رواية تدخل عائلي الفصل الفصل الرابع بقلم دنيا سعيد فوزي
_ دُنيا هتنام في أوضة روح.
جملة قالها "جدي" وسط القعدة، بصيت لـ "روح" لقيتها بتكمل أكلها عادي وكله عينه في طبقه، وكأن اللي قاله دا فرمان غير قابل للنقاش والتعبير عنه.
خلصنا أكل ودخلت المطبخ معاهم، لقيته كبير وواسع، كان في حريم كتير جوا وكلهم لبسهم بسيط لكن لايق عليهم، عيني كانت بتدور على الحورية الجميلة المميزة اللي شوفتها أول ما جيت، بس مكنتش موجودة للأسف.
_ بتدوري على حد؟
سؤال طرحته عليا واحدة من الموجودين، فحركت راسي بالنفي، لقيتها كملت بإستنتاج: يبقى بتدوري على جميلة.
سألتها بفضول: مين جميلة؟
_ دي مرات مراد النعماني.
نطقت الإسم بإستغراب، لإن "نوح" وهو بيعرفني عن العيلة دي مذكرش الإسم دا، فبصيت ليها ورجعت سألتها: مين مراد النعماني؟
قالتلي بهمس: دا أول واحد عصا قانون جدي داغر، ووقف في وشه وقاله لأ، هتجوز اللي عايزها ومن وقتها وإسمه مش بيتذكر هنا بإسم عيلة الهاشمي، وبينده بإسم عيلة أبوه.
افتكرت جملة "يونس" وهو بيقول "مفيش رفاهية الرفض للأسف، بتنطرد برا العيلة دي وتكون نفسك من أول وجديد وتبدأ من الصفر"
رجعت سألتها تاني بعد ما حسيت كل المعلومات دخلت في بعضها: أنا مش فاهمة حاجة!!!
أخدتني من إيدي وهي بتقول: أنا هقولك.
طلعت بيا على أوضة بسيطة من أوض السرايا وقفلت الباب، قعدت على السرير وشاورتلي، روحت قعدت جمبها وبدأت تحكيلي: مراد دا إبن عمتك مُنى يعني منسوب لعيلة أبوه اللي هم عيلة النعماني، بس هنا جدي بيخلي إبن بنته كمان يمشي بقانونه عشان يضمن إن ورث بنات العيلة دي كلها مياخدوش راجل غريب، لكن هو قرر يتجوز بنت عمه، جميلة النعماني ودي في نظر جدي بنت عيلة تانية.
_ طيب ولما عارض؟
= اتحرم من حقه وورثه هنا.
_ هو ليِه ورث؟
= أكيد، جدي كاتب لكل واحد فينا نصيبه عشان لو لا قدر الله حصله حاجة كل واحد يبقى عارف هياخد إيه بالظبط.
_ وليه جميلة هنا؟
= عشان مراد بعد ما اتحرم من دخول البيت دا من 6 سنين، كوّن إسمه، رجع طلب الرضا من جدي.
_ ليه؟
= عشان جدي جه عليه فترة وتعب وكان حداد على البيت كله وقت موت الست نعمة مرات أبوكِ، لأنها كانت غالية عليه أوي.
وقتها صابتني غصة وجعت قلبي، كان شعور يشبه الغيرة، وسألت نفسي ليه هي تتكرم حتى بعد موتها وأمي تترمي وتتحبس وهي عايشة! ليه هم أخدوا حاجات وعملوها ملكية خاصة بيهم رغم إنها حقنا إحنا كمان!
رجعتني تاني لأرض الواقع وهي بتقول: المهم، هو رجع طلب منه العفو والسماح وفضل يبوس إيده عشان يرضى عنه، جدي طلب منه يجيب مراته ويجي هنا، ومن وقتها وجميلة هي المشرفة وست البيت دا بعد موت الست نعيمة، وبقت حبيبت جدي كمان.
_ طب ومراد فين؟
= مراد في القاهرة، ملوش إنه يجي دلوقتي غير على فرحك، لإنه خلاص نال حظه.
"فرحك"! كلمة ولدت جوايا الرعب، حسيت قد إيه أنا صغيرة على الكلمة دي، وحسيت قد إيه فروع العيلة دي كتيرة ومبتخلصش، كل ما أقول خلاص بدأت أعرفهم، أطلع مسكت إبرة في كوم قش!
_________________
_ مش متضايقة إنها هتنام معاكِ في أوضتك يا روح؟
بصيت لجدي وقولتله: لأ يا جدي، كلامك سيف على رقبتي.
ابتسم ورفعلي إيده أبوسها، ابتسمت وقربت منه وانحيت على إيده بوستها، بعدها نزلت على الأرض وسندت راسي على رجله وأنا بتخلى عن كل ذرة كبرياء رسمتها على وشي النهاردة، بدأ يمشي إيده على شعري، غمضت عيوني واستسلمت للحظة الهادية دي.
_ لو الحِمل تقيل قوليلي وأنا أرجعك هنا وسطنا من تاني.
ابتسمت وأنا لسه مغمضة ومستسلمة للماسات إيده: قدها يا جدي.
_ قدها وقدود يا حبيبة جدك، أومال أنا معتمد عليكي ليه وسايبك على راحتك ليه؟
فتحت عيوني فجأة، لإني فهمته! عيبنا إننا هنا بنفهم بعض كويس وللأسف توقعت سؤاله.
_ مش ناوية تختاري مع أختك؟
ابتسمت لإني جبتها صح في دماغي، رفعت راسي ليه وسألته: تفتكر مين المناسب ليا يا جدي فيهم؟
قالي بدون تفكير: سيف.
_ توقعتك هتقول عُمر!
= أنتِ وعُمر الاتنين بتحبوا القيادة ودماغكم ناشفة، مينفعش أنتم الاتنين تكونوا في علاقة سوا، أخركم علاقة عائلية أو تتقابلوا في الشغل، لكن سيف قوي يليق بيكِ ك روح البنت اللي محدش يقدر عليها ولا يخليها تخضع بسهولة، وفي نفس الوقت عنده الوعي والإدراك الكافي إنه يمتص غضبك وانفعالك بفلسفته ودماغه الكبيرة.
سرحت في كلامه وبدأت أشوف الصورة بشكل مختلف، "سيف" كلامي معاه محدود لكنه الحل الوحيد قدامي، لأني مهما ماطلت...لا مفر من قرار جدي.
____________________
قررت أطلع الأوضة وأهرب من أفكاري ومخاوفي بالنوم، كان مرهق بشكل استنزفني، طول ما أنا ماشية كنت مبهورة بالتصميم بتاع البيت، حتى البيت يشبههم، عميق وكله غموض.
دخلت أوضة "روح'' اللي المفروض هبقى شريكة فيها، شغلت النور وبصيت حواليا، كانت هادية ومعزولة عن باقي الأوض، كانت مميزة شبهها، خرجت البلكونة عشان أشم هوا، لقيت أوضتها بتطل على الأسطبل، دققت بعيوني أكتر لقيت "عُمر" واقف بكل شجاعة بيروض الخيل، تقريبًا لمح ضوء الأوضة عشان كده ثبت الخيل مكانه واتحكم فيه باللجام ووقف بص تجاهي، رفع إيده كتحية، تلقائي إيدي اترفعت وبادلته التحية وبعدها سمعت صوت الباب بيتقفل!
بصيت ورايا لقيت "روح" بتبصلي بنفس نظرة التعالي، أخدت نفس عميق وبصيت لجهة مخالفة، للأسف طاقتي خلصت النهاردة.
_ تعرفي يا دُنيا إن بينا حاجة مشتركة.
كنت حاسة إني سامعة "عمران" أبويا، نفس ضيق عيونه، نفس كبرياءه وهدوءه، ركزت في ملامحها ووقفتها الواثقة فحسيت قد إيه كفتها رابحة، هي اتربت وسط عيلة سندتها ووقفتها على رجليها لحد ما بقت كده، وأنا اتعلمت الهروب لإني كبرت على إن أبويا دايمًا بيهرب مني ومن أمي، فجاوبتها وأنا ببص في عيونها.
_ إن بيجمعنا نفس إسم الأب.
= ونفس الكره ليِه.
_ كره!!
= أتجوز أمك في السر على أمي، ودا سبب موتها، يعني هو سبب حرماني منها الباقي من عمري.
_ يكفي إنه كان معززها وهي عايشة، لكن أمي من أول ما دخل حياتها وهي بتتعرض لمعاملة الأحصنة هنا متقبلش بيها وتقدر ترفع صوتها وتعترض عليها عادي بس هي لأ، ومع ذلك كانت راضية وصابرة عشاني.
رسمت ابتسامة جانبية على وشها وقالت بإستهزاء: عشانك ولا عشان الفلوس؟
رفعت صابعي في وشها بإنفعال: إياكِ، إلا أمي.
بصت لصابعي ورجعت بصت لعيوني تاني وقالت: روحي غيري هدومك وارتاحي يا دُنيا، واضح إن أعصابك تعبانة من طول اليوم عليكِ.
_ أنا أعصابي مش تعبانة، أنتِ بس اللي محتاجة تنقي كلامك وأنتِ بتتكلمي معايا.
فتحت الدولاب وخرجتلي منه بيجامة مريحة وقدمتهالي وهي بتشاور على الحمام اللي في الأوضة.
_ معتقدش إنك جايبة حاجة معاكِ...أتفضلي.
بصيت للمبادرة بتاعها دي لفترة وأنا مش قادرة أحدد شخصيتها، هل هي إنسانة كويسة ولا لأ! هل أكرهها ولا هي هتبقى أختي فعلًا!
كنت لسه هاخد اللبس منها، ثبتت إيديها وقالت: بلاش تختاري عُمر.
عرفت عيوني ليها بنفس نظرة الغيرة اللي قابلتها بيها أول مرة: ليه؟؟
_ غيري هدومك وتعالي هستناكِ.
_____________________
_ كلنا كده شوفناها أعتقد.
كنا قاعدين برا في القعدة العربي بتاعنا، وقاطع الصمت التام دا صوت "يونس" وهو بيلعب بالعصاية في قلب الرمل، بصينا لبعض واكتفينا بالصمت، لكن "نوح" قرر يتجاوب معاه.
_ بسيطة وهادية بس ضعيفة.
بصيتله وأنا بقول بتريقة: وأنت عايزها معاك تشيلها طوب ورمل ولا إيه، ما طبيعي البنت تكون رقيقة.
بصلي وقال: براحة يا عم عُمر أنا مقصدش كده أكيد، أقصد إنها هشة وخام.
اختصر ''سيف" كلامه وقال: أنثى يعني.
بصينا كلنا ليه، فاضطر يوضح بفلسفته: يجماعة مهي دي طبيعة الأنثى ودا الطبيعي أصلًا، إنها تكون ضعيفة وهي جمبك، عشان تبقى أنت مصدر الأمان وملجأ الحماية ليها، فهي أصلًا بكدن هتعلي ثقتك في نفسك في كل مرة هتبقى تايهة فيها وأنت اللي هتحل ليها مشكلتها وكل دا بدون قصد منها.
عدل قعدته وبدأ يشرح بتوسع أكتر: يعني أنا مثلًا روح على قد ما أنا معجب بدماغها وتفكيرها وأسلوبها بس عمري ما أحبها تختارني شريك، لأنها هتعند وتحب تفرض رأيها في كتير من المواقف ودا لأنها كبرت إن طلباتها مُجابة، فهتاخد وقت على ما تخضع وتسيب دور القيادة، لكن دُنيا قطة هادية اه ممكن تخربش بس مكان ما هتحطها وهتطبطب على راسها هتستكين وتتمسح فيك.
وقتها افتكرتها وهي بتعيط وتظهر ضعفها بكل سلاسة قدامي، وافتكرت برضو عيونها اللي لمعت تاني لما اقترحت عليها حل وكأني قدملتها شيء ذهبي!
حركنا راسنا بإعجاب واقتناع، لكن "يونس" كان عنده رأي تاني: بس أنا محبش دُنيا تختارني.
"نوح" اعترض بتريقة وابتسامة جانبية: وليه بقا إن شاء الله؟ يبني المفروض نسألها هي عن رأيها مش العكس، اتلهي.
رفع اكتافه ببساطة وقال: عادي، أذواق...وهي مش ذوقي المفضل بصراحة، اه روحها خفيفة بس مش عايز أكون معاها في علاقة تكمل لباقي عمري.
حبيت أسألهم كلهم بعد ما "يونس" سلط الضوء على النقطة دي: حد فيكم مش عايز دُنيا تاني؟
"نوح" قال بهدوء: البنت جميلة وعفوية ومعتقدش إن هيبقى في قُربها شقاء يعني ولو على إنها ضعيفة شوية، فعادي يعني كله في إيد الراجل بعدين.
''سيف'' رفع إيده وقال: وأنا معنديش مانع أكون الراجل دا، عندنا اهتمامات مشتركة، الحياة معاها هتبقى لذيذة يعني.
جه وقت جوابي، لقيتهم كلهم بيبصولي: إيه؟؟ عادي يعني، معنديش مشكلة معاها...البنت لذيذة وكويسة.
بصيت لشُعلة النار اللي كانت قدام، مكنتش عايز أعشم نفسي بيها عشان محسش إني انخذلت قدام نفسي بعدين لما أسمعها بتنطق إسم راجل تاني.
"يونس" قرر كالعادة يتولى قيادة الانحراف عن الموضوع وقال: حد كلم مراد؟
ابتسمت وقولت: برنس مراد دا، عمل اللي في دماغه وخد البنت اللي بيحبها ورجع تاني خد رضا جدي، املاكه رجعتله ومراته بقت ست البيت....خمسة عليه والله.
"نوح" خرج الفون وقال: تعالوا نكلمه.
"سيف" بص للساعة وقال: الساعة 1 بالليل!!!
قولتله وأنا بفرد ضهري وبحط إيدي ورا راسي: وهو من أمتى وإحنا بيفرق معانا الشكليات دي.
ضحكوا كلهم وبدأ كل واحد فيهم يعمل زيي، "يونس" فتح الاسبيكر لقينا صوت "مراد" طالع:
: لسه فاكرين تكلموني يا شوية أندال ولا العروسة الجديدة كلت دماغكم.
"يونس" أتدخل وقال: قاعدين ولا أجدعها بنت بنوت، الخجل والكسوف واكل مننا حتة، ناقص بس نغطي راسنا عشان جدك ينبسط من أداءنا.
ضحكنا كلنا ولا السكرانين، وكأن الهوا سطلنا فعلًا.
قال بضحك وشماتة: الحمد لله الذي عافانا والله.
"نوح" اتدخل وقال: فوق يالاااا متستعبطش، أنت لولا أبوك وقف جمبك مكنتش هتعرف تعمل حاجة، إحنا مش عارفين ناخد الخطوة عشان ملناش خيار تاني للأسف.
: اه والله دي حقيقة، بس برضو عيشت في أيام سودة زي المنبوذ بسبب نسبي للعيلة دي وجدكم وقف عقبة في حياتي في أكتر من حاجة وكأنه كان حالف يعلمني الأدب، كنت كل ما أقول لحد من التجار إسمي يرفض يتعامل معايا، لحد ما يأست بقا وروحت طلبت المساعدة من أبويا وهو قام بالواجب.
"سيف" أتدخل وقال: المهم النتيجة يحبيب أخوك، إسمك بقا مستقل دلوقتي وبقيت منافس لينا في السوق.
: الحمد لله، وحشتوني والله، أومال عُمر فين؟
جاوبته وأنا ببص للسما مسحور بشكل النجوم: موجود يقلبي.
: إيه يا عم عُمر! أنت مطول في العزوبية ولا إيه؟
جاوبته بتريقة: باين عليا إني خلاص قربت أعنس يعني! أنا قاعد مؤدب مستني اللي هتختارني أهو، الله يسامحه جدك والله على اللي عامله فينا دا، ولا الولاية.
صوت ضحكنا بقا عالي بينافس صوت الهوا، كنا بالظبط في الهم اللي يضحك....اللي يضحك أوي.
____________________
_ ليه مش عايزاني اختار عُمر؟
= عشان أنتِ مش حِمل غضبه ولا حِمل غلطة تعمليها معاه، الغلطة مع عُمر بفورة.
_ ولا عشان أنتِ عايزاه يا روح؟ ما تخلينا نتكلم بوضوح وتبطلي تزوقي الكلام!
حسيت قد إيه هي مندفعة وغبية مش بس ضعيفة! فقولتلها بتحذير وبرود: اتعلمي لما اللي قدامك يضايقك، تاخدي نفس عميق وتفكري قبل ما تتكلمي، عشان تقدري تستفزيه صح، متخليش كلامك يتحسب عليكِ، خليه يتحسب ليكِ.
فضلت تبصلي بدون رد لكن الغضب كان باين في عيونها، فقومت وقولتلها قبل ما أطفي النور: أنا مش مستفيدة حاجة من اختيارك أو عدمه لعُمر، هو قدامي من أول ما اتولدت، لو عايزاه مكنتش سيبته قدامك لحد دلوقتي.
طفيت النور وقعدت على الكنبة أخلص كام حاجة في الشغل قبل النوم، بصيت عليها بعد فترة بطرف عيني لقيتها كل شوية تتحرك رغم إن هيئتها توحي إنها مستسلمة للنوم، حركت راسي بيأس وكملت شغلي، سمعت صوتها وهي بتتكلم وبتقاوم شيء.
قربت عليها بهدوء عشان أسمع لقيتها بتقول: بكرهكم...بكرهكم كلكم.
اتنفست بصوت عالي وقولت: قال يعني كنت متوقعة شيء تاني من واحدة عاشت منبوذة طول عمرها!
_________________________
بدأنا يوم جديد، كان جوايا شغف إني أبقى زي "روح" أو على الأقل أكسب بعض صفاتها، بعد كلامي معاها أتأكدت إنها فعلًا زي ما "عُمر" قالي، شخصيتها قوية، وقتها كنت غيرانه وحاسة بالضعف، فقررت أسمع كلام "عُمر" وأطالب إني أكمل تعليمي، يمكن دا يكون سلاحي.
نزلت من الأوضة بعد ما غيرت هدومي بحاجة مناسبة من لبس "روح" اللي صحيت ملقتهاش جمبي ومهتمش كتير أعرف السبب، لإني كنت صاحية محددة هدفي.
لقيت قدامي الحورية الجميلة "جميلة" قاعدة تشرب القهوة، كانت ست بمعنى الكلمة، قاعدة رافعة راسها، وشعرها الغجري مجدول ولابسة قفطان جميل بشكل!
نزلت على السلم ببطئ بعد ما شوفتها، لفت راسها وهي بترفع طرحتها، وأول ما شافتني ابتسمت: تعالي يا صغيرة يا حلوة، قهوتك إيه؟
ابتسمتلها وقولت: زيادة.
شاورتلي جمبها وهي بتقول: اممم أكيد مسكرة تشبهك.
قعدت جمبها وقولت بإبتسامة: أكيد مش هاجي جمبك حاجة.
_ أنتِ مميزة يا دُنيا، جمالك مميز وجديد ومختلف في العيلة دي.
ابتسمت على كلامها وحسيت قد إيه هي فعلًا "جميلة" إسم على مُسمى، بدأت تجهز القهوة على السبرتاية وسألتني: عرفتي هتختاري مين؟
_ هو موضوع مهم أوي كده؟
قلّبت القهوة وهي بتسألني: هو إيه اللي مهم؟!
_ موضوع اختياري؟؟
= إحنا كلنا هنا عشان الموضوع دا يا دُنيا، جدي مش بيتهاون بخصوص الأمر دا، بس هو سايبك على راحتك على ما تاخدي علينا، لكن متفكريش إنه هيلغيه، هتختاري يعني هتختاري.
_ أنتِ مرات مراد؟
قدمتلي القهوة وهي بتقول: أكيد نوسة اللي قالتلك، البت دي ما بتصدق تاخد فرصة وتتكلم.
أخدت منها القهوة وسألتها بإبتسامة: هي كانت عسولة وأنا اللي كان عندي فضول مش هي اللي قالت، بس هي تطفع مين نوسة؟
حط رجل على رجل وقعدت بغنجهة: متحاوليش تدافعي عنها هو أنا يعني مش عرفاها؟ ودي يستي بنت الست سماح الله يرحمها اللي كانت المسؤولة عن نضافة البيت هنا من صغر جدك، بنتها اتربت هنا في السرايا زيها زي احفاد البيت دا، ودلوقتي هي تعتبر دراعي اليمين كده، بتساعدني وأقرب واحدة ليا في البيت هنا.
_ أنتِ بقالك قد إيه في البيت هنا؟
= 3 سنين.
_ طيب وتعرفي الشباب هنا؟
= أكيد، مراد كان بيحكيلي عنهم.
_ مين في رأيك يليق بيا؟
= عُمر.
_ ليه عُمر؟
= أولًا عُمر أكبرهم هنا، عُمر مش سهل واحدة تلفته ولا تلتفت ليه لأنه من صغره كان معتمد على نفسه ملهي في حياته وبس فمعرفش معنى الحنية أوي وكبر على قسوة متبلش ريق أي واحدة والسلام، ثانيًا عُمر راجل تقدري تقفي بيه قدام أي حد حتى جدي لأن ليه غلاوة خاصة عنده، راجل تسندي عليه وأنتِ مغمضة يقف قدام الريح لأجلك.
كملت وكأنها بترفع التهمة من عليها: طبعًا كلهم رجالة يُعتمد عليهم، بس المميز في عُمر إنه شربها في كاسات من صغره.
_ وسيف؟
= الباقي كلهم ساكنين في القاهرة بييجوا وقت الإستدعاء بس، عاشوا وشافوا ستات أكيد قد عينيهم...معرفش هل حبوا ولا لأ، لكن عُمر هتبقي سيدة قلبه الأولى.
كنت بشرب القهوة وقاعدة بسمعها، أول مَن لفت انتباهي كان "عُمر" وأول مَن عجبني السَمع عنه كان برضو "عُمر"، ابتسمت وحطيت فنجان القهوة وقومت بشغف وأنا بقولها: شكرًا يا جميلة...جدي فين؟
_ في مكتبه عملتله القهوة وسيبته لوحده هناك.
= هشوفه.
قولتها وخرجت برا البيت، سمعتها بتقولي: براحة يا زينة...خدي وقتك.
كنت محددة اختياري بس وأنا راحة المكتب لمحت "روح" واقفة مع "عُمر" بيتناقشوا بكل أريحية وبينهم ابتسامات متبادلة، قربت منهم بدون ما ياخدوا بالهم، حاولت اسمعهم.
لقيته بيقول بشبه إنفعال: مش عايزها، والله بعد اللي قولتيه دا لو وهقف في وش جدي أعملها ولا إني أبصلها يا روح.
ابتسمت وقالتله: برافو عليك، أنا قولت انبهك برضو عشان تبقى عارف اللي مستنيك، لأنها مطلعتش سهلة زي ما إحنا متخيلنيها.
جاوبها بإستغراب: بس إزاي دي فيها براءة خداعة!
دلوقتي بس عرفت هي ليه قالتلي بلاش "عُمر" طلعت زي "عمران" أبوها، خبيثه بمية وش ولون لحد ما تنال مرادها!! كان زيها بيفضل يهدي أمي وياكل بعقلها حلاوة لحد ما يعمل اللي عايزه، بس أنا مش أمي! مشيت وروحت لمكتب جدي وأنا حاسة الغضب مسيطر عليا، كنت بتنفس بصوت عالي، وكأنها طريقة للتنفيس عن غضبي بدون بُكا.
فتحت المكتب تاني بدون استئذان! رفع راسه بيأس وقال: يا بنت عمران الباب اتعمل للدق عليه يا حبيبتي مش في حرب إحنا.
دخلت ووقفت قدام المكتب وقولتله بلمعة دموع في عيوني: أنا عايزة أكمل تعليمي يا جدي وأدخل الكلية.
بص في عيوني وقال: مين قالك الكلمتين دول؟
قولتله وأنا بحاول اتحكم في انفعالي: مش مهم، المهم إني عايزة أكمل، أنا أول مرة أطلب منك طلب...أرجوك متخذلنيش.
حسيت إني بتذل وأنا بطلب أبسط حقوقي ولكن مش مهم الطريقة، المهم النتيجة، حرك راسه بالنفي وقال: ومش هتكون أخر مرة، موافق بس بشرط.
_ إيه الشرط؟
= تختاري عريسك دلوقتي، نكتب الكتاب والناس كلها تعرف إن حفيدتي أتجوزت، وخديه وروحوا القاهرة وهشرط عليه علامك.
_ موافقة.
مفكرتش كتير، كنت مجروحة من حاجة مش قادرة أحددها، ولكن مش هقدر أكمل في مقارنتي بـ "روح"بيني وبين نفسي كده كتير، كنت عايزة أهرب، مش هتفرق اختار مين المهم أمشي من هنا.
روحنا السرايا، و "جدي" جمع العيلة كلها في الأوضة الكبيرة للسرايا ووقفني جمبه وقال وهو بيخبط عكازه في الأرض: دُنيا عمران داغر حفيدتي قررت إنها تختار شريكها دلوقتي وقرارها هيتنفذ على رقبة الكل.
بصلي وحرك راسه بمعنى اختاري وأعلني، الصمت والتوتر حل على المكان، كنت مرعوبة وحاسة برهبة وخوف بياكلوا معدتي، ليه أختار أنا؟ طب هل هحسن الإختيار؟ هل هيكون كويس معايا ولا هبقى زي أمي؟ هل في علاقة سوية أصلًا وفيها حنية؟ ولا كل العلاقات زي علاقة أمي الفاشلة!! كذا سؤال كانوا بيتغذوا عليا وبيفرضوا سيطرهم على تفكيري.
_ دُنيا.
"جدي" نبهني بصوته الجهوري، فقولت بدون تفكير: يونس.
