رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الخامس والسبعون 75 بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الخامس والسبعون 

"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "

عاد الزمن يدور دورته من جديد، وكأن الساحة التي هدأت يومًا تستعد لاستقبال عاصفة أخرى.

هناك من ظن أن المجد انتهى، وأن الأسماء التي كانت تتصدر الحكايات أصبحت مجرد ذكرى، لكن بعض النجوم لا تأفل، وبعض الملوك لا يتنازلون عن عروشهم مهما طال الغياب.

وفي زاوية أخرى من الحكاية، كانت القلوب تكتب حكاياتها الخاصة؛ قلبان يعيشان نعيم الحب وكأن العالم خُلق لأجلهما وحدهما، وقلب يواصل خوض معركته، متمسكًا بما يحب رغم أن الرياح لا تجري كما يشتهي، وآخر يحدق في معجزة صغيرة جاءت إلى الحياة لتغير ملامح حياته إلى الأبد.

أما البعض، فكانت المسافات والحواجز أقوى من رغباتهم، يقفون على طرفي الحلم دون أن يستطيعوا العبور. وبين كل ذلك، بدأت قلوب أخرى تخفق بإيقاع جديد، إيقاعٍ خافت في البداية، لكنه يحمل وعدًا بقصة لم تُكتب فصولها بعد.

فهل تكون العودة بداية انتصار جديد... أم أن الأيام تخفي خلف أبوابها ما سيبدّل موازين الجميع

وصل إلياس إلى قسم الشرطة برفقة يزن وأرسلان.
ما إن توقَّفت السيارات حتى ترجَّلوا جميعًا على عجل.
اندفع يزن إلى الداخل بخطواتٍ متعثِّرة، وقلبه يخبط داخل صدره بعنف حتى كاد يسمعه، فمنذ اتِّصال آسر به وهو يشعر وكأنه انتُزع من واقعه وأُلقي في عالمٍ آخر لا يفهم منه شيئًا.
كلمات ابنه ما زالت تتردَّد داخل رأسه بلا توقُّف:
"إحنا متَّهمين بالقتل."
جملة واحدة كانت كفيلة بأن تسحب الأرض من تحت قدميه.
في الخلف، كان إلياس يسير بجوار أرسلان بوجهٍ متجهِّم وعينين مضطربتين:
- إيه اللي حصل بالظبط، وإزاي رولا وآسر كانوا مع بعض هناك؟
زفر أرسلان بقوة وهو يهزُّ رأسه:
_ معرفش..كل اللي عرفته إن آسر اتَّصل بيزن وقال إنهم متَّهمين بقتل كارما..كارما اللي بلال كان متجوزها.
توقَّف إلياس فجأة في منتصف الممر، وكأنَّ الكلمات صفعته:
_ إيه؟!
التفت إليه أرسلان:
_ اللي سمعته.
اتَّسعت عينا إلياس بذهول:
_ وفين الكلام ده؟
_ في شقَّة بلال القديمة.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم بدأ إلياس يربط الأحداث ببعضها وعقله يرفض استيعابها:
_بس..الشقَّة دي مش آسر أخدها بعد بلال؟
أومأ أرسلان:
_ أيوه.
_ وآسر أصلًا مبيروحهاش! لسه من يومين بيكلِّمني وبيقول عايز يغيَّر ديكورها، لأنها قريبة من مكتبه عن بتاعة العاصمة، يبقى إيه اللي حصل؟!

_طيب إيه اللي حصل بالظبط يا إلياس؟!
لم يجد الآخر إجابة.
فاكتفى بالإشارة نحو الداخل:
_ هنفهم كلِّ حاجة جوه.
بداخل مكتب الضابط...
كان المشهد كافيًا ليعصر القلب.
جلست رولا على المقعد وهي ترتجف بالكامل، أصابعها متشبِّثة بذراع أخيها بقوة وكأنها تخشى أن تُسحب منه في أي لحظة.
وجهها شاحب بصورة مخيفة، وعيناها متورِّمتان من كثرة البكاء.
كانت تبكي بانهيارٍ كامل، لا ترى أمامها سوى صورة طفلها.
طفلها الذي تركته بين ذراعي ضي، ولم تتخيَّل أنَّها قد تنتهي هنا.
ضمَّها آسر إلى صدره بقوة، يحيط كتفيها بذراعه يحاول تهدئتها:
_ رولا..اهدي يا حبيبتي، اهدي.
لكنها انفجرت في نوبة بكاءٍ أعنف:
_ إحنا هنتسجن يا آسر..هنتسجن!
شهقة مؤلمة خرجت منها وهي تهزُّ رأسها بعنف:
_ ابني..ابني زمانه بيعيَّط دلوقتي..أكيد بيدوَّر عليَّا.
انكسر صوتها تمامًا:
_ عايزة أروح لابني..والنبي يا آسر عايزة أروح لابني.
شعر آسر وكأنَّ قلبه يتمزَّق..لأوَّل مرَّة يشعر بالعجز ولا يعلم ماذا عليه أن يفعل. 

كان ينظر الى هشاشتها بقلبٍ يصرخ، تجلس الآن كطفلة ضائعة ترتجف من الخوف.
ضمَّ رأسها إلى صدره وربت على شعرها بحنان:
- بصيلي.
رفعت عينيها الغارقتين بالدموع إليه..
فابتلع ألمه وقال بثباتٍ يحاول التمسُّك به رغم الرعب الذي ينهشه من الداخل:
_لا..مش هتتسجني، قولي لي إنتِ إيه اللي جابك الشقَّة؟.

روت له ماصار معها، كان يستمع إليها باهتمام، فقال بخبرته القانونية:
_الرسالة دي مسحتيها ولَّا لسة موجودة؟. 
موجودة على التليفون، بس الظابط قفله وأخده.

مسح دموعها بإبهامه:
_طيب حبيبتي، بطَّلي عياط، أنا كلَّمت بابا وهوَّ جاي، وهتروحي معاه، متخافيش طول ما أنا عايش محدش هيقدر يلمسك بسوء.
ارتجفت شفتاها وهي تنظر إليه.
أمَّا هو فكان يخفي خوفه خلف ذلك الثبات.
لأنَّه في الحقيقة..لم يكن يفهم ما يحدث.
لم يكن يعرف كيف وصلت كارما داخل تلك الشقَّة.. 
ولا لماذا وُجد هو ورولا هناك.. 
ولا كيف تحوَّلت دقائق قليلة إلى كابوس يهدِّد بتدمير حياتهم جميعًا.
حاول أن يستعيد ما حدث، لكن رأسه كان أشبه بصفحة ممزَّقة لا تحمل سوى أجزاء مبعثرة من الذكريات.
آخر ما يتذكَّره أنه كان يتحدَّث مع مهندس الديكور، يناقشه في بعض التعديلات التي يرغب بإجرائها داخل الشقَّة..ثم انقطع كلَّ شيء.
فرك جبينه بألم، وكأنَّ الضغط على رأسه قد يعيد إليه ما ضاع، لكن دون جدوى.
توقَّف مع دخول والده:
_آسر...
هبَّ من مكانه فورًا، وكأنَّ صوت والده كان طوق النجاة الوحيد وسط ذلك الضياع.
ركضت رولا نحوه، ارتمت بين ذراعيه وهي تنتحب بعنف:
_بابا..الحقني..هيسجنونا!
اهتزَّ قلب يزن بعنف وهو يضمُّها إلى صدره.
ابنته ترتجف بين ذراعيه كطفلةٍ ضائعة.
مرَّر يده على رأسها بحنان وهو يحاول تهدئتها رغم الفزع الذي ينهش صدره:
_اهدي يا حبيبتي..مفيش سجن ولا حاجة..أنا هنا.
رفع رأسه ونظر بين ولديه، عيناه تمتلئان بالعجز والألم..لم يكن يرى متَّهمين أمامه..بل كان يرى أبنائه، فلذات كبده.
يراهما منهارين أمامه وهو عاجز عن انتزاع الخوف من قلبيهما.
ابتلع غصَّته وسأل بصوتٍ مبحوح:
_إيه اللي حصل يا بابا؟
تساءل بها بوصول إلياس وأرسلان.
رفع آسر رأسه نحوهما، بينما ازداد بكاء رولا:
_أنا عايزة أروح يا بابا..عايزة أروح لابني..ابني بيعيَّط.
شهقت بين كلماتها وهي تمسح دموعها بيدٍ مرتجفة:
_أنا عايزة ابني... 
شعر يزن وكأنَّ قلبه يُعصر بين ضلوعه.
احتضن وجهها بين كفَّيه وقبَّل رأسها:
_هتروحي يا حبيبتي..والله هتروحي.
ثم أجلسها إلى جواره والتفت إليها مجدَّدًا:
_احكيلي..كنتوا هناك ليه؟
رفعت عينيها الحمراوين نحو أرسلان للحظة..نظرة طويلة، مرتجفة، مليئة بالخوف والصدمة.
ثم هبطت عيناها إلى الأرض، اختنقت الكلمات داخل حلقها.
ولم يخرج منها سوى البكاء، بكاء موجوع...كأنَّ روحها هي التي تبكي لا عيناها.
اقترب إلياس من آسر وقد بدت الصدمة واضحة على وجهه:
_إيه اللي حصل يا آسر، وإزاي أصلًا تبقى متَّهم في قضية زي دي؟
أغمض آسر عينيه لثوانٍ يحاول ترتيب أفكاره المبعثرة، ثم قال بصوتٍ متعب:
_أنا كنت مسافر قنا...والمهندس كلِّمني علشان يروح الشقَّة ويشوف التعديلات اللي اتفقنا عليها.
بلَّل شفتيه الجافَّتين وأكمل:
_وصلت هناك...وبعدها مش فاكر حاجة.
نظر إلى الجميع بحيرة حقيقية:
_والله العظيم مش فاكر.
قبض على شعره بعنف:
_حاسس إنِّ جزء كامل من اليوم اتمسح من دماغي.
ارتفع صوته للمرَّة الأولى وقد بدأ الذعر يتسلَّل إليه:
_صحيت على صراخ رولا، وكارما غرقانة في دمَّها وسلاحي جنبي ... والناس بتقول أنا ورولا متَّهمين في جريمة قتل. 
ساد الصمت..صمتٌ ثقيل خانق.
لم يُسمع خلاله سوى شهقات رولا المتقطِّعة.
بينما وقف يزن ينظر إلى أبنائه وقلبه يتمزَّق.
ابنه الذي يبدو ضائعًا لا يفهم كيف وصل إلى هنا..وابنته التي انهارت بالبكاء 
انحنى إلياس على ركبتيه أمام آسر، مثبتًا عينيه في عينيه مباشرة:
_اسمه إيه المهندس ده، وعرفته إزاي، وكان عارف إنَّك مسافر؟
أجاب آسر بإرهاق:
_السكرتيرة هيَّ اللي رشَّحته، طلبت منها مهندس ديكور وهيَّ اللي دوَّرت وجابتلي رقمه.
اعتدل إلياس قليلًا، بينما تدخَّل أرسلان فورًا:
_اسمه إيه المهندس ده، ومكتبه فين؟
_العنوان ورقم تليفونه عندي.
_رحتله قبل كده؟
_أكيد يا عمُّو، ومش أوَّل مرة نتقابل.
ساد الصمت لثوانٍ.
رفع أرسلان رأسه نحو إلياس الذي كان غارقًا في التفكير، ثم قال:
_كلِّم مالك، خلِّيه يشوف كاميرات العمارة كلَّها، أكيد النيابة شمَّعت الشقَّة دلوقتي، بس يشوف أي كاميرات خارجية أو محلَّات قريبة، يمكن نلاقي حد دخل أو خرج.
أومأ إلياس برأسه قبل أن يلتفت إلى آسر:
_آخر حاجة فاكرها؟
مرَّر آسر يده فوق وجهه:
_كنت بتكلِّم مع المهندس..وبعدها مش فاكر أي حاجة.
_يعني إيه مش فاكر؟
سأله أرسلان بحدَّة.
_يعني حرفيًا مش فاكر..كأنِّي اتفصلت عن الدنيا، فوقت على صوت رولا وهيَّ بتناديني.
التفتت الأنظار جميعها نحو رولا.
تساءل إلياس بهدوء:
_ورولا راحت هناك ليه أصلًا؟
خفضت رأسها أكثر، لكن آسر أجاب بدلًا منها:
_لأن حد بعتلها رسالة من رقم مجهول.
قطب إلياس حاجبيه:
_رسالة إيه؟
ابتلع آسر ريقه وقال:
_صورة لبلال مع كارما..وكلام يوحي إنِّ بينهم علاقة.
شهق يزن، بينما اشتعل وجه أرسلان غضبًا.
التفت نحو رولا قائلًا:
_ولمَّا توصلك رسالة زي دي تجري لوحدك؟!
ارتجفت شفتاها...ولم تقوَ على الحديث.
صاح ارسلان غاضبًا:
_دايمًا تهوُّر، دايمًا أخطاء وبنسامح، نفسي تفكَّر مرَّة واحدة. 
دنا منها وانحنى يرمقها بنيرانٍ من عينيه:
_رايحة تثبتي إنِّ جوزك بيخونك، طب الذكية مفكَّرتش إنِّ بنت عمُّه كانت بتولد وهوَّ معانا، ولَّا عشقيته كانت وحشاه.
_أرسلان...
قالها إلياس بتحذير.
_إنتَ مش سامع البلاوي، رايحة لوحدها لشقَّة مقفولة عشان رسالة من رقم مجهول!..عايز أعرف عقلها فين.
انهمرت دموع رولا أكثر:
_أنا غلطت...
زفر أرسلان بقوَّة وأدار وجهه بعيدًا:
_شوف إزاي هطلَّعها من التهمة وهتبرَّر وجودها هناك إزاي، وخاصَّةً الشقَّة دلوقتي لآسر. 
_بس رولا يا عمُّو وصلت بعد ضرب كارما. 

رفع إلياس رأسه:
_إنتَ عرفت إزاي وكنت غايب عن الوعي؟.
_لأن رولا هيَّ اللي فوَّقتني..أنا كنت فاقد الوعي فعلًا لمَّا وصلت.
ساد الصمت..ثم أردف:
_دخلت لقتني واقع على الأرض، ولقت كارما مضروبة بالنار، حاولت تفوَّقني الأوَّل، وبعدها حاولت تنقذ كارما.
عقد أرسلان حاجبيه.
_وفيه حد يثبت الكلام ده؟
أومأ آسر:
_بنت عمِّ كارما.
نظر إليه الجميع باهتمام..
فأكمل:
_هيَّ اللي دخلت بعد رولا، وشافتها وهيَّ بتحاول توقف النزيف وتطلب الإسعاف.
تنفَّس إلياس ببطء:
_وده مش دليل. 
قالها ثم نظر إلى رولا.
جلس أرسلان أخيرًا على المقعد وهو يفرك وجهه بعصبية:
_نشوف الكاميرا، بس ده ما يحلِّش المشكلة الأساسية.
نظر إليه يزن:
_أي مشكلة؟
أشار نحو آسر:
_إن صاحب الشقَّة هوَّ آسر.
ثم تابع بصوتٍ ثقيل:
_والجيران شافوا آسر ورولا جوه الشقَّة.
صمت الجميع:
_وكارما مضروبة بالرصاص.
ازداد شحوب الوجوه..
وأكمل:
_وآسر مش فاكر حاجة من وقت ما كان مع المهندس لحدِّ ما فوِّقته رولا.
أغلق آسر عينيه بإرهاق.
فقال إلياس بعد لحظات من التفكير:
_يبقى دلوقتي أهمِّ حاجتين... المهندس اللي كان آخر واحد مع آسر، وصاحب الرسالة اللي بعت رولا هناك.
رفع أرسلان رأسه وأومأ ببطء:
_بالضبط.
ثم نظر إلى آسر نظرة جادَّة:
_لأنِّ اللي حصل ده مش صدفة.
_تقصد إيه؟
سأله يزن.
فأجاب أرسلان:
_واحد بعت رولا للشقَّة في نفس الوقت اللي آسر كان فيه فاقد الوعي، وفي نفس المكان اللي حصلت فيه الجريمة.

ثم تابع :
_وده معناه إنِّ فيه حد رتَّب كلِّ دا، علشان بلال ورولا يُّتَهموا بالجريمة.
قاطعهم دخول العسكري:
_وكيل النيابة عايز المتَّهمين. 
هبَّ يزن من مكانه: 
_متَّهمين إيه، ولادي مش متَّهمين!.
_يزن اهدى، أشار إلى آسر:
_خد أختك وروح لوكيل النيابة، وإحنا هنتصرَّف.

دقائق مرَّت على الجميع بطيئة كأنَّها أعوام، حتى وصل راكان إلى المكتب الذي ينتظرون فيه.
دلف إلى الداخل بهيبته المعتادة ونظرته المريبة التي تبثُّ الصمت في المكان، فهبَّ الجميع واقفين احترامًا له..ألقى التحيَّة ثم اتَّجه نحوهم.
تقدَّم إليه إلياس وصافحه قائلًا:
_آسف يا راكان باشا، تعبتك وجبتك على ملا وشَّك.
هزَّ راكان رأسه بهدوء:
_ولا يهمَّك يا إلياس، المهم أعرف في إيه، بصراحة مفهمتش حاجة من التليفون.
بدأ إلياس يقصُّ عليه ما حدث منذ البداية، بينما استمع راكان باهتمام شديد دون أن يقاطعه، حتى انتهى.
عقد حاجبيه وقال:
_طيب..ومدام رولا راحت هناك في الوقت ده ليه؟
وقبل أن يجيب أحد، نطق أرسلان بحدَّة:
_علشان الأستاذة غبية.
استدار إليه يزن فورًا، وقد اشتعلت عيناه غضبًا:
_ومين اللي وصَّلها لكده يا أرسلان، مش ابنك؟
رفع أرسلان حاجبه ساخرًا:
_ابني! إنتَ مصدَّق اللي بتقوله ده؟
صاح يزن بفظاظة:
_أيوة، ابنك اللي خلَّاها متثقش فيه.
ضحك أرسلان ضحكة قصيرة خالية من المرح ثم قال:
_والله..حتى غباءها هتشيله لابني يا يزن؟
ثم اعتدل في جلسته وأكمل بنبرة قاسية أصابت الجميع بالصمت:
_تعرف مين اللي وصَّل بنتك لكده؟ إنتَ، من وهيَّ صغيرة كانت تغلط، وإنتَ عمرك ما حاسبتها..كلِّ مرَّة كنت تبرَّر لها.
اشتدَّت ملامح يزن، لكن أرسلان لم يتوقَّف:
_أوَّل مرة كانت هضيَّع نفسها، والمرَّة التانية ضيَّعت أخوها..والنهاردة بص إحنا وصلنا لإيه.
ثم نظر إليه مباشرة وقال ببرودٍ قاتل:
_افرح بإنجازاتك يا باشا.
انعقد فكُّ يزن بقوة، وارتجفت يداه من شدِّة الغضب:
_أرسلان محدش طلب مساعدتك. 

وقف بينهما صائحًا:
_اتجنِّنتوا، طيب اعملوا للراجل الغريب حساب!.
تراجع يزن يمسح على وجهه بغضب، وارتفعت أنفاسه..
ربت إلياس على كتفه: 
_اهدى، العصبية مش هتعمل حاجة، ثم التفت إلى أرسلان:
_وإنتَ كمان، الوضع مش متحمِّل.
جلس أمام راكان: 
_آسف، الكل على أعصابه.
_متفهِّم الوضع، بس لازم الباشمهندس يسيطر على نفسه شوية، خلِّينا نفكَّر بهدوء. 
رمقه إلياس: 
_هيهدى، لازم غصب عنه يهدى.

توقَّف راكان أمام يزن: 
_بعد الكلام دا، أكيد الحادثة مدبَّرة، علشان التوريط، وعلى ما أظن إنَّك المقصود يادباشمهندس، ماهو لو آسر، مكنوش اتَّصلوا ببنتك، ولو بنتك مكنوش ورَّطوا ابنك.

وفيه حاجة كمان لفتت نظري، الشقَّة اللي وقعت فيها الجريمة، بما إن مفيش حد عارف إنَّها بقت لابنك يبقى التوريط للعيلة. 
سحب راكان المقعد وجلس بمقابلته: 
_يزن حاول تتذكَّر، ليك عدواة مع حد؟.
كان يحتضن رأسه بين كفَّيه، وكأنَّه لم يكن موجودًا، وحديث راكان والماضي كلُّه أمام عينيه.
_باشمهندس.
رفع رأسه يطالعه وتمتم بخفوت:
_ما ليش عدوات مع حد، التفت إلى إلياس الشارد: 
_معتقدش إن آسر له عدواة مع حد. 
_طيب مش ممكن إحد الموكِّلين اللي ضدِّ قضاياه اللي بيترافع فيهم؟.
تساءل بها إلياس. 
_معرفش..قالها صارخًا، بعدما فقد السيطرة. 
ردَّ راكان وقال:
_لا..الموضوع مش مرتبط بآسر. 
قاطعهم صوت العسكري: 
_المتَّهمين خرجو يا باشا من عند عثمان باشا. 
نهض راكان من مكانه وأشار إليهم: 
_هشوف القضية ماشية لفين، وان شاء الله خير 
توقف ارسلان وهو يحاول ربط الاحداث الاخيرة 
_فيه حاجة اتأكد منها الأول ياراكان، لو كدا يبقى الموضوع مش عداوة مع غريب
_ارسلان.... صاح بها الياس الذي رمقه بنظرة ذات مغذى ثم توقف قائلًا
_المهم دلوقتي ياراكان شوف وكيل النيابة اللي ماسك القضية، مش عايز اسر يبات في الحجز، انا دلوقتي بطالبك كأب مش عايز الواد يبات مع المجر. مين 
هز رأسه بأسف لالياس
_للاسف ماليش في المواضيع دي ياالياس، وانت عارف
استند على مكتبه وقال برجاء خاص
_هتعمل كدا بدافع الأبوة ياراكان، انا متأكد انك مصدق انه مظلوم
_مش مهم أنا، المهم القانون، الموضوع مترتب بذكاء للاسف 
اعتدل الياس 
_المجر. م دايمًا بيوقع بغلط تافه، وإن شاء الله خلال الاربع ايام دول براءئته هتظهر
_بتمنى ياالياس، دلوقتي الامل الاكبر في البنت 
هز إلياس رأسه برفض
_ممكن مانطلعش منها بحاجة، زي ماقولت اللي رتب ذكي، يعني ممكن البنت مشفتش حاجة، زي مااسر مش فاكر حاجة 

بالمشفى...
_يعني إيه قالت هروح مشوار؟!
صاح بها بلال بصوتٍ حاد مرتجف.
اقتربت منه والدته وربتت على ذراعه بحنان: 
_حبيبي اهدى..يمكن راحت تشتري حاجة.
رفع عينيه إليها، ثم أشار إلى ساعة يده بعصبية واضحة:
_ماما..الساعة اتناشر بالليل! حضرتك مستوعبة أنا بقول إيه؟
تدخَّلت رحيل محاولةً تهدئته: 
_بلال، ممكن تهدى؟ يمكن تليفونها فصل، أو الشبكة وحشة.
لكن كلماتها لم تصل إليه.
في تلك اللحظة ارتفع بكاء يوسف بقوة، فالتقطته والدته سريعًا، بينما مرَّر بلال يده في شعره بعجزٍ يكاد يفتك به:
_أنا لازم أرجع..ممكن ترجع ومتلاقيش ضي هناك، وتقلق على يوسف.
ربتت والدته على كتفه: 
_طيب يا حبيبي..روح إنتَ، وأوَّل ما توصل طمِّنا.
أوقفته ضي قبل أن يتحرَّك، وقالت بهدوء رغم القلق الذي ينهشها:
_ممكن لمَّا ترجع متتخانقش معاها... أكيد رولا مستحيل تسيب يوسف إلَّا لأمر ضروري.
نظر إليها للحظة، ثم ضمَّ طفله إلى صدره بقوة: 
_أنا مش زعلان منها يا ضي..أنا قلقان عليها.
ارتجف صوتها وهي تبتسم محاولةً طمأنته:
_إن شاء الله خير يا حبيبي.
نطقتها غرام هي الأخرى، لكن قلبها لم يكن مطمئنًا.
بينما كانت رحيل تحاول الاتصال برولا للمرَّة التي لا تحصى..
وفي كلِّ مرَّة..كان الصمت وحده يجيب.
غادر بلال أخيرًا وهو يحمل الصغير بين ذراعيه، بينما ظلَّت العيون تتابعه حتى اختفى..ساد الصمت للحظات، صمتٌ ثقيل..كأنَّه ينذر بشيء لا يريد أحد الاعتراف به.
جلست غرام مكانها وداخلها شعور مؤلم يتسلَّل ببطء إلى صدرها، شعور غامض لا تعرف له اسمًا، لكنَّه يضغط على قلبها بقوة.
جلست ضي بجوارها، ثم همست بصوتٍ خافت:
_ماما..أنا قلقت.
رفعت غرام بصرها نحو رحيل.
التي ما تزال تحدِّق في شاشة هاتفها بوجهٍ شاحب، وكأنَّها تنتظر أن يضيء باسم ابنتها في أي لحظة.
ابتلعت غرام قلقها وقالت لضي سريعًا:
_متقوليش كده قدَّام طنط رحيل... كفاية اللي هيَّ فيه، بلاش نزوِّد قلقها.
ثم أضافت محاولةً إقناع نفسها قبل ابنتها:
_يمكن شوية وترجع.
صمتت قليلًا، ثم التفتت إليها:
_إنتِ مروحتيش مع أخوكي ليه؟ ممكن تكون لسه مرجعتش، وهوَّ هناك لوحده.
نهضت ضي من مكانها وهي تنظر نحو غرفة شمس:
_هشوف يوسف الأول..ولو لقيت الوضع كده هروح، المشكلة إنِّ شمس لسه مفقتش، وكمان بابا مش موجود.
فجأةً تذكَّرت غرام أرسلان..
التقطت هاتفها سريعًا واتصلت به.
جاءها صوته بعد عدَّة رنَّات:
_أيوة يا غرام.
_أرسلان...إنتَ في البيت؟
ساد صمت قصير قبل أن يجيب:
_لا...أنا في مشوار مهم، لو مفيش حاجة ضروري نتكلِّم بعدين.
تجمَّدت للحظة من نبرة صوته..كانت نبرة جافة...متوترة...ومختلفة.
_أه..رولا خرجت من فترة طويلة ولسه مرجعتش.
لم يرد فورًا، ثم قال بصوتٍ بدا أكثر حدَّة:
_تمام..هشوف هيَّ فين.
_طيب متنساش...بلال هيتجنِّن عليها.
_قولت خلاص يا غرام...لازم أقفل.
قالها وأغلق الخط.
أنزلت الهاتف ببطء وهي تحدِّق في الشاشة السوداء.
شعرت أنَّ قلبها انقبض دون سبب واضح.
شيء ما حدث..كانت متأكِّدة من ذلك.
لكزتها ضي برفق بعدما لاحظت شرودها:
_ماما..فيه إيه؟
رفعت غرام عينيها إليها، وبداخلها خوف لم تستطع تفسيره:
_معرفش...
همست بها وهي تنظر إلى الهاتف بين يديها:
_بس أبوكي...أكيد فيه حاجة حصلت معاه..ثم تماسكت سريعًا وأضافت:
_قومي روحي لأخوكي، ولمَّا رولا ترجع طمِّنيني فورًا.
أومأت ضي برأسها:
_تمام...هشوف يوسف. 

داخل الغرفة بدأ وعيها يعود إليها ببطء، تتحرَّك بين الألم والضباب الذي يلفُّ رأسها.
انتفض حمزة من مقعده فور أن لمح ارتجاف جفنيها، واقترب منها بسرعة وكأنَّ روحه كانت معلَّقة بتلك اللحظة.
انحنى يمسِّد على خصلاتها المرتَّبة وهمس بصوتٍ اختلط فيه الراحة بالخوف:
_شمس...حبيبتي...افتحي عيونك.
رفرفت أهدابها مرَّاتٍ عدَّة قبل أن تفتح عينيها بصعوبة، ما إن وقع بصرها عليه حتى همست اسمه بصوتٍ واهن:
_حمزة...
أغمض عينيه للحظة وكأنَّ تلك الكلمة أعادته للحياة، ثم طبع قبلةً طويلة فوق رأسها.
اقترب يوسف سريعًا وهو يبتسم:
_شموسة..حبيبة أخوها.
حاولت النظر إليه، لكن التعب كان أثقل من قدرتها على التركيز.
اقتربت ميرال واحتضنت كفَّ ابنتها بين يديها، تقبِّله بحنانِ أمٍّ كادت تفقد قلبها قبل ساعات:
_حبيبتي...إنتي كويسة، حاسة بإيه؟
تحرَّكت شفتاها بصعوبة:
_ابني...
توقَّفت تلتقط أنفاسها قبل أن تكمل بضعفٍ مؤلم:
_عايزة أشوف ابني...
مرَّرت ميرال أصابعها بين خصلاتها بحنان/
_شوية وهيجيبوه يا قلب ماما... المهم قوليلي حاسة بإيه؟
أغمضت شمس عينيها من شدَّة الألم وهمست:
_كويسة...
ثم ضغطت على بطنها باكية:
_بس بطني بتوجعني يا ماما...
ابتسمت ميرال رغم ألمها عليها:
_حبيبتي ده طبيعي..لسه والدة.
لكن دموع شمس انسابت رغماً عنها:
_بس بيوجع أوي...
نهض حمزة سريعًا، وكأنَّ صبره انتهى:
_أنا هجيب الدكتورة...لازم تعمل أي حاجة وتوقف الوجع ده.
أوقفته ميرال بهدوء:
_اصبر يا حبيبي...الألم طبيعي وهيهدى شوية بشوية...
توقَّف ينظر إليها، أومأت ميرال: 
_علشان قيصرية، ساعتين تلاتة وتكون طبيعي. 
_كتير أوي ياطنط، هتفضل تتوجع كدا.
_حبيبي مش ولادة، ثم نظرت إلى ابنتها:
_وشموسة هتتحمِّل علشان المامي لازم تكون صبورة.

عاد يجلس بجوار زوجته، أمسك يدها بين كفَّيه، ثم رفعها إلى شفتيه وقبَّلها برفق:
_أحسن مامي في الدنيا، تطلَّعت إليه مبتسمة:
_جبت إيه يا حمزة، ولد ولَّا بنت؟.
_ولد..همس بها حمزة، أغمضت عيناها
_الحمد لله، كلِّ اللي يجيبه ربِّنا كويس.
ابتسم إليها وقال:
_حمد لله على سلامتك يا روح قلبي...
أغمضت عينيها وهي تشدُّ على يده، كأنَّها تستمدُّ منه القوة لتتحمَّل.
في تلك اللحظة دوى طرقٌ خفيف على الباب، ثم دخلت ضي.
توقَّفت عند الباب لحظة وهي ترى شمس مستيقظة، فارتسمت ابتسامة على وجهها: 
_شموسة...حمد لله على سلامتك يا حبيبتي.
اكتفت شمس بابتسامةٍ صغيرة بصعوبة.
اقتربت ضي من يوسف وهمست:
_يوسف...
التفت إليها، فشدَّته بعيدًا عن السرير قليلًا:
_أنا هرجع البيت.
قطَّب حاجبيه:
_دلوقتي؟
أومأت برأسها:
_بلال مشي ومحدش عارف حاجة عن رولا...وأنا قلبي مش مطمِّن.
زفر باختناق ثم أومأ:
_هوصلك.
_لا...هرجع بعربيتي.
تنهَّدت وهي تمسح دموعًا تجمَّعت بعينيها:
_كلِّمت بابا ومفيش أي خبر...ومش عارفة ليه حاسة إنِّ فيه حاجة غلط.
شرد يوسف للحظات ثم تمتم:
_يعني عمُّو ميعرفش هيَّ فين..ولا بابا كمان؟
هزَّت رأسها بالنفي.
قبض على فكِّه بقوة:
_إزاي رولا تختفي كده؟
_المهم لازم أمشي...الحمد لله إن شمس بقت كويسة.
_استني ثانية...عاد يوسف نحو والدته:
_ماما...بابا فين؟
رفعت ميرال رأسها عن ابنتها.
ابتسمت بحنان، ثم انحنت وقبَّلت جبين شمس:
_بابا قال أوَّل ما تفتح عينيها أبوسها مكانه.
ارتعشت شفتاها وهي تتأمَّل ابنتها، ثم نظرت إلى حمزة:
_خلِّيك جنبها...وأنا هروح أشوف الممرِّضة تجيب البيبي.
وقفت وسحبت يوسف معها إلى الخارج، و تبعتهما ضي.
توقَّفت ميرال أمام ابنها:
_بابا خرج من شوية...
ثم أضافت بقلقٍ واضح:
_ومعرفش ليه حاسة إن فيه حاجة حصلت..أبوك ميخرجش إلَّا إذا الموضوع كبير.
تنهَّدت ضي وعيناها تمتلئان بالدموع:
_يارب الموضوع ميكونش متعلِّق برولا...
التفتت إليها ميرال بسرعة:
_مالها رولا؟
تبادل يوسف وضي نظرة سريعة..
ثم قال محاولًا إنهاء الحديث:
_مفيش يا ماما...رولا راحت مشوار ولسه مرجعتش بس..
ضيَّقت ميرال عينيها:
_بس؟
أشاح يوسف بنظره:
_وإحنا قلقانين عليها.
وقعت عيني ميرال على رحيل التي كانت تقف بجوار غرام بصمتٍ مخيف، شاحبة الوجه، تضمُّ ذراعيها إلى صدرها وكأنَّها تحاول منع قلبها من الانهيار.

اقتربت ميرال منهما ببطء، بينما تحرَّك يوسف مع ضي نحو الخارج.
ربتت على ذراع ابنها قبل أن يغادر:
_شوف أبوك...وشوف عمَّك مالك كمان.
أومأ يوسف وهو يحاول إخفاء القلق الذي بدأ يلتهمه:
_حاضر...هوصَّل ضي وأرجع فورًا.
غادرا المشفى سريعًا...

بعد فترة خرج راكان من مكتب وكيل النيابة.. 
هبَّ يزن مقتربًا منه: 
_إيه يا راكان؟.دلف إلى المكتب وجلس: 

_بالنسبة لرولا هتطلع، علشان الكاميرات جبتها بعد ما دخلت، بس مش دلوقتي، لسة الإجراءت.
_طيب وآسر؟. 
تساءل بها إلياس. 
عاد راكان بجسده: 
_لسة..الموضوع مش سهل ولا بسيط 
ولسة عند رأيي دا انتقام شخصي، ممكن يكون عداوة شغل مع آسر، بس بالأكتر مع يزن.
توقَّف أرسلان وهو يحاول ربط الأحداث الأخيرة: 
_فيه حاجة أتأكِّد منها الأوَّل يا راكان، لو كدا يبقى الموضوع مش عداوة مع غريب.
_أرسلان...صاح بها إلياس الذي رمقه بنظرةٍ ذات مغذى ثم توقَّف قائلًا:
_المهم دلوقتي ياراكان شوف وكيل النيابة اللي ماسك القضية، مش عايز آسر يبات في الحجز، أنا دلوقتي بطالبك كأب مش عايز الواد يبات مع المجر. مين. 
هزَّ رأسه بأسف لإلياس:
_للأسف ما ليش في المواضيع دي يا إلياس، وإنتَ عارف.
استند على مكتبه وقال برجاءٍ خاص:
_هتعمل كدا بدافع الأبوة يا راكان، أنا متأكِّد إنَّك مصدَّق إنُّه مظلوم.
_مش مهم أنا، المهم القانون، الموضوع مترتِّب بذكاء للأسف. 
اعتدل إلياس: 
_المجر. م دايمًا بيوقع بغلط تافه، وإن شاء الله خلال الأربع أيام دول براءئته هتظهر.
_بتمنَّى يا إلياس، دلوقتي الأمل الأكبر في البنت. 
هزَّ إلياس رأسه برفض:
_ممكن مانطلعش منها بحاجة، زي ما قولت اللي رتَّب ذكي، يعني ممكن البنت مشفتش حاجة، زي ما آسر مش فاكر حاجة. 

نهض أرسلان وكأنه تذكَّر شيئًا بالغ الأهمية:
_إلياس..افتكرت حاجة مهمَّة!
استدار إليه الجميع، فتابع أرسلان وهو يخرج هاتفه بتوتر:
_فيه كاميرا ذكية في الشقَّة..أنا اللي ركبَّتها بنفسي وقت ما بلال كان قاعد هناك، يمكن تكون سجِّلت أي حاجة.
طالعه راكان باهتمام، ورفع هاتفه فورًا:
_قولًُهم يا أرسلان محدش يلمس أي حاجة..هكلِّم الظابط دلوقتي، وكلِّ الإجراءات لازم تبقى قانونية.
ثم التفت إلى إلياس بنظرةٍ جادَّة:
_المهندس ده أكبر خيط عندنا دلوقتي..والبنت اللي اتضربت، لو فاقت ممكن تدِّينا معلومة تقلب القضية كلَّها.
صمت لحظة قبل أن يكمل بنبرةٍ حازمة:
_إلياس، خلِّي كل حاجة تمشي بالقانون..أنا كلَّمت وكيل النيابة بنفسي، وكلَّمت محامي من المكتب عندي يتابع القضية متقلقش..راجل ثقة.
ثم أضاف:
_وهكلِّم جاسر الألفي يشوف لنا ظابط كفؤ يمسك القضية من أوِّلها لآخرها.
تنهَّد إلياس بامتنان:
_شكرًا يا راكان..تعبناك معانا.
اقترب راكان وربت على كتفه:
_ولا شكر ولا حاجة لكن أوعى تتهوَّر، اللي عمل كده أكيد كان عارف عواقب اللي بيعمله، بس أنا حاسس إن فيه حاجة غلط في الصورة كلَّها. هتابع القضية بنفسي..متقلقش.
ودَّعهم وغادر.
نظر يزن إلى إلياس وقد بدا الإرهاق على ملامحه:
_يعني رولا هتبات هنا..وآسر كمان؟
اقترب أرسلان منه وربت على كتفه محاولًا تهدئته:
_متقلقش، هتصرَّف..زي ما راكان قال، موضوع رولا سهل يتوضَّح، وآسر هكلِّم ناس تساعدنا لو احتجنا.
هزَّ إلياس رأسه معترضًا:
_لا يا أرسلان..راكان مارفضش يساعد. هوَّ بس مضطَّر يقول كده قدَّامنا..لكن أنا واثق إنه مش هيسيب آسر يتحبس..يمكن يقعَّدوه في مكتب الظابط لحدِّ ما الأمور تتِّضح.
وقبل أن يرد ارتفع رنين الهاتف.. 
نظر إلى الشاشة بسرعة ثم أجاب إلياس بسرعة فقابله صوت يوسف:
_بابا...حضرتك فين؟
ابتعد إلياس عن الجميع وخرج إلى الممر:
_أنا في القسم يا يوسف...قولِّي، أختك عاملة إيه؟
جاءه صوت يوسف: 
_الحمد لله...فاقت.
أغمض إلياس عينيه للحظة، ثم قال: 
_الحمد لله...
استمع الى حديث يوسف:
_المهم..حضرتك عرفت إن رولا لسه مرجعتش لحدِّ دلوقتي؟
صمتٌ قصير قبل أن يجيب إلياس بصوتٍ خافت:
_يوسف...رولا وآسر موجودين في قسم الشرطة.
ضغط يوسف على الفرامل بعنف حتى كادت السيارة تنحرف، وتجمَّد الدم في عروقه:
_إيه؟!
ابتلع ريقه بصعوبة:
_ليه؟..
أغمض إلياس عينيه للحظة قبل أن ينطق :
_متَّهمين في قضية قتل كارما...وكلِّنا هنا.
شهقة مؤلمة لتتسارع أنفاسه بصورة مرعبة.
_قتل؟!..
خرجت الكلمة من شفتيه كهمسٍ مميت:
_رولا وآسر...قتل؟!
لم يستوعب عقله ما سمعه.
جاءه صوت إلياس حادًّا:
_اسمعني كويس يا يوسف، متسيبش أختك لوحدها..مش عايز تهوُّر ولا رد فعل قبل ما نفهم اللي حصل.
أغلق يوسف عينيه بقوة محاولًا استجماع نفسه.
_بلال فين؟
_في بيته..لسه موصَّل ضي عنده دلوقتي، ارتجف قلب يوسف بعنف، وتابع:
_ دا بلال هيتجنِّن عليها يا بابا.
كيف سيخبرونه أنَّ زوجته متَّهمة في جريمة قتل؟
وكيف ستكون حالته عندما يعرف أن القتيلة هي كارما؟
مرَّر يده المرتجفة فوق وجهه ثم قال بصوتٍ مبحوح:
_أنا جاي حالًا.

_يوسف...استنى، هتيجي إزاي وتسيب أختك لوحدها؟
جاءه صوت يوسف حاسمًا رغم الإرهاق الذي ينهش جسده:
_جوزها معاها يا بابا...لازم أشوف آسر دلوقتي، شمس بقت كويسة والحمد لله.
تنهَّد إلياس بعمق، لكنه لم يجد ما يقوله.
أغلق الهاتف ببطء، وظلَّ للحظات جامدًا خلف المقود..عيناه مثبَّتتان في الفراغ، وأنفاسه متقطِّعة.
بعد وقتٍ قصير...
وصل إلى قسم الشرطة..ترجَّل من سيارته مسرعًا، ودلف إلى الداخل بخطواتٍ متلاحقة وقلبه يخفق بعنف.
بعينين مضطربتين أخذ يبحث بين الوجوه، حتى وقع بصره على يزن الجالس مع أحد الرجال الذي بدا من هيئته أنه المحامي.
تحرَّك مباشرة نحو والده:
_بابا...
استدار إليه إلياس فورًا، وما إن رآه حتى عقد حاجبيه بضيق:
_مش قولتلك خلِّيك مع أختك؟
_آسر ورولا فين؟
مسح إلياس على وجهه بإرهاق شديد، والغضب والعجز يأكلانه من الداخل:
_جوَّا..مع الظابط.
ثم أشار بيده نحو الخارج:
_ارجع عند أمَّك وأختك.
هزَّ يوسف رأسه رافضًا:
_عمُّو إسحاق هناك...وشمس بقت أحسن، شوية وهروح لها.
ظل َّإلياس ينظر إليه لثوانٍ، ثم انحنى يلتقط هاتفه من فوق الطاولة:
_خلاص..خلِّيك هنا، وأنا هروح لهم.
تحرَّك عدَّة خطوات، لكنَّه توقَّف فجأة واستدار إليه:
_قولت لبلال؟
هزَّ يوسف رأسه بالنفي:
_هقولُّه إيه؟ مقدرتش.
أومأ الياس وقال:
_تمام...أنا هكلِّمه.
اقترب إلياس منه وقال بجدية:
_حاول تسيطر عليه..مش عايزين أي غلطة دلوقتي عشان نعرف نتصرَّف.
أومأ يوسف بصمت، ثم ابتعد وهو يرفع هاتفه:
_أرسلان..وصلت لإيه؟
جاءه صوت أرسلان من الطرف الآخر متوتِّرًا:
_مالك والظابط بيتعاملوا مع الموضوع...والكاميرا شغَّالة الحمد لله.

_والكاميرا جابت إيه؟
تنهَّد أرسلان ببطء:
_رولا وصلت الشقَّة بعد ما كارما اتضربت.
أغمض إلياس عينيه وهو يهمس:
_الحمد لله...
لكن أرسلان أكمل بصوتٍ أكثر قتامة:
_للأسف..آسر دخل الشقَّة مع المهندس، وبعدها بدقايق الكهربا قطعت.
تجمَّد إلياس في مكانه:
_قطعت قدِّ إيه؟
_حوالي نصِّ ساعة.
صمت إلياس بأنفاسٍ مرتفعة.. 
ثم قال بصوتٍ مختنق:
_أوف...
مرَّر يده فوق وجهه بعنف:
_أرسلان، لازم تعرف مين اللي عمل كدا، سامعني. 
_بحاول، شغَّال أنا ومالك وفريق الأمن، معرفش إزاي الكهربا قطعت في الوقت دا.
_إنتَ عارف دا معناه إيه؟
_عارف..دول حافظين كلِّ حاجة في العمارة، على العموم لسه في كاميرات العمارة يا إلياس..إن شاء الله هنلاقي حاجة.

_أرسلان..مش عايز كلمة واحدة تطلع عن ابن راجح.
ردَّ أرسلان متفاجئًا:
_ليه؟
ضغط إلياس على الهاتف بقوة:
_لازم أقابله الأوَّل.
ارتسمت نظرة قاسية في عينيه:
_عايز أعرف رجع ليه بعد السنين دي كلَّها..وعايز إيه بالظبط..
وبدعي ربِّنا ميكنش هوَّ اللي ورا دا، مش عايز اسم العيلة يوقع أكتر من كدا، مستقبل الولاد يا أرسلان.

_تمام يا إلياس.
وتابع بعدها بهدوء:
_كلِّم بلال بقاله فترة بيتِّصل بيَّا وبمالك، أكيد عايز يسأل عن رولا...وأنا هروح أزوِّد الحراسة على كارما، كلِّمت الدكتور، هيَّ خرجت من العملية بس بيقول نزفت كتير، لسة قدَّامنا تمانية وأربعين ساعة. 
_طيب خلاص..أنا هتصرَّف مع بلال. 
قالها وأغلق الخط.
في منزل بلال...
كان الهاتف بين يديه يحاول الاتصال بمالك ولكن لا يوجد رد، أعاد المحاولة:
_مشغول.
ضغط على أسنانه بقوة وألقى الهاتف فوق الأريكة بعصبية:
_هوَّ إيه اللي كلُّه مشغول؟!
ضرب كفِّه بالحائط المجاور:
_أعمل إيه دلوقتي؟!
راح يدور في المكان كوحشٍ حبيس:
_أنزل أدوَّر عليها فين؟!
نهضت ضي من جوار الطفل النائم، وقد غلب القلق ملامحها:
_بلال..اهدى.
أشارت إلى يوسف الصغير الذي نام أخيرًا بعد ساعاتٍ من البكاء:
_مصدَّقنا إنُّه نام.
لكن بلال لم يكن يسمع..كان عقله منشغلاةًا باختفاء زوجته.

أمسك شعره بكلتا يديه حتى كاد يقتلعه.
_هتجنِّن...
خرجت الكلمة ممزَّقة من صدره:
_مراتي معرفش عنها حاجة..والساعة داخلة على اتنين بالليل!
وفجأة..انهار وهوى جالسًا على الأرض..
واختنق صوته بالبكاء:
_أعمل إيه وأروح فين، يا ترى إنتِ فين يا رولا؟
أخفض رأسه بين كفَّيه:
_إيه اللي حصل لك..
ليه تليفونك مقفول؟. 
ارتجف كتفاه بعنف وهو يحاول كتم ألمه.
وفجأةً نهض بعنف وسحب هاتفه:
_لازم أكلِّم بابا وعمُّو..لازم يردُّوا عليَّ.
لكن قبل أن يضغط الرقم، أضاءت الشاشة باسم إلياس.
تسمَّرت عيناه عليها، وأجابه فورًا:
_عمُّو...
ثم ابتلع ريقه بصعوبة.
استمع إلى صوت إلياس هادئًا على غير عادته.
هادئًا أكثر ممَّا ينبغي:
_بلال..إنتَ فين؟
انقبض قلبه فورًا:
_خير يا عمُّو؟
خرج صوته مرتجفًا:
_رولا كويسة؟
تردَّد إلياس لثانية..ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية ليشعر بلال أنَّ كارثة ما وقعت.
_كويسة يا حبيبي...
ثم أكمل:
_هيَّ مع آسر في قسم الشرطة.
تجمَّد الدم في عروق بلال:
_قسم الشرطة؟!
نهض واقفًا بفزع:
_ليه؟!
_متقلقش..حصلت مشكلة بسيطة مع آسر، وتليفونها فصل شحن.
تمتم بذهول: 
_آسر ؟!.. إيه اللي حصل؟
أغلق إلياس عينيه بألم:
_لمَّا تيجي هتعرف..ثم أنهى المكالمة.
ظلَّ بلال واقفًا في مكانه لعدَّة ثوانٍ.
كأنه فقد القدرة على الفهم أو الحركة.
أو حتى التنفُّس..اقتربت ضي منه بقلق:
_بلال؟
رفع رأسه إليها ببطء.
ينظر إليها بوجهه شاحبًا بصورة أخافتها:
_آسر ورولا...
توقَّف صوته..ثم أكمل بصعوبة:
_في قسم الشرطة.
اتَّسعت عينا ضي بصدمة:
_إيه!! ليه؟
لكن بلال لم يجبها..أو لم يكن يملك إجابة..
انحنى يلتقط مفاتيحه..ثم اندفع نحو الباب..لا يرى شيئًا أمامه..لا يسمع شيئًا.
فقط سؤال واحد ينهش قلبه بلا رحمة:
ماذا حدث لرولا؟
ولماذا هي واسر بقسم الشرطة؟!

بقسم الشرطة.. 
طرق الباب ودلف، رفعت عيناها الحزينة للَّذي دخل، شهقت ببكاء ونهضت سريعًا:
_يو...سف 
اقترب منها وهو يومئ برأسه للضابط: 
_شكرًا لحضرتك...تحرَّك الضابط بعدما أومأ له، بينما تعلَّقت بذراعه تبكي. 
حاوط أكتافها وتحرَّك إلى المقعد، أجلسها وجلس أمامها: 
_بطَّلي عياط، وقولي لي إيه اللي حصل، أنا سايبك مع ضي، ليه خرجتي؟. 
_فين بلال؟..
_لسة معرفش، أكيد بابا قالُّه وزمانه جاي.
بمنزل معتز
وقف أمام النافذة الزجاجية العريضة، ينظر للخارج بعينين تحملان ظلامًا أشد من الليل نفسه. كان أحد رجاله يقف خلفه يبلغه بما حدث، ظل هو صامتًا، يرفع كأسه إلى شفتيه ويرتشف منه بهدوء مريب.
أنهى الرجل حديثه، فأشار له معتز بيده أن ينصرف.
ما إن أُغلق الباب حتى استدار ببطء نحو مكتبه، ضغط زرًا صغيرًا فارتفع صوت التسجيل الذي كان ينتظره.
ضحك ضحكة طويلة باردة ارتجفت لها جدران الغرفة.
_ طخ... والله أخير يا ولاد الشافعي.
هز رأسه باستمتاع وكأنه مشروبه يتذوق به انتصارًا انتظره طويلًا.
- ولسه... دي أول قرصة ودن بس.
تحرك بخطوات واثقة نحو باب مخفي داخل مكتبه، فتحه ودلف إلى غرفة صغيرة لا يعلم بوجودها أحد.
أغلق الباب خلفه.. كانت الجدران مغطاة بالصور...صور للعائلة بأكملها.
إلياس.. يزن.. أرسلان... أسر.
بلال.. يوسف..رولا.. ضي
توقفت خطواته أمام صورة رولا
حدق بها طويلًا.. طويلًا جدًا.
كأن العالم كله اختفى ولم يبقَ سوى ذلك الوجه.
ارتفعت أنامله ببطء تلامس الصورة، ثم انسابت فوق ملامحها برفق مريض.
ابتسم وقال
_حلوة...همسها وكأنه يحدث نفسه.
_ حلوة كتير.... اقترب أكثر.
_ كتير أوي... وبحبك اوي اوي
تبدلت ملامحه للحظة، واختلط الإعجاب بالحقد داخل عينيه.
_ مكنتش ناوي أوصّل الأمور لكده.
تنهد ببطء.
_كنت عايز أبوكي بس...
قبض على حافة الإطار بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.
_ بس أخوكي الغبي خلاني أغير الخطة.
أغمض عينيه للحظة، فعادت إليه ذكرى تلك الليلة... ليلة أقسم فيها أن ينتقم.
ليلة تحولت فيها الرغبة إلى هوس.
والانتظار إلى جنون.
فتح عينيه من جديد وحدق بالصورة.
_ وانتي...صمت قليلًا.
_ انتي اللي وصلتيني لكده.. لو فضلتي تشتغلي معايا، مكنش دا حصل، مكنتش عايز غير اشوفك واشم ريحتك، اللي لسة لحد دلوقتي مفيش ست قدرت تنسيني ريحتك 
ظل يمرر يده على الصورة 
_كنت واخدك طعم لابوكي، بس هزيتي معتز، اللي مفيش واحدة ست عملت فيه اللي عملته حتة عيلة، بس ملحوقة، هنتقابل... واللي معملتوش زمان هعمله، بس المرة دي وانتي صاحية وبتبادليني نفس الشعور
ذهبت ذاكرته لليلة التي حاول فيها اغتصـ ابها
قبل زواجها من بلال... وخاصة الليلة التي تعرضت فيها للأغتصاب
جلست رولا فوق المقعد تنتظر.
كانت تنظر إلى ساعة يدها، بدأ
القلق يتسلل إلى قلبها شيئًا فشيئًا.
التفتت إلى الرجل الجالس على المكتب امامها
_ هو المحامي اللي خالتو رؤى قالت عليه هيرجع إمتى؟
بادلها الرجل نظرة سريعة قبل أن يجيب بثبات مصطنع:
_ زمانه جاي... متقلقيش.
ثم أشار إلى الكوب أمامها.
_ اشربي العصير، شكلك مرهقة.. متقلقيش 
أومأت برأسها بشرود.
رفعت الكوب إلى شفتيها وارتشفت منه قليلًا وهي تنظر إلى اللافتة المعلقة على المكتب:
"أبو المكارم للمحاماة والاستشارات القانونية"
اسم مزيف... ومكتب مزيف.
وكل شيء حولها كان كذبة كبيرة لم تدركها بعد.
في غرفة المراقبة...
كان معتز يتابعها من خلال الشاشة.
عيناه لم تفارقا وجهها لحظة واحدة.
راقب كل حركة.. كل نظرة.
كل نفس.. كأنها فريسته التي طال انتظار وقوعها في الشرك... مرت دقائق قليلة...
ثم بدأت الصورة تهتز أمام رولا.
رمشت عدة مرات... وضعت يدها على رأسها.
_ إيه ده...؟
همست بها بصوت متعب.
شعرت بثقل غريب يجتاح أطرافها.
ازدادت أنفاسها اضطرابًا.
حاولت الوقوف.. لكن قدميها لم تستجيبا.
تعلقت أنظار الرجال بها بصمت.
بينما كان معتز يبتسم خلف الشاشة.
ابتسامة مرعبة.
ابتسامة شخص يرى خطته تنجح حرفًا بحرف.
ارتجفت أصابع رولا.. انفلت الكوب من يدها.
وسقط أرضًا متناثرًا إلى عشرات القطع.
وفي اللحظة التالية...
تراخى جسدها بالكامل.. وسقطت فاقدة الوعي... أما معتز...فلم يتحرك.
ظل واقفًا أمام الشاشة يحدق بها في صمت.
ثم همس بصوتٍ منخفض مرعب:
_وأخيرًا يا رولا... وصلنا لأول الطريق.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة وهو يضيف:
_أشوفك بقى يا يزن... هتعمل إيه لما يوصلك فيديو ظريف، وبنتك في حضني.
_علشان تعرف تفكر قبل ماتقرب مننا تاني، كان المفروض انتقم منك من يوم مادمرت حياتي انت ومراتك وابوك الكـ لب، بس احسن... هنتقم واخد بنتك الحلوة، وابنك ياحرام هيتعد. م 
انفجر ضاحكًا ضحكةً أجفلت من حوله، ثم رفع كأسه يرتشف منه قبل أن يلقيه بإهمال على الأرض، فتناثر الزجاج تحت قدميه.
أشار إلى الرجل الواقف أمامه قائلاً بلهجة آمرة:
_فين عقد الجواز العرفي 
_على المكتب ياباشا
_اشار اليه وقال 
_مش عايز مخلوق هنا... والبنت اللي في الأوضة التانية ادّيها أي فلوس وخلاص، مبقتش تهمني.
_تحت أمرك يا باشا.
انصرف الرجل على الفور، بينما اتجه معتز إلى الخارج.
كانت رولا ممددة على الأريكة، غارقة في غيبوبة لا تعلم عنها شيئًا. وقف أمامها لحظات يتأملها، ثم تقدم أحد الرجال ليحملها.
لكن دوّى صوت معتز في المكان كطلقةٍ نارية:
_برا... إياك تلمسها!
تجمد الرجل في مكانه، ثم تراجع بخوف.
انحنى معتز وحملها بنفسه، متجهًا بها إلى إحدى الغرف الداخلية. وضعها فوق الفراش بحذرٍ غريب لا يشبه القسوة التي تسكنه، ثم جلس إلى جوارها.
أزاح حجابها ببطء، وانسابت عيناه فوق ملامحها، مرت أنامله بين خصلات شعرها.
_حلوة أوي...
خرجت الكلمات منه أشبه باعترافٍ مريض.
_من أول يوم شوفتك عند رؤى وأنا مش قادر أخرجك من دماغي... كنتِ الحاجة الوحيدة اللي مقدرتش أوصلها، وكل ما كنتِ تبعدي كنتِ بتزيدي جوايا أكتر.. 
مال برأسه إلى الخلف، وعيناه تشتعلان بجنونٍ مخيف.
_بس خلاص... انتهى كل ده. أخيرًا بقيتي هنا... بين إيديا... ثم اقترب يدفن وجهه بعنقها، يستنشق رائحتها بوله، ثم بدأ يستبيح كل مايقابله، بمتعة الى أن طرق الباب بقوة.. نهض يصرخ بالطارق
_في ايه ياحيو ان 
_البنت انتحرت ياباشا، ولقيتها ضاربة الراجل بالسكين، وواخدة تليفونه ومتصلة بالشرطة
_وانت كنت فين ياحيوان، هي ماتت
_لسة عايشة، بس احنا لازم نمشي ياباشا
قبل الشرطة ماتيجي 
سحب ملابسه سريعًا، وخلال دقائق كان قد غادر البناية بعدما محا كل أثرٍ قد يربطه بما حدث. ترك رولا خلفه وقد بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا.
توقف للحظات أمام المبنى، عيناه تشتعلان غضبًا. كان يريد تحطيم كل ما تقع عليه يداه. لقد اقترب كثيرًا من تحقيق انتقامه، وكاد أن ينال ما خطط له منذ سنوات، لكنه خسر في اللحظة الأخيرة.
فتح باب سيارته وجلس خلف المقود، ثم قال ببرود:
_مش هنمشي إلا لما الشرطة تيجي.
مرت دقائق قليلة، حتى لمح سيارة بلال تتوقف أمام البناية. ترجل منها الأخير مسرعًا وركض إلى الداخل.
أشار معتز إلى الرجل الجالس بجواره وسأله:
_مين ده؟
_ابن عمها يا باشا... شكل البنت فاقت واتصلت بيه.
ظل يراقب المشهد بصمت، قبل أن يخرجه من شروده رنين هاتفه... 
أجاب فورًا:
_أيوة.
جاءه صوت رجله من الطرف الآخر:
_رجالة الشافعي كلهم في قسم الشرطة، ووكيل النيابة هيكمل التحقيقات بكرة.
ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيه وهو يسأل:
_طيب... والبنت؟ ماتت ولا لسه؟
_خرجت من العمليات، بس حالتها مش مستقرة.
اختفت الابتسامة، وقال بلهجة حادة:
_تتصرف وتقتلها... مش لازم تعيش.
تردد الرجل للحظة قبل أن يجيبه:
_بس المستشفى بقت مليانة عساكر.
نفث معتز دخان سيجاره ببطء، 
_البنت لو فاقت هتقول علينا، لازم تموت
_تحت امرك.. واحجز لي تذكرة على اول طيارة لأثينا مش ضامن الظروف
جلس وهو ينظر الى صورة كارما
_غبية، زي ماقال طليقك، اخدتي ايه غير انك بوظتي خطتي ودفعتي حياتك، بس مش مشكلة برضو طلعت بمكسب، وبدل ماكانت فضيحة ليزن وابنه، جريمة قتل 
عاد إلى ذهنه كلمات كارما وهي تهدده:
"هروح أقول لإلياس باشا... وساعتها ابقى شوف هتعمل إيه."
ضحك بسخرية وهو يتمتم:
_روحي... وأنا هقتل بنت عمك، ومش بس كده... هولع فيكي حية. إنتِ شكلك غبية ومش فاهمة مع مين بتتكلمي.
ارتجف جسدها بقوة حتى شعرت أن قدميها لم تعودا تحملانها. استدارت إليه وعيناها تمتلئان بالبغض والخوف.
_أنا مستحيل اعمل اللي بتطلبه
تقدم خطوة حتى أصبح واقفًا أمامها بطوله وهيبته المخيفة، ثم قال:
_هتعملي ومش بس كدا هتجيبي رولا كمان
صمت لحظة قبل أن يكمل بابتسامة مقيتة:
_لازم تفضحي المتر، وأكيد هتعرفي، وساعتها مش بس هبعد عنك... ده أنا كمان هديكي فلوس كتير، فلوس عمرك ما حلمتي بيها.
انحنى مقتربًا من أذنها وهمس:
_ومبروك عليكي الدكتور... لأن بعد اللي هعمله فيها، عمره ما هيبص لها تاني.
شهقت بصدمة، وتراجعت خطوة للخلف.
_إنت مين؟ وليه عايز تعمل فيهم كدا؟
اعتدل في وقفته وقال بحدة:
_مش شغلك. اعملي اللي بقولك عليه وبس.
هزت رأسها بقوة، والدموع تلمع بعينيها.
_مستحيل... أموت ولا أعمل اللي بتقوله.
تحولت ملامحه إلى القسوة، ثم قال ببرود مخيف:
_خلاص... إنتِ اللي حكمتي على نفسك.
رفع يده مشيرًا إلى أحد رجاله، تجمد الدم في عروقها وهي تدرك أن الكابوس الحقيقي قد بدأ للتو.
_احبسوها، لما المتر يجي.. وهتعمل برضو، ولو مش عملت اقتلوهم هما الاتنين مع صورة حلوة، خيانة طليقة الدكتور مع اخو مراته
دفعت الرجل بعيدا وحاولت الصراخ الا أنه 
كمم فاهها، وهمس لها
_كدا كدا المتر هيموت بيكي من غيرم هيموت، فاسمعي الكلام انتي اولى، ثم وضع محرم بمنوم على انفها لتسقط بين ذراعيه، ثم قام بالاتصال على مهندس الديكور
_تتصرف وتجيب المتر خلال ساعة بأي حجة 
_تمام 
اغلق الهاتف، وبدأ يتجول بشقة كارما
_شوف اي كاميرات، واحذف كل حاجة من وقت مادخلنا 
اتجه الى كندا المنكمشة، ثم انحنى يتلاعب بخصلاتها، انتفض جسدها تبكي بنحيب
_خايفة
اومأت له، ثم قالت
لو سمحت ابعد عننا، احنا مالناش دعوة بحاجة، واصلا بلال طلقها من زمان

أوماً معتز بسخرية وهو يرمقها بنظرة ازدراء:

شكلك فاهمة عن بنت عمك كويس.

أومات كندا بسرعة، والدموع تلمع بعينيها:

هي طيبة... ابعد عندا لو سمحت.

ارتفعت ضحكته الساخرة، بينما أشاح بوجهه عنها وكأن كلماتها لا تعني له شيئا.

مرت ساعتين بدت كأنها أعوام، حتى بدأت كارما تستعيد وعيها ببطء. رفرفت بأهدابها عدة

مرات، قبل أن تدرك أنها مقيدة الحركة.

رفعت رأسها بصعوبة، تتلفت حولها بفزع.

كان معتز يقف أمام النافذة، يراقب الخارج في صمت، ثم استدار فجأة وأشار إلى أحد رجاله.

انت عارف هتعمل إيه.

ثم التفت إلى كارما وقال ببرود

وإنت هتعملي اللي بقولك عليه.

رفع رأسه نحو الرجل وأرسل له نظرة ذات مغزى، جعلت الدم يتجمد في عروق الفتاتين.

هزت کارما رأسها بعنف وهي تصرخ

!لا... لا

في لحظة خاطفة، رفع الرجل سلاحه ووضعه بجوار رأس كندا.

شهقت الأخيرة، وانفجرت بالبكاء.

اقترب معتز أكثر وقال بصوت مخيف

هتروحي له... ولا ولا أموتها قدا. قدام عينك ؟

تسارعت انفاس كارما، ونظرت إلى كندا التي كانت ترتجف رعبا.

اعملي اللي يقولك عليه يلا.

مضت كارما عينيها لثوان، ثم فتحتها نتها وقد انكسرت مقاومتها خوفا . فا على ابنة عمها ... فكها

أي غلط هموتها

الرجل، امسكها من ذراعيها بعنف يضغط عليه

رايحة فين كده؟

خطت نحو الباب بخطوات متعثرة، لكنه أوقفها فجأة.

التفتت إليه بصمت.

ابتسم ابتسامة باردة وهو يتأمل هيئتها:

رفعت رأسها بعناد رغم خوفها:

مش هتروحي بالشكل ده.. البسي حاجة مغرية علشان تعرفي تتصرف صرفي معاه

مش هروح غير كده.

ظل يحدق بها للحظات، ثم لوح بيده بلا مبالاة:

ماشي... مش مهم.

اقترب منها حتى شعرت بأنفاسه الخانقة، ثم قال:

بس افتكرى... أي حركة غلط، وأنت عارفة الثمن.

ابتلعت ريقها بصعوبة وأومات.

بعد دقائق....

وصلت إلى باب الشقة المقابلة.

كانت يداها ترتجفان بعنف وهي تطرق الباب.

فتح المهندس الباب بعد لحظات، اشار اليها بالدخول، نظرت الاسر الذي : يرتشف شيئا ما وينظر

بالشاشة وهو يقول

الاشكال دي حلوة يا باشهمندس، رفع رأسه، وما إن وقعت عيناه عليها حتى عقد حاجبيه

بدهشة.

کارما ؟ عايزة حاجة ؟

رفعت نظرها إليه.

كانت عيناها ممتلئتين بالدموع، ووجهها شاحبا بصورة أثارت قلقه... فتوقف، شعر بالدوران

فتمسك بالمقعد، تراجعت

خلفها، ومن بعيد، كانت ترى ظل الرجل المختبئ يراقبها، والسلاح لا يزال موجها نحوها.

ارتجفت شفتاها... عادت برأسها على صوت اسر

مدام كارما... في ايه؟

فرکت كفيها المرتجفتين ببعضهما، وانسايت دموعها دون إرادة.

تقدم أسر خطوة نحوها وقد بدأ القلق يتحول إلى خوف حقيقي.. رغم ما يشعر به

بتعيطي ليه ؟ حصل إيه ؟

انكسرت نظراتها، ثم رفعت رأسها إليه

أسر... لازم تمشي من هنا فورا.

اتسعت عيناه بدهشة.

ليه ؟

صرخت وهي تبكي

هيقتلوك

في تلك اللحظة .. انطقات الأنوار فجأة.

وغرق المكان في ظلام دامس.

وساد صمت ثقيل لثوان بدت وكأنها دهر كامل .....

أفاق من شروده، وتراجع بجسده على المقعد ينظر إلى صورة كارما

بالمشفى

وصل الياس منذ قليل، دلف إلى غرفة ابنته، توقف الجميع واقتربوا منه

رولا يا الياس مرجعتش وبتصل بیزن ما بيردش

هكذا قالتها رحيل بصوتا مختنق

رولا كويسة هي مع يزن ما تقلقيش صديقتها عملت حادثة، وراحت تزورها

قالها وهو يقترب من ابنته

تمتم الجميع

الحمد لله الحمد لله كنا هنموت من القلق

وصل الى ابنته التي يحاوط جسدها حمزة وميرال في محاولة لتحركها، سحب حمزة بعيدا

بمشاكسة

انت ايه لازقة، وسع كدا...

مبروك يا احسن مامي في الدنيا

قالها وهو يسحبها يضمها بين ذراعيه، الفت بجسدها الذي تشعر بثقله على والدها

بابا حبيبي

حاوطها وحاول ان يحركها، ولكنها كانت تتأوه بألم

حبيبتي، باله، خطوة كمان

ماهي كانت بتمشي معايا، بس معرفش حضرتك لازم تطفي النور

امشى يلا من هنا، قال كانت بتمشى

الياس

تمتم بها اسحاق الذي توقف لدى الباب

اشار الياس الى حمزة

خد بالك منها

ضحکت میرال تلکزه

خد بالك منها، المهم لازم يعمل حاجة وخلاص يثبت فيها وجوده.. قالها حمزة بتقليد

ما تسكت، ولا يحلف عليك وياخدها معاه

مين دار ولا يقدر طيب خليه يقرب

توقف الياس عند الباب

طيب وحياة ابوك اللي واقف دا

اوقفه حمزة وهو يسحب شمس الأحضانه

ابوكي احسن اب في الدنيا ياشموس

ضحك الجميع عليه

خرج إلياس، وجد اسحاق يقف مع أحد الرجال

اتصرف عايز كل حاجة عنه

اقترب الياس منه وحدجه بنظرة صامتة فقال اسحاق

أنا مكنتش اعرف صدقني لسة عارف من ثلاث سنين بس

ثلات ستین یا اسحاق

محبتش افتح جروح اتفقلت من سنين، وخاصة البنت كاتبة اسم امها في جواز السفر

اوقفه الياس متسائلا

بنت.... هي بنت ولا ولا ولد، والسن قد ايه وايه اللي يخليكم تقولوا ولاد راجح

معنديش تفاصيل كاملة، بس طلبت لك كل حاجة

اقترب الياس يغرس عيناه بأعين اسحاق

مين اللي حاول يقتل كارما ويلبسها لابن يزن

بقسم الشرطة

جلست بمقابلة يوسف تقص له ماصار معها ببكاء

کور قبضته، يجز على اسنانه

يا شيخة اقولك ايه بس واحدة متهورة غبية

يوسف... غصب على

دار حول نفسه بالغرفة يمسح على شعره بعنف

لغصب عنك، عقلك فين نفسي اعرف انتي عايزة توصلي لايه اه قولي عايزة توصلي لايه

يوسف كفاية لو سمحت، اتصل ببلال

ضرب كفوفه ببعضهما

بلال ... بتقولي اتصل بيه

انحنى ينظر اليها

اقوله ايه يا استاذة تعالى شوف مراتك كانت رايحة تثبت خيانتك، فاتهمت بقضية قتل الله

ياخدك ياشيخة

وصل بلال امام القسم، ترجل من سيارته سريعا وهو يتحدث بهاتفه

عمو بيقولك مع بابا في المستشفى ازاي وهو قالي مع اسر في قسم الشرطة

توقفت غرام تستمع اليه باهتمام

يعني ايه

اقفلي يا ماما، لما اعرف انا الاول هقولك

وصل الى الداخل يسأل العسكري

لو سمحت، عايز اسأل عن شخص

اسأل هناك، هو اللي عارف كل اللي دخل من ساعات

تحرك سريعا إلى أن وصل لأحد الرجال

يسأل عن واحد اسمه اسر الشافعي، حصل معاه مشكلة

نظر للورقة أمامه

نفسي اعرف انتوا مش بتناموا اه اسر الشافعي هو اخته في مكتب حضرة الظابط جايين في

جريمة قتل

تعليقات