رواية نبضات الصخر الفصل السادس بقلم هاجر سلامه
ساد صمت عميق وثقيل أركان الصالون القديم في بيت والدة نايا الراحلة. كانت الكلمات التي نطقت بها نايا لتوها معلقة في الهواء كقنبلة مو.قوتة انفجرت لتكشف عن حجم الوجع والمأساة التي تخفيها خلف قناع الكبرياء والوقاحة المصطنعة.
دموعها التي كانت تنزل ببطء على وجنتيها الشاحبتين كانت بمثابة وثيقة صدق لم يستطع معاذ أن يشك فيها للحظة واحدة.
نظر إليها معاذ وعقله يدور بسرعة جنونية.
تلاشت في ثوانٍ معدودة كل مشاعر الغضب والغل التي كان يحملها تجاهها بسبب "سيرين". أدرك الآن أن تصرفاتها الفظة وعرضها الغريب لم يكن نابعاً من غطرسة أو طمع، بل كان صرخة استغاثة أخيرة من فتاة يطاردها المرض، ويخنقها الوقت، وتحيط بها الذئاب من كل جانب في قصر أبيها.
انحنت نايا وضمت جسدها بيدها، وهي تبكي بحرقة وصوت منخفض : "أنا عارفة إنك شايفني وقحة وطماعة.. وعارفة إني دمرت حياتك مع سيرين.. بس أنا مكنش قدامي حل تاني يا معاذ. المرض بياكل فيا، والدكتور قالي إن الرحم خلاص بيموت.. لو ما بقيتش أم السنادي، عمري ما هسمع الكلمة دي في حياتي.. وأبويا هيضيع شقا عمر أمي ويديه لميرفت وابنها.. أنا ضايعة وخايفة أوي."
تحرك معاذ من مقعده بآلية مدفوعاً بنخوته ورجولته التي لم تحتمل رؤية هذا الانكسار.
خطى نحو الأريكة وجلس بجانبها مباشرة.
و في هذه اللحظة؛ فقد تلاقت الأرواح قبل الأجساد، وتحولت نظرات الجفاء إلى فيض من الحنان والاحتواء والشهامة التي طالما تميز بها هذا الشاب المحترم.
امتدت يد معاذ برفق ورفعت وجه نايا الشاحب لتلتقي عيناهما.
رأى في عينيها الخضراوين المنكسرتين طفلة مرعوبة تبحث عن حامٍ لها. همس لها بنبرة دافئة لم تسمعها منه من قبل: "بس.. اهدي يا نايا. اهدي ومتعيطيش.. أنا أسف إني حكمت عليكي من غير ما أعرف الوجع اللي في قلبك."
نظرت إليه نايا بذهول وسط دموعها، ولم تكد تنطق بحرف واحد حتى اندفع معاذ نحوها بكل ما أوتي من مشاعر مكبوتة وشهامة هزها ضعفها، وقبلها فجأة قبلة عميقة مليئة بالحنان والاحتواء، وكأنه يخبر بلمسته تلك أنه هنا لحمايتها، وأنه يمحو كل جدران الجليد والمسافات الرسمية التي بنوها بينهما.
تجاوبت نايا معه تلقائياً؛ فقد كانت بحاجة إلى هذا الدفء، بحاجة إلى من يشاركها حمل هذا العبء الثقيل. وفي غمرة تلك المشاعر الجارفة والتحول المفاجئ، سقطت كل الشروط والقيود والاتفاقيات المكتوبة على الورق، وحدثت بينهما العلاقة الزوجية الكاملة لأول مرة، لتتحول تلك الليلة في بيت المعادي القديم من مجرد صفقة عمل إلى بداية حقيقية لجواز معمد بالصدق والاحتواء.
في الصباح التالي، تسللت خيوط الشمس الذهبية لتنير الغرفة الدافئة.
فتحت نايا عينيها ببطء لتجد نفسها مستلقية في حضن معاذ، ويده تحيط بها بحنان وأمان لم تشعر به منذ وفاة والدتها.
نظرت إلى وجهه الوسيم وهو نائم، وشعرت لأول مرة منذ أشهر طويلة بالراحة والسكينة تسري في عروقها.
تحرك معاذ واستيقظ، ونظر إليها بابتسامة هادئة ودافئة : "صباح الخير يا نايا.. كأنك نمتي كويس لأول مرة؟"
احمرت وجنتا نايا بخجل وتراجعت قليلاً وهي تبتسم بنعومة وقالت : "صباح النور يا معاذ.. أنا فعلاً نمت من غير ما أحس بالوجع.. شكراً إنك جمبي."
قعد معاذ واعتدل في جلسته، وأمسك بيدها وضغط عليها بقوة وتحدث بحسم ورجولة: "اسمعيني جيداً يا نايا.. من هذه اللحظة، لستِ وحدكِ في هذه المعركة. شروط العقد القديمة تمزقت وانتهت، وأنا زوجكِ فعلاً وقولاً. سنحارب هذا المرض معاً، وسنحقق حلمكِ في الأمومة، وسنأخذ حق والدتكِ الراحلة من كل من يحاول المساس به."
انهمرت دموع الفرح من عيني نايا، وهزت رأسها بالموافقة وهي تشعر بأن الله أرسل لها هذا الرجل ليكون منقذها وسندها في الحياة.
بعد ذلك اليوم، انقلبت حياة الزوجين تماماً وتغيرت طريقة تعاملهما أمام الجميع. في صباح اليوم التالي، توجه معاذ مع نايا إلى عيادة طبيبها الخاص لمتابعة حالتها الصحية بشكل دقيق.دخل الزوجان إلى مكتب الطبيب الفخم يد بيد، واستقبلهما الطبيب بدهشة وترحيب عندما رأى ملامح نايا المشرقة ووجود معاذ بجانبها.تحدث معاذ باهتمام وجدية: "يا دكتور.. أنا معاذ جوز نايا. أنا عرفت كل حاجة عن حالتها والمرض اللي في الرحم، وجاي معاه عشان أفهم منك بالظبط إيه الخطوات المطلوبة والبرنامج العلاجي اللي لازم نمشي عليه عشان يحصل الحمل في أسرع وقت وبأمان على حياتها."
ابتسم الطبيب بارتياح ونظر إلى نايا وقال ب: "هذا هو الكلام الصحيح يا آنسة.. عفواً يا مدام نايا. وجود زوجكِ بجانبكِ ودعمه النفسي هو نصف العلاج. الحالة النفسية كانت تؤثر سلباً على استجابة الرحم للعلاج."
ثم التفت إلى معاذ وفتح الملف الطبي وتابع : "الحالة تحتاج إلى نظام غذائي صارم، وحقن تثبيت وتنشيط هرموني بشكل دوري ومكثف خلال الشهور الثلاثة القادمة لزيادة فرص الحمل قبل فوات الأوان. وأي مجهود بدني زائد أو عصبية قد يفسد الأمر."
أومأ معاذ برأسه بصرامة وقال : "تمام يا دكتور.. أنا بنفسي هتابع مواعيد الحقن والأكل، والشغل في الشركة أنا اللي هشيل الحمل الأكبر عنه عشان نايا ترتاح تماماً. اكتب لنا كل التفاصيل وإحنا هنلتزم بالحرف."
خرجت نايا من العيادة وهي تشعر بروح جديدة تدب في جسدها.
ركبت السيارة بجانب معاذ الذي كان يمسك بورقة المواعيد ويدرسها باهتمام شديد كأنه يراجع ميزانية مصيرية للشركة.
التفتت إليه نايا وقالت بامتنان : "معاذ.. أنا مش عارفة أقولك إيه. أنت بتعمل كل ده عشان بعد كل اللي أنا عملته فيك؟"
نظر إليها وعيناه تشعان حباً واحتواءً وقام بتقبيل يدها وقال : "أنا بعمل كده عشان أنتِ مراتي يا نايا.. وعشان البنت القوية اللي شفتها بتنهار متهونش عليا أبداً. إحنا داخلين حرب مع ميرفت ومع الوقت، ولازم نكسبها سوا."
عادا إلى الشركة، ودخلا معاً ككتلة واحدة صلبة لا يمكن اختراقها.
لاحظ الموظفون التغيير الكبير؛ فلم تعد نايا تعامله برسمية وجفاء، ولم يعد معاذ ينظر إليها ببرود، بل أصبح يرافقها في كل خطوة، ويحميها بنظراته وصارمته.وعندما علمت ميرفت بذهاب معاذ مع نايا إلى الطبيب ومرافقته لها في كل مشاويرها، اشتعلت نيران الغيرة والحقد في قلبها مجدداً، وأدركت أن اللعبة تعقدت كثيراً، وأن معاذ لم يعد موظفاً يمكن كسره، بل أصبح درعاً وسيفاً يحمي نايا السيوفي ويقودها نحو الانتصار.
