رواية فوق جبال الهوان الفصل الثاني والسبعون 72 بقلم منال سالم


 رواية فوق جبال الهوان الفصل الثاني والسبعون 

قبل لحظات من محاولة اقتحام قسم الشرطة، احتشد مجموعة من الأشقياء، والخارجين عن القانون، ممن تظهر عليهم علامات الإجـــرام بوضوح، يرتبون فيما بينهم ويراجعون خطة استعادة أحد رفاقهم المحتجزين بالداخل باستخدام القوة الجـبـرية، من أجل إثبات مدى سيطرتهم على المنطقة، وتخطي نفوذهم حدود القــانون مهما حاولت الداخلية ردعهم. تزعم أحدهم قيادة أتباعه مُلقيًا بتعليماته المشددة عليهم:
-"حودة" هيطلع النهاردة، مش هنسيبه تحت إيد الحكومة، كل واحد فيكم عارف هيعمل إيه؟
اهتزت رؤوسهم بالإيجاب المصحوب بصيحات الحماس، ليضيف مؤكدًا:
-لازم الحكومة تعرف إننا مش هفية ولا لُقمة سايبة، حتى لو روحنا فيها كلنا!! 
ليرد أحدهم بنفس النبرة المتحفزة:
-احنا معاك يا مَريسة.
ألبس رأسه وشاحًا صوفيًا أسود اللون ليخفي ملامحه وهو يهدر في خشونةٍ:
-اجهزوا يالا.
في أقل من لحظاتٍ كان الجميع على أهبة الاستعداد لإكمال مهمتهم المحفوفـــة بكل أنواع المخاطر.
..........................................
من موضعه، استطاع "غيث" أن يرى هؤلاء الملثمين وهم مقبلون نحو باب القسم، كانوا يشبهون في أسلوبهم المروع أمثال من قابلهم من المطاريد، وساكني الجبال، فانطلقت غرائزه الدفاعية بشكلٍ تلقائي ليسرع في خطاه ممسكًا بذراع "دليلة"، جذبها بقــوة نحو رواق جانبي متفرع من الردهة الرئيسية، تتواجد فيه الغرف الأمنية المعاونة والمخصصة لتقديم خدمات الضيافة، فشهقت من الصدمة، لتنظر خلفها في ارتياعٍ معتقدة أن أحد هؤلاء الأشقياء أسرها، هدأ روعها عندما وجدته، وانساقت معه بلا مقاومة ساحبة معها شقيقتها، ليأتيها صوته المحذر بخوفٍ حقيقي:
-حاسبي!
سألته بنبرتها المرتعشة، وكل ما فيها يرتجف:
-هو إيه اللي بيحصل؟
أكد لها ساعيًا لبث الطمأنينة لنفسها المرتاعة:
-متخافيش طول ما أني جارك.
النظرة الصادقة في عينيه، والموجهة صوبها فقط، أشعرتها بالأمان رغم ما تجابهه من أهوال، فاستمدت منه ما افتقرت إليه.
........................................
حدث ما حدث في لمح البصر، وصدحت أصوات إطلاق الأعـــيرة النـــارية، أعقبه صراخ وصياح، لتعم الفوضى سريعًا في الأرجاء، كل ما استطاع "غيث" فعله خلال تلك اللحظات العصيبة هو محاولة الزود عن "دليلة" ومنع الطلقات الغادرة من الوصول إليها، فيما انكفأت الأخيرة على شقيقتها "إيمان" لتحميها أيضًا، وهدير صراخهما المفزوع يعلو مثل البقية، بينما أسرع "عادل" بالانضمام إليهم للاختباء أثناء الهجوم الغاشم.
على الجانب الآخر، ولولت "نجاح" هلــعًا من معايشة تلك التجربة الحية، وجَثت على ركبتيها واضعة حقيبتها على وجهها لتحتمي بها، وابنها إلى جوارها يصيح في ارتعابٍ:
-الحقيني يا ماما، هو في إيه؟
همهمت في صوتٍ مرتعش محمل بالسخرية:
-ياخويا ألحق نفسك الأول....
لتوجه بلومها الحانق إلى العسكري المتواجد معهما:
-ما تعمل حاجة يا شاويش، إنت واقف تتفرج وبس؟
أمرها الأخير في صوتٍ خشن وهو متخذٌ وضعية الاستعداد للهجوم بواسطة ســـلاحــه الميري:
-إداري يا ست، خديلك ساتر أحسن!
دوت أصوات الأعيرة من جديد، وبقوةٍ أكبر، لتصرخ "نجاح" مستغيثة:
-يا لهــــوي! هي الحرب قامت ولا إيه؟!!
وراحت تزحف على ركبتيها باحثة عن موضعٍ آمن تختبئ فيه، وقلبها انخلع من شدة الخوف.
........................................
صرخ الملثم مهددًا وهو يقف على أعتاب باب القسم مطوحًا ببندقيته الآلية، حيث اشتبك مع القوة التأمينية المرابطة وتسبب في إحداث إصابات جسيــمة بهم:
-مش هنمشي من هنا إلا و"حودة" معانا!
امتاز أحد الضباط بالشجاعة والإقدام، فتحرك في خفةٍ نحو الباب الحديدي المثبت بالردهة، والموجود على مقربة من مدخل القسم، فقد تم تصميمه لإغلاقه عند حالات الطوارئ، لمنع اقتحام الغرباء للمكان. وقف باستبسالٍ أمام الملثم يتحداه بصوته الجهوري، وقد امتدت يده لتضغط على أرقام تفعيل القفل الإلكتروني: 
-اللي بتقوله ده مش هيحصل حتى لو فيها مـــوتي!
اغتاظ الملثم مما اعتبره غباءً مفرطًا من قبله، خاصة عند مواجهة شــبح المــوت، وهدده بتبجحٍ:
-يبقى تتشاهد على روحك!
وصوب نحوه فوهـــة البندقية، وإصبعه يضغط على الزنـــاد ليصيبه في صدره، فانطرح الضابط أرضًا والدمــاء تـغرق ثيابه الرسمية؛ لكنه نجح في غلق البوابة، ليصيح الملثم متذمرًا:
-فكرك كده هتمنعني أدخل؟ يالا يا رجالة، طربقوا المكان على اللي فيه!!
بدأوا في تنفيذ أوامره، ومحاولة تحطيم البوابة بما لديهم من أسلحة متوفرة.
لسوء حظهم كانت هناك فرقة تأمينية أساسية قابعة خلف القسم، تحركت فور أن سمعت أصوات الاشتباك، لتحاصرهم من كل جانب بعدما أبعدت المواطنين والمارة عن محيط القسم، فأصبح المشهد مثيرًا ودمــويًا للغاية.
سرعان ما أُلقيت القنــابل المسيلة للدموع، فعم دخانها الحــارق الأجواء، وسعل جميع من بالداخل تأثرًا به. هتفت "دليلة" بصوتٍ مختنق وهي تضع يدها على صدرها:
-مش قادرة أخد نفسي.
أشار "غيث" بإصبعه نحو حجاب رأسها قائلًا:
-غطي خاشمك بطرحتك.
استجابت لنصيحته في الحال، بينما اشتكت "إيمان" هي الأخرى بصوتٍ متألم، والدموع تسيل من حدقتيها:
-عينيا بتحرقني!
ليرد عليها "عادل" وهو يخرج منديلًا ورقيًا ليناولها إياه:
-معلش، هو صعب شويتين.
أخذته منه ومسحت به دموع عينيها الملتهبتين، لتعود "دليلة" وتتساءل بقلبٍ يدق في ذعـــرٍ:
-احنا كده هنموت؟
مرة أخرى طمأنها "غيث" بصوته الواثق، وعيناه لا تبرحان وجهها:
-بعون الله مش هيحصل، وأني فداكي يا ست البنات، مش هسمح لمخلوق مهما كان مين يمس طرفك.
كانت ممتنة حقًا لوجوده، وإلا لانهارت أعصابها من هول ما ترى، كذلك تحدث "عادل" مفترضًا:
-إن شاء الله تعدي على خير، المكان أكيد مش متساب من غير تأمين.
أمن عليه "غيث" أيضًا بما يدعم رأيه:
-مظبوط، هما إهنه جار الحكومة، مش طابونة إياك!
في خلال بضعة دقائق تم وأد محاولة الاقتحــام من مهدها وإفشالها بالكامل، ليقوم الضباط بإلقاء القبض على المتورطين فيها، وإخراج كافة الرهائن الأبرياء، بجانب استدعاء سيارات الإسعاف لإنقاذ المصابين.
..........................................
أبقت قوات الشرطة على كافة الحاضرين لبعض الوقت للإدلاء بشهاداتهم عما دار خلال محاولة الاقتحام الغاشمة، فظل الأربعة مجتمعين معًا إلى أن انتهى التحقيق، فغادروا خارج القسم، وبقوا بجوار سيارة "عادل" لبرهةٍ من الزمن، ليقوم بإحضار زجاجات المشروبات الباردة ليتناولوها. استطردت "إيمان" تتكلم بنبرة يغشاها الذهول:
-أنا مش مصدقة لحد دلوقت اللي شوفناه جوا، ده كأنه فيلم أكشن.
علق عليها "عادل" مبتسمًا بابتسامةٍ لطيفة:
-المهم إننا طلعنا منه على خير.
لتضيف "دليلة" قائلة في نبرة شبه جادة:
-مافيش داعي نحكي لماما على اللي حصل.
التفتت شقيقتها ناحيتها، وأيدتها في رأيها:
-معاكي حق، هي تعبانة ومش هتستحمل، ده مش بعيد أصلًا ماتصدقش اللي هنقوله، هتفتكرنا عاملين حوار.
ما زال السعال يزعج "دليلة" كلما حاولت التحدث، فوقف "غيث" أمامها يسألها باهتمامٍ، وهو يشملها بنظرته الفاحصة:
-إنتي بخير يا ست البنات؟ لساتك مخنوقة؟ ننادم على ضاكتور من الموجودين إهنه؟
هزت رأسها نافية:
-لأ، أنا تمام الحمد لله...
رفعت حدقتيها للأعلى ناظرة إلى رأسه، وسألته بحاجبين معقودين:
-بس إنت عامل إيه؟ دماغك بتوجعك ولا حاجة؟
قال وهو يتحسس موضع إصابته الذي ما زال يتعافى منها:
- ما تشغليش بالك بيا، ياما دجت على الراس طبول.
..............................
في نفس النطاق، بعد أن أدلت بشهادتها، تمكنت "نجاح" من إجراء محادثة سريعة مع ابنها قبل أن يتم إعادته لغرفة الحجز، ليوصيها بضرورة الذهاب إلى حماه، وطلب المساعدة منه، فعبر وساطاته ونفوذه الواسع لن يمكث كثيرًا هنا. خرجت من القسم وهي تعبث بهاتفها المحمول لتتصل بزوجها الذي يبدو حضوره مثل غيابه بلا فائدة على الإطلاق. 
توقفت عند نهاية الدرج الرخامي لتتجمد نظرتها الحاقدة على وجه "إيمان"، فاشتعل الغل بصدرها، وهرعت تجاهها لتصب جام غضبها عليها، فانزلق لسانها يعنفها بوقاحةٍ سافرة:
-كله منك يا فقر يا وش البومة...
ما لبث أن تخشبت "إيمان" في وقفتها مصدومة من هجومها اللفظي المتكرر عليها، ذاك الذي يجردها من كل شيء، ويجعلها تشعر بالضآلة والعجز، فيما استمرت "نجاح" في استحقارها بوضاعة لسانها السليط، وقد قاب قوسين أو أدنى من بلوغها:
-المكان اللي بتحطي رجلك فيه بيتقلب كيانه في لحظة.
تدخل "غيث" ليلزمها حدها، وحال بجسده ذي الطول الفاره بينهما:
-ما تحاسبي على لسانك يا حُرمة إنتي.
بينما أسرعت "دليلة" بإبعادها عن مرمى بصر تلك المرأة الحقود مرددة:
-تعالي معايا يا "إيمان" بعيد عن الست دي، خلينا نركب العربية أحسن.
لكن فظاظتها طالتها أيضًا حينما نعتتها بلا حياءٍ:
-واحدة معيوبة والتانية لامة الرجالة حواليها، نسب يعر.
انفلتت شهقة مستنكرة من جوف "دليلة"، واستدارت لتنقض عليها، إلا أن "غيث" استوقفها قائلًا بخشونةٍ:
-عنك إنتي، أني هجطع خبرها.
ليسرع "عادل" بالتدخل بعقلانية لوقف ذلك الصراع قبل أن يتفاقم، فهدر في لهجة محذرة وتحمل الصرامة في ذات الآن:
-شوفي يا مدام لو ما لمتيش لسانك هعملك محضر سب وقذف، وهخليكي تباتي في التخشيبة مع ابنك، وساعتها إنتي اللي هتوطي تبوسي رجلينا علشان نتنازل.
احتدت نظرتها إليه، وسألته في غيظٍ:
-إنت بتقول إيه؟
رد بثباتٍ:
-اللي سمعتيه...
ثم رفع من نبرته مناديًا:
-يا حضرت الظابط..آ...!
على الفور ارتدعت "نجاح"، وتراجعت مهرولة بعيدًا عنهم وهي تدمدم في حقدٍ:
-غوروا في داهية.
راقبها "عادل" حتى انصرفت من محيطهم، ليستدير باحثًا بعينيه عن "إيمان" التي أجهشت بالبكاء تأثرًا بالموقف، فزفر في ضيقٍ واضح، وتلافى النظر إليها لئلا يتضاعف حنقه، ويتخلى عن هدوئه، ويهب للانقضاض على تلك المرأة اللعينة ويقتص منها. استمع إلى "غيث" وهو يقول بجديةٍ:
-تتحرج مطرح ماهي واجفة، خلونا نمشي من إهنه، ونرجعوا البيت.
لتهتف "دليلة" معترضة:
-لازم أعرفها مقامها.
رد عليها محاولًا إقناعها بالعدول عن رغبتها العدائية تلك:
-مش وجته، وعشان خيتك كمان لساتها مضايجة.
نظرت بتعاطفٍ إلى شقيقتها الباكية التي انزوت بالسيارة، وانكمشت على نفسها، وكأنها تهرب من الأعين التي تُدينها، فاضطرت لكبت غضبها متمتمة:
-ماشي، المرادي بس.
لن ينكر "غيث" أن أسلوبها في الانفعال وطريقتها في الدفاع عن أحبتها تُشعره بالسرور، فمازحها بمرحٍ وهي تفتح الباب لتستقر بالمقعد الخلفي للسيارة:
-طول عمرك شديدة.
جمدت يدها على الباب، وطالعته بنظرة منزعجة وهي تسألها:
-بتتريق حضرتك؟
ليقول باسمًا وهو يشير لها:
-ولا أجدر!
لم تقل شيئًا، وجلست في موضعها، ليقوم "غيث" بغلق الباب، والجلوس في المقدمة مراقبًا –في الخفاء- من مرآته الجانبية تلك الإيماءات المتذمرة التي تصدر عنها.
........................................

............................................
انتظرت بفارغ الصبر، طيلة فترة بقائها خارج البوابة الأمنية لذلك المجمع السكني الراقي، قدوم المسئول الإداري عنه للحديث معها، بعدما رفض الفرد الأمني دخولها دون تصريحٍ، وكأنها تشكل خطرًا على قاطنيه. 
ظلت "نجاح" تهز ساقها في عصبية وهي جالسة على الكرسي المعدني، راحت تخاطب نفسها في تحفزٍ:
-لازم حماه يحل الموضوع ده النهاردة، مش معقول يسيب جوز بنته محبوس.
لتراودها تلك الأفكار المتشوقة وهي تتأمل السيارات الفارهة التي تعبر البوابة بنظامٍ عجيب، تاهت في أحلامها الطامعة بنيل مكاسب الدنيا، والتمتع بها، فاستمر حديث نفسها المتحمس:
-مش المفروض ابني يسكن هنا ويجيبني أعيش معاه شوية، احنا يعني مانشبهش الناس اللي أعدة في الحتة دي.
انتشلها من شرودها الحالم صوت الرجل الجاف الذي أخذ يكلمها بقدرٍ من التحفظ:
-خير يا مدام، حضرتك عايزة إيه؟
رأت النظرة الهازئة التي اعتلت عينيه وهو يتأمل هندامها غير المرتب. كان محقًا في التقليل من شأنها ومطالعتها بتلك الطريقة المستخفة، فنظرًا لضيق الوقت وحساسية الموقف لم تتمكن من تبديل ثيابها، وكيف تفعل ذلك ووضع ابنها على المحك؟ كانت مرغمة على التصرف بعجالةٍ، فأتت إلى هنا بعد خروجها من قسم الشرطة. 
انتصبت "نجاح" في جلستها، وتوقفت عن هز ساقها لتخاطبه بعنجهيةٍ:
-أنا عايزة أقابل "مدحت" بيه، ابني يبقى جوز بنته "فادية"، الأستاذ "راغب" آ...
لم يمهلها الفرصة لتكمل كلامها، وقاطعها بنبرة رسمية:
-للأسف مش هينفع يا مدام.
اربد وجهها بعلامات الضيق من أسلوبه المتعجرف، فهي لم تأتِ للتسول منه، قست نظراتها وسألته في استهجانٍ:
-ليه إن شاء الله؟ فكرك أنا بكدب يعني؟ لأ عندك، إنت ماتعرفش هو ممكن يعمل فيك إيه لو عرف إنك منعت حماة بنته إنها تدخل.
رد عليها بهدوءٍ:
-يا مدام الحكاية مش كده.
أمسكت بهاتفها المحمول، وراحت تظهر له تلك الصور التي التقطتها بعدسته وهي تصيح في وجهه بعصبيةٍ:
-بص شوف في الموبايل، دي صور فرح ابني، ودي صورتي، بص كويس، أنا دي ولا مش أنا؟
نفخ المسئول الإداري في ضجرٍ، وحاول قدر استطاعته توضيح الأمور لها مرددًا:
-كل اللي بتقوليه على دماغي يا مدام، بس "مدحت" بيه مش موجود.
لترد في إصرارٍ:
-خلاص هستناه في فيلته، مش مرات ابني جوا.
أخبرها بجديةٍ:
-حضرتك مش فهماني، "مدحت" بيه ساب الكومبوند وسافر.
قطبت جبينها متسائلة في دهشةٍ:
-نعم؟ سافر؟
تنفس الصعداء أخيرًا لأنها بدأت في استيعاب ما يقوله، وأضاف:
-أيوه، وعرض الفيلا للبيع.
ليتفاجأ بها تستنكر الأمر بانفعالٍ جم:
-إيه الكلام ده؟ إنت كداب!
هتف في صبرٍ يكاد ينفد:
-يا مدام أنا هكدب ليه؟ ومصلحتي إيه من كده؟
ردت عليه بحدةٍ وهي تشيح بيدها بطريقة مستفزة:
-شوف إنت بقى، تلاقيك مفكرني مش أد المقام، صدقني اللي عملته ده مش هيعدي على خير!!!
تخلى عن هدوئه المعتاد ليهتف هو الآخر بصوتٍ مرتفع:
-يا مدام إنتي اللي مش عايزة تسمعيني، بقولك "مدحت" بيه سافر برا البلد، ومعاه بنته مدام "فادية"، والفيلا معروضة للبيع.
صرخت في غير تصديقٍ:
-يعني إيه؟ ابني كده ضاع؟!
استمر على أسلوبه الجامد في التعامل معها، وأخبرها بصرامةٍ:
-من فضلك لو في مشاكل حليها بعيد عن هنا، السكان منزعجين من وجودك...
وفرقع بإصبعيه مناديًا على أحدهم:
-معاها يا أمن لبرا!
ليرافقها الفرد الأمنى خارج بوابة المجمع قبل أن يتركها بعدما ابتعدت بالقدر الكافي عن المكان، سارت بتخاذلٍ وقد تهدل كتفاها في تحسرٍ وإحباط، ظلت تتساءل في ذهولٍ:
-طب أتصرف إزاي؟
بدت وكأنها تقف في وسط المجهول، تنظر حولها بعينين زائغتين، ارتعش الهاتف في يدها وهي تهمهم:
-لو "راغب" عرف جايز يجراله حاجة!!
عبثت بقائمة جهات الاتصال مرددة في عزمٍ:
-أنا هكلم جوزي يتصرف، ولو هو فالح يسيبني أنا أحل كل حاجة لواحدي!!!
......................................
جلب عمال الفِراشة المقاعد الخشبية، وقاموا برصها على امتداد رصيف المحل التجاري الذي أُضيت لوحته الجديدة بتلك الإنارات البراقة، لتصدح بعد ذلك من السماعات الضخمة أصوات الأغاني الشعبية إيذانًا بافتتاحه. وقف "زهير" مستندًا على رأس عكازه الخشبي، ومتعمدًا الظهور بمظهر مغاير كليًا لما كان عليه، يتلقى التهاني من سكان المنطقة بابتسامةٍ مرسومة بعناية.
من يتطلع إليه للوهلة الأولى وهو حليق الرأس، مرتديًا جلبابه الرمادي الواسع، ويده تمتد لتهذب ذقنه الكثيفة التي تخللتها شعيرات بيضاء لتعطيه وقارًا زائفًا، يظن أنه أحد أولئك الرجال الأثرياء القادمين من أقاصي الأرض لتوسعة نشاطهم التجاري.
احتشد حوله أتباعه المخلصين بجانب أهالي المنطقة، ليشهدوا بأنفسهم على مظاهر الاحتفال المليئة بالترف، فقد أحضر بعض الأضــاحي لتفريق لحومها على الجميع، كنوعٍ من توطيد سلطانه في هذا المكان بشكلٍ ماكرٍ وخفي.
اقترب أحد السكان ممددًا يده لمصافحته وهو يقول:
-ربنا يجعلها فاتحة خير عليك يا حاج "صالح".
ابتسم بوداعة الذئب وهو يرد:
-تسلم وتعيش، اتفضل ده مكانك.
اقترب منه آخر يهنئه:
-مبروك يا حاج.
صافحه بحرارةٍ مجاملًا إياه:
-الله يبارك فيك.
ثم التفت نحو أحد رجاله يأمرهم:
-وزعوا الشربات على الناس.
ليأتي إليه الجـــزار متسائلًا وهو يسن نصل سكيــنه ليصبح أكثر حدية:
-نــدبــح يا حاج؟
أشار إليه قائلًا بابتسامةٍ عريضة مخادعة:
-اتوكل على الله يا ابني، خلي الناس تفرح معانا.
سمع أصوات التهليلات المبتهجة لإعلانه، ونظر جانبه عندما شكره أحدهم:
-ربنا يكرمك يا حاج "صالح".
اكتفى بالربت على صدره، مدعيًا تواضعه، فيما استطردت إحدى السيدات تمتدحه:
-شكله ابن بلد الحاج "صالح" ده، من الناس الطيبين بتوع زمان، اللي خيرهم لغيرهم.
شاركتها أخرى في الحديث قائلة باسترسالٍ:
-من قبل ما يفتح محله وهو عمال يراضي كل الناس الغلابة، ومافيش حد قصده في حاجة إلا وجبر بخاطره.
لتتصعب الأولى بشفتيها هاتفة:
-هو لسه في ناس بالشكل ده في زمانا الأغبر؟
لكزتها الثانية في كتفها تستحثها على التحرك معها وهي تخبرها:
-بينا نلحق حتت لحمة بدل ما المفاجيع ياكلوها.
هرولت كلتاهما سريعًا نحو الذبــائح التي يتم توزيع لحومها لتنالا نصيبهما، فيما ثبت "زهير" عينيه على بناية عمة "دليلة"، وفي رأسه تدور فكرة واحدة فقط، أقام لأجلها كل ذلك. أطبق على شفتيه بقوةٍ، بينما اشتدت أصابعه على رأس عكازه مغمغمًا مع نفسه: 
-مسيرك تظهري، وساعتها هتلاقيني مستنيكي، أخلص منك القديم والجديد ............................................. !!!

تعليقات