رواية فتنة زكريا الفصل السابع
صمت قاتل نزل على المكان، صمت تقيل كأنه سحب الأكسجين من الهوا. الحرس اللي كانوا رافعين سلاحهم ومستعدين يفتكوا بـ "زكريا"، اتجمدوا مكانهم وهما باصين لـ "راشد بيه" اللي كان بيبص للبنت كأنه شاف معجزة نزلت من السما.
الراجل اللي بيمتلك نص تجارة البحر، واللي اسمه بيرعب أعتى رجالة الأعمال، ركبه مقدرتش تشيله.
نزل على الأرض ببطء، على ركبتين بيترعشوا، ودموعه نزلت شقت تجاعيد وشه بوجع السنين كلها.
مد إيده المرتعشة في الهوا ناحية "فتنة" وهو بيهمس بصوت مخنوق، كأنه خايف الصوت العالي يخليها تتبخر:
— "فتنة؟... ريحة الغالي.. حتة من قلبي اللي اندفن؟ معقولة عايشة؟"
"فتنة" لما شافت الراجل الضخم ده بيقرب إيده منها، الرعب رجع يتملكها. هي متعرفش يعني إيه عم، ولا يعني إيه عيلة. كل اللي تعرفه إن أي إيد بتتمد لها معناها ضرب وألم.
صرخت صرخة مكتومة، ودفنت وشها في صدر زكريا، وكلبشت في الجاكت بتاعه بكل قوتها وهي بتترعش زي العصفور المبلول.
زكريا رغم جرح شفته اللي بينزف، لقى نفسه بيلف دراعه حواليها بتلقائية عشان يحميها، وبص لراشد بصرامة:
— "براحة يا باشا.. البنت مرعوبة ومفيهاش حيل لصدمات تانية، لو سمحت ابعد حرسك دول وخلونا ندخل من الشارع، إحنا مطاردين."
راشد فاق من صدمته على كلمة "مطاردين". الدم غلى في عروقه، ووقف فجأة وهو بيمسح دموعه، واتحول لأسد كاسر. لف للحرس وزعق بصوت زلزل الشارع:
— "افتحوا البوابات!! دخلوا البني آدم ده والبنت فوراً! وأي كلب فيكم هيجيب سيرة باللي شافه هنا، هقطعه وارميه لكلاب.. اتحركوا!"
داخل قصر الكيلاني
دخلوا القصر. المكان كان عبارة عن تحفة فنية.. سجاد بيغوص فيه الرجل، نجف كريستال بيخطف العين، وخدم واقفين صفين.
التباين كان مرعب.. زكريا بهدومه البسيطة المتبهدلة، وفتنة اللي بتبص للمكان برعب كأنها دخلت قفص جديد بس متزوق، ماشيين وسط كل الفخامة دي.
راشد شاور للخدم يختفوا كلهم، وقفل باب الصالون الكبير عليهم هما التلاتة بس.
شاور لزكريا يقعد على صالون ، بس فتنة لما شافت الكرسي العالي، خافت تقعد عليه، وشدت زكريا من إيده ونزلت قعدت على السجادة في الأرض، وخبّت نفسها وراه.
زكريا مقدرش يسيبها، فنزل قعد جنبها على الأرض، وربت على إيدها يطمنها.
راشد الكيلاني، الملياردير، لما شاف المنظر ده.. مقدرش يقعد على الكرسي. قلع الجاكت بتاعه ورماه، ونزل قعد معاهم على السجادة، وبص لزكريا بانهيار:
— "احكيلي.. لقيتها فين؟ وعاشت إزاي؟ ومين اللي عمل فيها كده؟ انطق يا بني وريح ناري اللي قايدة بقالها ١٣ سنة!"
زكريا مد إيده في جيبه، وطلع "الصورة" اللي كانت جوه الدلاية، وحطها قدام راشد.
— "أنا ملقيتش غير دي.. دي اللي دلتني عليك. البنت دي أنا لقيتها مرمية في طريق زراعي في عز المطر، متسلسلة من رقبتها بختم عيلة النجعاوي.. متعرفش تتكلم، متعرفش تاكل زي البني آدمين، وبتخاف من النور كأنها عاشت عمرها كله في مقبرة."
راشد أول ما شاف الصورة، مسكها وضمها لقلبه وبكى بكاء حارق، بكاء طفل يتيم مش بكاء راجل عجوز:
— "نرجس.. مرات أخويا! السلسلة دي أنا اللي كنت شاريها لفتنة وهي عندها ٥ سنين! النجعاوية ولاد الحرام.. حرقوا قلبنا."
بص لزكريا وعينيه مليانة غل وحسرة:
— "من ١٣ سنة، أخويا الصغير 'حسن' عرف إن النجعاوية بيخزنوا سلا*ح وآثار في أرض تابعة لينا في الصعيد. هدد دياب النجعاوي إنه هيبلغ عنهم. في ليلة ضلمة، هجموا على بيته.. د*بحوا أخويا ومراته نرجس قدام عيني، ولما روحت ألحقهم، ضربوني بالنار في رجلي وكتفي، وخطفوا البنت! دورنا عليها في كل شبر في مصر، دياب حلف لي إنه رماها لكلاب الجبل تاكلها.. عيشت ١٣ سنة ميت بالحيا، وأتاريهم كانوا حابسينها بيعذبوها عشان يكسروا عيني ويفضلوا كاسرين شوكة الكيلاني!"
زكريا كان بيسمع والدم بيغلي في عروقه. بص لـ "فتنة" اللي كانت قاعدة بتلعب في زرار قميصه بطفولة، مش فاهمة أي حاجة من الكلام اللي بيتقال، وكل اللي هاممها إن زكريا جنبها.
— "هما عرفوا إنها ضاعت منهم.. وقالبين عليها الدنيا. وصلوا لحد بيتي، وأنا هربت بيها من تحت أنيابهم. المكان هنا مش أمان يا باشا، دول معاهم مش سهلين ابدا وممكن يوصلوا إسكندرية في أي لحظة."
راشد مسح وشه بايديه، وقام وقف وهو بيسند على عصايته:
— "إسكندرية دي بتاعتي.. لو النجعاوية عتبوها، هخليهم رماد. أنا هطلب دكاترة البلد كلهم يشوفوها، هسفرها بره، هعالجها وهرجعها ست البنات."
راح جاب دفتر شيكات من مكتبه، وكتب شيك برقم خيالي، ومده لزكريا:
— "أنت عملت اللي محدش قدر يعمله. أنقذت شرف وروح عيلة الكيلاني. الشيك ده فيه مليون جنيه.. وتقدر تطلب أدهم، ده حقك. خد الفلوس، وسافر ابدأ حياة جديدة بعيد عن الد*م والنار دي، وأنا هوفرلك حماية تخرجك بره مصر كلها لو تحب."
زكريا بص لشيك.. مليون جنيه! رقم عمره ما شافه ولا تخيله في أحلامه. رقم يعوضه عن المشتل والبيت والحياة اللي سابها.
مد إيده.. بس قبل ما يلمس الورقة، حس بشدة قوية في قميصه.
لف وشه، لقى "فتنة" باصاله بعيون مليانة رعب حقيقي. هي مفهمتش كلام الفلوس، بس حست، إن "الوداع" بيقرب. إن جدار الأمان بتاعها هيمشي ويسيبها مع الراجل الغريب ده.
شفايفها اتهزت، وبدأت تطلع أصوات متقطعة، والدموع اتجمعت في عينيها زي طوفان:
— "أ.. زكـ..ـريا.. لا.. لا."
أول مرة تقول كلمة "لا". قالتها وهي بتلف إيديها الاتنين حوالين دراعه، وبتخبى وشها في صدره، كأنها بتقوله "لو مشيت هروح معاك".
زكريا بص لراشد، وبص للشيك، وبعدين سحب إيده بهدوء شديد.
ابتسم بوجع وهو بيمسح على راس فتنة بحنية، ورفع عينيه لراشد الكيلاني:
— "أنا ماببعش روحي بفلوس يا باشا.. البنت دي أنا اللي شيلت السلسلة من رقبتها، وأنا اللي شوفت خوفها، وأنا الوحيد اللي بتأمنله. الفلوس دي تشتري بيها سلاح وحرس، لكن متشتريش بيها قلب زكريا."
وقف زكريا، وسند فتنة توقف معاه، وهي ماسكة فيه زي ضله:
— "أنا مش ماشي.. البنت دي أمانتي، ومش هسيبها غير لما ترجع إنسانة طبيعية، أو أموت دونها."
راشد الكيلاني بصله بذهول وإعجاب في نفس الوقت. الشاب البسيط ده طلع أنبل من كل باشوات البلد.
وقبل ما راشد يرد.. باب الصالون اتفتح بعنف، ودخل واحد من الحرس الخاص، وشه مخطوف وبينتفض:
— "يا باشا.. في مصيبة! رجالتنا اللي على الطريق الصحراوي بلغوا إن في تلات عربيات جيب دفع رباعي كسروا الكمين، وداخلين إسكندرية.. العربيات دي عليها نمر قنا، ومسلحين تسليح تقيل.. دياب النجعاوي بنفسه معاهم!"
قلب زكريا دق بعنف، وراشد الكيلاني سحب مسدسه الشخصي من درج المكتب وعينيه بتطق شرار.
المعركة الحقيقية مبدأتش في الصعيد.. المعركة الحقيقية هتبدأ دلوقتي، على أبواب القصر الكيلاني
