رواية تلميذ الجن الفصل التاسع والاربعون بقلم جمال الحفني
بمجرد ما الباب اتفتح كل الجن انحنوا, شدام منحني بخضوع, مرهوب بالمثل, حتى جرموق اللي فاكر نفسه أقوى من نص الجن كان واقف مطأطأ راسه في صمت, وباقي الجن اللي مع المنفذين كانوا بالمثل, الكل مطأطأ راسه, بصيت بطرف عيني على المنفذين لقيت كل واحد فيهم واقف وباصص قدامه بنظره جامدة كإنه متعود يحضر الاجتماع دا كل يوم, مع إني متأكد من جوايا إن معظمهم بيحضروه لأول مرة, وكل واحد فيهم جواه عشرات الأسئلة, يمكن أسئلة أكتر من اللي جوايا, لكني بصراحة كنت بحسدهم على الثبات الانفعالي اللي كانوا فيه!
خلال اللحظات دي كان الباب اتفتح على مصراعيه, وظهر من خلفه ممر طويل ملوش اّخر, وواسع لدرجة إن قافلة كاملة تقدر تمشي فيه جمب بعض, وعلى جانبي الممر وقف مجموعة من الجن في هيئة حرّاس, كان المطلوب مني بدون ما حد يقولي إننا نتحرك وندخل, وبالفعل اتحركنا كلنا حركة اّلية ودخلنا, حاولت أسيطر على الثبات الانفعالي بتاعي وابقى زي باقي المنفذين لكن فضولي غلبني وبقيت أخطف نظرة من هنا ومن هنا, وأكتر شيء لفت نظري كانوا الحراس اللي واقفين في صفّين, طول الواحد منهم كان بين السبع والعشر أمتار, مكانوش كلهم في هيئة واحدة ولبس واحد كما هي العادة لا, واحد فيهم مثلا كان جسمه كله عبارة عن حجر أسود وفيه شقوق حمرا في جسمه كإنها حمم بركانية ماشيه جواه, واحد تاني مكانش له وش أصلا, مكان الوش كان عبارة عن فراغ أسود! واحد تالت كانت هيئته رمليه, كتلة من الرمل واقفة ومتشكله في هيئة جن, وفي وسط اللمحات الخاطفة اللي دي أخيرا شوفت واحد منهم بيعمل زيي, الشاب اللي أصغر مني في السن, كان واضح عليه هو كمان مقدرش يكبح جماح فضوله ولما شافني ببص على اللي حوالينا زي ما بيعمل وعيني جات في عينه للحظة رفع حواجبه الاتنين وراسه مع بعض في إيماءة صغيرة كنوع من التحية, وأنا تلقائي رديتهاله بالمثل وكملنا مشي..
في نهاية الممر كان فيه بوابة مفتوحة بدون أبواب, لكن بمجرد الاقتراب منها حسيت بطاقة محستش بيها قبل كدا, فيه أماكن بتحس فيها بالراحة وانت داخلها, دا عشان فيها طاقة أو هالة من النور, وأماكن تانية العكس, بتكون فيها طاقة مظلمة عشان كدا بتحس إنك مضايق أو مش مرتاح بمجرد ما تدخلها أو تعدي جمبها. أما الطاقة اللي استشعرتها واحنا على بعد خطوات من البوابة دي كانت طاقة معرفتش احددها, كانت مزيج من النور والظلام, الطمأنينة والخوف, كانت عبارة عن كل شيء وعكسه!
القاعة كانت أكبر من أي قصر أو معبد أو مبنى دخلته في حياتي، السقف نفسه كان بعيد جدا لدرجة إني مقدرتش أشوفه، وكان فيه أعمدة ضخمة طالعة لفوق كأنها جبال كاملة، وعلى كل عمود كانت فيه نقوش لوجوه غريبة، بعضها شبه البشر، وبعضها شبه الجن، وبعضها مكنتش قادر أحدد هويته..
وفي نص القاعة كان فيه سبع مقاعد من الحجر الأسود الداكن مرتبين على شكل دائرة ضخمة,
وبدأ كل منفذ يقعد في مكانه، وكل واحد وراه الجن التابعين ليه واقفين في صفوف، ودي كانت أول مرة أفهم حجم الفروق بين المنفذين فعلا، لأن فيه ناس جاية معاها اتنين أو تلاتة من الجن زيي، وفيه ناس جاية معاها ستة وسبعة، وفيه اللي واقف وراه جني واحد بس!
فجأة اكتشفت إن كانت فيه رموز محفورة على الأرض بدأت تنور بالتدريج, رمز ورا التاني, كوّنوا دايرة كبيرة في نص القاعة وخرجت منها إضاءة بيضا قوية, وبعدين سمعنا صوت عصاية بتخبط بشكل رتيب, كل العيون اتجهت ناحية الصوت اللي كسر الصمت المقدس للقاعة, ومن اّخر القاعة من العدم ظهر شيخ عجوز ماشي ببطء شديد, لابس عباية رمادية قديمة جدا وعلى كتفه شال أسود وماسك عصاية طويلة من خشب أسود لامع مزينة برموز ونقوش مفهمتش منهم أي حاجه..
فضل ماشي ببطء لحد ما وصل لنص القاعة, وبنظرة خبير بص علينا احنا المنفذين السبعة, على الرغم من إن النظرة لينا كلنا مستمرتش أكتر من ثانية إلا أني متأكد إن عينه جات في عيني لمدة ثواني عرف منها كل اللي بيدور جوايا, مش عارف إذا كان بيتحكم في الزمن ولا الرهبة هي اللي صورتلي كدا!
اتكلم بصوت هادي وقوي في نفس الوقت وقال "تلاتة وتلاتين سنة عدوا" سكت لحظة وكمل "تلاتة وتلاتين سنة من اّخر اجتماع للمنفذين"
بص ناحية منفذ روسيا, ثم العراق, ثم بص ناحيتي وأنا مش عارف ليه كل ما عينه تيجي في عيني أحس إنه بياخد مني شيء أو بيزرع فيا شيء, لف علينا كلنا بنظرة ثابتة وكمل كلامه "وخلال السنين دي اتغيرت قبائل, وسقطت قبائل, اختفت أسماء, واتكتبت أسماء جديدة"
بعدها ضرب الأرض بالعصا وفجأة ظهر فوق كل منفذ رمز من نور أبيض, كمل كلامه وقال "كل اجتماع بيكون مختلف عن اللي قبله, كل اجتماع فكرته جديدة, القبائل بتجتمع وتحدد ماهيته بالاتفاق, ولأن القبائل متغيرة فبطبيعة الحال فكرة الاجتماع بتكون متغيرة ومتجددة"
بدون ما ابص على وجوه المنفذين اللي حواليا كنت متأكد إن الفضول بدأ ينهش فيهم زيي بالظبط, ولأول مرة لمحت البعض منهم اللي كانوا راسمين الجمود على وجوههم بدؤوا يبصوا لبعض من تحت لتحت على استحياء, العجوز زي ما يكون استمتع باللي بيحصل, فابتسم ابتسامة خفيفة وقال "الليلة ليلة سيد التابعين"
في اللحظة دي ظهرت همهمة في القاعة, واحد من الجن اللي ورا منفذ المغرب بص لصاحبه بصدمة..
منفذ اليمن اعتدل في جلسته..
مرهوب حسيت بيه ورايا بيبتسم ابتسامة كبيرة, شدام هادي بطبعه محصلش منه أي ردة فعل, جرموق ثابت ومتابع اللي بيحصل باهتمام..
العجوز اتنحنح وكمل كلامه "عشان اكون صادق معاكم, المسابقة دي تمت قبل كدا من تسعة وتسعين سنة, معظم القبائل بيختاروها من وقت للتاني لو مفيش أحداث واضطرابات يمكن مناقشتها في الاجتماع, ومن وقتها مظهرش تابع استحق اللقب دا"
في اللحظة دي مرهوب وجرموق حسيت بيهم اتقدموا خطوة اتجاهي, اتقدموا في نفس الثانية بالظبط, مفهمتش قصدهم إيه من القرب دا, العجوز رفع إيده فظهرت سبع رايات ضخمة من نور أزرق حوالين القاعة, كل راية عليها اسم أحد المنفذين وقال " كل منفذ يختار تابع واحد فقط, واحد بس يحمل اسمه, بعدها بص ناحيتنا وقال, أي تابع هيشارك هيمثل سيده قدام المجلس كله, انتصاره انتصار لسيده, وهزيمته هزيمة لسيده"
"ممنوع تدخل أي منفذ, ممنوع المساعدة من الخارج, ممنوع تدخل أي جني غير المشاركين, واللي يخالف يستبعد فورا" واحد من المنفذين سأله "النزال ينتهي امتى؟"
العجوز أجاب "إذا استسلم أحد المقاتلين, أو فقد القدرة على القتال, أو خرج من حدود الساحة"
بعدها سكت لحظات وقال "أما الموت فغير مسموح"
لو خلصتوا قراءة اكتبوا تم عشان توصلكوا التكملة ومتنسوش تضغطوا متابعة عشان يوصلكم كل جديد..
