رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الخامس 5 بقلم ليلي طاهر


 رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الخامس 

ساد صمتٌ ثقيل في الصالة، لم يقطعه سوى "تكتكة" الساعة القديمة وصوت أنفاس لينا المرتعشة. سعاد، التي كانت قبل لحظات ترش الملح وتتخيل "النداهة"، جلست الآن على طرف الأريكة، وقد اختفت كل ملامح الريبة من وجهها، وتحولت إلى نظرة شفقة حقيقية.

قطع الصمت صوت إبراهيم بنبرة أبوية هادئة:
- "بصي يا بنتي.. أنا عارف إن الموقف أصعب مما تتخيلي، بس حاولي تفتكري أي حاجة.. أي رقم تليفون لأهلك؟ زمانهم دلوقتي قالبين الدنيا عليكي وقلقانين.. هاتي لي الرقم وأنا هخليكي تكلميهم حالاً ييجوا ياخدوكي."

في تلك اللحظة، تجمدت لينا في مكانها. نزلت دمعة من عينيها بصمت، وبدأ شريط الذكريات ينهش في قلبها؛ صورة جدها، وحبه الكبير لها الذي أضاعته، وعنادها عندما اختارت "عاصم" رغم معرفتها أنه ابن عدو أبيها الذي كان سبباً في موته بحسرته. ثلاث سنوات من القطيعة، وثلاث سنوات عاشتها وهي تظن أنه أحبها وصانها... حتى جاءت لحظة الحفلة المفاجئة التي رمى فيها كل شيء أرضاً، وطلقها وطردها أمام الجميع.

في سرها، كانت الأفكار تنهش روحها بمرارة:
(أرجع لمين؟ أرجع لجدي اللي كان روحه فيا؟ أروح له بوشي إزاي بعد ما بعته عشان خاطر عاصم؟ بعد ما اخترت اللي قتل أبويا بحسرته؟ نظرة عتابه ليا.. نظرة "مش أنا قولتلك يا بنتي؟".. دي لوحدها كفيلة تموتني. لأ.. الضلمة اللي أنا فيها دلوقتي أرحم بكتير من إني أواجه نظرة انكسار في عين راجل كان بيشوفني الدنيا وما فيها.)

فاقت من شرودها على صوت سعاد التي قاطعت وجعها بحنان أمومي:
- "يا حبيبتي ما تضغطيش على نفسك.. كل حاجة بتيجي بالراحة.. افتكري بس أي رقم، عشان قلب أهلك يرتاح يا بنتي."

نظرت لينا إلى سعاد وإبراهيم، وعيناها تحملان حزناً وامتناناً، ثم ضغطت على رأسها بيديها الاثنتين بقوة كأنها تغلق بوابة ماضيها، وهزت رأسها بضعف:
- "مش فاكرة... مش فاكرة حاجة... كل ما أحاول أفتكر، بحس الدنيا بتسود قدامي."

وانفجرت بالبكاء وهي تهمس بألم:
- "أنا... أنا مش عارفة أروح لمين."

شعرت سعاد بغصة في حلقها، وضمت يد لينا بين يديها بحنان:
- "خلاص يا بنتي، خلاص.. قدّر الله وما شاء فعل. ما دام مش فاكرة، يبقى رزقك إنك تقعدي معانا لحد ما ربنا يفرجها ويرجع لك ذاكرتك."

التفتت سعاد إلى إبراهيم الذي كان يراقب الموقف بصمت، وقالت بحزم:

- "اسمع يا أبو سيد، البت حلوة ومبقاش فيه أمان عشان نسيبها لوحدها، وأدينا أكلنا بنقسمه سوا يا خويا.. إحنا عمرنا ما قفلنا بابنا في وش حد محتاج"

هز إبراهيم رأسه بالموافقة، ورغم كل الهواجس، لم يجد في قلبه إلا الرحمة، خاصة عندما رأى النظرة المكسورة في عيني لينا؛ تلك النظرة التي كانت تخبئ وراءها ندماً لا يعلم مداه أحد.

قالت لها سعاد:
- "يلا يا حبيبتي قومي معايا خدي دش عشان تفوقي ويغسل البهدلة اللي إنتي فيها دي، وأنا هجيب لك حاجة مريحة من هدوم نورا بنتي عشان تنامي مرتاحة."

بعد أن خرجت لينا من الحمام وهي ترتدي عباءة صيفية قطنية بنصف كم، لونها وردي وعليها تطريز خفيف على الصدر، نظرت إليها سعاد وقالت:
- "بسم الله ما شاء الله.. إيه الجمال ده كله! تصدقي العباية هتاكل منك حتة؟ 
هي آه واسعة عليكي شوية عشان نورا بنتي أملى منك، بس طالعة عليكي زي القشطة."

نظرت لينا إليها بحزن وقالت:
- "شكراً يا طنط.. تسلمي."

ابتسمت سعاد وهي تحمل في يدها طبق مكرونة تعلوه قطعتان من البانيه وقالت:

- "يلا بقى يا حبيبتي كلي عشان تعرفي تنامي."

ردت لينا:
- "معلش يا طنط سامحيني، مش هقدر آكل، أنا محتاجة أنام."

ردت سعاد بغضب مصطنع:
- "إنتي كده بخيلة بقى! وأنا لو ماكلتيش هنيم عمك إبراهيم من غير عشا، يرضيكي الراجل ينام واقع من الجوع؟"

ابتسمت لينا بخفة وقالت:
- "خلاص هاكل."

سكتت لحظة، وتحركت أصابعها المرتجفة نحو يدها، ثم خلعت الخاتم الثمين من إصبعها وقالت:
- "طنط.. اتفضلي ده، بيعيه وخلي فلوسه معاكي لحد ما أشوف هعمل إيه."

تحولت نظرة سعاد إلى غضب، ودفعت يد لينا وهي تقول:
- "كده يا بنتي إنتي بتشتمينا! عايزة تدينا تمن أكلك ونومتك؟ إحنا صحيح ناس على قد حالنا بس بنفهم في الأصول كويس، وطول عمر بيت الأسطى إبراهيم مفتوح للغريب قبل القريب كمان. الخاتم ده يرجع في صباعك ومحبش أشوفه برة تاني!"

ردت لينا:
- "لا لا يا طنط والله ما أقصد أزعلك بس..."

قاطعتها سعاد بنبرة حنونة وهي تطبطب على كتفها:
- "من غير بس.. إنتي تاكلي طبقك كله، معنديش حد يرجع طبقه فيه أكل."

وبما إنك لابسة لبس نورا بقى، فحبيت أقولك إن الأوضة دي أصلاً بتاعتها، بس هي قاعدة عند خالتها بقالها يومين وهتقعد أسبوع بحاله عشان خالتها تعبانة وبتراعيها.. يعني الأوضة والسرير بتوعك يا قمر  لوحدك لحد ما نورا تيجي، خدي راحتك خالص ومتحسيش إنك مضايقة حد ولا واخدة مكان حد، ولما ترجع نورا بقى وقتها يبقى يحلها ألف حلال.. المهم دلوقتي ترتاحي."

سكتت سعاد لحظة، ثم ابتسمت وهي تغير الموضوع ببهجة:
- "هسيبك بقى تاكلي براحتك خالص عشان عارفة إنك هتتحرجي تاكلي وأنا واقفة فوق راسك، وتنامي وترتاحي، وعشان الصبح تقعدي تحكيلي.. إنتي شعرك ده صبغتيه بإيه؟"

ضحكت لينا بخفة وقالت:
- "هو لونه كده يا طنط."

تراجعت سعاد خطوة إلى الوراء وضربت صدرها بخفة وهي تهز رأسها بذهول:

- "يا ساتر يا رب! لونه كده من غير صبغة؟ يا بنتي ده أنا لو شوفتك بالليل لوحدك هقرأ المعوذتين قبل ما أسلم عليكي! قوليلي الحق... إنتِ بني آدمة ولا هتطلعلي جنية دلوقتي؟"

ضحكت لينا من قلبها لأول مرة وسط دموعها، فابتسمت سعاد بارتياح لأنها استطاعت إخراجها من حزنها، وتركت الطبق بجانبها على الكومودينو وقالت:
- "يلا يا حبيبتي، البيت بيتك، خدي راحتك خالص ومطرح ما يسري يمري.. هقفل الباب ورايا وأسيبك تاكلي وتنامي.. تصبحي على خير يا بنتي."

- "وإنتي من أهله يا طنط."

خرجت سعاد، وقبل أن تغلق الباب وراءها نادتها لينا:
- "طنط سعاد.. متشكرة أوي."

ابتسمت سعاد وأغلقت الباب بحرص لتترك لينا على راحتها وتنقذها من الإحراج.

وفي أرجاء الغرفة المضاءة، تغطت لينا برفق، ولم تمد يدها إلى الطعام؛ بل تركت دموعها المحبوسة تفيض بغزارة على الوسادة. بكت بحرقة على السنوات الثلاث التي ضاعت من عمرها، وعلى ثقتها التي دفنت تحت أقدام عاصم، وعلى جدها الذي تشتاق لحضنه لكن كبرياءها المكسور يمنعها من العودة إليه.

وضعت يدها على فمها لتكتم صوت شهقاتها حتى غلبها النوم من كثرة التعب والإرهاق.. لينتهي اليوم الأول للينا في عالمها الجديد.

*************

على الجانب الآخر، وفي بقعة مختلفة تماماً من العاصمة..

استيقظ عاصم على طرقات خفيفة ومنتظمة على باب مكتبه. كان قد قضى ليلته متكوراً على أريكة الجلد الباردة، يهرب من فراشه ومن كل شيء يذكره بها. وجهه مرهق وعيناه حمراوان من السهر وقلة النوم؛ ليلة الحفلة المشؤومة التي تحولت من عيد ميلاده إلى يوم دفن كبريائه، وطلاقه للينا وطردها أمام الجميع.

فرك وجهه بيده بإرهاق، واعتدل في جلسته على الأريكة وهو يزفر بضيق، ثم قال بنبرة رخيمة جافة:

- "ادخل."

انفتح الباب ودخلت الخادمة باحترام:
- "دكتور عاصم.. واحنا بنلم الجنينة بعد الحفلة، لقينا الموبايل ده واقع تحت الشجر."

نظر عاصم إلى الهاتف وتجمد في مكانه. إنه هاتف لينا... الذي سقط منها بالأمس.

أخذه منها بأنفاس هادئة:

- "حطيه هنا واعملي قهوة."

وضعته الخادمة وغادرت.

أمسك بالهاتف المكسور وضغط على زر التشغيل، لتضيء الشاشة بصعوبة وتظهر صورته معها... ضحكتهما قبل ثلاث سنوات مضت، قبل أن يكتشف أنها باعته.

أدخل كلمة المرور-تاريخ زواجهما-بأصابعه المرتجفة، انفتح القفل، فارتسمت على وجهه ابتسامة سخرية مريرة وهو يتأمل الرقم الذي لا يزال شاهداً على خديعة كبرى.

اتجه ناحية المكتب ليحتفظ بالهاتف في الدرج، وقبل أن يغلقه، أضاءت شاشة الهاتف معلنة عن وصول رسالة جديدة من رقم مجهول. عقد حاجبيه باستغراب، ثم سحب الهاتف مجدداً وفتح الرسالة.

تحول عاصم إلى تمثال، وهرب الدم من وجهه. حدق في الشاشة كأنه يرى شبحاً أمامه، بينما أفلت الهاتف من يده ليصطدم بالمكتب الرخامي، ويُحدث صدىً ثقيل تردد في أرجاء الغرفة الصامتة كأنه دوي انهياره هو شخصياً.

ظل واقفاً للحظات لا يتحرك، لا يكاد يتنفس، ثم همس بصوت ميت امتزج فيه الذهول بعدم التصديق:

- "إنتِ... بجد؟!"

وتراجع خطوة إلى الخلف، بينما تسارعت أنفاسه بعنف، وقبض على حافة المكتب بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.

وفي تلك اللحظة، شعر وكأن الأرض قد انسحبت من تحت قدميه، وكأن كل ما كان يظنه حقيقة طوال السنوات الماضية بدأ ينهار أمام عينيه.


تعليقات