رواية اربعة في واحد الفصل الثاني والخمسون والاخير
كان قيس قد وصل إلى منزل هشام فاستقبلته حماته بترحاب شديد ثم لمعت عينيها بحماس غريب وتساءلت "ليلي في البيت صح؟"
أوما لها قيس فابتسمت وأردفت طب هروح أشوفها بقى لأحسن عمك أمين قالي سبييهم براحتهم "
توسعت ابتسامته وقال تنوري يا طنط طب تستني أخلص اللي في أيدي وتيجي معايا
بالعربية ؟ "
لكنها نفت برأسها وربتت على كتفه بملامح حانية "ربنا يكرمك يا حبيبي، لا أنا ها خد تاكسي وخليك أنت براحتك مع هشام "
ثم راقبها تتحرك بحماس لتدخل غرفتها كي تبدل ملابسها فتحرك هو إلى غرفة هشام ولم يطرق عليها حتى بل فتحها وترجل بملل ليجد الآخر ما زال يجلس أمام حاسوبه ويقرض أظافره، رمى قيس بجسده على السرير فأعطاه هشام نظرة جانبية وسرعان ما عاد برأسه نحو
الحاسوب، فسأله قيس "موقع النتيجة لسه ما فتحش؟"
وقع تاني" أجابه هشام بضيق وهو ينظر لعلانوه التحميل في الشاشة بأمل ورهبة.
وجدوا الباب يطرق وبعدها دخل أحمد بابتسامة متوترة على وجهه "ها ظهرت؟"
"لا " أجابه قيس فارتمى أحمد بجسده إلى جانبه وعلق عينيه هو الآخر على شاشة الحاسوب لكن بعد قليل كان قد حرك عينيه لقيس وأعطاه ابتسامة خبيثة وهمس "أيوة العريس اللي وشه نور "
ضحك قيس ورمقه بطريقة بلهاء " والله؟"
"بص مش مسألك حصل إيه وكدا عشان هو باين على وشك."
تهللت ملامح قيس أكثر ورفع يده يحك عنقه ولم يتكلم، ربما لم تكن المرة الأولى التي يقترب فيها من أنثى لكن هذه .. هذه كانت مختلفة عن كل شيء، لأول مرة هو يكون مع فتاة يحبها ويحترمها في نفس الوقت، ولأول مرة يكون عالما تمام العلم أنه لا يرتكب إنقاء لأول مرة لا يكون خائفا من أن يمسكه أحدهم بهذه التهمة أو يعرف أي شخص عما حدث بينه وبين الفتاة، ولأول مرة لا يقتله الذنب بعدها .... كان يرى جملة (الحلال أجمل) كثيرا، لكنه لم يكن يفهمها ... وهو الآن قد فهم، ولو أن هناك اختيار آخر غير الحلال لم يكن ليختاره لأنه لم يشعر بأي سلام أو سكينة سوى مع ليلى التي ربما أرهقته في بادئ الأمر لكن .... هي تظل السكينة التي لم يحصل عليها قط ولا في حضن أمه نفسها.
في ذلك الوقت كانت أم ليلى قد وصلت إلى شقة ابنتها ورنت الجرس، ودقائق قبل أن تفتحليلى الباب منهللة "ماما! وحشتيني أوي "
احتضنتها الأم بسرعة ودخلت وأغلقت الباب تتفحص وجهها طمنيني عليك، أنت كويسة؟"
أومات ليلى بابتسامة خجولة "الحمد لله " فتنفست الأم الصعداء وأمسكت بيدها لتسحبها خلفها تهي تقول بنبرة سعيدة "الحمد لله، أنا لقيت جوزك جه لأخوك فقولت أجي أشوفك وأقعد معاك شوية قبل ما تسافروا شهر العسل "
"ماما تعالي هوريك حتة حاجة اللعبة بتاعة فيس اسمها إكس بوكس معاها نضارة كدا ثلاثية الأبعاد، بتلعب بيها كل شوية، تعالي لازم تشوفيها".
في منزل هشام كان هشام قد نهض ليصبح فجأة "الموقع فتح " تزامنا مع أدهم الذي يفتحالباب فهرول ثلاثتهم نحوه بقلوب مضطربة ثم توقف أربعتهم ينظرون برهبة نحو الشاشة التي
يظهر فيها خانة إدخال الاسم.
نظروا لبعضهم بتوتر وكأنهم يتعازمون على المتطوع الأول بينهم والذي سيأخذ الصدمة الأولى جلس أحمد أمام الحاسوب بتردد عندما وجد هشام قد تصنم في مكانه فدفعه قيس من الخلف "شوف نتيجتي أنا الأول "
أوما وكتب اسم قيس ثم انتظر دقيقة قبل تظهر النتيجة باقي للإعادة)
حلت لحظات الصمت عليهم جميعًا وابتلع قيس لعابه ساقط بعد كل ده وساقط !" ثم صاحوهو يضرب بكفيه معا "ده أنا أبويا هيعمل من فخادي شاورما أنا كدا هبقى قعدت سبع سنين في هندسة ! ده أنا لو في طب كان زماني اتخرجت !"
حاول الجميع عدم الضحك حقا ثم نظر أحمد لأدهم ونكزه "أنت الضحية الثانية." ثم كتب اسم أدهم ياسر رأفت مقلاد وظهرت النتيجة الثانية باقي للإعادة]
نظر قيس وأدهم لبعضهما ثم اقتربا ليحتضنان أحدهما الآخر وضحك أدهم مرددا "حبيبي يا اسطا هنتسلخ سواء انا جدي هيعمل مني بوفتيك"
تبقى أحمد وهشام فنظر أحمد لهشام وهم ليسأله إن كان يريد نتيجته أم لا، لكنه أصطدم بهشام يجلس بعيدا وينظر للأرض وقد خلع نظارته ووضعها جانبا ومسح الدموع عن عينيه بايد
مرتعشة، نهض له بسرعة وجلس بجانبه
"ما تزعلش خلاص ... قدر الله وما شاء فعل " حاول تهدئته لكن الآخر نطق بغصة "ده كان حلمي وحلم أبويا و أمي، وكل الناس كانت متوقعة إني هبقى دكتور .. أقولهم ايه ؟ أقولهم سقطت وخلاص الأربع سنين ضاعوا عشان سقطت في سنة !"
شعر أحمد بالأسف لحاله لأن هشام تحديدًا مصيبته أكبر من مصيبتهم الثلاثة مجتمعون
اقترب ادهم وجلس بجانبه يواسيه هو الآخر "ما حدش عارف الخير فين يا هشام، اهدی بس كدا وإن شاء الله كل حاجة هتبقى كويسة. "
في حين جلس قيس أمام الحاسوب يدخل اسم هشام ليبحث عن نتيجته.
نفی هشام برأسه وتمتم "لا خلاص ما فيش حاجة هتبقى كويسة، أنا مستقبلي ضاع .. أنا بس مش عارف هروح أقول لبابا إيه .. مش عارف هوريله وشي إزاي .. أنا مش راجع البيت"
ظهرت نتيجة هشام أمام قيس على الحاسوب فتوسعت عينيه ونهض يصرخ بسعادة "والا يا
هشام! أنت ناجح وبإمتياز !!!"
الصنم في مكانه ومن عدم تصديقه نهض بسرعة نحو الحاسوب دون أن يرتدي النظارة فتعرقل بالكرسي وسقط أرضا على وجهه وسحب سلك الشاحن الموصل بالحاسوب فسقط خلفه، ثم نهض يحرك يديه بسرعة وهو يصيح "النضارة، حد يجيبلي النضارة."
وضعها أحمد على عينيه بسرعة ثم سارع بتعديل الحاسوب ليتأكدوا مما قاله قيس فوجدوه محقة، هشام قد نجح وبامتياز بل والأول على الدفعة، وهذا يعني قطعا أنه سيتم تعيينه معيدا
كما يريد.
ضحك بهستيرية وهو ينظر لهم "أنا مش مصدق نفسي!"
فرحوا لفرحته وضحكوا جميعًا ثم دفعه قيس واحتضنه "مبروك يا أسطا "
شوفولي نتيجتي، ادوني الصدمة بسرعة معلش دفع أحمد بهشام فأدخل اسم أحمد ولم يلبث أن ظهرت نتيجته هو الآخر باقي للإعادة)
نظروا لبعضهم ثم الهشام وامسكوا به فجأة حيث ضيق أحمد عينيه "والا، أنت متواطئ مع الدكتور ولا إيه ؟!"
عدل هشام نظارته بدون فهم فاقترب قيس منه يتهديد "أه، ما أنت كنت العصفورة بتاعته وهو بيحبك، قول الحقيقة ومش هنضربك "
يا جدعان أكيد نجحه هو عشان بيحبه ويعرفه " تمتم أدهم فنظروا لهشام بأعين ضيقة ثم سرعان ما تركوه وضحكوا "ياض بنهزر معاك "
"طب احنا كدا هتعمل إيه ؟ " تساءل أدهم فرفع قيس كنفيه بلا مبالاة وسخر "عادي أبويا هيهزقني شوية وخلاص"
حك أحمد شعره وتمتم "مش عارف بس مراد قال هيفتح مصنع هنا .. اشترى الأرض بالفعل وقال هيسافر سنة ويرجع نهائي بس أنا على جنتي أقولهم إني سقطت."
نظروا له بدون فهم فأكمل "يا ريت لو حد اتصل بيكم تقولوله اني نجحت، أنا هتصرف في الموضوع ده "
أنا في السليم " قال هشام ثم نظروا لأدهم " وأنت هتعمل إيه مع جدك؟"
هعمل إيه يعني، سقطت واللي حصل حصل، أنا من ساعة ما قولتله هدخل أكاديمية الشرطة وهو سايبني في حالي، لو قالي هيسحب ورقي من هندسة هقوله مش رايح أكاديمية الشرطة. وبعدين .... أنا بفكر يعني .... أتجوز شيري" قال وهو يحك شعره بتوتر وهو ينظر لثلاثتهم
منتظرا ردة فعلهم
توسعت أعين قيس وأحمد بينما نظر له هشام بدون فهم وتساءل "مش كنت كارهها ؟"
"مش أوي يعني .." تمتم وهو يبتلع لعابه وعندما صمتوا كان قد بدأ يشرح باندفاع "عادي يعني! فيها إيه؟ على فكرة هي طلعت لطيفة و ... و ..... مش عارف تمام؟ مش عارف !!! حاسس إني مستلطفها وبغير عليها وكدا يعنى وتمام عارف إنها متنيلة لدغة وعبيطة بس اللدغة بتاعتها لطيفة والله زائد إنها بنت ناس ومتربية وشكلها حلو، مؤخرا يعني بقى شكلها حلو مش عارف
غيرت في لبسها وشكلها والكلام ده وطلعت حلوة عادي !"
اقترب منه أحمد وهدته وهو يحاول عدم الضحك خلاص يا اسطا اهدا، ما قولناش حاجة أصلا"
ابتلع لعابه من جديد وهدأ ثم أوماً تمام ماشي ... أنا بس يقولكم إنها مش شخص وحش."
تمام، ما دام عاجباك وبتحبها خلاص مبروك" أردف أحمد فهم الآخر بالتكلم بتوتر "مش بحبها لسه طبقا بس مش عارف الله يبارك فيك "
خلاص ما بتحبهاش وهي مش وحشة وأنت عايز تتجوزها، نعملك ايه في ليلتك السودا دي؟ بعدين منضحك على بعض ؟ ده أنت ماشي تحب على نفسك جات على شيري وتقولي ما بحبهاش ؟!" سخر هشام فتوسعت أعين أدهم ورفع سبابته في وجهه
" قولتلك ما بحبهاش لسه "
ليجدا قيس يشبك يديه أمام صدره ويضحك "تمام، يعني فيه نية إنك تحبها، لا ألف مبروك يا صاحبي "
"بمناسبة الجواز والخطوبة وكدا، أنا رايح أنا وأهلي تقابل أهل داليا بكرة." قال أحمد بحماص شديد وسارع الثلاثة الآخرون بالمباركة له فأخرج علبة صغيرة حمراء من جيبه بنطاله وأراهم إياها بفرحة "بصوا اشتريت الدبلة كمان"
حك هشام شعره وتساءل مش كنت تستنى طب تنفقوا وبعدين تشتريها ؟"
ليجد الآخر ينفي كالطفل الصغير "لا ما احنا هنتفق أكيد فأنا جهزتها معايل"
فتدخل أدهم بس مش مامتك كانت معترضة شوية؟ افرض حصل حاجة والموضوع ما ." ليقاطعه أحمد "لا، موضوع إيه اللي ما يتمش ! لا هيتم إن شاء الله ما دام مراد موجود يبقى هيتم، هو هيتصرف مع ماما."
ثم ابتلع لعابه وتملك منه الضيق فجأة عندما بدأ يتخيل أن أمه قد تفعل شيء يتسبب بتدمير هذه الزيجة، لكنه نفى برأسه بسرعة وتمتم لنفسه "لا لا، إن شاء الله لا".
لكن هذا لم يحدث، لأن أمه في اليوم التالي كانت تجلس بجانبه بينه وبين مراد في منزل جد داليا وهي ترمق داليا بأعين ضيقة ولم تنفوه بأي حرف وتركت مراد يتناقش في كل شيء مع خالها هادي، ولكنها فجأة قد وجهت لداليا سؤالا قد جعل الدماء تحتقن في وجه أحمد ومراد
وأم داليا وداليا " هو أنت أتطلقت ليه يا داليا؟"
ابتلعت الأخرى لعابها بينما اعتلى الغيظ وجه أمها ورمقت السيدة بغضب وكانت ستجيب مهاجمة للسيدة، لكن داليا سيفتها بنبرة أسفة "عشان خانني يا طنط."
لتجيبها أم أحمد " وأنت مفكرة أحمد هو اللي ملك الوفاء والولاء؟ ده بيدرس مادة كيف تخون لأصحابه في الجامعة ده."
توسعت أعين أحمد ورمق أمه بصدمة وكأنه يتساءل ما الذي تتفوه به أمام الفتاة وأهلها عنه !
ضحك مراد بحرج ونظر لهادي ثم ضرب أحمد بخفة مزاحا "ما هو ربنا تاب عليه وعايز يتجوز أهو " ثم نظر لداليا ومازحها هي الأخرى وبعدين قدامه أهو يا داليا، لو عملك أي حاجة في أي
وقت تجيلي وأنا ها خدلك حقك منه، معلقهولك "
ضحك معظمهم وتحول الموقف إلى مزاح لكن أم أحمد لم تضحك وأبقت عينيها على داليا فعاد مراد ليتحدث مع خالها هو وأحمد بينما تحركت هي لتجلس على الأريكة التي تجلس عليها داليا وتساءلت "ألا قوليلي يا داليا، أنت بتصلي؟"
أومأت لها داليا "أيوة بصلي يا طنط."
فأكملت الأخرى طب ما بتفكريش كدا يا حبيبتي تتحجبي ؟"
ولم تتوقع داليا أن أم أحمد ستتبدل هكذا ويتهلل وجهها عندما أجابتها "بفكر يا طنط والله." كانت ابتسامة قد ارتسمت على وجه أم أحمد تم بدأت تتحدث معها عن فضل الحجاب وأنه
فرضًا على كل مسلمة، ثم تأتي لها بآيات من القرآن تدعم كلامها، بينما استمعت لها داليا جيدا وهي تومئ برأسها في حين كان أحمد يحرك عينيه تارة تلو الأخرى ليتبين ما الذي يحدث بين
حبيبته وأمه بقلق.
ليك عليا، أول ما تقوليلي يا ماما متحجب، هجيبلك طقم طرح من كل الألوان اللي تحييها عشان تليق على كل هدومك " أكملت أم أحمد حديثها فابتسمت لها داليا بامتنان "حاضر، ربنا يخليك يا مامل"
ارتفعت شفتي أم أحمد بابتسامة راضية ونظرت لمراد وأحمد وهادي لتقول "طب مش نقرأ الفاتحة بقى ولا إيه ؟"
"لا الفاتحة دي نقرأها كلنا الأسبوع الجاي عشان تعزم أهلنا وانتوا كمان تعزموا اللي عايزينه وأهو تبقى حفلة خطوبة عائلية على الضيق كدا بالمرة ويلبسوا الدبل " قال هادي بطريقة ودودة لكنها صارمة بذات الوقت فوافقه مراد فورا " والله عندك حق طب على خيرة الله، يبقى قراية الفاتحة ويلبسوا الدبل الأسبوع الجاي إن شاء الله "
بدى الجميع موافقا وتعلقت أعين أحمد على داليا بابتسامة واسعة وكأنه يخبرها بوجهه المتحمس "سنكون رسميا معا بعد سبعة أيام فقط " فضحكت بطريقة خجولة ونظرت ليديها اللتان تحكهما سويا بتوتر وحاولت تهدئة نفسها بكل الطرق.
لم تكن مستعدة لتأخذ هذه الخطوة، هي تعرف هذا، هي ما زالت غير مستعدة، لكنها لا يمكنها أن تكسر قلبه بتلك الطريقة، ولعل هذا هو الشيء الذي جعلها تتماسك حتى اللحظة التي رحل فيها أحمد مع أهله بعد أن اتفقوا على كل شيء، لكنها لم تثبت أن هرولت نحو غرفتها بعد ذلك لتلتقط المهدئ الذي تتناوله وتأخذ منه حبة وتبتلعها بسرعة وهي تأخذ نفسا عميقا محاولة السيطرة
على الطبول التي تضرب بداخل صدرها بطريقة عشوائية.
كانت تظن أن هذا الأسبوع سيمر بطيئا عليها لكن هذا لم يحدث، فهذا الأسبوع قد مر بلمحة عليها لتجد نفسها فجأة في ذلك اليوم الذي سيتم خطبتها فيه لأحمد، وأي عروسة في ذلك اليوم ستتجهز لتذهب إلى صالون التجميل، لكن داليا كانت متواجدة قبل خطبتها بساعة في
عيادة الطبيبة النفسية التي تتابع معها.
يا دكتور أنت فاهماني صح ؟ أنا خايفة، ما نمتش من إمبارح، والله حاسة إن هيجيلي نوبة هلع في أي وقت." قالت وهي تتحرك ذهابا وإيابا أمام الطبيبة التي أومأت لها "بس ما جالكيش !"
" أيوة، عشان واحدة مهدئ .. بس أنا مش عارفة أعمل إيه ؟"
يا داليا دي مجرد خطوبة مش جواز طب هسألك سؤال ماشي؟"
أومات فأكملت الطبيبة "إيه اللي هيختلف في علاقتك بأحمد لما تتخطبوا؟ مش كدا كدا أنتوا مرتبطين وبتتكلموا وبتخرجوا ؟ "
توقفت عن التحرك ورفعت يدها تحك شعرها "اللي هيختلف إني كدا هبقى اندبست! ولازم اتجوزه بقى !!"
طب ما تجربي؟ جربي بس اتخطبيله وشوفي هيحصل إيه، لو عملك حاجة خوفتك فركشي معاه عادي "
"ولو ما عملش طيب يا دكتور ؟ أنا حاسة إنه مش هيعمل !!"
توسعت أعين الطبيبة ورمقتها بصدمة "أنت مستنياه يعمل عشان تفركشي معاه!؟"
ارتسمت ملامح باكية على وجه الأخرى وتحركت لتجلس أمامها وتتمتم بيأس وهي تضع يدها على جبهتها "ما أنا خايفة، لو قرب مني هيجيلي نوبة هلع."
ابتلعت الطبيبة لعابها بتردد وكأنها غير متأكدة مما ستقوله، وبدأت تنظر حولها رغم عدم وجود أي شخص سواهما في الغرفة، ثم فتحت فمها لتتحدث طب بصي، هو فيه حل عشان تعرفي انت فعلا هيجيلك نوبة هلع منه أو دي أوهام عقلك بيصورهالك نتيجة الصدمة اللي أنت مريت بيها."
أعطتها داليا كامل تركيزها فأكملت الطبيبة ببطاً "سيبيه يقرب منك في مرة. "
سقط فك الأخرى ونهضت فوا ترفع سبابتها "لا طبعا مستحيل أسيبه إزاى يعنى ! ده مرة كان عايز يبوسني لسعته بالقلم !"
نهضت لها الطبيبية لتحاول اقناعها بوجهة نظرها "أنا مش بقولك سيبيه يبوسك مثلا، أنا بقولك سيبيه يقرب منك وكأنك موافقة، وشوفي ردة فعلك عاملة إزاي، لو جالك نوبة هلع يبقى هناخد استراتيجية جديدة للعلاج، ولو ما جالكيش حاجة اضربيه قلم تاني وابعدي عنه، بس هتبقي عرفت إن ده مجرد وهم عقلك بيخوفك بيه."
توقفت داليا ورمقت الطبيبة بصمت وكأنها بدأت تفكر في الأمر فعلا ثم رفعت يدها وحكت شعرها بس ده مستحيل يحاول يقرب مني ثاني بعد القلم اللي لسعتهوله ده !"
"لا مش مستحيل ولا حاجة، بصي - " بدأت الطبيبة بالشرح لها مع توسع أعين داليا التي
ضحكت بعد أن انتهت الطبيبة مما تقول وسخرت "هو أنا ليه حاسة إننا بنتعامل معاه كانه فار
تجارب يا حبيبي يا أحمد "
رفعت الطبيبة كتفيها وضحكت عشان هو وسيلة العلاج بالنسبالك فخلاص بقى هنعمل إيه ؟ وبعدين مش أنت بتتعالجي عشانه؟ يبقى يستحمل بقى".
في الثامنة مساء أمسك أحمد بالدبلة وابتسم بتوسع وهو يمد يده الأخرى ليمسك بيدها وألبسها دبلته أثناء مراقبة خجولة منها، وعندما انتهى كانت قد أخرجت الدبلة الفضية التي اشترتها له والبستها له فضحك رغما عنه وهو ينظر ليده وليدها في حين تعالت الزغاريد من الجميع وتوردت وجنتيها وهي تستقبل التهاني من الجميع حتى عادت يبصرها له فوجدته ينظر لها
بالفعل وابتسامة واسعة تشق وجهه ثم مال عليها ليهمس "مبروك "
"الله يبارك فيك " ردت بطريقة مرحة وضمت ساقيها إلى بعضهما وهي تحاول إخفاض ابتسامتها قليلا حتى لا تبدو بلهاء أمام الجميع، كان كلام الطبيبة مع أخذ حبتان من المهدئ مع عدم نومها ليومان کاملان قد شوشوا ذهنها عن تلك الأفكار التي تأتي على عقلها فبدت وكأنها في عالم آخر.
اقترب أدهم منهما ليبارك لهما ومزح أول عيل هيبقى على اسمي بقى هلـ "
فضحك أحمد ونهض يحتضنه " عقبالك " ثم تلاه قيس وهشام ليباركا له ولداليا وبعدها عاد ليجلس من جديد ونظر لداليا من أعلى الأسفل ثم حادثها هو برغم إنك لابسة فستان أسود في خطوبتنا بس وعزة جلالة الله قمر برضه."
وانت كمان "قمر" قالت فضحك رغما عنه ونظر لها باستغراب، لقد تغيرت تلك الفتاة كثيرا وباتت تبادله كلمات الغزل !
"ما تيجي نخليها كتب كتاب أحسن مازحها وهو يحك يديه ببعضهما بطريقة طفولية ليجدها تتذمر "لم نفسك "
لعلمك ده لمصلحتك أولا."
ضحكت وقلبت عينيها ولم تجيبه ثم علقت عينيها بطريقة ناعسة أمامها وهي تحاول إبقاء عينيها مفتوحتان بصعوبة فنظر لها أحمد باستغراب وتساءل بصوت منفخض وبنبرة قلقة
" داليا، مالك يا حبيبي ؟"
فابتسمت وأجابت "مطبقة، ما نمتش من إمبارح."
توسعت عينيه وحدجها بنظرة غاضبة "أنت بتهزري ما نمتيش ليه ؟ مطبقة وإحنا خطوبتنا النهاردة!"
ضحكت بطريقة ناعسة ثم مالت عليه وهمست له كنت بفكر فما عرفتش أنام وبعدين عادي يعني "
علق عينيه على عينيها الهائمة الشبه مستفيقة، تلك الفتاة عندما لا تنام تصبح مثل الشكاري وكأنها قد تناولت جرعة من المخدرات، وبالرغم من غضبه من فعلتها ألا أنه ولسبب لا يعلمه قد
شعر بأنها لطيفة أكثر بالنسبة له وهي في تلك الحالة.
" بقولك ايه شايف الولية التخينة اللي هناك دي ؟ " سألت وهي تضحك ضحكة غير متوازنة فحرك رأسه لينظر إلى السيدة التي تسأل عنها وسرعان ما قطب جبينه واستدار لها برأسه ليجيب محاولا تمالك أعصابه "الولية التخينة دي تبقى خالتي !"
ضحكت من جديد ونظرت له بأعين آسفة ثم اعتذرت وهي ما زالت تضحك "أحمد أنا آسفة والله، هي مش تخينة خالص العلمك "
" يعني فوق ما إن لسانك متبري منك وكمان كدابة ويتصلحي الموقف بطريقة غبية ؟ لا هي دي خالتي وتخينة عادي ! مالها يعني ؟"
إزدادت ضحكاتها بطريقة هيستيرية وأردفت "أصلها شبهك بطريقة ما."
عض على شفتيه ونظر لها وهو لا يدري ما الذي يقوله لها ؟ لكنه لم يتمالك نفسه وضحك رغما عنه على ضحكاتها ثم زجرها "طب لمي نفسك ولاحظي الوضع الجديد، عشان صدقي أو لا تصدقي، أنا هكون جورك، يعني خلي فيه احترام شوية."
ضحكت و رمقته بطرف عينيها "أقولك يا أستاذ أحمد يعني ولا إيه؟"
لتجده ينطق بنبرة خبيثة "لا قوليلي يا دادي أحمد "
كان يظنها ستوبخه لكنه فوجئ بها تسخر "أيوة أيوة اظهر على حقيقتك، طب والله كنت عارفة ان عندك دادي إيشيو من الأول "
طب ما حلو ده، أنت أصلا بتتصر في كبيبي وأنا عندي دادي أيشيو، هنمشي سوا زي السكينة
في الحلاوة."
رمقته بطرف عينيها وسخرت "في أحلامك يا مودي " لتجده ينهض ليسحبها إلى الشرفة
فتحركت خلفه بتوتر وهي تنظر للناس بربية ادخلها الشرفة وأغلق الباب فرفعت سبابتها في وجهه " خطوة كمان وهلم عليك الدنيا."
"انكتمي بقى، أنا عايز أشرب سيجارة ونسيت علبة سجايري وحدت العلبة اللي بالفراولة اللي كنت جايبهالك فقولت نشرب سيجارتين سواء " قال وهو يخرج علبة السجائر من بنطاله فضحكت بطفولية ونظرت حولها بتوتر "بس ماحدش هيشوفنا؟"
نفى برأسه واخرج قداحته وسيجارتين وأعطاها واحدة ثم أشعلها وأشعل الأخرى ووضعها في فمه واستند بجانبها على السور يدخنان بهدوء حتى حرك عينيه لينظر لها بابتسامة جانبية فانتبهت له وضحكت "إيه ؟"
ازال السيجارة عن فمه ونفخ الدخان في الهواء ثم ضحك "أصل أول مرة اتقابلنا كنا إحنا الإثنين طالعين نشرب سيجارة برضه، بس الفرق إنك ماكنتيش طايقاني " ثم مد يده التي بها الدبلة وأكمل " وبصي دلوقتي مخطوبين"
نظرت ليدها حيث تقيع دبلته ولوهلة قد انتبهت لشيء منقوش عليها فرفعتها إلى عينيها ودققت النظر لها وقرأت المكتوب بصوت منخفض In yaakunech ..!!" ثم نظرت له
باستغراب وكررت " إن ياكونيتش | يعني إيه مش فاهمة ؟"
"بحبك بلغة المايا القديمة " قال فتوسعت عينيها ونظرت له بدون تصديق ثم نظرت للدبلة من جديد وهي تجفل بعينيها ولم تلبث أن اقتربت لتحتضنه بطريقة بلهاء فابتسم وحاوطها
بذراعيه بالمقابل ووضع قبلة على وجنتها
" وأنا كمان إن ياكونيتش" قالت فقهقه عاليا وهمس في أذنها بس أنا إن ياكونيتش أكثر."
ثم رفع يده ليلمس وجنتها برقة أثناء تعليق عينيه على شفتيها وبطريقة أو بأخرى هو شعر بأنها ساكنة بين يديه، وهي فعلا كانت ساكنة منتظرة خطوته التالية كما نصحتها الطبيبة، والغريب أنها لم تصب بنوبة هلع كما كانت تعتقد بلل شفتيه وكان سيقترب بوجهه لكن انفتح باب الشرفة فجأة فابتعدت داليا عنه يرعب في حين توتر هو ورفع رأسه لينظر من الذي أمسك بهما فوجدها جدة أدهم التي رمقته بحاجبين مقطوبين فتهللت ملامح وجهه وابتسم بتوسع
أخيرا قفشتيني في الوقت الصح. لعلمك بقى أيوة كنت حاضتها وأنت عينك ما يتكدبش ولا حاجة واللي فهمتيه صح وأنا كنت تكة كمان وهبوسها "
رمقته سعاد بقرف وتمتمت قلة أدب" ثم دخلت وأغلقت الشرفة فضحك عاليا ونظر لداليا "الحمد لله يا رب أخيرا ظهر الحق ودحض الباطل، ده أنا كانت سمعتي خلاص باظت"
ر مقته داليا بدون فهم ثم حمحمت بخوف تفتكر هتروح تقول لحد ؟"
" ما أظنش لا، ده هي تلاقيها بتقيم الأفراح دلوقتي أساسا عشان أتأكدت من ميولي "
ثم نظر لها وابتسم بمكر وهو يقترب منها "المهم، كنا بنقول ايه ؟"
تراجعت للخلف وضحكت "ما كناش بنقول حاجة."
"لا إزاي أنا فاكر إني كنت على وشك إني أقولك حاجة مهمة جدا." أجاب وهو يضحك
فتوسعت عينيها ورفعت سبابتها في وجهه "لا، وابعد عني"
"أنت كنت موافقة من شوية !"
"لا أنا كنت مشوشة ومش عارفة أفكر بسببك ساعتها."
ضحك ورمقها بابتسامة ماكرة لكونها بشكل أو بآخر أخبرته بأنه يملك تأثيرا عليها، وتأثيره يجعلها مشوشة وغير قادرة على التفكير .. رائع بشدة.
يا بنت الحلال أنا يقول تكتب الكتاب وتخلص، ده أحسنلك أنت والله، أنا خايف عليك والشيطان شاطر وواقف جنبك أهو " قال مازحا وهو يعيد السيجارة لفمه ويستند على السور
بظهره فضحكت ونظرت بعيدا
"طب إيه؟ ما فيش أي حاجة ؟" أخفض سيجارته ونفخ الدخان من فمه فقطبت جبينها ورمقته بغضب " أنت عايز ايه ؟"
ارتسمت ابتسامة جانبية ماكرة على وجهه وتمتم أكسكيوز مي أنا مش هينفع أقولك أنا عايز ايه عشانك برضه "
"بص يا أحمد، مبروم على مبروم ما إيه؟"
"ما يرولش "
تمام، فأنت فكك مني بقى من الناحية دي لحد ما نتجوز"
"طب ما أنت بتحضنيني ؟ ولا هو بمزاجك وولاد الناس لعبة في إيديكم ولا إيه ؟!"
تعرف، بعد تفكير عميق لمدة فيمتو ثانية لقيت إن عندك حق، أنا ما ينفعش أتساب معاك سنة خطوبة كدا، خطر عليا."
صح، عشان تعرفي بس إني بفكر في مصلحتك، نكتب الكتاب الأسبوع الجاي طيب ولا إيه؟"
"سيبني أفكر."
والدخلة الأسبوع اللي بعده؟"
لكمته فتاوه وصاح بهزرا " ليجدها قد ضحكت وسخرت "ما تهزرش تاني بقى "
ماشي يا عم عبده، مش ههزر هستنى لما نتجوز و ههزر معاك براحتي "
مرت فترة عليهما قبل أن يتكلم "صحيح، أنا ما نجحتش، أنا سقطت."
رمقته بصدمة "بس مراد قال لخالو هادي إنك نجحت كان بيضحك عليه ؟!"
"لا أنا اللي ضحكت عليهم عشان لو كنت قولتلهم إني سقطت ما كانوش هيوافقوا نتخطب دلوقتي هقولهم الحقيقة لما أرجع النهاردة بس هبقى خطبتك وخلاص هما اتحطوا قدام الأمر الواقع، وبالنسبة لخالك هادي فأنا كلمته بعد ما نزلت أنا ومراد من عندكم وقولتله الحقيقة وهو احترم إلى ما ضحكتش عليه ووافق"
ضحكت وهزت رأسها بدون تصديق هل كذب على أهله حقا كي يخطبها؟ ما بال هذا الفتى!
"يلا تدخل بقى لأحسن حد يقفشنا وأمي تعرف إنك بتشربي سجاير كمان وانا اللي بشريهالك. وعهد الله هترمينا أنا وأنت من هنا " قال ضحكا وسحب يدها ليدخلا مجددا.
في مساء هذا اليوم حدثت مشاجرة كبيرة مع أحمد وأمه ومراد بعدما علموا بأمر رسوبه، ولم يكن أحمد أقل المتضررين من هذا، فجد أدهم وبخه بشدة عندما علم لكنه هذا عنده أخبره أدهم برغبته في الزواج من شيري، وقيس بالفعل أصبح يعمل في مصنع والده الذي لم يهتم كثيرا بأمر رسوبه طالما أنه يعمل في مصنعه ويمسك بأعماله ويتابع ثروته، وسرعان ما مر الوقت وجئت السنة الجديدة على أربعتهم.
في تمام الساعة الثامنة صباحا كان ثلاثتهم جالسون في آخر مقعد في المدرج، حيث أدهم يكمل نومه الذي لم يستطع إكماله في المنزل، وقيس يلعب في هاتفه، وأحمد يدخن سيجارة بهدوء، لكنهم فزعوا فور ضرب شخص ليده على المدرج أمامهم
نهض أدهم من نومه مفزوعا وسقط الهاتف من يد قيس بينما سارع أحمد برمي السيجارة لاعتقاده بأنه الدكتور
لكنهم اصطدموا بهشام يقف أمامهم بابتسامة واسعة ماكرة تعلو محياه وتمتم لهم "أهلا، وقعتوا ولا الهوا اللي رماكوا؟"
نظروا له بصدمة وهم قيس بالتكلم "إيه يا أبو نسب أنت إيه اللي جابك مش اتخرجت ؟"
ضحك هشام وشبك يديه أمام صدره ورفع إحدى حاجبيه باستمتاع "اتخرجت وجيتلكم كمعيد، أنا المعيد بتاعكم في المادة دي والدكتور غايب، وشكلها سنة زي الفل علينا كلنا"
نظروا لبعضهم وكان أدهم سيضع رأسه لينام مجددا فصرخ فيه هشام "اتعدل بالا، أنت هتناملي في وسط المحاضرة".
ثم نظر لأحمد وتمتم "سجاير في أم المحاضرة مش عايز عشان ما أطفيهاش في قفاك "
وبعدها ابتسم بتوسع وحرك عينيه لقيس الذي أعطاه ابتسامة صفراء وحمحم "إحنا نسايب يا اسطا!"
"نسايب في البيت، هذا أنت طالب وأنا معيد، ده أنا مطلع عليك القديم والجديد .. شايف القافية ؟ معيد، جديد .."
نظروا لبعضهم بصدمة، هل سيتعامل معهم هشام هكذا حقا ؟
لكنه أجابهم عن هذا السؤال عندما ضحك عاليا وأشار لهم "شكلكم يضحك بجد، بهزر معاكم يا جحش منك له، استنوني بعد المحاضرة عشان نروح نقطر سول"
تنفسوا الصعداء وكان أدهم سيضع رأسه وينام مرة أخرى لكنه وجد هشام يصفعه على مؤخرة رأسه " لا مش للدرجة دي، اتعدل برضه."
ثم تحرك نحو المنصة التي يقف عليها الأساتذة وأمسك بمكبر الصوت وضرب عليه باصبعه کی ينتبه له الجميع، وعندما هدأت الأصوات وعلق الجميع أعينهم عليه عدل من نظارته وابتسم "إزيكم؟ أنا هشام أمين وأنا معيد المادة دي معاكم السنة دي. أظن لو حد فيكم عايد السنة
هيعرفني لأني كنت طالب في نفس الفرقة السنة اللي فاتت - "
شعر بالتوتر الشديد من كم الأعين المعلقة عليه، وفجأة لقد هربت الكلمات من فمه وبدأ بعض العرق يتكون على جبينه وعدل من نظارته بحرج، لا يستطيع تذكر ماذا يجب أن يفعل بعد هذا؟
أنقذه أحمد الذي نهض بابتسامة ليتكلم بصوت عالي ممكن تراجعلنا على بعض الحاجات اللي خدناها قبل كدا في المادة دي؟"
ابتسم وأوماً بسرعة "أكيد" ثم عدل من نظارته وأعطى أحمد نظرة ممتنة وتوجه نحو السبورة
وأمسك بقلمه وخط بعض الأشياء على السبورة تم استدار لينظر للطلبة لكن عينيه تعلقت على
قيس وهو يتكلم
أظن دي أكثر حاجات كانت بتقف معاكم صح ؟"
أوما قيس بسرعة لأن تلك الأشياء هي التي كان يخبر هشام دائما بأنه لا يفهمها، كما جاءه الكثير من تأييدات الطلبة
"هما فعلا صعبين شوية، بس إن شاء الله نشرحهم ثاني بطريقة أفضل ونفهمهم." قال ثم نظر
لأدهم وأكمل
ويا ريت لو حد فيكم مش فاهم أي حاجة يوقفني ويطلب مني إني أعيد الجزء ده، يا ريت مانتكسفش ونحس إننا محروجين، إحنا هنا عشان نتعلم."
ابتسم له أدهم وأعطاه إيماءة بمعنى حسنا.
ابتسم هشام ثم استدار للسبورة مجددا وبدأ الشرح.
بعد انتهاء المحاضرة جاءه بعض الطلاب الذين يريدون السؤال عن أشياء معينة .. أو بمعنى أصح (الطالبات) .. كان هشام بوجهه الوسيم ونظارته ومظهره الملتزم مع كونه أصبح معيدا وبالتأكيد مستقبلا سيكون دكتورا في الهندسة - قد أصبح جاذبا للفنيات كالكعك بالنسبة للنمل.
انقض الجمع من حوله واقترب أحمد منه ضاحكا وأحاط بعنقه "أنت المحاضرة الجاية منتشقط "
ضحك بتوتر ثم عدل من نظارته وسألهم "المحاضرة كانت عاملة إزاي ؟ فهمنوا ولا ما فهموتش ولا أنا كنت بشرح كويس ولا " قاطعه قيس جمدان يا صاحبي، قسما بالله أنت أحسن من
الدكاترة كلهم."
ابتسم وهدأ تم صفق أدهم " وبالمناسبة دي أنا عازمكم كلكم على بيتزا."
ثم تحركوا معا للخارج فأمال قيس على هشام وهمس طبقا أنت هتهيص مع النسوان يا ابن
المحظوظة "
قطب هشام جبينه وزمجر "والا، لم نفسك بالا!"
ياعم اجري بقى أنت هتعملنا فيها معيد بجدا دفعه قيس فاقترب هشام ليمسك بقميصه " اومال معيد فوتوشوب !"
اشتعلت المشاجرة بينهم، كان أدهم يتابعهما منتظرا أحمد أن يتدخل وينهي تلك المشاجرة كالعادة لكنه وجد أحمد يشعل سيجارة ويقف ليتفرج هو الآخرا وهذا دفع هم لنكزه " الحق
بيتخانقوا!"
أو ما أحمد ثم نفخ دخان سيجارته وتمتم "آه ما أنا واحد بالي. "
"مش هتسلك بينهم ؟ "
"لا، سيبهم يكس يولعوا في بعض .. أنا تعبت والله"
اشتعلت المشاجرة أكثر وهدده هشام وهو يمسك بسترته "طب لو ما لمتش نفسك مسقطك
سنة كمان "
لكن قيس لم يهتم حقا وكان سيرفع يده ليلكمه لكنه توقف عندما أكمل هشام " وهاجي أحد أختي "
ابتلع قيس لعابه وأطبق فكيه معا بغيظ وهو ينظر لهشام بأعين مشتعلة لكنه سرعان ما ابتسم ابتسامة جانبية مستفزة بشدة وأردف "صح، أنا نسيت أقولك، مش أنت هتبقى خالو قريب؟"
تجهمت ملامح هشام وترك سترة قيس لكنه أبقى عينيه الضيقة على قيس ولم ينطق بأي شيء لكن أحمد سارع بالمباركة لقيس تلاه أدهم بينما وقف هشام وكأن الشلل قد أصابه حتى تعلقت أعين ثلاثتهم عليه قتمتم مرغها "مبروك "
" بنفكر كذا والله أعلم نسميه هشام، مش حبا فيك لا عشان في الرابحة والجاية أشتمه " قال قيس فاشتعل وجه هشام وجذب قميصه واشتعلت المشاجرة مرة أخرى وهذه المرة كان أحمد قد استسلم للأمر الواقع وتدخل ليفض النزاع بينهما بيأس في حين ضحك أدهم عاليا وهو يتابعهم بعينيه، إنه سعيدا بشدة لأنهم قد رسبوا هذه السنة فهو على الأقل سيقضي سنة أخرى مع ثلاثتهم يتسكعون هنا وهناك ويشاهد مشاجرات قيس وهشام اللطيفة، ويجد أحمد بجواره يشجعه .
كان أحمد قد نجح بفض النزاع أخيرًا ودفعهما بعيدا وهو يتنفس بصعوبة ويهددهما بجدية "أبو
شكلكم، طب بالله المرة الجاية هتتخانقوا مبلغ عنكم الأمن"
"يا اسطا إحنا بنهزرا " قال قيس فوافقه هشام "أيوة، يعني مش بتضرب بعض بجد، ده كدا وكدل" فاقترب قيس منه ووضع يده على كتفه ده إحنا نسايب يعنى ولحم ودم وكدا."
ليتذمر أدهم بصوت عال "ما تنجزوا أنا متنيل جهان فعدل ثلاثتهم من مظهرهما وتحركوا
بسرعة وهما يتناقشون عما سيأكلوا
"هنطلب بيتزا. "
"لا أنا نفسي في فول وطعمية "
"أنا مش هينفع أكل كدا أنا عايز خضار."
"تواني عايز اشتري سجاير".
كان هشام يمر من جانب مكتب دكتور مصطفى متوجها للطابق السفلي، ولوهلة توقف عنده.
هذا المكتب الذي بدأ فيه كل شيء .. هذا المكتب سبب حصوله على ثلاثة أصدقاء وجعله شخصا مختلفا بدرجة كبيرة، لا يعلم لماذا هو الوحيد الذي نجح بينهم، هل دكتور مصطفى لم يتدخل في النتيجة؟ لكن لو لم يتدخل حقا فكيف رسب أحمد؟ أحمد متفوقا هو الآخر!
أكله فضوله ولم يملك غير التقدم من المكتب والطرق عليه بتوتر فجاءه صوت دكتور مصطفى من الداخل " ادخل "
فتح الباب بتردد وكأنه ليس متأكدا مما يفعل، لكنه فعل على كل حال وسرعان ما رمقه دكتور مصطفى بحدة عندما وقعت عينيه عليه وتبين من هو
"إزي حضرتك يا دكتور مصطفى ؟ سأل بأدب فرمقه مصطفى بغيظ "نعم؟ عايز ايه ؟"
حف حلقه وأزدرد لعابه ثم هم ليخرج صوتا مبحوحا كنت ... كنت عايز أعرف .... ليه حضرتك نجحتني ؟"
زم مصطفى شفتيه معا ونفخ الهواء من فمه وهو يرمق هشام بحدة وغيظ وبدى وكأنه لا يريد الإجابة لكن أعين هشام المترجية أحاطته من كل اتجاه فأمسك بالقلم الذي أمامه وهمهم "عشان أنا ماكنتش ناوي أسقطك."
"بس أحمد وقيس وأدهم سقطوا !"
"عشان اتخانقوا في مكتبي وكسروه، إنما أنا عارف إنك أصلا كنت في مكتبي عشان أنا قولتلك لملي الورق بتاع الشيتات من الدفعة وهاتهولي مكتبي "
طب وحضرتك كنت ليه بتعاملني المعاملة دي لما أنت كنت عارف؟" بدأ الضيق يتملك من هشام فرفع مصطفى كتفيه وأردف "كنت بخوفك شوية، وعشان لقيتك بعدها اتلميت على الشلة البايظة دي، كنت يهددك عشان تبعد عنهم وتركز في مذاكرتك، بس أنا ما كنتش ناوي أسقطك فعلا"
صمت هشام ولم يعلم ما الذي يشعر به في تلك اللحظة، كل ذلك الخوف كان من أجل لا شيء؟ لقد اشترك في جرائم لم يكن ليتخيل حتى بأنه سيفعلها فقط لأجل لا شيء؟
تبادل النظرات المبهمة مع دكتور مصطفى الذي سخر "أنت فعلا كنت مفكرني مسقطك ؟"
ابتلع لعابه ولم يجيبه فابتسم الآخر بأسف وأردف أنا أكيد ما كنتش هسقطك يا هشام، أنا كنت كل ما يبصلك بفتكرني وأنا صغير، على فكرة أنا لا أهلي متعلمين ولا كانوا أغنياء ناس بسطاء جدا كان كل حلمهم يشوفوا ابنهم حاجة كبيرة، أبويا باع أرضه عشان يصرف على تعليمي ويشوفني دكتور، وأنا كنت ممكن أكل مرة واحدة بس في اليوم عشان أشتري بفلوس الأكل كتاب وأذاكر فيه "
رمقه هشام بأعين متوسعة ولم يدرك حقا أن عينيه بدأت تلمع وغلفت بخيط رفيق من الدموع ونطق بضيق طب ليه حضرتك كنت بتعمل معايا كدا؟ ليه كنت بتذلني الأربع سنين دول؟ وليه خليتني في آخر سنة خامسة عايش في كوابيس بسبب إحساسي إني مسقط وهضيع تعب أبويا وأمي على الفاضي ؟؟؟!"
أخفض مصطفى رأسه وحرك عينيه يميلا للأعلى وكأنه يتذكر شيء ثم ابتسم وأجاب بنبرة مريرة "وانا قدك كان فيه دكتور بيعاملني كاني خدام عنده، طفحني المرار وكان بيدلني وبيتعمد يهينني عشان عارف إني مش هقدر أعمله حاجة لأن أهلي ناس على قد حالهم، وعشان عارف إني عايز الإمتياز فمش هقدر أشتكيه أو أرد عليه، خلاني بقيت حاسس إن أي يمتلك السلطة دي من حقه يعمل أي حاجة في أي حد لأنها ما جاتش بالساهل، واللي عايز يوصلها لازم
يتحمل عشان يعرف انها ما بتجيش بالساهل. "
رمقه هشام بنظرة حاقدة لغلقت بالشفقة على حاله وابتلع الغصة في حلقه ليجيب "حضرتك كان لازم بعد اللي حصلك تبقى أحن حد على طلابك مش تكون زيه لأنك عارف إحساس أن حد يستخدم سلطته عليك عامل إزاي اللي حصلك مش مبرر يخليك تتصرف بالشكل ده معايا أو مع أي حدا"
صمت مصطفى ولم يجيبه فأكمل الآخر " ثم إن فيه ربنا، ربنا أكيد شاف اللي الدكتور ده عمله وهيا خذلك حقك منه، وأكيد كان هيجازيك خير لو ماكنتش بقيت زيه، أنت تعرف إن معظم الطلبة مش بيحبوك بس بيخافوا منك؟ مع إن كان ممكن تكون أكثر دكتور محبوب منهم!"
رفع يده ليحك عينيه وابتسم لينظر لدكتور مصطفى وأخفض رأسه باحترام "بس شكرا إنك ما سقطتنيش، وأوعدك .. إني مش هكون زيك ولا زي الدكتور الثاني، أنا هكون صاحبهم وأخوهم قبل ما أكون أستاذهم، لأن عارف اكتشفت ايه؟ أن الطلبة بيفتكروا الدكتور اللي كان كويس معاهم، اللي سهلها عليهم، واللي كان رحيم بيهم"
طاطا دكتور مصطفى رأسه و ارتسمت ملامح نادمة على وجهه فابتسم الآخر وأردف "صدقني أنا مسامحك مش لأي سبب غير إن يسيبك أنا أتعرفت على الشلة البايظة دي. " ثم ترجل نحو الباب وفتحه واستدار المصطفى ليعدل نظارته ويردف " عن إذنك هما مستنييني تحت".
تمت بحمد الله
