رواية لولا الغرام الفصل الثامن 8 بقلم روز امين


 رواية لولا الغرام الفصل الثامن 

«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.» 


«نظرةٌ، فابتسامةٌ، فلقاء، هكذا خُطت أولى سطور حكايتنا، بدأ الأمر بإعجابٍ عابر، تلته دهشةٌ ما لبثت أن تحولت إلى تمني، ثم عشقٍ جارف استوطن شغاف قلوبنا، ستون يوماً كانت كافيةً لترفع راية استسلامك، ليتوج الوعدُ بالوفاء، ويستقر خاتمُ ميثاقكِ في إصبعي، معلناً للملأ تدفق نهر غرامنا، ومنذ تلك اللحظة، مضينا نغزل معاً ذكرياتنا، تجولنا في الشوارع، ورقصنا بقلوبٍ حافية تحت حبات المطر، تشاركنا دفء القهوة على الطاولة ذاتها، وتبادلنا عبر الأثير تفاصيل الليالي وعطر أنفاسنا، حتى صرنا روحاً واحدة تسكن جسدين.

حملنا الأماني الطاهرة في حنايا قلوبنا، وكم تاقت أرواحنا لأن يجمعنا القدر تحت ظلاله، وفجأة، ثارت الدنيا من حولنا، وتحول دفءُ ربيعنا إلى خريفٍ موحشٍ مخيف، خريفٍ أرعب كلينا وتركنا تائهين في غياهب دروب النسيان. وفي ومضةٍ سبقت انطفاء الروح، عاد إليّ حلمي الضائع، لم يكن وهماً، بل كان "أنتَ"، يا ربيعاً أزهر في صحراء عمري بعد جفاف، ويا شمعةً أضاءت عتمة دروبي حين أوشكتُ على الاستسلام، حين التقت عيناي بعينيكِ، شعرتُ وكأن عقارب الزمن قد توقفت لتقدم لنا اعتذاراً عن كل لحظة ألمٍ وقسوةٍ عشناها، وهنا، أدركتُ أن السعادة الحقيقية ليست في بلوغ الغايات السهلة، بل في معجزة العثور على من ظننته ضاع إلى الأبد، وفي عناقٍ حار يمحو بلهفته كل مرارة ليالي الشوق وأوجاع الانتظار.»

«داليا الكاشف» بقلمي «روز أمين» 

___________

في منزل السيد" عبد الله الكاشف"، داخل غرفتها، انتهت خبيرة التجميل لتوها من وضع اللمسات الأخيرة، لتقف أمام المرآة تتأمل هيئتها بسعادة غامرة، دارت بثوبها الرائع كفراشة تحتفل بقدوم الربيع، وراحت تتفحص خصلات شعرها المنسقة بنعومة ورقة.

التفتت إليها خبيرة التجميل بابتسامةٍ واسعة وقالت بزهوٍ: 

-إيه رأيك في المكياچ يا عروسة؟، عجبك؟ 

أجابتها وعيناها تلمعان بوهج الإنبهار:

-حلو أوي، تسلم إيدك يا رشا.

هتفت الفتاة بحماسٍ وهي تُشير على باب الغرفة: 

-طب يلا علشان نطلع ونوري الجمال ده كله لماما.

ابتسمت عيناها قبل شفتيها، وانساب صوتها خافتاً يقطر خجلاً:

-طب اخرجي انتِ وأنا هكلم خطيبي أطمن عليه وأحصلك علطول.

غمزت لها الفتاة بمرحٍ وتمتمت بملاطفة: 

-حقك يا جميل، بس متتأخريش.

أومأت برأسها بهدوءٍ، وبمجرد أن أُغلق الباب، التقطت  سماعة الهاتف وطلبت رقم منزل حبيبها.

في تلك الأثناء، كان يقف في شرفة غرفته منتظرًا إتصالها كما وعدته، استند بيده اليمنى على السور، بينما تطلعت عيناه إلى الحديقة، حيث تتسارع التجهيزات التي أعدها والده لحفل "ليلة الحناء"كانت حبال الإضاءة تتلألأ في أرجاء الحديقة، وتلتف حول جذوع الأشجار في مظهرٍ مبهر. 

بينما ضجيجٌ صاخب يملأ سرادق الطهاة، وهم ينسقون أطباق الطعام على الطاولات الخشبية،المتواجدة بالفيراندة، استعداداً لاستقبال المعازيم.

استمع إلى رنين الهاتف فالتقط السماعة سريعًا، كان صوتها يرتجف من شدة سعادتها وهي تقول: 

-أنا لحد اللحظة اللي إحنا فيها دي مش قادرة أصدق

يا علي

وتابعت بدهشةٍ تجلت بنبراتها: 

-معقولة الكابوس اللي كنا فيه خلص وخلاص فرحنا بكرة؟ أنا بجد مش مصدقة. 

-الحمد لله يا حبيبتي، غمة وانزاحت... قالها بهدوءٍ، لنطق هي بنبرة مؤثرة استحضرت كل ما عانياه معًا من أزمات وعراقيل: 

-أنا كنت حاسة إني في كابوس، وكل يوم كنت بدعي ربنا إني أصحى منه وأفوق ألاقينا خلاص في الكوشة وبنتجوز، وكأن أبواب السماء كانت مفتوحة وقتها.

ثم تبدلت نبرتها فجأة ليظهر عليها بعض الريبة: 

-كنت مرعوبة إن ماما وطنط فيفي يفضلوا يعاندوا قصاد بعض، والجوازة تبوظ واتحرم منك يا علي.

تخطت سعادته عنان السماء وهو يستمع لكلماتها،ابتسم وقال يلاطفها: 

-وانتِ فاكرة إني كنت هسيبك تضيعي مني واقف اتفرج؟

همست تسأله بصوتٍ يقطر بالولهِ: 

-كنت هتعمل إيه علشان متخسرنيش؟ 

انخفض صوته فجأة ليصبح هامسًا، يقطر عشقًا صادقًا تجاوز كل الحدود: 

-كنت هخطفك ونهرب بعيد، نروح في مكان محدش يعرفنا فيه، أنا وأنتِ في جزيرة لوحدينا. 

ألقى كلماته الأخيرة بنبرة درامية مبالغ فيها، فلم تتمكن الفتاة من كبح جماح ضحكاتها. تصاعدت قهقهاتها حتى اغرورقت عيناها، بصعوبة توقفت وسألته بتهكمٍ مرح على استعارته لكلمات أحد فناني الأبيض والاسود في أحد أفلامه: 

-وإيه كمان يا عم حسن يوسف؟

تعالت ضحكاته على دعابتها،لينقطع مرحهما فجأة عندما فُتح باب الغرفة بقوة أرعبت الفتاة، دلفت والدتها وهي تصيح باستهجان: 

-ما تيلا يا داليا، هو ده وقت رغي في التليفون؟ المعازيم بدأوا يجوا بره والحنانة كمان وصلت

وتابعت بمشاكسة: 

-قولي للأستاذ مش وقته،كلها سواد الليل وهتبقي في بيته.

طالعت والدتها بابتسامة هادئة وهي تقول: 

-حاضر يا ماما، طالعة حالا.

            *******

داخل الردهة الخاصة بمنزل السيد عزام، وقفت فاطمة وشقيقتاها يستقبلن المعازيم ويتلقين الهدايا العينية والنقدية بوجوهٍ مرحبة بالجميع،بينما جلست رقية وزوجتي نجليها وأحفادها وشقيقات السيد عزام بإحدى الغرف الجانبية، وأثناء انشغال رقية بالحديث مع إحدى شقيقات السيد عزام، مالت سوزان على منى وهمست تسألها: 

-انتِ كنتي تعرفي إن فيفي أخدت شقة علي وادتها لـ أشرف كعقاب ليه؟!. 

أومأت منى برأسها لتتابع الأخرى مستنكرة: 

-ست جبروت بجد، أنا مكنتش أعرف غير إمبارح بالليل لما وصلنا، محمد سهر مع مامته ولما طلع بقول له قاعد تحت كل ده ليه، فحكالي بعد ما حماتك حكت له. 

تحدثت منى بهدوء: 

-الموضوع ده حصل من حوالي شهرين، وكانت مشكلة كبيرة، صادق جه قعد هنا يومين على ما حلوها. 

انتهزت الفرصة وأكدت على وجهة نظرها:

-علشان تبقي تصدقيني لما أقول لك إنها ست مش سهلة،دي أكتر واحدة فيهم وارثة صفات مامتها،نفس شدتها وقسوة قلبها الجاحد.

بينما حكمت منى ضميرها كعادتها وهي تقول:

- خلينا متفقين إن علي غلط، وأبلة فيفي انصدمت وأكيد أي أم مكانها هيبقى رد فعلها عنيف، يعني احنا لو لاقدر الله اتحطينا في نفس موقفها، وارد جداً نتصرف زيها. 

اتسعت عينيها بدهشة لترد مستنكرة: 

-انتِ بتهرجي يا منى، ده الولد ملوش مكان في البيت يستقبله هو ومراته، تخيلي بكرة بدل ما يلبس بدلة فرحة في شقته زي كل الشباب اللي هنا، هيلبس في اوضته القديمة، ده لوحده كفيل يضيع فرحته. 

كانت رقية تتحدث مع السيدة لكن عينيها على زوجتي نجليها، وبالأخص تلك المتعجرفة، تعرف بفراستها أنها تتحدث عنها هي وبناتها كعادتها،لذا قررت أن تنغص عليها هدوئها، فسألتها وهي ترمقها بحدة: 

-ما تشاركينا معاكِ في الكلام يا دكتورة؟

اهتزت من صوت المرأة ونظراتها التي تشبه نظرات الثعلب في مكره،لذا تمتمت سريعًا بنبرة بدى عليها الارتباك: 

-سوري يا طنط، ده نقاش عميق بعيد عن دايرة إهتماماتك. 

تجمدت أفكار المرأة لبرهةٍ وهي تحاول استيعاب كلمات تلك المتعجرفة، إذ حالت الفوارق الثقافية والتعليمية بينهما استيعاب السيدة لحديثها، شعرت بلحظة أنها تتعمد التقليل منها فتمتمت بسخرية لازعة وهي ترمقها باستنكارٍ حاد: 

-ما تتكلمي عِدل زي ما بكلمك يا اختى، ولا انتِ بتكلمي المحروسة أمك كده؟!

اشتعل الغضب بداخلها فجاء ردها عنيفاً، تحت ارتياب منى من تلك المناقشة وما ستؤول إليه: 

-أكيد، لإن دي طريقة كلامي اللي مش بغيرها علشان أي حد، مهما كان هو مين. 

تغاضت رقية عن غطرستها، وألقت بقنبلتها لتثأر لكرامتها وتنتقم:

-والست'لطيفة" أمك، بتفهم كلامك الملخفن ده؟! 

ضيقت سوزان بين عينيها بعدم استيعاب،لتلتفت السيدة لشقيقة عزام وهي تقول بابتسامة ساخرة: 

-أصل امها كانت خياطة في مصنع تفصيل،بتخيط مرايل المدارس للعيال . 

انتفض داخلها اشتعالا وهتفت بحدة أظهرت وطأة غضبها: 

-أولاً ماما كانت "باترونيست"، مش خياطة، وحتى لو كانت خياطة، الشغل عمره ما كان عيب يا طنط، وماما بشغلها ده خرجت دكتورة في الجامعة ودكتور تخدير.

التفتت نحوها مرة أخرى، ورمتها بكلماتٍ تحمل تلميحاً مبطناً: 

-ومين قال انه عيب، العيب اللي بجد على اللي يتبرى من أصله ويكلم الناس من طراطيف مناخيره. 

إهدوا يا جماعة لو سمحتم... جملة نطقت بها منى لتهدأت الوضع، لتليها السيدة عديلة شقيقة عزام: 

-وحدوا الله يا جماعة وصلوا على النبي، احنا في فرح. 

رمتها رقية بنظرة مليئة بالازدراء قبل أن تشيح بوجهها بعيدًا عنها. 

بينما هتفت سوزان بنظرة مشتعلة: 

-ست لا تُطاق. 

احتوت منى كفها وتمتمت لتهدأتها: 

-هدي نفسك، دي ست كبيرة وخُلقها بقى ضيق، وواجب علينا نتحملها. 

كظمت سوزان غيظها وحاولت تخطي الموقف لأجل الحاضرات. 

_______

كانت دليلة تجلس بين ابنتي عمتها، شهيرة وهالة، يتحدثون بوجوهٍ تفيض حيويةً وحماسًا، نهضت هالة وجذبت الفتاتين من أيديهما وهي تقول بحماسٍ هائل: 

-تعالوا نخرج للجنينة نتفرج على الفرح وعلى الطباخين، القعدة هنا تزهق أوي. 

تحركت دليلة نحو والدتها بخطوات هادئة، وتمتمت بصوتٍ هاديء: 

-ماما، أنا هخرج مع هالة وشهيرة للجنينة نتفرج على الفرح.

هزت منى رأسها برفضٍ قاطع، وتحدثت بحزمٍ:

-مش هينفع يا دليلة، ارجعي اقعدي مكانك.

طالعتها الفتاة بأعين يملأها الرجاء، وتوسلت بنبرة طفولية: 

-وحياتي يا ماما توافقي، ما كلهم خارجين أهو، صدقيني هتفرج حبة صغيرين وهاجي بسرعة.

جاء رد الأم هذه المرة صارمًا لا يحتمل النقاش، وهي تصد محاولتها قائلة: 

-قولت مافيش خروج يا دليلة، بابا منبه عليكِ وهيزعق لك لو شافك بره. 

وتابعت مستنكرة: 

-وبعدين هتطلعي برة تعملي إيه؟ الفرح كله رجالة وعيب تخرجي في وسطهم.

تدخلت شهيرة إبنة عمتها عايدة محاولةً تلطيف الأجواء، وإقناع زوجة خالها، فقالت ليطمئن قلب منى:

-خليها تطلع معانا يا طنط وما تخافيش عليها، أنا هاخد بالي منها كويس.

لم يتغير رأي منى بل ظلت على ثباتها ورفضت بقوة، مما أصاب الفتاتين باليأس، فانسحبتا وتركتا دليلة وحيدة.

عقدت الفتاة ذراعيها إلى صدرها،وجلست  وملامح الحزن والغضب ترتسم بوضوح على وجهها، في تلك الأثناء، دلفت فاطمة إلى الغرفة، وخلفها طابور من بنات العائلة يحملن صواني الطعام والحلويات. وضعن الصواني الكبيرة، وبدأت فاطمة تنسق الأطباق على الطاولة أمام والدتها وشقيقات زوجها وزوجتي أخويها، ثم التفتت إليهن قائلة بوجهٍ يشع سعادة:

-يلا يا جماعة بسم الله، مدوا إيديكم وما تتكسفوش.

 تطلعت رقية إلى المائدة واستحسنت أصناف الطعام ورصه داخل الأطباق، فقالت داعيةً بامتنان: 

-بسم الله ما شاء الله، الأكل يشرّف ويرفع الراس يا فاطمة، عقبال ما تقدمي لنا سفرة حنة أشرف هو كمان ونفرح بيه.

وعلى ذكر أشرف، كان يقف في الحديقة الخارجية بجوار شقيقه ووالده، يستقبلون المعازيم بوجوه متهللة، ورغم صخب الحفل، جال بباله طيف تلك الصغيرة، فلم يلمحها إلى الآن، فمنذ أن قدمت إلى القرية ليلة أمس بصحبة عائلتها، وهي مختفية عن الأنظار تمامًا، حيث قضت الليلة في منزل جدتها وجاءت إلى هنا برفقة والدتها، لم يمهله انشغاله الشديد بطلبات والده وتفاصيل الفرح وقتًا طويلاً للتفكير. 

يقف علي في منتصف حلقةً من رجال عائلته، يفيض وجهه بسعادة غامرة تتجلى فى لمعة عينيه، تقدم منه خاله محمد وربت على كتفه بابتسامة هادئة،قائلًا بممازحة:

-مبروك يا عريس،لم يتبقى لك سوى عدة سويعات قليلة، وبعدها تسير بقدميك نحو الأسر اللذيذ طواعيةً. 

وتابع مسترسلاً بنبرة درامية، وملامحه يكسوها يأسٍ مفتعل: 

-لتمضي ما تبقى من رحلتك مقيدًا بأغلال المسؤولية التي لا خيار لك فيها بعد الآن، وكأنك هربت من حرية الاختيار إلى حتمية الإجبار.

تعالت ضحكات صادق وعزام وأشرف في أرجاء المكان، بينما رسم "علي" على وجهه علامات صدمة مصطنعة ورد مازحًا: 

-جرى إيه يا خالي؟ أنت قلبتها حصة نحو وصرف ليه كده؟

أجابهُ محمد مبررًا بنفس اللكنة الدرامية: 

-الحدث جلل يا بني، ويستحق أن نصيغه باللغة العربية الفصحىة. 

أومأ برأسه عاجزاً، ثم قال بنبرة يكسوها قلقٌ زائف: 

-الله يبشرك بالخير ، كده طمنتني. 

تطلع عزام بفخرٍ على ذلك الذي اختار دراسة اللغة الإنجليزية والتخصص فيها بين جدران كلية السياسة والاقتصاد،ليبرع في مجاله ويُعين أستاذًا جامعيًا بعد تخرجه،وبرغم ذلك، لم يفقد شغفهُ بلغته الأم"الفصحى"، لذا تدخل مشيدًا بتقدير ، غامرًا الرجل بلُطفٍ: 

-والله برافو عليك يا محمد، رغم إنك إختارت تتخصص في مادة الإنجليزي، إلا إنك مازلت متمكن من الفصحى. 

أومأ برأسه احترامًا،وتحدث قائلًا بامتنان: 

-الفضل في ده يرجع ليك يا سيدي الفاضل.

هز عزام رأسه بتواضع ورد سريعًا:

-الفضل كله للمولى عز وجل يا دكتور.

لم يفوت صادق الفرصة ليعبر عن فخره بأستاذه، فتدخل قائلًا بثقة:

-ونعم بالله، بس شهادة لله، اللي يتعلم أصول اللغة على إيد أستاذ جليل زي حضرتك، مستحيل ينساها يا أستاذي.

شعر الرجل بالخجل من هذا المديح الخالي من الرياء، ووجه نظره نحو صادق لينطق شاكرًا:

-الجلال والعظمة لله وحده يا حبيبي، وإذا كنت أنا أستاذ شاطر، فأنت متقلش عني براعة يا وريث.

اتسعت ابتسامة صادق وغمرته سعادة بالغة بوصف أستاذه له، لينحني في امتنانه قائلًا:

-ده شرف كبير ليا يا حاج، ربنا يخليك لينا ويبارك في عمرك.

            *******

«حفل داليا» 

تلألأت فروع الإضاءة في ردهة الشقة كعناقيد من لؤلؤ،وامتزجت نغمات الدفوف وأغاني التراث بزغاريد النساء وضحكات الفتيات اللاتي تمايلن بأثوابهن البراقة.

وفي زاوية مبهجة، جلست "الحنّانة" تجهز صينية الشموع العطرة وأواني الحناء المعجونة بماء الورد، وسط أجواء دافئة ومشاعر تفيض بالحب والترقب لطلة العروس.

بالداخل، أغلقت الهاتف على عجل، وأخذت نفسًا عميقًا لتستجمع هدوءها، ثم خطت نحو الصالة الخارجية، وبمجرد أن وطئت قدمها المكان والتقطتها الأعين، ساد صمت قصير بين النساء من شدة الذهول، فقد انبهر الجميع بجمالها الآخاذ، وفستانها الذي بدا وكأنه صُنع خصيصًا لأجلها، وزينة وجهها الرقيقة الذي أبرزت جمال ملامحها، انهالت عليها المباركات والتهاني من الجميع، لتتلقاها هي بابتسامةً سعيدة، جذبتها صديقاتها للرقص وبدأت تتمايل معهن بجسدها المتناسق، وترقص برقة وعدم ابتزال لاقت استحسان الجميع. 

             ******

ما زال الحفل صاخبًا وفي ذروة تألقه، الفرحة غامرة تملأ أرجاء المنزل ، حيث توافقد المهنئون من شتى القرى والبلدات المجاورة لتقديم التهنأة لذلك الخلوق"عزام"، فامتزجت الأصوات، وتعالت الضحكات متناغمة مع روعة الليلة وتميزها. 

تحرك "علي" نحو الداخل بعدما طرأت لرأسه فكرة حماسية، أراد أن يجمع فتيات العائلة ونساءها ليصنع مفاجأة لخطيبته، ويشاركن في حفل حنتها لتكون ليلةً مميزةً لها،عرض الأمر على والدته، لم يرقها الاقتراح لكنها فضلت الصمت ولم تبدى اعتراضًا علنيًا لكي لا يحزن صغيرها. 

تأهبت الفتيات بحماس وضحكات متعالية، إستعد الجميع للإنطلاق بصحبة العريس، باستثناء "دليلة "التي جلست في زاوية الغرفة وعيناها تفيضان بالدموع بعد أن منعتها والدتها من الذهاب، ولج "علي" إلى الغرفة، وحين رأى دموع ابنة خاله، اقترب من الأم وتحدث إليها بلطف: 

-ليه مش عاوزة دليلة تيجي معانا يا مرات خالي؟

أجابته بلهجة حاسمة لا تخلو من الوداد:

-مش هينفع يا علي، طالما أنا أو باباها مش موجودين في المكان، ما ينفعش أسيبها تروح لوحدها.

 تدخلت "فاطمة"، بعدما رأت دموع الفتاة وهيأتها المزرية وهي مستسلمة لحزنها،فتحدثت بطريقة لينة: 

-سبيها تروح يا منى،هي مش لوحدها،معاها كل بنات العيلة، وعيونهم هتكون عليها طول الوقت.

 

لم تتزحزح عن رأيها وأصرت عليه، لتتمتم بتبريرٍ ممتزجًا بريبة حقيقية على نجلتها:

-البنت ما تعرفش حاجة هنا يا أبلة، حياتها كلها قضتها في السعودية، وده خلاها خجولة شوية وما بتعرفش تتحرك كتير، أخاف تطلع برة ولا حاجة وتتوه من البنات وما تعرفش ترجع.

أمام هذا الإصرار القاطع، استسلم الجميع مجبرين. غادرت الفتيات المنزل، لتبقى "دليلة " وحدها مع دموعها المنهمرة تحت حيرة منى،بين حزن ابنتها والخوف الشديد عليها.

خارج منزل السيد "عزام"، كان "أشرف" يقف بجانب السيارات، ينتظر خروح شقيقه بالفتيات لينطلقوا صوب منزل العروس، أقبل عليه الفتيات فتفحص وجوههن بعناية يبحث فيها عن ملامح تلك الصغيرة، لم يجدها فالتفت إلى "شهيرة" وسألها مستفسرًا:

-أُمال دليلة فين يا شهيرة؟

أجابته بأسف:

-مامتها رفضت تخليها تيجي معانا.

تسمر في مكانه مصدومًا، وشعر برغبة عارمة في الذهاب إلى زوجة خاله، وأن يطلب منها السماح للفتاة بأن ترافقهم، وقبل أن يتحرك قطع حبل أفكاره صوت شقيقه الحماسي: 

-يلا يا أشرف عشان ما نتأخرش. 

ابتلع غصته المريرة، وتحرك بسيارة خاله "محمد" ومعه عدد من الفتيات، في حين قاد "علي" سيارة "صادق" برفقة من تبقى منهن. انطلقت السيارتان تخترقان عتمة الليل في طريقهما إلى منزل "داليا"،تاركين خلفهم قلب تلك الصغيرة يتلوى من شدة الألم والحزن، بينما جلست الأم بجوارها تحتضنها في محاولة يائسة لتهدئتها. 

          ******

كانت تتمايل بخسرها كفراشة حرة بين الزهور، تتعالى ضحكاتها السعيدة وهي تتراقص وسط زميلاتها اللاتي حاصرتها عيونهن بالاهتمام والفرحة، ارتفع صوت جرس الباب لتهرول "نعمة" نحوه، اشتدت سعادتها وأنير وجهها بابتسامة غامرة ما إن رأت "علي" يقف أمامها،فالأن ستكتمل سعادة ابنتها، رحبت به بحفاوة هو والفتيات،بينما انتظر أشرف بالسيارة ، دخل علي إلى البيت محاطًا بترحيب الجميع.

ما إن وقعت عينا تلك العاشقة عليه، حتى شعرت بنبضات قلبها تتسارع بعنفٍ، كأن فراشات العالم اجتمعن، لتتراقصن حولها من فرط البهجة، تقدم نحوها بخطوات ثابتة، ثم توقف أمامها مباشرة، يتأمل ملامحها بذهول وإعجاب كأنه يراها للمرة الأولى، فقد كانت فاتنة في هذا الثوب الذي جعلها تبدو كأميرة ، انحنى قليلًا نحو أذنها، وهمس بملاطفة وصوت دافئ لكسر رهبة ما يشعران به: 

-ما تعرفيش داليا خطيبتي فين؟!

توردت وجنتاها خجلًا، ولَكزته في كتفه بخفة وهي تضحك بدلالٍ أثار شغفه إليها. 

أشارت والدتها نحو "الكوشة" الممتلئة بالورود والبلالين وقالت بنبرة حنونة: 

-تعال يا حبيبي اقعد جنب عروستك علشان البنات ياخدوا لكم كام صورة مع بعض.

ثم التفتت نحو ابنة شقيقتها التي كانت تمسك كاميرتها الفوتوغرافية وتحدثت:

-تعالي يا نهى صوري العرسان.

 تأهبة الفتاة لالتقاط الصور، تقدم علي وأمسك بيد داليا، وكادا يتحركان نحو الكوشة، إلا أن صديقتها المقربة اندفعت نحوهما بخفة، وجذبت داليا من يدها الأخرى وهي تقول بحماس وصوت صاخب: 

-يقعد فين يا طنط،ده كده الحفلة يا دوب هتبتدي

وتابعت باصرارٍ وحماس:

- يلا علشان نصوركم وإنتوا بترقصوا مع بعض.

تشابكت أيديهما مجددًا، واندمجا في رقصة ثنائية ساحرة، تحيط بهما تصفيقات الحضور الحماسية، كانت العيون تلاحقهما بإعجاب وتمنيات بالسعادة. 

ما إن انتهت الرقصة، حتى اقتربت "نعمة"وجمعت أيديهما بين كفيها قائلة بلهفة: 

-تعال يا علي اقعد جنبها عشان الحنانة تحنيكم أنتم الاثنين.

تبدلت ملامحه فجأة، وانعقد حاجباه وهو يقول باستنكارٍ: 

-حنة إيه اللي عاوزاني أحطها يا طنط؟!، ده مستحيل يحصل طبعًا.

تدخلت "الحنانة" التي كانت تجلس بانتظارهما، وقالت محذرة بنبرة تقليدية:

-بطل مقاوحة وقرب يا عريس، لازم تتحنى وإلا يبقى فال وحش. 

نظر إليها، ثم استخرج بعض الورقات المالية وناولها اياها وهو يقول: 

-ولا وحش ولا حلو، حني العروسة وخلاص.

نظرت إليه داليا بعينين تلمعان بالرجاء، واقتربت منه تتدلل عليه برقة أنثوية آسرت بها قلبه وجعلته يحن: 

-وحياتي يا علي لتحط معايا.

 التفتت إلى السيدة وأردفت بحماسٍ وفرحة طفولية: 

-اكتبي لعلي على إيده حرف الـ D.

ثم غاصت عيناها في خاصتيه بعشق جارف وقالت بنعومة:

-وأنا ارسمي لي حرف الـ A.

استسلم أمام سيل مشاعرها الجارفة،جلست الحنانة بالمقعد المقابل لهما، وبدأت تخط الحروف بدقة وإتقان باستخدام القرطاس الورقي المتاح في ذلك الوقت، إنتهت السيدة لتصيح لها شهيرة وهالة وباقي الفتيات لرسم حروفهن،بينما تبادلا الحبيبان نظرات عاشقة في صمتٍ هائل، مال عليها وهمس بصوت يحمل وعدًا ببحورٍ من العشق الهائل لصاحبة أجمل عيون رأها بحياته: 

-ما فاضلش غير ساعات يا داليا، ساعات وتبقي في بيتي، وما فيش مخلوق في الدنيا بعدها هيقدر يفرقنا عن بعض،ولا يبعدك عن حضني.

اشتعلت وجنتاها بالخجل، وخفضت رأسها عاجزة عن الرد إلا من ابتساماتٍ رقيقة أنارت وجهها،تحت سعادة قلبه التي تخطت عنان السماء.

انتهى الحفل وعاد علي إلى بيته، يشعر بروحه تحلق في السماء من شدة سعادته،دخل غرفته ليستريح استعدادًا لاستقبال أسعد يومًا بحياته، فلحقت به والدته لكي تطمئن عليه، اقتربت منه بوجهٍ يشع نورًا من شدة بهجتها، أمسكت وجهه بين كفيها بعناية، وتحدثت بنبرة تفيض حبًا وتمني : 

-ألف مبروك يا حبيبي، عشت وشفتك عريس يا علي

طالعها بحنانٍ مفرط، فتابعت بتمني:

- عقبال ما أفرح بعوضك يا نور عيني.

ابتسم بحنان، وقبل يدها قائلًا بصوتٍ يقطرً حنانًا وحبًا: 

-في حياتك يا قلبي.

نظرت في أعماق عينيه وسألته بصوتٍ يملؤه الدفئ: 

-مبسوط يا علي؟

لمعت عيناه بسعادة غامرة وشعاع من الأمل، وأجابها بلا تردد: 

-أوي يا ماما، مبسوط جداً. 

ارتسمت على شفتيها إبتسامة رضا، وقالت وهي تتحرك نحو الباب: 

-طب يلا يا حبيبي نام عشان تقوم بدري، لسه هتروحوا عند ابو العروسة الساعة عشرة علشان تكتبوا الكتاب، وبعدها هتودي عروستك الكوافير.

أومأ لها بالموافقة، فخرجت وأغلقت الباب خلفها برفق، تاركة إياه يغرق في أحلامه السعيدة.

           ******

أشرقت شمس يوم جديد، يومًا طال انتظاره وتجرع العروسان في سبيله لوعة الاشتياق والصبر، حتى بلغا أخيرًا تلك اللحظة المنشودة،اتجه عزام ورجال عائلته إلى منزل العروس،لعقد القران. 

قبل الغروب، كانت الحركة دؤوبة داخل المنزل، الجميع يتأهب للحفل، والكل يرتدي أبهى ما عنده احتفالاً بحفل الزفاف، أمام منزل السيد "عزام"، اصطف أسطولاً من السيارات الخاصة والحافلات العامة، لنقل الأهل والاحباب إلى دار المناسبات الفاخرة في قلب مدينة المنصورة، حيث سيُقام حفل الزفاف هناك، وقف السيد عزام يوجه السائقين بهيبة وحزم، بينما اقترب منه صادق وتحدث: 

-ألف مبروك يا حاج. 

أجابه بابتسامةٍ مشرقة ملئت وجهه: 

-الله يبارك فيك يا صادق، عقبال ما تفرح بدليلة وأحمد. 

-في حياتك يا حبيبي... قالها وانسحب للداخل يطمئن على زوجته ونجليهما. 

________

امتلأ منزل السيد عزام بحركة صاخبة وضحكات صافية أطلقتها فتيات العائلة وهن يتهادين كالملكات بأثوابهن الزاهية، يوزعن الفرح في أرجاء المكان، وفي الوقت نفسه، انزوت "دليلة" في ركنٍ بعيد، بوجه عابس يخفي خلفه غضبًا طفولياً واضحاً.

لمحها "صادق" من بعيد فانسحب من بين والدته وشقيقاته، وخطا نحوها، رفع وجهها بطرف إصبعيه وسألها مبتسمًا: 

-مالك يا حبيبتي؟زعلانة ليه؟

التفتت إليه وعيناها تفيضان باللوم، وضمت شفتيها بمرارة وهي تشكو بحرقة:

-ماما رفضت تخليني أطلع أتفرج امبارح على الفرح، وكمان مارضيتش تخليني أروح مع أبيه علي، علشان أشوف العروسة. 

لم يملك إلا أن يبتسم أمام براءتها العفوية، فمسح على وجنتها برفق وهو يهدئ من روعها بكلماته الحنون: 

-معلش يا حبيبتي، ماما بتخاف عليكِ جداً، إنتِ ماتعرفيش حاجة هنا، ولو لا قدر الله توهتي، مش هتعرفي ترجعي تاني.

لم تقنعها إجابته، فالتفتت إليه بعينين تلمعان بالحزن وقالت مستنكرة: 

-وهو أنا كنت هتوه في جنينة طنط فيفي يا بابا؟!

جذبها إلى صدره يطوقها بعناقٍ دافئ، وربت على كتفها بحنان وهو يهمس: 

-ما تزعليش، حقك عليا أنا، خلاص بقى فكي التكشيرة دي

تبسمت ليتابع بوعدٍ صادق: 

-وانا يا ستي هعوضك بخروجة على ذوقك أول ما نرجع القاهرة.

تسللت السكينة إلى قلبها، فتبدد عبوسها وأومأت برأسها مبتسمة:

-خلاص يا بابا، مش زعلانة.

-إنتِ قلب أبوكِ يا دليلة...قالها محتضنًا إياها، لتشعر بروحها هائمةٌ في السماء

قطعت "منى" خلوتهما بخطواتها المتعجلة، وقبضت على يد "دليلة" تضعها في كف شقيقها الصغير الذي كان يزهو ببدلته الأنيقة كعريس مصغر، وقالت بعجلة: 

-امسكي إيد أخوكِ كويس يا دليلة، على ما أروح أشوف أبلة فيفي لتكون محتاجة حاجة.

ثم التفتت إلى زوجها وتحدثت برجاءٍ يعود إلى خوفهما المستمر على نجليها: 

-خلي بالك منهم يا صادق على ما اجي.

تململ في وقفته وقال متهرباً، وهو يهندم ثيابه: 

-أنا مش فاضي لكم يا منى، أنا رايح مع علي الكوافير عشان نأخد العروسة ونروح الاستوديو يتصوروا قبل الفرح.

بالفعل انسحب لانتظار العريس في الخارج،بقيت الفتاة واقفة مع شقيقها الذي هتف معترضًا: 

-هي ليه ماما بتعاملني على ان عندي تلات سنين مش عشرة يا دليلة؟ 

زفرت قبل أن تجيبه باستنكارٍ: 

-لما أعرف أنا الاول بتعامل كده ايه، ساعتها هبقى اقول لك يا "أحمد"

خرج "أشرف" من غرفته، وفور أن وقعت عيناه على وقفتها المنزوية، اقترب منها بابتسامة دافئة تفيض اهتماماً وهو يقول: 

-إزيك يا بنوتة؟ مستخبية فين، ماحدش شافك من ساعة ما جيتي؟

رمقته بطرف عينيها، ونبرتها لا تزال مغلفة بحزنٍ عميق: 

-أنا موجودة أهو.

لمح غيمة الحزن التي تظلل ملامحها، فدنا منها خطوة وسألها بآسى: 

-مالك يا دليلة؟ في حد مزعلك؟

هزت رأسها نفياً، ظهرت منى فجأة وخطت نحوهما بنظرات متوجسة،سألته بنبرة حادة حملت انزعاجاً واضحًا: 

-في حاجة يا أشرف؟!

رسم ابتسامة هادئة على وجهه ليمتص توترها، وأجاب بنبرة رصينة: 

-مفيش يا طنط، أنا كنت بطمن على أحمد ودليلة، وبشوفهم لو محتاجين حاجة.

رمقته بنظرة حازمة وهزت رأسها قائلة:

-متشكرين يا أشرف، هما الحمد لله مش محتاجين حاجة.

 ثم التفتت لابنتها وتحدثت بنبرة حنون: 

-تعالي يا حبيبتي عشان أظبط لك شعرك .

وقبل أن تتحرك الفتاة من مكانها، انفتح الباب فجأة وخرج علي، بدا رائعًا ببدلته السوداء الأنيقة، وربطة عنقه الحمراء التي أضفت عليه جاذبية خاصة، بينما سبقت خطاه رائحة عطره الفاخرة المفعمة بالحياة لتملأ أركان البيت بأكمله،انطلقت زغاريد النساء دفعة واحدة لتزلزل جدران المنزل، وتجمعن حوله يغمرنه بالأحضان والقبلات والمباركات. 

أقبلت عليه "فاطمة"، ووقفت أمامه والدموع تترقرق في عينيها من فرط التأثر، قالت بصوت مخنوق من شدة سعادتها: 

-ألف مبروك يا نور عيني، ربنا يتمم لك بخير يا حبيبي.

مد يده يمسح الدموع المنهمرة على وجنتيها برفق، ثم جذبها إلى أحضانه في عناقٍ دافئ وهو يهمس ملاطفًا إياها: 

-مش عاوزين أي دموع الليلة دي يا فيفي، النهاردة عاوزين رقص وزغاريد وبس.

اقتربت "رقية" بوقارها المعهود لتهنئه: 

-مبروك يا علي.

انحنى يقبل يدها باحترام:

- الله يبارك فيكِ يا حاجة رقية، عقبال حجك للمرة التانية ان شاءالله.

 اندفعت "عايدة" تحتضنه بحفاوة قائلة:

-عملنا لك كل الأكل اللي بتحبه يا حبيبي، وخالك صادق هيوصلهولك بنفسه للشقة.

رد بابتسامة هادئة: 

-مكانش ليه لزوم تغلبوا نفسكم يا خالتي، داليا مامتها عاملة لنا أكل كتير.

إتسعت عيناي "فاطمة" بغيرة، وهتفت بحدة: 

-وإحنا مالنا بأكل داليا وأمها، كل واحد يبقى يأكل أكل أمه. 

تعالت ضحكاته وتحدث:

-حاضر،مش هدوقها ولا حتى صباع محشي واحد.

 وعاد يحتضنها كي ينال رضاها:

-ما اتحرمش منك ولا من حنيتك عليا يا فيفي.

اقتربت "منى" بدورها قدمت له التهنئة وهي تقول بابتسامة: 

-مبروك يا علي. 

-الله يبارك في حضرتك، عقبال دليلة.

خجلت الفتاة وتسللت الحمرة إلى وجنتيها، وتقدمت بخطى هادئة لتصافحه، تطلع إليها بحنوٍ وتحدث بملاطفة: 

-إنتِ لسه زعلانة؟

ابتسمت بخفوتٍ فتابع متحمسًا: 

-أنا هاصالحك وهأقعدك جنبي في الكوشة كمان، ونتصور صور كتير تعوضك عن امبارح، ها يا ستي، مبسوطة؟

أشرق وجهها بابتسامة راضية وهزت رأسها وهي تقول:

-اتفقنا.

أقبلت "أماني" من الداخل، لتمسك بكتفيه وتطلق زغرودة مدوية،ثم ضمته لصدرها وهي تقول: 

-مبروك يا علوة، جوازة السعد والهنا يارب.

-الله يبارك فيكِ يا خالتي، عقبال شهاب يا حبيبتي.

وسط هذه الأجواء الدافئة، اخترق "أشرف" الجمع واقترب من "علي" يستعجله بنبرة حازمة: 

-خالك بيستعجلك بره، يلا عشان ما تتأخرش.

انطلق برفقة شقيقه وخاله، والبهجة تفيض من محياهم وتسبق خطاهم،بعد قليل، كان يدلف إلى صالون التجميل (الكوافير)، حيث وقف في صالة الانتظار تتقاذفه دقات قلبه المتسارعة، وتناجيه روحه بلهفة السنين، فجأة، انفتح الباب الداخلي وخطت "داليا" نحوه.تسمّرت قدماه في مكانهما، واتسعت عيناه في دهشة عارمة تفيض إعجابًا ولهفةً وذهول، فقد كانت أشبه بملاكٍ، ينساب فستانها الأبيض حولها بنعومة تحاكي فساتين الملكات في الأساطير، كانت عيناها خفيضتين، ووجنتاها تشتعلان بخجلٍ، بلا مقدمات، ودون أن ينطق بحرف واحد، خطا نحوها واختزل كل المسافات، جذبها إلى صدره في عناقٍ طويلٍ جارف، بث فيه كل لوعة الشوق وصبر الأيام، ذلك العناق الذي طالما تمناه لسنوات في خياله وسجد داعيًا به، هاهي الآن بين يديه، زوجته، وحلاله، تذكر فجأة أين هما، فابتعد عنها سريعًا على استحياء من نظرات المحيطين، وسلط عينيه المشعتين بالحب على وجهها هامسًا بنبرة رخيمة: 

-مبروك يا حبيبتي، أجمل عروسة شافتها عيوني يا عيوني.

ازداد خجلها، وتوارت نظراتها خلف رموشها وهي تجيبه بصوت يرتجف خجلاً ودلالاً وحبًا: 

-الله يبارك فيك يا حبيبي، ومبروك عليا أنا كمان .

خرجا معًا لترتفع زغاريد الفتيات المدوية وتصفيق صديقاتها اللاتي أحطن بهما، في الخارج، كان "صادق" و"أشرف" بانتظارهما أمام السيارة، أسرع "أشرف" يفتح لهما الباب الخلفي بابتسامة واسعة، في حين تراجع "صادق" خطوة إلى الخلف، وقال بنبرة وقورة تملؤها المودة والاحترام:

-مبروك يا عروسة، ربنا يسعدكم .

أجابت بصوت خفيض يقطر خجلاً:

-الله يبارك في حضرتك .

ساعد عروسه في جمع أطراف فستانها لتجلس براحة، ثم دلف بجوارها في المقعد الخلفي يمسك كفها بحنو،جلس أشرف بجوار خاله، بينما أدار "صادق" محرك السيارة وانطلق بهما نحو استوديو التصوير.

           ******

اكتملت الطاولات بالمدعوين الذين جلسوا في ترقبٍ انتظارًا لقدوم العروسين من استوديو التصوير. في زوايا القاعة، انقسمت النساء إلى حزبين متأهبين، حزب العروس الذي يتصدره حضور "نعمة" الواثق، وحزب العريس بقيادة "فاطمة" التي لم تكف عن إطلاق نظراتٍ شرسة وحارقة تجاه غريمتها، قبل أن تشيح بوجهها عنها بكبرياءٍ. 

ساد صمتٍ مشحون، وكأن القاعة تحولت إلى ساحة استعراضٍ غير معلنة، حيث تسابقت العائلتان في إبراز المجوهرات الذهبية والثياب الباهظة، وكأن كل طرف يحاول سحق الآخر بالوجاهة المادية.

دنت"منى" من "فاطمة"الجالسة بكبرياءٍ، وهمست بصوت خفيض محاولةٌ كسر ذلك الجمود بين العائلتين :

-مش هتقومي تسلمي على أم العروسة وأهلها يا أبلة؟

هتفت"عايدة" مقاطعة باستنكار وهي تلوح بيدها بحدةٍ واضحة:

-هو مين اللي ييجي يرحب بالتاني يا ست منى؟ دي ست قليلة الذوق، والغل واكلها عشان فيفي فازت عليها. 

رمتها "سوزان" بنظرة مستاءة، واستنكرت باندهاشٍ:

-فازت؟ هو انتوا في سباق ولا إيه يا جماعة؟ ما تهدوا كده عشان الولاد، وعلى فكرة يا عايدة، المفروض فيفي هي اللي تقوم ترحب بالست وضيوفها، لأن الفرح بتاعكم وانتم أصحابه

وتابعت بذات مغزى للتقليل منهن:

-الأصول بتقول كده.

هتفت "عايدة" بسخط وضيق وهي تشيح بيدها:

-خليكِ انتِ في الأصول بتاعتك يا دكتورة، ونقطينا بسكاتك. 

تدخلت "رقية" بالحديث وقالت بنبرة وقورة تحمل صوت العقل والحكمة:

-قومي يا فاطمة رحبي بضيوفك،مهما كان احنا ولاد أصول.

لكن الكبرياء أعماها، فردت بعناد متصلب وعينين تلتمعان بالمرارة:

-مش هيحصل يا ماما، الست دي قعدت سنة بحالها حاطة عينها في عيني وهي بتكذب عليا، كانت تيجي لما نعزمهم وتطلع معايا الشقة وتقعد تقول، هنا هنحط الأنتريه، وهنا السفرة وهنا النيش. 

تنهدت "أماني" بضيق من هذه الجدالات العقيمة التي توشك أن تفسد الليلة، وقررت حسم الأمر بنفسها، فهبت واقفة وقالت:

-تعالي يا منى انتِ وسوزي، نروح لهم احنا ونرحب بيهم.

أومأت السيدتان بالموافقة، وانطلقت الثلاثة نحو جبهة العروس لكسر الجليد، وما إن اقتربن، حتى استقبلتهن "نعمة" بحفاوة بالغة وتأثرٍ واضح، وراحت بحماس تقدمهن لأقاربها ومعارفها، وكأن حضورهن كان طوق نجاة انتشل جبهتها من عزلة مفروضة عليها في ليلة عرس ابنتها.

_______

 صدح مكبر الصوت في أرجاء القاعة، لينتبه الجميع وتتجه الأنظار تلقائياً نحو البوابة الرئيسية، وما إن انفتح الباب، حتى أطل العروسان يحيط بهما صادق وعبد الله، والابتسامات العريضة تضيء وجوههم، في تلك اللحظة، انطلقت الزغاريد المدوية واهتزت القاعة بالتصفيق الحار، وسط نظرات الانبهار والثناء التي لاحقت الثنائي وجمالهما الفاتن، كانت العروس مبهرة في كل تفصيلة، كأميرة خرجت للتو من رواية رومانسبة. 

كانت تسير إلى جواره وتكاد الأرض لا تسعها من فرط الفخر، الآن حظيت بالرجلِ الذي طالما تمنتهُ واشتهت قُربه، وناجت الله كثيرًا في صلواتها ليكون من نصيبها، فقد استجاب الله لدعواتها اللحوحة، وأصبحت زوجته شرعًا وقانونًا أمام الجميع.

تقدمت فاطمة تتبعها شقيقتاها لاستقبال نجلها، وفي المقابل وقفت نعمة وشقيقاتها بلهفة لاستقبال العروس، ضمت فاطمة ابنها إلى صدرها بحنان، ثم التفتت نحو العروس وتطلعت إليها بنظرة مليئة بالحزن والتردد،بادرتها العروس باحتضانها وهي تهمس بنبرة آسفة:

-حقك عليا يا طنط، أنا آسفة.

هزت رأسها بهدوء محاولة تجاوز المشاعر المعقدة بداخلها، وقالت بصوتٍ واهن ما جعل قلب الفتاة يقفز فرحًا: 

-ألف مبروك يا بنتي، ربنا يتمم لكم على خير.

جلس العروسان في الكوشة المخصصة لهما، وانهالت عليهما التهاني ، بينما عادت فاطمة إلى طاولتها برفقة نساء عائلتها، لم تمضِ سوى بضعة دقائق حتى اقتربت منها نعمة، ومدت يدها بالسلام قائلة بعتابٍ مبطن:

-مع إن المفروض إنتِ اللي تيجي ترحبي بيا وبضيوف ابنك، بس أنا اللي جيت لك يا فيفي ومادة إيدي بالصلح.

تنهدت فاطمة بثقل، رمتها رقية بنظرة تحذيرية حادة، استجابت لها، ونهضت من مقعدها وهي تقول بنبرة جادة: 

-مبروك لداليا يا مدام نعمة.

لم تمنحها الأخرى فرصة لإكمال كلماتها، بل جذبتها نحوها وضمتها في عناقٍ حار، معلنةً تصفية النفوس من أجل سعادة أبنائهما في تلك الليلة المميزة. 

امتدت يدها نحو "رقية" وقالت بابتسامة صافية:

-ألف مبروك لحفيدك يا حاجة.

ارتسمت إبتسامة هادئة وهي تجيبها: 

-الله يبارك فيكِ يا حبيبتي، ومبروك لحبيبتك. 

أخذ صادق ابنته وتحركا وسط الزحام حتى وصلا إلى مكان العروسين، تطلعت إلى العروس بعينين تلمعان بالدهشة والانبهار، وقالت بصوت متهدج من فرط الإعجاب: 

-مبروك يا أبلة.

انحنت "داليا" نحوها برقة، وطبعت قبلة حانية على وجنتها وهي تهمس باسمةً: 

-الله يبارك فيكِ يا دليلة، "علي" حكى لي عنك كتير على فكرة.

ابتسمت وتمتمت بانبهارٍ:

-شكلك حلو أوي،عاملة زي الأميرات. 

أشرق وجهها وانعكست اللمعة في عينيها وهي تشكرها:

-ميرسي يا حبيبتي، ده من ذوقك.

تجمعت الفتيات حول العروسين "دليلة"، "شهيرة" و"هالة" وبقية بنات العائلة لالتقاط الصور التذكارية. كانت الضحكات تتصاعد، بينما هناك، على بُعد خطواتٍ قليلة، كان يقف صامتًا، لم تكن عيناه تفارقانها، نظراته المحاوِطة لها كانت أشبه بحصارٍ دافئ من الاهتمام، يراقب كل إيماءة من حركاتها، وكل ضحكة تنطلق من شفتيها، وكأن القاعة بأكملها قد اختفت ولم يتبقَ فيها سواها،كان يعجبُ من أمره،ولم يجد تفسيرًا منطقيًا لهذا التعلق بتلك الصغيرة.

تعالت النغمات الهادئة في أرجاء القاعة، معلنةً عن بدء اللحظة المنتظرة، موعد رقصة العروسين، وقف يستعدان لرقصتهما الأولى معاً، تشابكت أصابعهما برفق، فالتقت عيناهما في نظرة طويلة، غلفت الحمرة وجنتيها خجلاً، اقتادها برقة من يدها نحو المكان المخصص لرقصتهما، مع بداية خطواتهما الأولى، مال برأسه نحو أذنها، وهمس بصوت تقفز منه السعادة:

-انتِ حلوة أوي يا داليا.

هربت ببصرها لأسفل، تحاول التملص من نظراته العاشقة التي تحاصرها، وقالت بصوت خافت:

-بطل تبص في عيوني يا علي الله يخليك، الكل مسلطين عيونهم علينا. 

انطلقت منه ضحكة نابعة من أعماق قلبه، وقال بلامبالاة مرحة:

-ما يبصوا، هو إحنا بنسرق؟ انتِ خلاص بقيتي مراتي شرعاً وقانوناً

وتابع بملاطفة: 

-يعني زي ما بيقولوا كده، رسمي فهمي نظمي. 

ابتسمت بدلال أنثوي أسر لُبهُ، وقالت:

-عشان خاطري بطل يا علي، أنا بتكسف.

تطلع إلى عمق عينيها، واندفعت الرومانسية من صوته كشلال دافئ:

-يا لهوي على اسمي منكِ يا داليا، قوليه تاني عشان خاطري. 

-خلاص بقى يا علي... قالتها وقد تضاعف خجلها، لينطق بعناد عاشق لا يريد لمتعته أن تنتهي:

-طب إيه رأيك إني مش هسكت غير لما أسمع كلمة "علي" منكِ، يلا قوليها واخلصي من زني.

أطلقت ضحكة رقيقة بدلالٍ يليق بها، وقالت مستسلمة:

-"علي"،،خلاص كده ارتحت؟

ضمها إليه وقال بهمس أذاب روحها: 

-أيوه ارتحت.

انتهى حفل الزفاف، وقام "صادق" بإيصال العروسين بسيارته إلى عش الزوجية،ثم عاد إلى بيت والدته حيث تنتظره زوجته وأولاده، وقفت داليا في ردهة الشقة، والهدوء يلف المكان بعد صخب الليلة، وقف يتأملها بنظراتٍ تجمع حنان الدنيا كله، اقترب منها وتمتم ونبراته تهتز من فرط المشاعر:

-أخيراً يا داليا، أخيراً بقينا لبعض.

تلك اللحظة هي التجسيد الحيّ للحلم الذي غازل خياله منذ أول لقاء جمعهما، وها هو الآن، يكاد يلمس بيديه تلك النجوم التي طالما تطلع إليها في سمائه البعيدة. 

رفعت عينيها إليه، وامتزجت نظرتها الولهة بالطمأنينة وهي تجيبه:

-أخيراً يا علي.

مال عليها يلثم شفتيها برقة بالغة، ليغوصا معاً في جولتهما الأولى ببحر عشقهما الحلال.

              ******

داخل غرفتهم الفندقية ،كان رشيد يجلس برفقة أصدقائه على الفراش، يوزعون أوراق لُعبة"الكوتشينة" بمرحٍ وضحكات متتالية بعد عناء يوم عمل طويل ومجهد، بينما كان" يحيى"مستلقياً على فراشه، يشيعهم بنظراتٍ حاقدة تعكس سواد قلبه. 

فجأة، انقطع صوت مرحهم وتوقفت ضحكاتهم إثر اندفاع باب الغرفة بقوة،ليدخل مدير أمن الفندق بوجه صارم يكسوه الغضب، وخلفه حارسان مدججان بنظراتٍ متوجسة، ساد الصمت، وتجمدت الضحكات على الشفاه.

تقدم مدير الأمن نحو رشيد مباشرةً، وعيناه تشتعلان غضبًا وحزمًا، ليهتف بحدة:

-فين الدولاب بتاعك؟!

نهض رشيد يطالعه بذهولٍ مفاجئ، وحاول الحفاظ على هدوء صوته،وقال متسائلًا:

-خير يا فندم؟

رد الرجل بنبرة جافة لا تقبل النقاش:

-في ساعة غالية جدًا اتسرقت من نزيل في الفندق، ووصلت لنا معلومة مؤكدة إنك أنت اللي سرقتها. 

اتسعت أعين أصدقاءهُ بصدمة بالغة، بينما انتفض "سامر"واقفًا ليدافع عن رفيق عمره بقوة وثقة:

-رشيد مستحيل يعمل كدة يا فندم

وتابع مستنكرًا: 

-أكيد في حاجة غلط في الموضوع. 

التفتت عينا سامر تلقائيًا نحو يحيى الجالس على فراشه، يتطلع على رشيد ويبتسم بخبثٍ دفين، لمح سامر تلك البسمة الشامتة قبل أن تختفي سريعًا، إذ تصنع الحزن والوجوم فجأة مغيرًا ملامحه ببراعة.

أما رشيد، فقد ابتلع غصته، ووقف بشموخ أمام مدير الأمن دون ذرة خوفٍ، أشار بيده بثباتٍ وثقة كاملة نحو خزانته وقال:

-ده دولابي يا فندم، اتفضل فتشه.

تحرك رجل الأمن بخطواتٍ واثقة نحو الخزانة، وراح يفتح بابها، تحت نظرات يحيى المترقبة التي تلمع بشر ينتظر لحظة السقوط.


تعليقات