رواية تلميذ الجن الفصل الخامس والخمسون 55 بقلم جمال الحفني

 

 


 

 


رواية تلميذ الجن الفصل الخامس والخمسون بقلم جمال الحفني



صحيفة استدعاء صادرة بختم قبائل الوادي السابع
إلى تلميذ الجن حامل العهد والتكليف ومن بيده زمام ثلاث من الجن
بلغنا ما وقع لخادمك "شدام" من انتقاله إلى الطور الذي لا يدخله إلا قليل من بني الجن، وهو انتقال لا يُترك لصاحبه حتى يستقر عليه، ولا يُؤمن جانبه حتى تُعرف حدوده.
وعليه..
فقد أجمعت القبائل، بإذن المجلس الأعلى على استدعاء المذكور شدام إلى مضاربنا مدة لا تقاس بأيام الإنس، حتى يخضع لدوائر الترويض، ويشهد مجالس الضبط، ويتلقى ما يلزمه من علوم التحكم فيما استُحدث له من قوة..
ويظل شدام، طوال مدة الاستدعاء، تحت عهدة القبائل، لا يُستدعى لتنفيذ حكم، ولا يُكلف بمرافقتك..
ولا يُعد هذا الاستدعاء انتقاصا من سلطانك عليه، وإنما هو حفظ له ولك، ولمن يسير معكما..
 فإن القوة إذا سبقت صاحبها، كانت أول من يفترسه..
فإذا اكتمل تدريبه، وأقر أهل المعرفة بثباته، رُدَّ إليك كما خرج منك أو أشد..
وقد خُتم هذا الأمر، فلا يُراجع فيه حتى تنقضي مدته، أو ترى القبائل غير ذلك..
والسلام..

أنا فضلت باصص للرسالة اللي وصلتني دي, اختفت فجأة بعد ما كملت قراءتها، وبعدين رفعت عيني وأنا بسأل نفسي هو يعني إيه؟ هياخدوا شدام مني كدا عادي؟
 
جرموق ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال واضح إنك نسيت إنك بتفكر بعقل البشر. عندكم لو قائد راح للتدريب يبقى ضعف، إنما عندنا العكس..

سألته يعني دا طبيعي؟

رد عليا وهو بيفكر إزاي يوصل لي المعلومة أو إزاي يشرحهالي:
طبيعي؟ لا دا نادر جدا, أغلب الجن بيموتوا بنفس القوة اللي اتولدوا بيها, والقليل منهم بيتعلم قوة جديدة أو سحر جديد, أما اللي يدخل طور جديد فدول بيتعدوا على الأصابع..

بعدها بص ناحية شدام وهو واقف ساكت وقال:
آخر مرة قبائل الجن استدعت واحد للترويض كانت من قرون طويلة والمنفذ اللي كان معاه مات قبل ما يشوفه راجع, وبصراحة مش عارف إذا كانت الفترة دي بتعتمد على جاهزية الجن للتدريب والتحكم في قوته, أو بتعتمد على الجن اللي بيدربوه, مقدرش أفيدك في النقطة دي..

سكت شوية، وبعدين قال:
اللي أعرفه ومتأكد منه إن ظهور الطور الجديد مع شدام مش معناه إنه بقى قوي وبس, دا معناه إن مستقبله لسه ما بدأش ولو سيطر على القوة دي، هيبقى من الأسماء اللي القبائل نفسها تخاف منها وهيجي يوم يتقال فيه ده شدام من غير ما يقولوا قصته, لإن اسمه لوحده هيكون كافي جدا..

 

هزيت راسي وأنا بنفض الأفكار دي كلها منها, وبصيت ناحية شدام وقولتله أنت مش هتروح مهما كانوا مين أنا مش هسيبك..

 شدام فضل واقف ساكت، لا اعترض ولا وافق، كأنه كان متردد زيي ومش عارف يعمل إيه ولا يقول إيه..

جرموق هو اللي قطع الصمت وقال دي مش دعوة تقدر ترفضها، ولا أمر يخصك وحدك, دي قبائل كاملة أجمعت على استدعائه, اللي حصل لشدام في المسابقة أكيد عيون كتير بقت تتابعه وتراقبه, وأكيد كمان اسمه اتناقله مليون لسان, الأحسن أنك تذعن للأمر مش ترفضه..

 بصيت له بغضب وأنا نادرا لما أغضب وقلت له, هو معايا من يوم خرجت بيه من عالمكم وهو مسؤوليتي، ومحدش هياخده مني, أنت بتقول إن اللي قبله رجع بعد ما المنفذ مات, يعني احتمال مشوفوش تاني, وبصراحة كدا هو الوحيد اللي أنا واثق فيه فيكم أنتوا التلاتة..

جرموق نزل راسه للأرض, مرهوب كان قاعد بعيد ومفيش حاجه من ملامحه اتغيرت ولا كأنه سمع الكلمة, أنا بس اللي ندمت على جملتي الأخيرة ومكانش المفروض أقولها, لكنها خرجت غصب عني..

لحظات صمت..
 شدام أخيرا اتحرك خطوة لقدام وقال بصوت هادي بيخاطب بيه جرموق وبيطلب منه إنه هو اللي يتكلم معايا..

 كانت أول مرة أشوفه بيتدخل بالشكل ده، وأول مرة أحس إن صوته فيه شيء من التردد, رفع عينه ناحيتي وقالي أنا اللي بطلب منك توافق..

 الكلمة وقعت علي كأنها حجر, شدام عمره ما طلب مني حاجة، عمره ما اعترض على قرار، ولا حتى اشتكى من مهمة كلفته بيها, قلت له وأنا مش مصدق إنت؟ بتطلب مني أمشيك بإيدي؟
 ابتسم ابتسامة صغيرة وقال, لأن القوة اللي جوايا مبقتش تحت أمري, كل مرة بغضب فيها بحارب نفسي قبل ما أحارب اللي قدامي، وكل مرة بتدخل تلحقني، بخليك تعرض حياتك للخطر عشاني, لو فضلت بالشكل ده هييجي يوم مش هعرف أفرق بين عدو وصديق، ويمكن أول واحد يتأذى مني تكون أنت!

 سكت شوية، وبعدين كمل وهو باصص في الأرض, أنا مش رايح عشان أبقى أقوى أنا رايح عشان أرجع قادر أحميك من غير ما أخاف عليك من نفسي..

فضلت أبص له ومش لاقي كلام أقوله، وكل الذكريات كانت بتمر قدام عيني, أول مرة شوفته، أول مهمة خرجنا فيها، كل مرة وقف قدامي وهو بيتلقى الضربة بدالي، وكل مرة كنت مطمن لمجرد إنه واقف على بعد خطوات مني...

 قلت له بصوت واطي ومخنوق, أنا متعود إنك موجود, معرفش هعمل إيه من غيرك؟

 رفع رأسه وبصلي نظرة هادية وقال, وأنا متعود إن كل ما أبص حوالي ألاقيك واقف, يمكن دي أول مرة هنبعد عن بعض من يوم التقينا..

مد إيده ناحيتي، ولما مسكتها حسيت إنها بترتعش, استغربت جدا، لأن شدام بالنسبة لي كان معنى من معاني الثبات، قلت له إيدك بتترعش؟ 

ضحك ضحكة خفيفة وقال عارف من يوم خرجت معاك وأنا دخلت معارك ضد جن أكبر مني بكتير، وما خفتش ولا مرة, لكن النهارده أول مرة أخاف..

 سألته, خايف من التدريب؟
 هز رأسه بالنفي وقال لأ, أنا خايف أرجع بعد السنين دي وألاقيك احتجتني وأنا مكنتش جنبك، أو أرجع وأكون اتغيرت لدرجة متعرفنيش, الطور الجديد بيقولوا إنه بيغير الجني وأحيانا بياخد منه أكتر ما بيديله, أنا مش خايف على قوتي أنا خايف أرجع ومبقاش شدام اللي انت عرفته..

سكت لحظة، وبعدها فك من معصمه سوار أسود قديم كنت شايفه عليه من أول يوم، ومدهولي وقال, السوار ده معايا من قبل ما أعرف اسمك، وأقسمت زمان إنه ميفارقنيش طول عمري, النهارده هسيبه معاك..

 سألته بعيني ليه؟ رد بهدوء, لأن اللي بيسيب حاجة وراهلازم يرجع ياخدها, اعتبره وعد مني بالرجوع, والرجوع في أقرب فرصة كمان..

في اللحظة دي بدأ جن القبائل يظهروا من بين الكثبان، صفوف طويلة واقفين في هدوء غريب، ولا واحد منهم بيتكلم، وكأن الصحرا نفسها فتحت لهم طريق, تقدم كبيرهم خطوة وبص ناحية شدام نظرة معناها انتهى الوقت وتعالا معانا..

بصيت لشدام وأنا حاسس إن لساني تقيل، وكل الكلام اللي في دماغي اختفى، ومقدرتش أقول غير ارجعلي بسرعة, سواء أقوى أو أضعف مش مهم..

 ابتسم للمرة الأخيرة وقال هارجع بس المرة الجاية، مش هتكون أنت اللي بتحميني من قوتي هكون أنا اللي رجعت أقوى عشان أحميك بيها..

لف شدام ومشي مع الوفد، وكل خطوة كان بيبعدها كنت حاسس إن جزء مني بيتسحب معاه..

 كنت متوقع إنه هيكمل طريقه من غير ما يبص، لكنه قبل ما يختفي وسط الضباب وقف لحظة، ولف برأسه بسرعة، كأنه بيتأكد إني لسه واقف مكانى، ولما عيوننا اتقابلت هز رأسه هزة صغيرة، الهزة اللي كان بيعملها كل مرة قبل أي مهمة، وبعدها كمل طريقه واختفى بين أفراد القبائل، وساعتها لأول مرة من يوم دخلت عالم الجن حسيت إن الصحرا واسعة بشكل مرعب وإن غياب شدام خلّى المكان كله فاضي..


تعليقات