستفزة، تخبرها أنها ليست سوى نزوة عابرة في حياة كنان، وأن رجلًا مثله لا يمكن أن يستقر مع فتاة بمثل ظروفها.. 
وقتها آلمتها الكلمات...
لا لأنها صدقتها بالكامل، بل لأنها أصابت مخاوفها التي كانت تحاول إخفاءها عن الجميع... وحتى عن نفسها... 
أما الآن...
فكانت تقف في المكان ذاته تقريبًا... 
لكن كل شيء تغير... 
رفعت غزال عينيها نحو كنان الذي يجلس بالسيارة  ينظر الى صغيره التي تحمله إجلال بين ذراعيها بحذر وكأنها أغلى ما يملك... 
كل بضع ثواني كان ينظر إلى طفله.. ثم إليها..
بنظرات لم تكن بحاجة إلى تفسير... 
نظرات رجل وجد بيته أخيرًا... 
شعرت غزال بدفءٍ يسري داخل قلبها.
ثم أعادت النظر نحو راندا
لأول مرة لم تشعر بالغضب... ولا بالحقد.
ولا حتى بالرغبة في التباهي بالانتصار... 
فبعض الانتصارات تصبح صغيرة جدًا عندما يمنحك الله ما هو أكبر منها... بينما راندا 
فلم تستطع إبعاد نظرها عن المشهد... 
كنان الذي كان يومًا حلمًا تسعى إليه بكل ما تملك...
يقف الآن بعيدًا عنها بمسافات لا تقاس بالأمتار.
بل بالحب... والانتماء... والأسرة.
رأت كيف اقترب من غزال حين دخلت الى السيارة  دون وعي، وكيف مال برأسه يسألها إن كانت متعبة، وكيف تلقائيًا وضع يده خلف ظهرها كأنه يخشى أن تتعثر.
تفاصيل صغيرة...
لكنها كانت كافية لتدرك الحقيقة كاملة... 
لم تكن غزال نزوة... لم تكن مرحلة عابرة.. د
بل كانت الاستثناء الوحيد في حياة رجل لم يؤمن يومًا بالاستقرار.. 
خفضت راندا بصرها للحظة... 
بينما ابتسمت غزال بهدوء... 
ثم حولت وجهها بعيدًا عنها وعادت تنظر إلى زوجها وطفلها.
فبعض الردود...لا تُقال بالكلمات... بل تُعاش. 
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
بشقة محسن
وضعت صغيرها بمهده الصغير لكن سرعان ما شهقت حين شعرت بيدي محسن تضمها وضع يدها فوق موضع قلبها شعر بنبضات قلبها المتسارعة.. تبسم قائلًا: 
خضيتك. 

إستدارت تنظر له ببسمه.. وهو مازال يأسرها بين يديه... تبسم قائلًا: 
مشغولة مع إبنك وناسية الدنيا. 

ضحكت بدلال قائلة: 
والله ده متعب، البنات مكنوش كده.. كانوا هاديين. 

تبسم لها، وهو يضع قبله قريبه من فمها، ثم جذبها لتسير معه الى أن توقف أمام خزانة الثياب، أخرج تلك العلبة المُخمليه... ثم مد يده بها نحوها بتلقائية أخذتها منه فتحتها سرعان ما شهقت بصدمة وهو تقول: 
مش ده الإنسيال اللى  ...

صمتت ضمها محسن قائلًا:
كان هدية ليكِ يا رابيا،تفتكري ممكن أهادي أي ست غيرك بهدية غالية. 

تدمعت عينيها وهي تشعر به يحتضنها، يُقبل جانب عنقها قائلًا: 
النهاردة عيد جوازنا... 
البنات أنا قولت لماما يناموا تحت كفاية عليا إزعاج البيه الصغير، أنا عاوزك ليا لوحدي . 

نظرت الى السوار الذي طالما ظنت أنه لم يكن لها يومًا... 
مررت أصابعها فوقه برفق، ثم رفعت عينيها إليه هامسة:
يعني كنت جايبه ليا من زمان. 

أومأ محسن وهو يطوقها بذراعيه أكثر:
من يوم ما شوفته قولت ده شبهك... رقيق وحلو، ولحد النهاردة مستني اللحظة اللي ألبسهولك فيها.

ارتجف قلبها من كلماته، وشعرت بدفء غريب يغمرها وهي تراه ينظر إليها بنفس النظرة التي أحبته لأجلها منذ سنوات... 
أخذ السوار من يدها، ثم أمسك معصمها برفق وأغلقه حوله... قائلًا  بحنان: 
كل سنة وإنتِ مراتي... وكل سنة وإنتِ أجمل حاجة حصلتلي.

ابتسمت والدموع تلمع بعينيها... قائلة: 
وإنت كمان يا محسن... ربنا يخليك ليا وللولاد.

رفع يده يمسح دموعها بإبهامه وقال مازحًا:
لا، بلاش دموع في يوم زي ده.

ضحكت بخفة، بينما جذبها لتجلس بجواره على الأريكة.
ساد بينهما صمت هادئ، ذلك النوع من الصمت الذي لا يحتاج إلى كلمات، فقط قلبين يعرف كل منهما مكانه جيدًا... 
أسندت رأسها على كتفه وهمست:
تصدق زمان كنت بخاف من بكرة.

نظر إليها متسائلًا:
ودلوقتي. 

تنهدت براحة وهي تتأمل صغيرها النائم في المهد:
دلوقتي عندي بيت... وأمان... وعيلة بحبها.

شدد محسن ذراعه حولها، ثم طبع قبلة حانية فوق رأسها قائلًا:
وطول ما أنا عايش، هيفضلوا عندك.

أغمضت عينيها مبتسمة، بينما ظل الاثنان يتأملان صغيرهما النائم، وقد امتلأ المكان بدفء عائلة وجدت أخيرًا سعادتها بعد سنوات طويلة من التعب.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام 
كان فاروق يجلس مع أحد العملاء، حين صدح رنين هاتفه تبسم حين رأي إسم عهد يضئ شاشة الهاتف... إعتذر من العميل وخرج للرد عليها سمع لهفتها وهي تقول: 
مش بترد عليا ليه يا فاروق. 

تنهد ببسمة قائلًا: 
ما أنا رديت أهو خير بتتصلي ليه. 

ابتلعت ريقها بغيظ قائلة: 
بتصل عليك عشان أقولك إبنك توفيق تعبان. 

ببرود تفوه: 
وديه للدكتور. 

بغيظ من رده البارد تفوهت بغضب: 
فاروق إنت فين، من يوم ما كنا فى المزرعة مشوفتش وشك، بتتصل تطمن على ولادك وأنا مش بتسألني عن حالي. 

ضحك قائلًا: 
حالك كويس أهو وبتردي عليا برعيق، يبقي صحتك كويسه. 

بغيظ منها لم تستطيع تحمُل  بروده المتعمد... سمع إغلاق الهاتف 
سرعان ما ضحك فاروق، الذي كان يتجاهلها  عمدًا... نظر أمامه.. تبسم وهو ينظر الى ذلك السلم الذي أمامه تذكر اول لقاء له مع عهد، كان هنا، حين لمس يدها كأن حدث له صعق فى قلبه... سنوات مرت كانت بعيدة بقيد شرعي ممنوع عليه التفكير بها، عذاب لضم قلبه، وقدر أعاد الامل فى قلبه نوها، زواج منها كان مثل اللجام حول عنقهما، كان عليهما التحرُر لبعض الوقت
…حتى يستطيعا أن يلتقطا أنفاسهما من جديد دون أن يختنقا بما فُرض عليهما أكثر مما اختاراه.
أغلق فاروق الهاتف بهدوء، لكن ضحكته خفتت تدريجيًا وهو يحدق في السلم أمامه... لم يكن مجرد درج عادي في نظره… كان نقطة بداية لا تمحى.
هنا تمامًا... يومها أقنع نفسه أنها مجرد لحظة عابرة، عابرة جدًا… لكنها لم تعبر... 
مرت السنوات بعدها ثقيلة، كل 
أخذ نفسًا عميقًا، ومرر يده على وجهه كأنه يمسح طبقة من الماضي...
ثم تحرك ببطء مبتعدًا عن السلم، لكن عينيه ظلتا عالقتين بالمكان، كأن خطوة واحدة فقط تفصل بين رجُلين داخله... واحد عاش الماضي كما فُرض عليه، وآخر لم يعد يملك رفاهية تجاهل ما بدأ يعود… بقوة أكبر من قبل.
....*****ــــــــــ
بمنزل توفيق
دلفت ميرفت الى غرفة عهد كانت تضع صغيرها على الفراش نظرت لها سائلة: 
إيه العلبة الكبيرة اللى في ايدك دي يا ماما. 

تبسمت ميرفت قائلة: 
دي بعتها فاروق..مع السواق وقال عشانك. 

إستغربت عهد ذلك أخذت الصندوق منها فتحته سرعان ما شهقت حين وقع بصرها على ذاك الثوب الأبيض... أخرجته من الصندوق، قائلة: 
ده فستان زفاف. 

نظرت له ميرفت تدمعت عينيها، رغم وجع قلبها على فراق إحد فتياتها لكن تبسمت لـ عهد التي يظهر عليها السعادة... 
ربما ذلك خفف من قسوة حزنها.. بينما عهد رأت مغلف صغير أسفل الفستان باالصندوق.. جذبته وفتحته.. كان رسالة من فاروق
"جهزي نفسك المسا هفوت أخدك يا عروسة". 

خفق قلبها بشدة، لكن غص قلبها حين رأت دموع ميرفت.. تركت الفستان وضمتها تشعر بحزن هي الاخري.. لكن دعمتها ميرفت قائلة: 
كل شئ قدر يا عهد، فاروق كان المفروض يكون نصيبك من الأول، بس ربنا كان رايد يسيب لينا ذكرى من فرح تعيش وسطنا، تعوض جزء من وجع غيابها. 

مساءًا 
توقف فاروق ينظر الى عهد بإنبهار وهو يراها بثوب الزفاف وذاك الوشاح الذي يُغطي رأسها كانت مُبهرة... أخذ يدها وصعدا الى السيارة.. 
بعد قليل توقف بالسيارة بفناء منزل الدباغ 
ترجل من السارة ثم توجه للناحية الأخري.. ساعد عهد على النزول... كان إستقبال خاص بها 

بعد وقت دلف الى شقتهما يحملها.. نظرت حولها، كم اشتاقت الى تلك الشقة، عكس بداية زواجهما كانت تشعرر بها كجدران شائكة تضيق على قلبها... دلف فاروق بها الى غرفة النوم الخاصة به، وضعها على الفراش، رغم أنها معروفة بعدم الخجل لكن الليلة شعرت بالخجل من نظرات فاروق الذي جلس لجوارها لحظات حديث عادي هادئ بينهما تطرق الى لمسات حُب، ساعدها فى خلع ثوب الزفاف... نظرة فاروق هذه الليلة كانت مختلفة.... ليست نظرة سيطرة كما اعتادت أن تتهمه بها، بل نظرة رجل يرى شيئًا أخيرًا استقر في مكانه الصحيح...
جذبها يُقبلها قبلة قصيرة في بدايتها، صامتة، لكنها لم تكن عابرة… كانت محمّلة بكل ما لم يُقال بينهما... اوقات من الفقد ، ومسافة طويلة من الجفاء، ومحاولة متأخرة لترميم شيء لم ينكسر تمامًا لكنه تَشعّب... 
تجمدت للحظة، ثم شيئًا فشيئًا خفّ التوتر  تسمح لنفسها أخيرًا أن تفهمه بدل أن تحاربه... 
ابتعد قليلًا 
تفوه بصوت أجش من الغرام: 
بحبك يا عهدجملة بسيطة لكن كانت مثل فك شفرات قلبها... 
ليهيم بها غرامً  يترجمها بلمسات وقبلات... 

بعد وقت شعر الاثنين بالنشوة، جذبها على صدره، رفعت راسها تنظر لوجهه بصمت للحظات تذكرت وقت بداية زواجها منه كانت ناقمة ماقته له، لم يدعها تحزن على شقيقتها اليوم طوقت خصره بيدها تشعر أنه ربما كان ذلك الأفضل، فوقتها كان تمكن الخزن منها، ربما زواجهما كان تفريغًا لذلك الحزن، أشغل عقلها وقلبها بوجوده، ربما أسلاها بعض من الحزن كان كفيلًا بقصف قلبها... لو إستسلمت له بغياب فاروق 
ضمت نفسها له شعرت بتلك القُبله على رأسها تبسمت كذالك هو، رغم حدوث أكثر من علاقة حمينية بينهما لكن يعترف كأنه يلمسها لأول مرة يشعر أنها معه طواعية وقبول. 

❈-❈-❈

لتمُر الايام، تخطف معها أعوام 
تُنشأ ذكريات وذكريات... 
بين أفراح وأوقات يمُر العمُر. 

بالسعودية 
خلف شرفة زجاجية تطل على الحرم المكي
منظر كفيل بتهدئة النفس،حتى كفيل بسحب ذهن ذلك الطفل ذو الخمس أعوام...
راقبته وهو يقف مندهش من ذلك التجمع البشري،كأنهم ملائكة ذو أجنحة بيضاء يسيرون فى هيبة... 
تبسمت رابيا التى تقف بمكان قريب منه تتابع حركة يديه على الزجاج عيناه تلمع بدهشه، شعرت بيد توضع على كتفها، نظرت له تبسم محسن قائلًا: 
واقفه كده ليه. 

اشارت له براسها نحو طفلهما قائلة: 
شايف... واقف مبهور بمنظر الناس فى الحرم. 

نظر نحو طفلهم... تبسم قائلًا: 
فعلًا المنظر له هيبه، البنات كمان فرحانين أوي إننا جينا هنا كلنا نعمل عُمرة...كانت فكرتك هايلة.

تبسمت له قائلة:
تعرف يا محسن من يوم ما إتجوزتك إتمنيت المشهد ده،كان نفسي نعمل عُمرة سوا أنا وإنت،عشان....

توقفت تشعر بغصة،ودت لو قالت أنها كانت تبغي ذلك كي تُكفر عن مشاركتها كذبة والدتها،لكن ذلك أصبح ماضي،فاقت على صدمة كانت تعيش داخل شرنقة تخنقها هي وهو معًا،والآن فردت جناحبها تُحلق،حتى لو كان زواجهم عن طريق كذبة،هو حقها وحتى عذاب الضمير،كانت مُخطىة،فالحب لا يعترف سوا بشيء واحد،البقاء للمُحب حتى لو كان ذلك آنانية...وهي ليست آنانية بل معطاءة،حين تقبلت حياتها مع محسن كما أرادها زوجة وسر له،لا أحد بالوسط بينهما حصدت السعادة والراحة النفسية 
❈-❈-❈
بين تنقُلات كثيرة بين أكثر من دوله رافقت زوجها بسعادة وأوقات يمُر الوقت دون شعور ... 
بـشقة بـ سويسرا 
سكبت القليل من الحليب على خلفية كف يدها كأنها مقياس للحرارة،ثم نظرت لطفلتها الصغيرة التى تحبو نحوها،سرعان ما ضحكت على تذمُر الصغيرة حين قطع نديم عليها الطريق،تحاول أن تستكمل حبوها لكن هو عاندها كلما إتخذت منفذ سده عليها،زامت ببكاء مصطنع،ضحك وإنحني يلتقطها من على الارض يُقبل وجنتيها قائلًا:
عاوزه مامي. 

اومأت برأسها، ذهب بها نحو يارا التي ضحكت قائلة: 
لاء مش عاوزه مامي عاوزة البيبرونة صديقتها المُفضلة. 

ضحك وهو يرا يدها الصغيرة تمتد نحو يارا كي تأخذ منها زجاجة الحليب، تركتها لها يارا ببسمه سُرعان ما التقمتها الصغيرة، نظرت يارا له قائلة: 
هترجع إمتى. 

أحابها بمرح: 
بفكر أتأخر شوية عشان لما أرجع الاقكي فاضية لى... يكون الولاد ناموا بس مش تقولى لى مرهقة مع عيالك. 

ضحكت قائلة بمرح: 
كل واحد بيجني اللى بيزرعه يا حبيبي، فاكر بداية جوازنا كنت مشغول طول الوقت، أهو جه اليوم اللى تتمني فيه أفضالك. 

ضحك وهو يضع قبله على وجنتها قائلًا: 
بتردهالي يعني، تمام يا يارا، أنا بقي راجل ديكتاتور، وبقولك أهو أرجع المسا تكوني مجهزة نفسك، أنا عازمك عالعشا لوحدنا بعيد عن الأشرار ولادك، وبالذات الشريرة دي. 

ضحكت يارا قائلة: 
الشريرة دي مدلعه عالآخر حتي منك، بتفكرني بنفسي كنت بنت وحيدة زيها، بس دي دلوعة. 

ضحك نديم قائلًا: 
لايق عليها الدلع. 

إبتسمت يارا قائلة: 
طبعًا مش دي ضرتي فى قلبك. 

ضحك وهو يضع قُبلة على جانب شفاها قائلًا:
وقلبي، ده خلاص بقى مُحتكر ليكِ وللشلة الصغيرة دي.

ضحكت يارا بخفة وهي تهز رأسها بيأس مُصطنع:
شلة صغيرة... دول عاملين عصابة كاملة فى البيت.
نظر نديم لطفلتهما التي كانت تمسك الزجاجة بكلتا يديها الصغيرتين وكأنها كنز، ثم قال بمكر:
بس العصابة دي خطيرة... خصوصًا الصغيرة، كل يوم بتاخد جزء أكبر من اهتمامك.
رفعت يارا حاجبها قائلة بمرح:
غيران من بنتك يا نديم. 

اقترب منها أكثر هامسًا:
أغير من أى حد بياخدك مني... حتى لو كانت نسخة مصغرة منك.

اتسعت ابتسامتها بخجل دافئ، بينما الصغيرة أطلقت صوتًا متذمرًا بعدما فرغت الزجاجة، فتنهد نديم قائلًا باستسلام:
شوفتي... حتى الرومانسية عندنا لازم توافق عليها البرينسيس الأول.

ضحكت يارا بصوت أعلى،.. ضمها نديم بين إليه، فنظرت له الصغيرة بعينيها الواسعتين قبل أن تعبث بأزرار قميصه، ليطبع قبلة فوق رأسها ، ضحكت يارا قائلة: 
البت دي عندها شخصية قويه وحب التملُك. 

ضحك نديم يومي برأسه يؤكد ذلك قائلًا  بغمز: 
شبيهة مامتها. 

بدلال تحدثت: 
ومامتها إتملكت من قلب النديم. 

غمز لها بمرح قائلًا: 
مش بس قلب النديم، روحه وكيانه. 
❈-❈-❈
بمنزل الباغ
توقف كنان بالحديقة بعدما لفت نظره، سيارة حديثة الطراز، تحير عقله لمن تلك السيارة... ساقه الفصول ودلف الى المنزل دخل الى غرفة المعيشة.. نظر لوالده الذي يجلس يحمل طفلة وليدة أيام... يُدللها ببعض العبارات... تنحنح، رفع محي رأسه ونظر له قائلًا بنبرة تعنيف: 
إيه آخرك عالشغل الساعة قربت على تسعة.. مش عشان أنا غايب تفكر إنها سويقه. 

تقبل كنان ذلك قائلًا: 
بابا، هي العربية الجديدة اللي فى الجنينة دي بتاع مين. 

لم يرفع عينيه عن الصغيرة يُدللها بين يديه سائلًا: 
أي عربية. 

أجابه بمواصفات السيارة، فأجابه محي: 
آه... دي عربية غزال. 

_عربية غزال
قالها كنان بصدمة قائلًا: 
غزال خيال اللمآته مراتي تركب عربية موديل وإمكانيات مش فى عربيتي، دي مبتعرفش تسوق وبتحدف شمال، دي مبتعرفش تركن العربية إزاي. 

نظر له محي بنظرة غير مبالية: 
هي حرة عربيتها تعمل فيها اللى هي عوزاه.

_تعمل اللى هي عوزاه فى عربية زي دي وبعدين دفعت تمنها منين. 

هكذا سأل فأجابه محي: 
العربية نقوط مني ليها. 

_نقوط. 
نقوط يعني إيه
هكذا سأل بإستفسار فاجأبه محي بتوضيح: 
نقوط ولادتها كمان مكافأة عن شغلها الفترة اللى فاتت كانت حامل وشايلة ضغط الشغل. 

_مين دي اللى كانت شايلة الشغل وأنا كنت بعمل إيه... وبعدين نقوط ولادتها، ليه خلفت قطعة ألماس. 

نظر له وهو يدلل الصغيرة قائلًا: 
أيوه جابت لى قطعة ألماس، وبطل رغي وسيبني مع حفيدتي نلعب سوا. 

نظر كنان الى الصغيرة قائلًا: 
هو البت اللى إنت شايلها وعمال تدلع فيها هي ومامتها مش تبقي بنتي طب فين نقوطي أنا كمان، عاوز عربية نفس الماركة بس لون تاني. 

_لاء
قالها محي برفض قاطع... فتذمر كنان قائلًا: 
لاء ليه إشمعنا غزال وأنا لاء ما أنا شايل الشغل وأنا السبب فى البت دي جت الدنيا يعني خلفتها بالتواصل الاجتماعي. 

تنهد محي بضجر قائلًا: 
هي اللى كانت حامل وأتحملت مدة الحمل والولادة وكمان بتشيل شغل الشركة معاك، يعني هي تعبت أكتر ومن حقها مكافأة، وكفاية رغي وسيبني مع حفيدتي أشبع من حلاوتها. 

كاد يُجال لكن نظرة عين محي كانت صارمه... غادر بغيظ، وقف بالردهة فكر ثم صعد الى شقته... دلف الى غرفة النوم كانت غزال بالغرفة تضب بعض الثياب..لاحظت تلفته حول نفسه أكثر من مره كأنه يبحث عن شيئ فسألته:
بتدور على إيه.

أجابها:
على المفاتيح.

_مفاتيح إيه.

أجابها:
مفاتيح العربية الجديدة.

ببراءة قالت:
عاوزها ليه.

تعصب عليها قائلًا :
المفاتيح فين بقولك.

ذهبت نحو طاوله فتحت احد الادراج قائلة:
المفاتيح أهي عاوزها ليه.

خطف المفاتيح من يدها قائلًا:
انتِ كده كده مبتعرفيش تسوقي،عندك عربيتي القديمه خديها.

رفضت قائلة:
لا أنا بسوق كويس بعدين دي هدية ليا و...

قاطعها بغيظ قائلًا:
أقولك روحي للحج محي اتمسكني له يجيبلك واحده تانيه دي خلاص اتصادرت. 

تبسمت بعدما غادر فذلك كان اتفاق بينها وبين محي الذي يعلم بهوس كنان بالسيارات... ذهبت نحو خزانة الثياب اخرجت علبه مخملية فتحتها 
كان طاقم ذهب مُرصع بالالماس هديه اعطاها لها تقديرًا منه لها. 
❈-❈-❈
بشقة فاروق
أفلت ياسين يده من قبضة عهد قائلًا: 
سيبني بقي انزل ألعب مع بنت عمو كنان الصغيرة... أنا كنت بجهز نفسي إن يبقي ليا أخت بنت بس سمعت بتقولى لـ تيتا ميرفت إن الدكتور قالك إنك حامل فى ولد، انا كنت عاوز بنت بس إنتِ مش بتخلفي بنات. 

-هو كان بمزاجي.. البركه فى باباك بيقولوا نوع الجنين من الراجل. 

ضحك فاروق الذي إقترب منهما، انتتهز ياسين ذلك وغادر، نظرت له عهد قائلة: 
عيل خسيس. 

ضحك فاروق وهو يضم خصرها قائلًا: 
متعصبة ليه كده... من وقت ما الدكتورة قالت لك إنك حامل فى ولد. 

تنهدت قائلة بتذمُر: 
ده تالت حمل يا فاروق أنا قولت المرة دي هتبقي بنت. 

ضحك فاروق قائلًا: 
ولد ولا بنت... المهم تقومي بالسلامة إنتِ والبيبي. 

نظرت له، قائلة: 
كان نفسي فى بنت وأسميها فرح. 

تبسم قائلًا وهو يغمز بوقاحة وهو يضع يده فوق بطنها يمررها بحميمية قائلًا: 
بسيطة... المرة اللى بعد دي تجيبي بنت زي القمر شبة مامتها. 

تبسمت عهد قائلة: 
لا كفاية ملهاش لازمه تجربة جديدة، واضح إن خلفك هيبقي صبييان وأنا حيلي إتهد منك ومن عيالك. 

ضحك فاروق وهو يُقبل جوار شفتيها قائلًا: 
بس الحمل المرة دي مخليكِ جميلة. 

تمايلت برأسها بدلال قائلة: 
أنا فعلاً جميلة.. مش جديد عليا... ولا عندك إعتراض. 

غمز بعينيه قائلًا: 
مقدرش أعترض يا جميلة الوحش. 
❈-❈-❈
بعد أيام 
بإحتفال خاص 
تجمع كل أفراد عائلة الدباغ 
في حديقة المنزل الواسعة التي  تملؤها أضواء دافئة ، إستعدادًا لاحتفال في صخب الأحفاد... وإنتظار مهيب لا يخلو من الترقّب... 
الأحاديث الجانبية تتداخل كهمسات خافتة، وضحكات قصيرة تُخفى بسرعة وكأن الجميع ينتظر لحظة الحسم... ، كانت العائلة بأكملها مجتمعة… من أكبرهم سنًا، محيي الدين الدباغ، إلى أصغر الأحفاد التي اختاروا لها اسمًا حمل في طيّاته أملًا جديدًا "حياة" 
كانت الطفلة محاطة بنظرات دافئة، وكأن وجودها وحده كفيل بإعادة ترتيب كل ما انكسر قديمًا داخل العائلة.
وفجأة…
سكتت الأصوات تدريجيًا... 
تحولت الهمسات إلى صمتٍ.. 
دخل محيي الدين الدباغ أولًا... 
هيبته وسط ابناؤه وأحفاده  سبقت خطواته، نظراته ثابتة لا تعرف التردد، وملامحه تحمل ذلك النوع من السلطة التي لا تحتاج إلى صوت مرتفع...جواره مباشرة كانت إجلال، تمشي بثباتٍ يليق باسمها، كأن وجودها لا يقل ثقلًا عن حضوره... 
تقدما بالوسط
كل عين كانت تتابعهما... 
كان الترحيب صاخبًا…إعترافًا  احترامًا... يشبه الانحناء غير المُعلن أمام تاريخٍ طويل من النفوذ والقرارات التي صنعت اسم الدباغ... 
توقّف محيي الدين في المنتصف.
نظر حوله ببطء، وكأنّه يقرأ الوجوه واحدًا واحدًا.
ثم وقعت عيناه على تلك الصغيرة "حياة" للحظة، فخفّت حدة ملامحه قليلًا، دون أن يختفي الثقل من حضوره... 
إجلال وقفت بجانبه، ترفع نظرها إلى الجمع، ثم قالت بهدوء محسوب:
الليلة… مش مجرد احتفال.

أومأ محي وعيناه تتجول على كل فرد بالعائلة... تبسم لـ محسن وفاروق اللذان اصبح لهما كيان قويًا وسط سوق الجلود
كيان ظاهري أنهما منفردان لكن بالحقيقة هما تحت جناحه... 
كذالك تبسم بسعادة أكثر وهو يرا الوفاق بينهما وبين زوجاتهم كل منهم سعيد بأسرته الصغيرة... 
كذالك ذلك المشاغب كنان الذي أحيانًا يشعر بالغيرة من زوجته التي أصبحت أكثر خبرة  تُعد أحد أذرعة  محي الدباغ، كذالك كنان الذي أصبح يُلقي عليه كل الحِمل فى غياب أخويه... 
حتى يارا مدللته أصبح لها هي وزوجها كيانًا... وحياة دافئة... 
عاد بنظره نحو "إجلال" رفيقة العُمر، تلك التي لم تكن مجرد زوجة في حياته، بل الركن الذي ثبتت عليه كل العواصف حين اهتزت الأرض من تحته... 
تنهد ببطء… تنهد يحمل راحة نادرة، كأن السنوات الثقيلة انزلقت من على كتفيه... 
يتأمل ما هو أبعد منها بكثير… ما لا يراه الآخرون...
"إمبراطورية آل الدباغ"... 
ليست مجرد اسم يُقال في المجالس أو يُكتب في العقود، بل كيان تشكل عبر سنوات من الصعود القاسي، القرارات الصلبة، والخسائر التي لا تُقال بصوتٍ عالي
رفع نظره قليلًا، ومر ببصره على الوجوه التي اجتمعت حوله تحمل الامتنان وإعتزاز  يحمل انتظار ما سيأتي بعده.. 
ابتسم ابتسامة خفيفة، بالكاد تُرى، لكنها كانت كافية لتكشف أنه يرى كل شيء… ويفهم أكثر مما يُقال... 
إجلال وقفت إلى جواره بثبات، كأنها تعرف ما يدور في رأسه دون أن يتكلم.. 
قال بصوت منخفض، أقرب إلى نفسه منه إلى من حوله:
اتولدت من لا شيء… وبقيت كل شيء.

تحرك ببطىء خطوة إلى الأمام، وكأن حضوره وحده يعيد رسم حدود المكان... 
" آل الدباغ" ترددت الكلمة في ذهنه أكثر مما نطقه
ليس اسم عائلة… بل 
العهد الأقوى الذي تجمعت تحته ظله العائلة، لا بوصفها روابط دم فقط، بل بوصفها كيانًا دافئًا يستظل بهم...يتعهد  بحماية كل فرد من العائلة تحت مظلة
"عهد الدباغ" 

      تمت بحمد الله
تعليقات