رواية اربعة في واحد الفصل التاسع والاربعون
في الواحدة ظهرا في منزل سالم المرشدي فتحت أم كريم الباب ووجدت رجال الشرطة في وجهها، لم تكن المرة الأولى التي تراهم بها يقفون على باب ذلك المنزل الذي تعمل به، وهي بكل تلقائية صاحت بأعلى صوتها يا قيس بيه، الشرطة هنا وعايزينك "
لكن من تقدمت هي أم قيس التي وقفت تتحدث مع رجال الشرطة قليلا قبل أن يأتي سالم ويتحدث مع الضباط، هذا حتى ظهر قيس يحك عينيه بنعاس ويتساءل "مين عايزني ؟"
ابتسم والده ابتسامة صفراء ورفع الورقة في وجهه محضر ضبط وإحضار نيلت ايه؟"
استفاق قيس في وقتها ورفع كتفيه ببراءة "والله ما عملت حاجة يا بابا!"
لكن الشرطي أجاب "حضرتك هو متهم بخطف مراة الدكتور بتاعه في القسم، نفس الدكتور اللي كسر له مكتبه، ومتهم بتهديد الدكتور بالاغتصاب، يعني شروع في هتك عرض "
توسعت اعين أمه وسارعت بالصباح في وجه الشرطي "لا، أنا ابني مستحيل ومن سابع المستحيلات يعمل حاجة زي كدا.
لكن أبيه وقف ينظر له بابتسامة صفراء وهمس من تحت أسنانه "أنا لو سمعتي ضاعت في السوق هيبقى بسببك يا خلفة الندامة."
يا بابا ما عملتش حاجة ده كله كدب دافع عن نفسه بنبرة مهزوزة لكن بعض العساكر دخلوا ليسحبوه وفوجئ بأمه تتمسك بذراعه وتصيح عليهم لا سيبوه، ده عريس وفرحه بعد بكرة!" تم صرخت في زوجها سالم اعمل حاجة أنت هتسيبهم يا خدوه!"
أمسك سالم بذراعها وأردف "سيبيهم أنا هالبس وهاجيب المحامي وهحصله".
كان أدهم قد استيقظ من نومه للتو على صوت طرفا عاليا فتحرك يدعك عينيه بنعاس وفتحالباب ليتفاجئ بالشرطة أمام وجهه "أنت أدهم مقلاد ؟"
ابتلع لعابه ولم يتحرك أو يتكلم، كانت الصدمة قد أصابت جسده تماما فكرر الشرطي بنبرة حادة عالية " أنت أدهم مقلاد؟"
وعلى إثر هذا الصوت كانت جدته قد ظهرت من خلفه لتنظر للشرطي بدون فهم "فيه إيه؟"
"هو ده أدهم مقلاد ؟ " كرر الشرطي بنبرة حادة فضيقت جدته عينيها وتقدمت لتقف أمام الضابط "أنت عارف ده بيت مين اللي أنت قاعد تزعق فيه ده ؟"
"بيت مين؟" سخر الضابط فأكملت "بيت سيادة اللواء رأفت مقلاد، واللي أنت قاعد تزعق له ده أدهم مقلاد حفيده يعنى تقف عدل وتتكلم بأدب أحسنلك "
توتر الضابط ونظر للعساكر ثم حرك عينيه بقلق لجانب الباب فوقعت عينيه على تلك اللافتة الذهبية المعلقة على الحائط والتي تشير أن هذا بيت اللواء رأفت مقلاد، سب نفسه لكونه تغافل عن النظر لها أو النظر في المحضر والتدقيق في اسم أدهم، ثم عاد برأسه للسيدة وحمحم "أنا
آسف حضرتك بس أستاذ أدهم مطلوب في القسم ومعانا أمر بإحضاره "
هرب اللون من وجه أدهم تماما وبدأت أنفاسه تتسارع عندما سألت جدته الضابط "ليه؟ أكيد فيه غلط ومش هو ده أنهم اللي أنتوا عايزينه."
حضرتك مش هو ده أدهم ياسر رأفت مقلاد؟"
صمنت جدته فأكمل الضابط "متهم يخطف مراة الدكتور بتاعه في الكلية هو وأحمد كامل وهشام أمين وقيس المرشدي والثلاثة التانيين زمانهم في القسم دلوقتي ولازم أستاذ أدهم يجي معانا، ولو فيه لبس أكيد هيرجع."
استدارت جدته لتنظر له فأخفض رأسه متفاديا النظر لها، وبدون أن تسأل هي قد أدركت أنه قد فعل شيئا، صمته وسكونه بخزي هكذا أعلماها بأنه تورط في شيء مع تلك الشلة السيئة التي صادقها، لكنها فقط لم تصدق كيف أن الملاك البريء قد يفعل شيئا كهذا!
وبالرغم من كل هذا هي قد استدارت للضابط وتحدثت بثقة "أدهم مستحيل يعمل حاجة زي دي بس على العموم هو هيجي معاكم عشان الأمر اللي معاك إحنا أسرة بتفهم في القانون كويس، هو بس يدخل يغير هدومه وهينزل لكم "
تمام إحنا هنستناه تحت.".
فور رحيل الشرطى وإغلاقها للباب كانت قد وقفت أمام أدهم لتسأله بطريقة مهددة " هو سؤال واحد، وتجاوب عليه بصراحة عشان تعرف تتصرف ونقول لجدك "
ابتلع لعابه بخوف فأكملت " أنت عملت اللي الظابط قال عليه ده ولا لا؟ "
ارتسمت ملامح نادمة على وجهه وأوماً فزمت شفتيها بهدوء وأردفت "طب روح وأنا هتصل بجدك".
فتح أمين باب منزل ليفاجئ بالضباط أمام وجهه ولقد ظن فورًا أنهم مخطئون بالعنوان لكن الضابط الذي نطق بنبرة خشنة مش ده منزل هشام آمین؟"
جعله يدرك بأنهم ليسوا بالمخطنين "ليه؟"
محضر ضبط وإحضار ابنك متهم يخطف مراة دكتوره في الجامعة." فور أن أنهى جملته كان هشام قد ظهر من خلف أبيه يتساءل ماذا يحدث فأمسكوا به وسحبوه خلفهم في وسط مراقبة من أبيه الذي يقف كالمضروب على رأسه ولا يستوعب أي شيء مما يحدث لدرجة أنه استفاق
بعدما رحل رجال الشرطة بابنه.
في الخامسة مساءً خرجت داليا من غرفة الكشف بعد أن ودعت الطبيبة وأخذت الميعاد القادم لتجد أحمد في وجهها يبتسم ابتسامة املة وسرعان ما بادر بسؤالها "ها؟ أخبار الجلسة ؟ "
رفعت يديها بورقة له ما كتبتليش أي علاج غير حاجة كدا للتشنجات لو جاتلي وقالتلي إنها مبهورة إن ما جاليش إكتئاب لحد دلوقتي، أظن إنها مش هتعتمد معايا على العلاج الميديكال بشكل كبير لأنها ركزت على الجزء النفسي أكثر."
توجها سويا نحو الباب وهو يسألها "طب قالتلك إيه ؟"
رفعت كتفيها وأجابته عندما دخلا معا إلى المصعد " سألتني عن الزفت، وسألتني عنك ... عن علاقتنا وحاجات كدا."
"حاجات إيه ؟"
"أنت مالك يا أحمد حاجات إيه حاجات وخلاص " شبكت يديها أمام صدرها وأشاحت بوجهها بعيدا فضحك " أنت مال وشك أحمر كدا ليه ؟ هي سألتك عن إيه بالظبط؟"
نفخت وجنتيها ورفعت سبابتها في وجهه لتهدده بنظرة حاولت جعلها شريرة "دي آخر مرة هقولك مالكش دعوة "
حطي صباعك في عيني يلا ما هي دي آخرة الديموقراطية، فيه زوجة محترمة ترفع صباعها
في وش جوزها كدا؟"
توسعت عينيها وسخرت "جوزها! ده حصل امتى ده؟"
حصل في الحلم إمبارح حلمت إننا اتجوزنا وخلاص يا ماما دي كانت رؤية وأكيد هتتحقق "
قلبت عينيها وضحكت الأحلام بتيجي بالعكس على فكرة"
يخربيت تشاؤم أهلك، أنا تعبت يا حبيبتي تفاءلوا بالخير تجدوه !!" أردف وهو يخرج من المصعد برفقتها فرفعت كتفيها "ما يمكن نتفاءل بالخير وما يجيش فنحس بالإحباط ونبقى متخزوقين و محيطين كمان !؟"
توقف عن السير في مدخل العمارة وشبك يديه أمام خصره "ما هو لما تتشائمي هيجيلك حاجة سيئة يا ذكية عشان أنت جذبتيها ليك !"
بالعكس، يعني أنا مثلا كنت متشائمة في العلاقات وبعدين جذبتك، تفتكر تشاؤمي هو اللي جذيك ؟"
" هو بغض النظر إني لقطة طبقا، بس أه تشاؤمك جذبني بس مش بالطريقة اللي قصدك عليها. أنا لقيتك كتيبة وعدمية ومنطقية قولت بااااس هي دي البنت اللي هتسودلي حياتي زي ما كنت طول عمري بتمنى، ويااه لما دلقت عليا جردل الماية الساقعة، اتأكدت إن اختياري صح وإنك
متطلعي ميتين أهلي وفرحت عشان ربنا هيخلص مني في الدنيا مش في الآخرة"
ضحكت ودفعته في صدره " يعني أنا ابتلاء؟"
بس ابتلاء عسل" قهقه وأردف بنبرة ماكرة فخجلت ونظرت أمامها لتكمل السير معه ويكملا التحدث هذا حتى لاحظت عينيه تعلقت على فتاة قد مرت بجانبهما لكنه سرعان ما عاد يعينيه لها ليعطيها كامل اهتمامه، غير أنها قد توقفت عن الكلام ونظرت له يبرود
" وبعدين حصل إيه بعد كدا؟"
"حصل إنك بصيت على البنت اللي عدت دي " قالت وهي تشبك يديها أمام خصرها ورمقته بأعين ضيقة فابتلع لعابه وأجاب "بنت مين؟ مش فاهم؟"
"البنت اللي لسه معدية من جنبنا ما تستعبطش أنا شوفتك بصيت عليها !"
قطب جبينه ونظر حوله ممثلا البلاهة " أنهي دي ؟ أنا ما يصيتش على حد"
"لا بصيت"
"بيتهيألك أنا ما بصيتش ومش فاهم بتتكلمي عن مين أصلا"
تقته في نفسه جعلتها تتشكك قليلا وتنظر له بتردد " بجد؟"
" والله ما بصيت . " نطق بنبرة هادئة ثم أكمل "كنت بسمعك ومركز معاك، وبعدين أنا مش غبى يعني عشان أيص على واحدة وأنا ماشي معاك لو هيص هيص وأنت مش معايا!"
قطبت جبينها ورمقته بغضب فضحك "مش قصدي إني هبص وأنت مش معايا، أنا بيررلك إن ما حبكتش أبص على واحدة وأنت معايا يعني، وبعدين البنت ما كانتش حلوة أصلا"
أومات وكانت ستتحرك لكنها توقفت في مكانها واستدارت له " وأنت عرفت منين إنها ما كانتش حلوة يا حلو ؟!"
توقف في مكانه وابتلع لعابه لكنه سرعان ما أردف بثقة عشان أي واحدة جنبك مش هتكون حلوة، فتوقعت إنها مش حلوة "
لمست داخل فمها بلسانها ونظرت له بأعين ضيقة تم شبكت يديها أمام خصرها ونطقت بتهديد "أحمد ما تحورش، أنت بصيت عليها صح ؟"
"لا، ما بصيتش، ولو استجوبتيني من هنا للصبح مش هقول غير كدا عشان أنا ما بصيتش" استمات في الإنكار وأعطاها نظرة بريئة قرمقته بغيظ وأومأت "ماشي، ممكن أنا ماخدتش
صح يا babe، وبعدين فيه حد يبقى ماشي مع القمر ده ويبص على حد ثاني ؟" غازلها وشبك يده في يدها فابتسمت كالحمقاء رغما عنها وتحركت معه فأكمل "يلا كملي اللي كنت ! كنت بتحكيم "
لمعت عينيها بحماس وبدأت تتحدث من جديد في حين علق هو عينيه عليها بتركيز وهو يحمد الله يداخله أن داليا تخطت الأمر لقد نظر رغما عنه لأن الفتاة كانت ترتدي ملابس مكشوفة كثيرا لكنها لم تكن جميلة داليا أجمل وألطف منها، أو ربما هو قد أصبح يشعر بأنها الأجمل في عينيه ؟ لا يعلم لكن أية مقارنة تدخل فيها داليا مع فتاة أخرى في عقله، تفوز فيها داليا باكتساح.. ترى هل تراه بنفس الطريقة ؟
" هو أنت شايفة مين أوسم رجل قابلتيه لحد دلوقتي ؟ " سألها فجأة مقاطعا إياها فتوقفت عن الكلام وقطبت جبينها بتفكير .. وحينها عقد حاجبيه بغضب، أهي تفكر حقا؟
"أوسم واحد، بص فيه كذا حد بس أوسم واحد كان صورة موديل ألماني كدا بس ما عرفوش شوفته صدفة" أجابت فاشتعلت الدماء في رأسه
"نعم ؟! موديل ألماني ؟!"
"أيوة، هموت وأفتكر اسمه بس مش فاكرة للأسف "
"أوسم مني ؟" سألها بتهديد وقضم جلد شفتيه بتوتر وحينها استوعبت مغزى هذا السؤال فحاولت تصليح الموقف لا مش قصدي، أنا افتكرتك قصدك حد مش أنت"
"لا أنا كنت يسأل في العموم."
"لا في العموم، فأنت أوسم واحد قابلته بصراحة " كذبت ورأته يتخلى عن تكشيرة وجهه ويتهلل ثم يبتسم كالأطفال
ضحكت لردة فعله هذه وشعرت بأنها قد فعلت شيئا جيدا فأكملت "بعدين أنا بحب الملامحالشرقية دي، عيون بني وشعر أسود وبشرة قمحاوية، شكلك عسول"
اقترب منها ببطء وعلق عينيها على عينيها وهو يهمس "فعلا؟"
ابتلعت لعابها وأومأت بتردد، ثم توسعت عينيها وقفزت ضربات قلبها عاليا عندما رفع يده اليمنى ليلمس وجنتها بلطف، وانحبست أنفاسها عندما نزل بعينيه نحو شفتيها، رفع عينيه ببطء لعينيها ثم عاد لينظر إلى شفتيها من جديد، بدأ يميل بهدوء نحوها وقيل أن يفعل أي شيء كانت
قد صفعته فجأة وابتعدت عنه
وضع يده على وجنته بصدمة ونظر لها بغيظ، كان سيفتح فمه ويصرخ عليها لكنها من سبقته
برفعها لسبابتها في وجهه أنت كنت عايز تعمل إيه ؟!"
"مافيش" حمحم فزمجرت "لا، أنت كنت عايز تبوسني"
"أنا كنت يشوف بس العلاج جايب نتيجة ولا إيه" حاول عدم الضحك حقا رغم أنها قد صفعته
للتو، لكنه يعرف بأنه المخطئ ولذلك لم يغضب بل حاول تخطي الموقف وجعلها تتخطيه
"طب يكون في علمك المرة دي قلم المرة الجاية هضربك في مكان تاني"
توسعت عينيه وتمتم مكان تاني هي حصلت ؟!"
"آه حصلت "
"لا اتطمني مش جاي جنبك ثاني يا عم عبده، ما فيش حد هياخد القلم ده وهيقرب ثاني أصلا" سخر ووضع يده في جيب بنطاله فوقفت تنظر له بغضب
يعني يا أسيبك تبوسني يا أبقى عم عبده؟!"
"أه " رفع كتفيه وضحك فقلبت عينيها ونظرت بعيدا حينما اقترب ومد يده لها "يلا عشان أوصلك يا عم عبده "
نظرت ليده بغيظ ثم رفعت يدها وأزاحت يده بعيدا مش خايف حد يشوفك ماسك أيد عم
عبده ؟!"
"لا عادي ده أنا انققشت مع أدهم كثير، طب يا رب اتقفش معاك أهو سمعتي تنضف شوية."
عقدت حاجبيها بدون فهم "إيه ؟" فضحك ورفع يده يحك أنفه "لا مافيش ما تحطيش في بالك يلا عشان أوصلك وأرجع، أنا من الصبح في الشارع".
وصل أحمد لبيته فوجد الشرطة تنتظره أمام البيت وسرعان ما سحبوه إلى السيارة فور رؤيتهم له، كان لا يدري ماذا يحدث لكنه لم يقاوم عندما أخبره أحد رجال الشرطة "معانا محضر بالقبض عليك "
ابتلع لعابه واستسلم لدفعه داخل البوكس ولم يفتح فمه أو يتفوه بكلمة حتى وجد نفسه بجانب ثلاثة أقرانه أمام الضابط في قسم الشرطة، ولعله التقى بهذا الضابط بطريقة غير مباشرة، فهو كان الضابط الذي قد قرأ اسمه من قبل على تليفون داليا وبسبب هذا قد قامت مشاجرة بينهما.
تفحصهما أيمن بأعين ضيقة ورجع بظهره إلى الكرسي دون أن يتحدث تم رفع يده يحك ذقنه طبقا أكيد عارفين إن مقبوض عليكم بتهمة خطف مراة دكتوركم"
حضرتك الكلام ده كله كدب مافيش حاجة من دي حصلت " قال قيس فقلب أيمن عينيه "كل الأدلة ضدكم ده حتى البنت اللي كانت شغالة في العزبة شهدت ضدكم، تخيلوا؟"
توسعت أعين ثلاثتهم ونظروا لأدهم الذي حك أذنه ونظر للأسفل بخزي ليتفادى النظر لهم؛ فهو وهم يعرفون بأن أميرة قد شهدت ضدهم لتنتقم من خيانة أدهم لها.
لو سمحت أنا عايز أعمل مكالمة " قال أدهم فابتسم أيمن هتكلم جدك؟ سيادة اللواء رأفت مقلادة ما تقلقش إحنا بلغناه وجدتك بلغته وهو جاي في السكة، أهاليكم كلهم عارفين "
ولم يلبثوا إلا والباب يفتح وتدخل منه داليا برفقة أحد العساكر وهو يقول "أهي يا باشا، داليا
جارة أدهم "
"داليا!" توسعت أعين أيمن وتقوه بهذا فور وقوع نظره على وجهها، لم يكن يعرف بأنها هي ظنها شخصا آخرا
نهض لها بسرعة بينما تابعهما أحمد والشباب بأعينهم
اقترب منها وهمس لها بنبرة منخفضة "أنت إيه اللي ورطك في الموضوع ده ؟! دي جناية وفيها
حبس !"
ضيق أحمد عينيه وأنصت للحديث جيدا وقد بدأ الغضب يتملك منه الآن، وكأن القبض عليه واتهامه وضياع مستقبله شيء وحديث ذلك الشرطي مع حبيبته بتلك الطريقة شيئا آخر
لم تجيبه داليا بأي شيء فنظر لها بإحباط ويأس، لا يعرف ماذا يفعل لها الآن؟
استعاد رشده وعاد إلى مكتبه عندما حرك أحمد عينيه لثلاثتهم وزمجر بنبرة منخفضة مهددة "هي عرفت داليا متين؟ داليا ماجاتش العزبة خالص ؟ إزاي يعني تبلغ عنها هي كمان ؟!!"
وحينها رفع أدهم يده ليضعها على وجهه بندم وهو يتمنى الأرض أن تنشق وتبتلعه الآن؛ فهو من تسبب بكل هذا.
لاحظه أحمد فأقترب منه بأعين حانقة " والا، أنت عملت ايه وقولت على داليا إيه؟"
نطق أدهم بتردد "لما سيبتوني معاها لوحدنا وهي عرفت أنه أنا وكنت بحاول أقنعها تقعد معانا
حكيتلها إحنا خطفناها إزاي وإن داليا تتتت البواب عشان تطلع الشقة - "
زم أحمد شفتيه بغيظ وكوب يديه على شكل لكمة وهو يصك على فكيه بقوة وهمس من تحت
أسنانه "ربنا ياخدك يا أخي "
" أنا آسف " تمتم أدهم متقاديا النظر له بينما استدار أحمد الأيمن وسارع بالتحدث "حضرتك البنت دي تبقى خطيبتي مالهاش علاقة بالموضوع خالص "
ثم تلاه أدهم بسرعة محاولاً إصلاح الموقف "أيوة داليا كانت في البيت في الوقت ده وما لهاش علاقة باللي إحنا عملنام"
ثم وافقهم هشام لو سمحت تخرجها، داليا أحمد قاري فاتحتها مش أكثر، ومالهاش دعوة بحاجة ولا ليها دعوة بينا."
ثم سخر قيس " يعني أربع رجالة قدامك هيحتاجوا بنت ليه عشان تساعدهم؟ مش قادرين نتصرف يعني !"
تنفس أيمن الصعداء ثم نظر لداليا وأعطاها إيماءة مطمئنة ثم تحدث "أستاذة داليا، ممكن
تمضي على الورقة دي وتتفضلي تمشي بما إنه سوء تفاهم "
اقتربت بتردد وأخذت الورقة والقلم، قبل أن تمضي حركت رأسها لتنظر لأحمد الذي أعطاها نظرة غاضبة لتفهم بأنه يريدها أن تسرع بالتوقيع على الورقة وتهرب من هنا، عادت برأسها للورقة ووضعت توقيعها ثم نظرت لأيمن "أمشي عادي ؟"
أوما لها فاستقامت وتحركت نحو الباب كانت عينيها كانت على أحمد الذي ينظر لها بالمقابل فتوقفت وتحركت له لتهمس " خلي بالك من نفسك"
ابتسم ابتسامة متعبة وهز رأسه بحسنا فتحركت للخارج وأغلقت الباب خلفها، كان أيمن قد انشغل مع كاتب المحضر ببعض الأشياء عندما لم يمنع قيس نفسه من السخرية بنبرة منخفضة
" والا، هي دي داليا الباردة؟! أنت عملت فيها إيه؟"
نظر له أحمد بطرف عينيه وأردف "مالكش فيه، وبعدين ما تقولش عليها كدا عشان ما أجيبش سيرة رابعة العدوية اللي أنت متجوزها."
ابتسم هشام ابتسامة صفراء وتدخل مهددًا لاحظ أن رابعة العدوية اللي هو متجوزها دي تبقى أختي !"
"خلاص يبقى خليه ما يجيبش سيرة داليا عشان دي هتبقى مراتي "
"أصل كلنا مستغربين البت دي ما كانتش طايقاك " أكمل هشام فصك أحمد على فكيه وزمجر " وأنت مال أهلك أنت وهو ؟ يعني هو أنا كنت جيت قولتلك حاجة على البت العبيطة اللي أنت مكلم أبوها !"
تدخل أدهم بينهم " يا جدعان خلاص، إحنا في القسم، مش وقت كل واحد يشتم حبيبة الثاني
دلوقتي أنتوا الثلاثة خاطبين عاهات، خلاص كما تعادل "
نظر له ثلاثتهم ثم هم قيس بالسخرية "شوف مين بيتكلم اللي كان بيحب الخدامة !"
توسعت أعين أدهم ونظر له بغيظ "طب على الأقل الخدامة دي كانت صغيرة في السن وحلوة الدور والباقي على اللي عاكس الخدامة التي قد أمه ومتطلقة مرتين."
هم قيس بالدفاع عن نفسه بس ما عرضتش عليها الجواز!"
"أنت معتوه بالا؟ أنت كنت عايز تعرض الجواز على واحدة قد أمك !؟"
ضرب أيمن بكفه فجأة على المكتب "بس أنت وهوا يعني فوق ما انتوا رايحين في داهية كمان بتفضحوا بعض !"
نظر أربعتهم لبعض ثم صمتوا في حين أشار أيمن لأحد العساكر وقال "خد الأربعة دول على الحجز دلوقتي".
بعد عشرة دقائق كانوا يدخلون إلى تلك الزنزانة الممتلئة عن آخرها بالمتهمين فارتعب أدهم فور الدخول واستدار لقيس ورفع سبابته في وجهه يكون في علمك أنت لو اتخانقت مع حد ثاني أنا ما عرفكش "
فوجئ بقيس يمسك به من سترته وينطق بتهديد "أنت بالذات تخرس خالص، عشان أنت سبب كل ده "
توسعت عينيه وحاول دفعه عنه "ليه ! أنا عملت ايه!"
والا، أنت مش أحمد قالك قبل كدا تبعد عن موضوع الخيانة ده وإنك عبيط ولو خونت البت هتتقفش ؟! ما بعدتش ليه ياض ؟!! ها ؟ عاجبك كدا؟ وديتنا كلنا في داهية والولية راحت بلغت عننا عشان خونت بنتها والبت الثانية شهدت ضدنا عشان خونتها، أنت متسلط علينا ياض ولا
إيه ؟!" صرخ قيس في وجهه فتدخل بينهما أحمد بسرعة
خلاص سيبه يا قيس مش وقته اللي حصل حصل "
"أنا فرحي بعد بكرة ودلوقتي محبوس بسببه وتقولي أسيبه ؟ قسما بالله ما هسيبه " تمسك قيس بسترته أكثر لكن أحمد دفع به بعيدا وزمجر قولتلك اللي حصل حصل، خناقك معاه دلوقتي مش هيفيدنا بحاجة إحدا لازم نتضامن وتبقى كلنا إيد واحدة عشان تتفق هنقول إيه
في التحقيق. "
هدأ قيس وحاول السيطرة على نفسه وهو يتنفس بسرعة وينظر لأدهم بغيظ ثم حرك عينيه
الأحمد وأوما.
في مكان آخر كان سالم المرشدي قد وصل والتقى برأفت مقلاد الذي حياه ثم تلاهما مراد الذي عرف بنفسه بأنه شقيق أحمد ولقد كان تفاجئ به سالم الذي علم لأنه مهندس ميكانيكا هو الآخر غير أنه يختلف جملة وتفصيلا عن أخيه أحمد، فمراد يبدو كرجل عاقل ومحترم أما أحمد فلا ...
وصل أمين هو الآخر ولقد كان أكثرهم هلغا على ابنه لكن سالم طمأنه
اهدا يا أمين، هنخرجهم ما تقلقش ده سوء تفاهم "
"أكيد سوء تفاهم أنا هشام ابني مش ممكن يعمل حاجة زي كدا زائد إنه مش مستني يخطف
مراة الدكتور عشان ينجح، هشام الأول على الدفعة."
كان مراد قد تحدث مع أحمد الذي وضع هاتفه في حذاءه عندما فتشوه لينجح بذلك بالدخول إلى الحجز بهاتفه، ولقد صرخ فيه صرخة كافية لجعل الآخر يخاف ويخبره بكل شيء.
اهدوا يا جماعة أنا كلمت الظابط يتصلي بدكتور مصطفى ... تتأكد بس هما عموا كدا فعلا ولا لا " قال رأفت فأجابه مراد "أنا كلمت أحمد من شوية، أيوة الأربعة عملوا كدا عشان الدكتور كان عايز يسقطهم من ساعة ما كسروله مكتبه، وأيوة الأربعة مشتركين مع بعض، بس إحنا ممكن نحلها مع الدكتور ودي ما دام مراته ما حصلهاش حاجة."
توقف الزمن عند أمين الذي ما زال عقله يأبى أن يصدق أن هشام قد فعل هذا، بينما وافقه سالم بسرعة "أيوة إحنا نعرض عليه فلوس ويخرجهم."
ثم نظر لرأفت وسأل بأمل ينفع صح ؟ ينفع ياخد تعويض ويتنازل ؟"
أوماً رأفت ثم نظر لأمين ومراد "دكتور مصطفى زمانه في السكة، أستاذ أمين، مهندس مراد، يا ريت تسيبوني معاه أن وسالم باشا إحنا هتتصرف."
"مافيش مشاكل أهم حاجة الوضع يخلص الأربعة كدا مستقبلهم هيضيع " قال مراد بينما أوماً أمين بسرعة وهو يدعو بداخله أن ينتهي هذا الأمر أو يكون كابوشا سيخرج منه ليجد ابنه في
أحضانه مجددا.
بعد ساعة جلس دكتور مصطفى بوجه متجهم أمام اللواء رأفت مقلاد وأمام سالم المرشدي اللذان أصرا على مقابلته منفردان
دكتور مصطفى أولا إحنا بنعتذرلك عن اللي ولادنا عملوه " تكلم رأفت فأكمل سالم " وبتعرض عليك أي حاجة أنت عايزها عشان نحل الموضوع ده وتتنازل عن المحضر."
شعر مصطفى بالغضب واحتقنت الدماء في وجهه و زمجر اتنازل ؟ دول خطفوا مراتي وخلوني اتحبست أنا مش عايز حاجة وحقى ها خده بالقانون."
نظر سالم ترأفت فيارد الآخر بالكلام يعنى يرضيك مستقبل الأربعة يضيع ؟"
"آه يرضيني "
يا دكتور مصطفى إحنا مستعدين لأي تعويضات وأهم هيتخرجوا السنة دي وهيغوروا من الكلية وعمرك ما هتشوفهم ثاني، وأنت شوية ومتطلع على المعاش وأظن إن موقف زي ده هيساعدك تأمن حياتك خصوصا أن المعاش مش هيكفي حاجة " تحدث سالم فنفى مصطفى برأسه وصمم "قسما عظفا حتى لو هتدفعولي مليون جنيه مش هتنازل، لازم أحبسهم"
تبادل رأفت وسالم النظرات حتى تحدث رأفت بنبرة صارمة مهددة هذه المرة بعدما علم أن هذا الموضوع لن يحل إلا باستخدام سلطته التي تخوله بفعل أي شيء "طب حيث كدا بقى إحنا عندنا صور تثبت إن مراتك ما كانتش مخطوفة وإنها كانت قاعدة بمزاجها في العزبة لأن أحمد حد معاها كذا صورة وهي مبتسمة وسعيدة بشكل ما يقولش إنها مخطوفة خالص، دي حاجة. حاجة تانية فاكر المحضر اللي أتعملك أنت وتلميذة عندك وساعتها اتلم وانقفل عشان
ما تخرجش بفضيحة من الحرم الجامعي ؟ هيتفتح ثاني وتعيد تحقيق فيه، ثالثا يقي شكلنا كدا لقينا كيس هيروين في شقتك وإحنا بنفتشها وفيه محضر هيتعمل بالكلام ده."
اصفر وجه مصطفى ونظر لرأفت بفك ساقط أثناء تسارع ضربات قلبه وبعدها تخلى عن انعاقدة يده وضمها أمامه وحينها فقط تحدث سالم من جديد
يا دكتور مصطفى مافيش داعي نضيع مستقبلهم، حضرتك هتاخد تعويض مننا عن اللي عملوه وتتنازل عن المحضر والموضوع يتقفل "
وبنبرة خالعة قد ابتلع لعابه ونطق "ماشي، عشان مستقبلهم بس"
ابتسم سالم وربت على ساقه "أيوة كدا".
كان الأمر قد انتهى تماما باستلام شيك من سالم بربع مليون جنيه قد قرر بهما شراء مستقبل ابنه الوحيد، ومثله من رأفت مقلاد الذي حرص على انهاء هذا الموضوع تماما لأن أي قضية مثل تلك ستمنع حفيده من دخول أكاديمية الشرطة ولن ينفعه رتبته ولا أي شيء.
كان سالم في مكتب رأفت بمفردهما يتحدثان "مش هنخرج الولاد؟"
"لا، سيبهم أسبوعين في السجن يتربوا ويعرفوا اللي هما عملوه " تحدث رأفت بلهجته الصارمة المعتادة وهم سالم بالاعتراض "لكن - " فقاطعه رأفت الموضوع اتلم واتقفل بسرعة وده ستر من عند ربنا بس إنهم يخرجوا بسرعة كدا مش هيحصل لازم يتكدروا في السجن أسبوعين على الأقل عشان يحرموا يعملوا حاجة زي كدا تاني، الأربعة دول لازم يتربوا."
صمت سالم لوهلة مفكزا ثم تحدث بس فرح قيس بعد بكرة وهشام ده اخو ليلى العروسة"
أخذ رأفت نقشا عميقا ونظر أمامه أجله أسبوعين ثلاثة وأنا هخرجهم كمان أسبوع، بس مش هيخرجوا هما بالسهولة دي والله لو كان حفيدي لوحده هو اللي عمل كدا لكنت خليته في الحبس شهر".
أوماً سالم مرغقا لكنه ورغم ذلك يشعر بالراحة أن الموضوع قد أغلق وابنه سيخرج من هنا كما دخل فهو لا يعرف ما الذي سيحدث له ولثروته ومصانعه بدونه، إنه الابن الوحيد والذي سيرث كل هذا، أما بناته فمنهن من تزوجت والأخرى ستتزوج مستقبلا بشخص لا يقربه بأي شكل من الأشكال، وهو لن يريد أن يذهب كل ماله وما فعله لشخص ليس من دمه كزوج ابنته مثلا.
كان الأربعة يجلسون بجانب بعضهم على الأرض في الزنزانة وجميعهم ينظرون للأمام حتى تحدث هشام "إحنا كدا خلاص، منتحبس صح ؟"
فلم يجيبه أحدهم وأخفض أحمد رأسه بخزي بينما أشاح قيس بوجهه للجهة الأخرى ولم يحرك أدهم عينيه عن مواضعهما لكن هشام نهض بهستيرية ليقف أمامهم ردوا عليا، إحنا هنتحبس ؟ طب أنا ذنبي إيه مستقبلي يضيع كله ؟"
نهض له أحمد وحاول تهدئته "هشام اهدا ما تفرجش الناس علينا."
"مش ههدا، ابعد عني عشان أنت وهو السبب أصلا وأنا ما كانش ليا دخل بكل ده صرح هشام ودفعه بعيدا وهو يشير لقيس مذكرًا إياهم بأنهما من تشاجرا بالأساس في مكتب الدكتور.
أخفض قيس رأسه ولم يجد شيئا ليقوله بينما أدهم قد نهض هو الآخر وحاول الاقتراب منه فصرخ الآخر في وجهه وأنت كمان ما تقريش مني عشان أنت اللي السبب في إن الست تبلغ عننا، حبكت تعيش قصص حب وغراميات وتخون بنتها دلوقتي ؟ ده انت بني آدم ما عندكش دم ولا ينحس!"
وقف أدهم في مكانه ينظر للأسفل بحزن وندم ولا يعرف ماذا يفعل
يا هشام كفاية، خناقنا دلوقتي مش هيعمل حاجة الموضوع خلص وأنا ولا أنت ولا أدهم وقيس هيعرفوا يعملوا حاجة ! " تمتم أحمد فرفع أدهم عينيه "لا، أنا معرف أعمل ... اوعوا كدا عدوني "
تحرك بسرعة نحو السياج وبدأ يصبح على العساكر " أنا عايز اللواء رأفت مقلاد، لو سمحت .. لو سمحت قوله إني عايزه بالله عليك انا حفيده .. ناديله".
نظر الثلاثة شبان نحو أدهم بدون فهم لكنه أعطاهم نظرة واثقة وكأنه يعرف ماذا يفعل، ولم يلبتزا إلا عشرة دقائق قبل أن يفتح الباب ويظهر خلفه رأفت مقلاد وهو يعلو وجهه ملامحمتجهمة
ابتلع أدهم لعابه ووقف أمام جده " جدي بالله عليك خرجنا، اديله فلوس ولا اعمل أي حاجة الواد قيس فرحه بعد بكرة وكل ده حصل بسببي أنا."
رمقه رأفت باستنكار ونهره "أخرجك؟ دى قضية وفيها تحقيق ونيابة وحبس !"
"أيوة بس ممكن نلم الموضوع ودى بالله عليك يا جدى أنا عارف إنك تقدر تخرجنا، خرجنا ورحمة يابا."
أعطاه رأفت نظرة مقروفة ثم تمتم وهو يتحرك بعيدا "لا."
صرخ أدهم "جدي أنا عارف إنك مش عايز تخرجنا عشان تعاقبني، تمام .. بس العيال دي
مالهاش ذنب!"
"مش خطفوا مراة الدكتور معاك ولا خطفتها لوحدك؟" استدار له جده وأعطاه نظرة محتقرة فابتلع الآخر لعابه ونظر أرضا يخزي "ماشي، إحنا عملنا كدا .. بس بالله عليك اتصرف وطلعنا.
الست سليمة ومافيش حد جراله حاجة !"
رمقه جده بضيق وكان سيتحرك بعيدا لكن الآخر هرع نحوه وأمسك بذراعه "خرجنا وهتجوز شيري وأدخل أكاديمية الشرطة، والله هتجوز شيري وهدخل أكاديمية الشرطة، أنا مستعد
أخطيها بكرة لو عايز."
وقف جده في مكانه ورمقه بأعين ضيقة وابتسامة خفية "هتتجوز شيري ؟!"
"أيوة بس خرجنا يا جدي بالله عليك، ورحمة بابا تخرجنا."
حمحم جده وتمتم "والله أنت فاجئتني بالموضوع ده ... اديني فرصة أفكر طيب وناخد رأي
البنت وأرد عليك "
نظر له أدهم بذهول وبدون فهم "لا لا أكيد هي هتوافق اسمع مني أنا عارف إنها هتوافق، أنت تخرجنا دلوقتي بس وبعدين هي كدا كدا موافقة عليا.
"مش يمكن ترفضك !"
"يا ريت والله " همس فقطب جده جبينه وزمجر "إيه ؟!" ليحمحم
"لا أنا قصدي والله إن شاء الله ما ترفضش، هو أنا أصلا أطول أتجوزها؟ دي كفاية إنها بنت أخوك وبنت أخت جدتي في نفس الوقت، يعني قرايب من كل ناحية."
عدل جده من باقة قميصه ثم نظر للثلاثة خلف أدهم بأعين ضيقة وترجل بعيدا وهو يقول "هشوف كدل"
كان أدهم سيسرع خلفه لكن الحارس متعه وأغلق الباب في وجهه من جديد فاستدار لينظر لثلاثتهم "شايفين؟ أنا ضحيت بنفسي عشانكم عشان مش كل شوية تقولولي إن أنا السبب "
اقترب قيس منه وتساءل "والا، هي شيري دي ممكن ترفضك ؟!"
قطب جبينه وقال بنبرة منهكمة ترفض مين يا ابني ؟! دي هتموت عليا وأبوها وأمها وجدي
وجدتي معشمينها إني هتجوزها، دي ما هتصدق."
"أنت متأكد يا أدهم؟" عدل هشام من نظارته وهو يقترب منه بنظرة آملة فأوماً الآخر بسرعة
بقولك ما تخافش دلوقتي جدي ييجي يخرجنا."
لم يمر خمسة دقائق حتى انفتح الباب ووجد جده في وجهه البنت رفضتك، خليك بقى أنت وأصحابك هنا."
تصنم أدهم في مكانه وكانه لا يستوعب الجملة بالأصل "إيه ؟! شيري رفضتني ؟ شيري !!!!!؟"
"أيوة أنا حاولت أقنعها بس البنت قالت إنك بتتجنبها."
طب طب هات التليفون بس يا جدي أنا هقنعها والله، هو سوء تفاهم بس أنا ما يتجنبهاش ولا حاجة، اتصلي بيها وهات التليفون بس " قال بطريقة هستيرية وهو يمد يده يطلب الهاتف
أعطاه جده الهاتف فأمسك به واتصل بها ثم وقف جانبا يقضم جلد شفتيه ينظر للشباب بتوتر لأن خروجهم جميعا يعتمد عليه الآن
أجابت شيري المكالمة فنطق بسرعة "إزيك يا شيري، أنا أدهم. "
علق الجميع أعينهم عليه ليستمعوا لما يقوله بتركيز شديد
جدو قالك اني عايز اتقدم لك وأنت رفضت، ليه بس كدا؟"
"أنا ! أنا يتجنبك يا شوشو! والله ما حصل."
طب لو ما بحبكيش يبقى إيه اللي جابرني أتقدم لك يعني دلوقتي واتصل بيك أتحايل عليك؟ محبوس يعني ومش هخرج إلا لما توافقي ؟! ده أنا جايلك بملئ رغبتي !"
برضه مش مقتنعة ؟! طب أعملك إيه يتبتلك إني عايز أتجوزك وبحبك ؟!"
طب بصي، أنا بقول تدي علاقتنا فرصة نتخطب دلوقتي ولو حسيت إنك كارهاني إن شاء الله يبقى نفرکش عادي و يا دار ماخلك شر."
سمع الخط يغلق في وجهه فحمحم "شيري ؟ .. ألو؟ "
أبعد الهاتف عن أذنه وشعر بالأعين المعلقة عليه فحمحم تقريبا الخط قطع الشبكة هنا واقعة ولا ايه اصبروا هتصل بيها تاني "
اتصل بها مجددا بتردد ووضع الهاتف على أذنه، أجابته ثانية غير أن تلك المرة كان حديثهما جديا
شيري هو تقريبا الخط قطع."
"لا، أنا اللي قفلت في وشك الخط ما قطعش ولا حاجة " أجابته فاصفر وجهه وحمحم "طب ليه كدا؟ أنا عملتلك إيه يضايقك ؟"
"أدهم، أنا عارفة إن أهلك غاصبينك .. وأنا مش هتجوز واحد غصب عنه حتى لو كنت أنا معجبة بيه أو بحبه " تمتمت بغصة في حلقها ولوهلة كان قد عبس وشعر بالحزن " والله الموضوع مش كدا"
اومال الموضوع إيه؟ أنت طول عمرك بتحاول تبعد عني وأنا اللي بحاول أقرب، وجاي دلوقتي تقولي بحبك وعايز اتجوزك؟ أنا مش غبية للدرجة يا أدهم."
طب ممكن تتقابل وتتكلم طيب ؟ " تمتم بضيق قصمتت "مش عارفة ..."
"أنت إيه اللي غيرك كدا ؟! أنت ماكنتيش كدا أنت كتب طيبة، فين شيري اللي أنا لسه شايفها من كام يوم وكانت طبيبة وقلبها أبيض وصافي !؟"
"إحنا ما اتقابلناش بقالنا سبع شهور " أردفت فبرر محاولا تصليح موقفه "أيوة ما أنا بقول كدا عشان ما حسيتش بفراقك السبع شهور عدوا عليا كأنهم سبة أيام."
"نعم ؟!" صرخت شيري في وجهه ثم رأى أحمد بهز رأسه يمينا ويسارا وهو يضع يده في خصره ويهمس لقيس " ابقى قابلني لو خرجنا من هنا."
عاد أدهم للمكالمة ونطق باندفاع " والله ما قصدي ! يا شيري بالله عليك، طب نتقابل وتتكلم وندي نفسنا فرصة مش هتخسري حاجة!"
سمع الصمت من الجهة الأخرى ثم نطق صوتها باستحياء "أدهم أنا بحب واحد تاني بس مش قابلة لماما ولا بابا لأنه لسه بيكون نفسه و ظروفه ما تسمحش يتقدم دلوقتي "
توسعت عيني وصرخ نعما حصل إمتى ده وفين وإزاي !؟"
في السبع شهور اللي ما اتقابلناش فيهم، كان عندي اكتئاب وكدا وصاحبتي اقترحت عليا أروحجيم، وهو كان معايا هناك .. بالله عليك ما تقولش لبابا وماما ولا جدك وما تجيش تتقدملي عشان هيغصبوا عليا."
صمت وأوما بيأس ثم تمتم "حاضر يا شيري، وأنا آسف على كل اللي عملته"
"لا ما تعتذرش، أنا مش زعلانة منك عشان بسببك إكتابت وروحت الجيم واتعرفت على وائل قالت بنبرة سعيدة قابتسم ابتسامة بسيطة وهمس لها "مبروك"
وبعدها أغلق الهاتف وتقدم ليعطيه لجده وهو لا يعرف ماذا يقول "خلاص أنا مش عايز أتجوزها هي مش موافقة وأنا مش عايز."
أخذ جده الهاتف وهو يحاول جديًا عدم الضحك ثم تركهم ورحل فأغلق الحارس الباب مرة أخرى ليستدير لهم أدهم بإحباط ثم حك عنقه ونطق بحرقة البت طلعت بتحب واحد تاني اعمل إيه ! قولتلها مبروك..."
" ما تقلقوش أبويا هيخرجنا، أنا متأكد إنه هيخرجنا " قال قيس وجلس يسند ظهره على الحائط وتمتم وكأنه يحادث نفسه "أكيد هيخرجنا".
مرت سنة أيام عليهم وهم في نفس الزنزانة حتى أصبحت أشكالهم تحزن العين، ملابسهم متسخة ورائحتهم ليست بالجيدة، شعرهم مشعث والتراب يلتصق به ولحيتهم قد طالت كثيرا. حتى قيس حليق الوجه قد نمت لحيته وشاربه فأصبح مختلف الشكل كليا، ناهيك عن الطعام الذي كان يقدم لهم فرأفت قد حرص على جعلهم يأكلون طعام السجن الذي يقدم الجميع المساجين والذي رفضوه في بادئ الأمر وأبوا أن يأكلوه لكن حينما أدركوا بأنه لا يوجد غيره قد
أكلوه غصبا ثم نهض أدهم بسرعة بعدها يتقينه لأن طعمه كان مقرفًا.
كان هشام نائما على جنبه اليمين وينظر نحو اللا مكان ثم فرت دمعة من عينيه لم يهتم بمسحها حتى فنهض أحمد له وجلس بجانبه "هشام أنا آسف، ممكن تسامحني ؟"
أوما هشام له بصمت لكن الآخر لم ترضيه تلك الإجابة فهمهم "مش أنت لوحدك اللي مستقبلك ضاع، أنا كمان كنت بذاكر عشان أسافر وبعد اللي حصل ده خلاص كل حاجة ضاعت، أنا عارف إن أدهم وقيس ممكن الموضوع ما يفرفش معاهم عشان الإثنين أغنيا بس أنا حاسس بيك."
رفع هشام عينيه له ولم يلبث أن بكي مجددا ثم مسح دموعه بيد مرتعشة "أنا مش فارق معايا مستقبلي، أنا حاسس إني ما استحقش أي حاجة لأني ضيعت حلم أبويا وأمي، أبويا أكيد
بيكرهني دلوقتي، حتى لو أنسجنا، أنا مش عارف بعدها هقابلهم إزاي "
"أنت بالذات ما كانش ليك أي ذنب في اللي حصل ده، أنت لا كنت معانا في الخناقة زبي أنا وقيس ولا أنت اللي غلطت وغلطتك اتسببت في إن مراة الدكتور تبلغ عننا، أنت ما عملتش حاجة ... ربت أحمد على كتفيه لكنه لم يقتنع وأخفض بصره لينظر أرضا.
كان قيس يجلس متكورًا على نفسه في زاوية منعزلة ويسند رأسه إلى الحائط وهو ينظر للسقف، لا يصدق حقا أن أباه قد تركه هنا، ويبدو أنه سيتركه ليسجن بالفعل ! لقد ظن طوال حياته بأنه يمكنه أن يفعل ما يشاء دون أن يبالي بالعواقب لأن أباه لن يترك ابنه الوحيد وحامل اسم العائلة والوريث الذكر الثروته أن يسجن أو يصيبه أي أذى... لكن يبدو أنه سيتلقى كل النتائج لأفعاله ويجب عليه تحمل المسئولية كاملة عن أي شيء فعله أو سيفعله لأن بالحقيقة ... ربما أباه سیرحل يوما ما ولن يتواجد هنا لينقذه ... يوما ما هو سيكون بمفرده تماما متحملا المسئولية
عن نفسه وعن بعض الأفراد الآخرون.
كان أدهم صامنا طوال الوقت ومهما جذب أحدهم حديثه لا يرد إلا بكلمات بسيطة ثم يعود ليغرق في تفكيره من جديد، كان يفكر ما الذي أتى به هنا بالأساس ؟ هذا لم يكن مكانه وهذا ليس مستقبله وهؤلاء الأشخاص لم يكونوا أصدقاءه والخيانة ليست من شيمه .. هو لم يكن هو. إنه يريد أن يجلس في غرفته ويغلق الباب على نفسه ليلعب بعض الألعاب الإلكترونية ويستمع
لبعض الموسيقى ثم ينام ... لكن تلك الحياة وهذا الشخص الذي أصبح عليه .. هو لا يريدهما.
كان أحمد يحول بصره بين ثلاثتهم ثم نهض عن مكانه فجأة وحذر انتباههم بسؤاله "إيه أول حاجة هتعملوها بعد ما تخرج من هنا؟"
انزل قيس رأسه له وحرك أدهم عينيه نحوه بينما اعتدل هشام في جلسته وعلق بصره عليه
ابتسم قيس وسخر هستحمى عشان ريحتي معفنة."
فنفى أحمد برأسه "لا، قصدي حاجة عايزين نعملها .. نغيرها، كدا يعني "
فكروا مليا تم أجاب هشام هحاول ألاقي هدف تاني غير إني أكون دكتور في الجامعة، عشان
الهدف ده ضاع خلاص"
تم تلاه قيس أظن إني هبطل كل التصرفات الغبية اللي كنت بعملها، محتاج أعقل شوية."
علقوا أنظارهم على أدهم الذي بدى وكأنه لا يريد التحدث لكن تحت محاصرتهم له بنظراتهم تكلم متصل بجميلة وسارة وأميرة وأعتذر لهم وهحاول أتأكد من مشاعري الأول قبل ما أكلم أي بنت.
"برافو عليكم " صفق لهم أحمد ثم أجاب هو الآخر "مش هقولكم أول حاجة هعملها إيه، لما
تطلع هوريكم "
تمتم هشام بضحكة ساخرة "لما نبقى تطلع بقى "
جلس أحمد وضحك هنطلع يا بومة أنت، أنا بقى متأكد إننا هنطلع."
" إشمعنى ؟" استفهم قيس فأجاب الآخر رافعا كتفيه عشان مبدأيا ما أتعملش معانا أي تحقيق. مافيش قضية بتتعمل من غير تحقيق، وده معناه إن فيه حد اتدخل عشان يوقف التحقيق أو إن
ما بقاش فيه قضية أصلا"
قطب قيس جبينه بدون فهم "طب ومحبوسين ليه يا ذكي؟"
استند أحمد بظهره إلى الحائط ورفع كتفيه ده اللي مش قادر أفهمه".
