رواية حين يجبر العشق الفصل الثامن 8 بقلم لولا نور


 رواية حين يجبر العشق الفصل الثامن 


داخل جناح سلطان  ... 
قبل شروق الشمس بقليل ✦

كان السكون يملأ الجناح...

سكونًا عميقًا لا يقطعه سوى صوت أنفاس منتظمة.

في الخارج كانت خيوط الفجر الأولى تزحف ببطء فوق ارض الجنوب ....

أما في الداخل...

فكان سلطان  لا يزال غارقًا في نوم ثقيل لم يعرف مثله منذ أيام طويلة.

مستندًا برأسه إلى صدر حور.

وذراعه مطوقة خصرها كأن عقله الباطن يخشى أن تبتعد.

بينما كانت هي مستيقظة منذ دقائق...

لا تتحرك. .....ولا تجرؤ حتى على تعديل وضعيتها.

تراقبه بصمت.

وتكاد لا تصدق أن الرجل نفسه الذي يقف أمام الجميع كالجبل...

ينام الآن بهذه السكينة بين ذراعيها.

هبط بصرها على ملامحه.

وللمرة الأولى رأته بلا قناع بلا صلابة.
بلا جمود.
بلا تلك النظرة الحادة التي يخفي خلفها كل شيء.

فشعرت بشيء دافئ يتمدد داخل صدرها.

شيء يشبه الشفقة في ظاهره وفي باطنه يحوي علي عشق كبير أكثر مما ينبغي.

مدت أصابعها ببطء شديد. ثم أبعدت خصلة شعر سقطت فوق جبينه.
بحذر كأنها تخشى أن توقظه.

لكن ما إن لامست أصابعها بشرته...

حتى انفرج حاجباه قليلًا. ثم فتح عينيه فجأة.

تجمدت حور مكانها.

أما هو...
فاحتاج لثانيتين كاملتين ليستوعب ما يراه.

ثم انتفض جسده كله دفعة واحدة ورفع رأسه عنها مسرعاً .....
كأن نارًا اشتعلت تحته.

اتسعت عينا حور بدهشة.

بينما ابتعد هو جالسًا على حافة الفراش.

يمرر يده فوق وجهه بعنف.

عاد إليه كل شيء دفعة واحدة...
موت والده ....انكساره.....دمعته....واخيراً حضنها!!!!!

وأسوأ من كل ذلك... راحته.!!!!

اشتد فكه بقوة حتى برزت عضلاته وظل صامتًا.
صامتًا بصورة جعلت حور تشعر أن الهواء نفسه صار ثقيلًا.

فهتفت بخفوت تناديه : سلطان...

لكنّه نهض فورًا ولازال معطياً لها ظهره.

كأن مجرد النظر إليها الآن يزعجه أو يفضحه.

ساد الصمت للحظات.
قبل أن يتجه نحو الحمام ...

ثم قال بصوت خشن متحشرج من اثر النوم : انا اتاخرت ولازم انزل ....

رمشت حور عدة مرات فقد أدركت فورًا أنه يهرب.ومع ذلك أجابته بهدوء: بس لسه بدري."

أومأ برأسه فقط ثم اتجه نحو غرفه الملابس.

وأخذ يخرج ثيابه واحدة تلو الأخرى بطريقة عملية باردة ولكنها متوترة....

وكأن شيئًا لم يحدث الليلة الماضية.

راقبته حور بصمت.

ثم قالت بعد تردد: سلطان انت كويس...

توقفت يده للحظة قصيرة جدًا لحظة كادت لا تُرى.

ثم عاد يكمل ما يفعله وقال دون أن ينظر إليها كاذباً : مش اوي ...

عقدت حاجبيها كانت تعرفه بما يكفي الآن لتفهم.

هو لا يتجاهلها ....،هو يهرب منه.

فنهضت من فوق الفراش.

وقالت بهدوء: محدش هيحاسبك على إنك زعلت على أبوك يا سلطان."

تجمدت حركته لكن ظهره ظل لها.

أما هي فأكملت: ولا على إنك تعبت."

التف إليها فجأة وفي عينيه شيء حاد.

شيء يشبه الغضب لكنه لم يكن غضبًا منها بل من نفسه.

وقال بصرامة: أنا كويس."

ابتسمت حور ابتسامة صغيرة وهزت رأسها بخفة ثم قالت:أهو ده بالذات اللي يثبت إنك مش كويس."

اشتدت ملامحه أكثر.

فأكملت قبل أن يقاطعها: أنا مش بطلب منك تشرح حاجة."

ثم أردفت بهدوء: بس متتعاملش كأن اللي حصل امبارح بينا حاجه غلط...

ساد الصمت بعدها ...صمت طويل.
قبل أن يخفض سلطان بصره للحظة بانهزام ولكنه تابع بكبر : اللي حصل امبارح كان لحظه ضعف مش اكتر وما احبش انها تتكرر تاني او تتفهم غلط...

شعرت حور بوخزة كبيره داخل قلبها لكنها أخفتها جيدً وفهمت المقصود.

فابتسمت بالم رغم ذلك وقالت بهدوء شديد: زي ما تحب."

ثم تحركت نحو الحمام واغلقت الباب خلفها بهدوء وكأن الحديث انتهى.

أما سلطان...

فظل واقفًا مكانه للحظات يراقب ظلها وشيء ثقيل يضغط داخل صدره.

لأنه يعلم... انه جرحها ...

وذلك ما جعل الأمر أصعب عليه.

بعد دقائق...

كان قد ارتدى ثيابه بالكامل واتجه نحو الباب ثم فتحه وغادر دون كلمه اخري  وبقيت حور وحدها داخل الجناح.

تحدق في الباب المغلق بينما كانت تدرك أن سلطان ابتعد عنها من جديد...
وأن الرجل الذي خرج الآن ليس نفسه الرجل الذي دخل هنا بالامس وقضي ليلته داخل احضانها ......
.................................

 في مجلس العامرية الكبير... ✦

كان المجلس ممتلئًا منذ الصباح الباكر. الرجال يدخلون ويخرجون.
أصحاب الأراضي كبار العائلات ورجال العامرية.
كلهم جاءوا لسبب واحد...
ليروا ماذا سيحدث بعد رحيل صفوان العامري.
فالموت لا يدفن الرجال فقط...
بل يكشف أيضًا حجم الفراغ الذي تركوه خلفهم.

وفي صدر المجلس...

جلس سلطان فوق المقعد الذي جلس عليه والده  لعقود طويلة.
ظهره مستقيم ،ملامحه جامدة.
وعيناه هادئتان بصورة يصعب فهمها.

لكن من يعرفه جيدًا...
كان سيدرك أن النوم لم يرز عينيه الا قليلاً 
وأن الحزن ما زال يأكل روحه بصمت.

ورغم ذلك... 
لم يظهر شيء فوق صفحه وجهه فاليوم لم يعد سلطان ابن صفوان.
بل أصبح الشيخ الذي ينتظر الجميع قراره.
وعلي يمينه يجلس عامر شقيقه يتاكله الغضب والحقد منه فهو اخذ ما ليس بحقه بل حقه هو .....

ساد الهدوء داخل المجلس.
قبل أن يتقدم رجلان من منتصف الأربعينات.
ملامحهما متشابهة إلى حد كبير مما يدل على صلة القرابة بينهما.

وقفا أمام المجلس ....
ثم قال أحدهما: صبحك الله بالخير يا شيخ سلطان

رد سلطان بهدوء: وصبحك بالرضا."

تبادل الرجلان نظرة سريعة.

قبل أن يتابع الأكبر: إحنا أولاد عم يا شيخ.. ابويا سعد الدين العامري وابوه مسعود العامري ...

أومأ سلطان برأسه.
فأكمل الرجل: وأرض جدنا  مقسومة بينا من سنين."

ثم أشار نحو الآخر وابن عمي عاوز يجوز علي حقي ويغير حدود الارض بينا ...

احتد الآخر فورًا: كدب."

ثم التفت نحو سلطان واكمل : الأرض أرضي من أيام جدي."

بدأ الصوتان يعلوان. والكلمات تتشابك.

حتى تحول الأمر إلى جدال حاد.

أما سلطان...

فبقي صامتًا ،يستمع. فقط يستمع.

وكلما ارتفع صوت أحدهما... ازداد هدوؤه هو حتي ضرب بيده مره واحده علي المكتب امامه بعنف حتي خرست الالسنه وعم الصمت علي المجلس باكمله....

نظر الجميع نحو سلطان منتظرين.
أما هو فظل ساكتًا لثوانٍ طويلة.
ثم سأل بهدوء رغم ملامحه النابضه بالغضب: الأرض دي اتحكم فيها قبل كده صح ولا لاء ...

أجاب أحد كبار الرجال: أيوه."

رفع سلطان عينيه إليه.
فأكمل الرجل: الشيخ صفوان حكم فيها يجي من ازيد من عشر سنين ....

ساد الصمت.
ثم سأل سلطان: والحكم كان إيه؟"

رد الرجل: ثبت الحدود القديمة بينهم ....

هنا أطرق سلطان برأسه لحظة ثم رفع عينيه نحو الرجلين وقال بهدوء حاسم: يبقى انتهى الكلام."

ساد الصمت والترقب في المجلس بعد كلماته .

أما أحد الرجلين فقال معترضاً : بس يا شيخ سلطان ....

قاطعه سلطان للمرة الأولى رافعاً يده في وجهه ولم يرفع صوته.
لكنه تابع بهدوء حاسم :  حكم الشيخ صفوان ما يتراجعش ..

ثم أردف: لو كل واحد فيكم هيعيد نفس القضية كل كام سنة..."

وأشار إلى الامام بيده : يبقي حكم المجلس مالوش لزوم .....

انخفضت الأصوات فورًاً واخذ الرجال بتابعون باهتمام ....

أما سلطان فأكمل : الشيخ صفوان حكم فيها .

صمت يوزع نظراته بين الوجوه ثم قال بنبرة جعلت المجلس كله ينصت: وأنا مش جاي النهارده أمسح حكمه او اعدل عليه...

ساد الصمت الثقيل وأحس الرجلان أن الجدال انتهى.
لكن سلطان لم ينته بل تابع: أما لو حد فيكم معاه ورق جديد أو حق جديديبقى يتقدم بيه."

ثم أردف بحسم : غير كده كل واحد يرجع لأرضه."

ساد المجلس هدوء كامل وتبادل الرجال النظرات.
ثم بدأ أحد الرجال الكبار يهز رأسه بإعجاب.
وأتبعه آخر ثم آخر.
ليس لأن الحكم عبقري بل لأن سلطان فهم أهم شيء.
أن الشيخ الجديد لا يبدأ حكمه بهدم ما بناه الشيخ القديم.
وقف الرجلان أخيرًاًوأعلنا قبولهما بالحكم.
ثم انسحبا.
وبعد خروجهما..
تحدث أحد كبار رجال الجنوب الجالسين في الصف الأول: الله يرحم الشيخ صفوان...
اتجهت الأنظار إليه.
فأكمل وهو ينظر إلى سلطان: اختار الرجل الصح اللي يشيل الحمل من بعده ...

ساد المجلس صمتًا قصيرًا.
لكن هذه المرة... لم يكن صمت شك.
بل صمت اعتراف.

أما سلطان... فاكتفى بإمالة رأسه.
بينما كان يشعر لأول مرة منذ وفاة أبيه...
أن الكرسي بدأ يعترف بشيخه الجديد....

وفي الجانب الاخر كان الحقد يزداد سوداً داخل نفس عامر نحو سلطان !!!!
................

 في دار العامريه .....
داخل مكتب سلطان .....

كان المكتب غارقًا في هدوء ثقيل.
أشعة شمس العصاري تتسلل عبر النوافذ العريضة، فتنعكس فوق الخشب الداكن والأرفف الممتلئة بالملفات والدفاتر القديمة.

جلس سلطان خلف مكتبه.

منهمكًا في بعض الأوراق الخاصه بشركته في القاهره و التي تراكمت منذ مجيئه للجنوب.
لكن عقله لم يكن حاضرًا فيها.
كان كل شيء ما يزال جديدًا عليه...
مكان أبيه ،كرسي أبيه ومسؤوليات أبيه.

طرقات هادئة على الباب قطعَت أفكاره.

رفع رأسه قائلاً بصوت قوي : ادخل."

انفتح الباب وظهر من خلفه احدي الخدم يعلمه يقدوم هاشم الرافعي ..
فاعطي سلطان السماح له بالدخول ...

ثواني ودخل هاشم الرفاعي.

فنهض سلطان فورًا احترامًا وتقدم نحوه مصافحًا: نورت الدار يا حاج هاشم."

صافحه هاشم بهدوء: منوره باهلها يا شيخ سلطان ...
ثم جلس بعد أن أشار له سلطان بالمقعد المقابل.

تحدث سلطان بعدما جلس علي مقعده خلف المكتب : خير يا شيخ هاشم ....

رفع هاشم عينيه إليه ثم قال بهدوء: انا جاي أكلمك كلمتين بيني وبينك."

أومأ سلطان: اتفضل."

ظل هاشم صامتًا لثوانٍ ثم قال فجأة: عارف يا سلطان... أول مرة شلت حور كانت قد الكف."
انعقد حاجبا سلطان قليلًا بعدم فهم لكنه لم يقاطعه بل صمت يحثه علي المتابعه ...

أما هاشم فأكمل وعيناه مثبتتان في نقطة بعيدة : الدنيا كانت شتا يومها."
وابتسم ابتسامة صغيرة سرعان ما اختفت.
وأمها كانت خايفة تشيلها ...
أنا اللي فضلت ألف بيها الدار طول الليل علشان تسكت وتنام ....

ساد الصمت أما سلطان فبقي يستمع.
لا يفهم بعد إلى أين يريد الرجل أن يصل.

فأكمل هاشم: كبرت شوية...وبقت تجري ورايا في كل مكان ....

ثم ضحك بخفوت : وكانت فاكرة نفسها راجل زي أخوها ....

ارتخت ملامح سلطان قليلًا دون قصد.

أما هاشم فتابع: وأول مرة وقعت واتصابت والدم غرق ركبتها...أنا اللي وجعني قلبي قبلها."

هبط الصمت داخل المكتب صمت غريب.

كأن الحديث لم يعد عن حور وحدها... بل عن عمر كامل.

ثم رفع هاشم عينيه إليه وقال بهدوء عميق:
إحنا الرجالة لما بنتحوز  الست...بنشوفها من يوم دخلت بيتكم."

صمت بشجن وتابع : أما إحنا الآباء..."

وتغير صوته قليلًا.فبنشوف عمر بحاله."

نظر سلطان إليه دون كلام.

فأكمل: بنشوف أول ضحكة وأول كلمة."
وأول مرة تنام على صدرنا وأول مرة تخاف.وأول مرة تقع وتقوم ....

ثم أردف بصوت منخفض مليء بالعاطفه : وبنفضل شايلين همها حتى وهي في بيت جوزها."

شعر سلطان أن ثقلًا خفيًا بدأ يتسلل إلى صدره.

أما هاشم فأكمل: يوم ما المجلس حكم في الجوازة دي..."
أنا كنت عارف إن بنتي داخلة على حاجة ما اختارتهاش وعارف إنها دفعت تمن ذنب ما عملتوش."

اشتدت ملامح سلطان قليلًا لكنه ظل صامتًا.

فتابع  هاشم: لكن قولت يمكن ربنا يجعل فيها خير."
وقولت الراجل اللي هياخد بنتي راجل من ضهر رجل ...

ثم أضاف وهو ينظر مباشرة إلى عينيه: ووافقت 

سكت لحظة ثم أردف ببطء:لكن في حاجة واحدة لا يمكن اوافق عليها ....

انعقد حاجبا سلطان.

فأكمل هاشم: إني أشوفها مكسورة او مجروحه ...

ساد صمت ثقيل وتوترت اجواء المكتب ....

ثم مال هاشم للأمام قليلًا.وقال: أنا ما جوزتش بنتي علشان تبقى زيادة عدد في بيت حد."
ولا جوزتها علشان تستنى اليوم اللي جوزها يجيب عليها ضرة."
ولا علشان تبقى واقفة تستنى دورها في قلب راجل."

اشتد فك سلطان.

أما هاشم فأكمل بهدوء أشد وجعًا من الغضب: حور طول عمرها مرفوعة الرأس."
وعمرها ما مدت إيديها لحد ولا طلبت من حد حاجة."

ثم أضاف: واللي ربيناها عليه عمرها ما تقبل تعيش مع نص رجل ...

هبطت الكلمات داخل المكتب كالحجارة.

وشعر سلطان بانقباض غريب لم يفهمه.

لكن هاشم لم ينتهِ بعد.

بل قال: لو عاوز تتجوز... اتجوز ،الشرع محللك ومحدش له عندك حاجه. 

ثم ساد الصمت للحظات قبل أن يكمل: بس بنتي لا."

رفع سلطان عينيه إليه للمرة الأولى منذ بداية الحديث.
أما هاشم فثبت نظره فيه وقال ببطء شديد:
قبل ما تفكر في غيرها..."رجعهالي."

تصلب سلطان بالكامل واختلجت عضله في جانب فكه دليل علي غضبه ...

وتابع هاشم: أنا أولى بيها."

ساد الصمت صمت طويل للغاية.
حتى إن صوت عقارب الساعة على الحائط بدت مسموعة.

أما سلطان...
فوجد نفسه يتخيل دون إرادة حور وهي تجمع ملابسها ....تغادر الجناح.
تغادر الدار ....تغادره !!!!!
تعود إلى بيت أبيها.
واكتشف أن الفكرة... أزعجته أكثر مما ينبغي أكثر بكثير.
فقال أخيرًا بصوت خشن وشيء ثقيل انقبض داخل صدره دون أن يفهم سببه ...
وتسال مسرعاً بلهفه مشوبه بانزعاج واضح : هي حور قالت لك إنها عاوزة ترجع دارك؟؟

نظر إليه هاشم طويلًا نظرة جعلت سلطان يدرك أنه كشف أكثر مما كان يريد.

لكن الأوان كان قد فات.
فقال هاشم بهدوء حاسم لا."

تنفس سلطان ببطء دون أن يشعر.....

فتابع هاشم بجديه : بنتي ما اشتكتش ولا طلبت الطلاق."

ارتخت عضلات فك سلطان قليلًا دون إرادة.

لكن هاشم التقط ذلك.

كما يلتقط الآباء ما لا يقوله الرجال.

فأكمل بثبات  : ولو كانت عاوزاه...
كانت هترجع دار أبوها من غير ما تبعت حد يتكلم بدلها ....

اشتدت نظرات سلطان نحوه.

أما هاشم فأكمل:أنا مش جاي علشان حور طلبت مني أجي أنا جاي علشان أنا أبوها."

ثم أضاف بصوت أكثر عمقًا:وفي حاجات الآباء بيشوفوها قبل ما أولادهم ينطقوا بيها."

هتف سلطان بحسم : حور مراتي ومكانتها محفوظه ....

هز هاشم رأسه: عارف وعشان عارف جاي أكلمك راجل لراجل."

سكت لحظة.

ثم قال: عارف أكتر حاجة توجع الأب إيه؟"

لم ينتظر جوابًا.

بل تابع:إنه يشوف الحزن في عين بنته..."

"وما يعرفش يمنعه عنها."

ثم نهض واقفًا.

وتابع وهو يعدل عباءته: أنا مش جاي أهددك يا سلطان."
ولو كنت جاي أهددك..."
نظر إليه مباشرة وتابع : ما كنتش هبقي هنا معاك بكلمك ...

ثم أكمل بصوت هادئ مهيب: أنا جاي أوصيك على أغلى حاجة أملكها."

وتحرك نحو الباب.

لكنه توقف قبل أن يفتحه.

واستدار نصف استدارة.

ثم قال: في رجالة كتير بتعرف تحافظ على الأرض."
ورجالة أقل تعرف تحافظ على البيوت."

صمت لثواني وتابع بصدق:  وأبوك كان من القليلين دول اتمني تكون زيه....

ثم فتح الباب وغادر.

وبقي سلطان وحده داخل المكتب ساكنًا.
ينظر إلى الباب المغلق.

لكن عقله لم يكن مع هاشم. ولا مع حديثه.

بل مع صورة واحدة فقط...
حور وهي ترحل من الدار.
ولأول مرة... شعر بغضب حقيقي....
...........................

✦ خارج مكتب سلطان... ✦

حين ولج  هاشم الرفاعي الي مكتب سلطان...
كانت هانم تخرج من جناحها في التوقيت نفسه.
فتوقفت مكانها وعقدت حاجبيها وهي ترى والد حور يدخل مكتب سلطان وحده.

شعرت بالقلق من حضوره المفاجئ...

فالأيام الأخيرة لم تعد تطمئنها.
حور تكسب أرضًا داخل الدار يومًا بعد يوم.
وسلطان لم يعد يرفض وحودها كما كان في البداية.

تحركت ببطء في الممر حتى اقتربت من المكتب.
وتوقفت قرب الباب دون صوت تسترق السمع ...

لم تسمع كل شيء...لكنها سمعت ما يكفي.

سمعت صوت هاشم الهادئ وهو يقول:لو عاوز تتجوز... اتجوز."

ثم ساد الصمت.قبل أن يصلها صوته مرة أخرى: بس بنتي لا ...

تسمرت هانم مكانها واتسعت عيناها قليلًا عندما قال : قبل ما تفكر في غيرها... رجعهالي......أنا أولى بيها."

ارتسمت ابتسامة خفيفة فوق شفتي هانم.

وأخذ قلبها يخفق بسرعة.

بينما استمعت بعدها إلي باقي حديثهم وشعرت هانم أنها سمعت ما يكفي.
فتراجعت بهدوء قبل أن يراها أحد.
وعقلها بدأ يعمل سريعا ً...سريعًا جدًا.

لأول مرة منذ دخول سارة الدار...
رأت بابًا يمكن أن يُفتح.
بابًا قد يخرج حور من حياة سلطان كلها.
فاستدارت فورًا.
وتحركت نحو جناح الضيوف حيث تمكث ساره ......

✦في جناح ساره ...

كانت الغرفة مبعثرة على غير عادتها الملابس فوق الفراش.
وحقيبة سفر مفتوحة في منتصف الغرفة.

أما سارة...
فكانت تجمع أشياءها بعجلة واضحة.
تضع الثياب داخل الحقيبة ثم تعود فتخرج بعضها وتعيد ترتيبها من جديد.
كأن يديها تعملان وحدهما.

أما عقلها...فكان في مكان آخر تمامًا.

في تلك الغرفة.....في تلك الليلة.
في يد صفوان الممتدة نحوها.
وفي عينيه وهو يحاول التقاط أنفاسه الأخيرة.

توقفت فجأة...وأغلقت عينيها بقوة.
لكن الذكرى عادت كما هي.
ففتحت عينيها بسرعة وكأنها تختنق.
وهمست بصوت مرتجف:  لازم أمشي..."

كانت تشعر أن كل دقيقة تقضيها داخل الدار تقربها من الهاوية أكثر كأن الجدران نفسها تعرف ما حدث.
وكأن الجميع سينظر إليها فجأة ويكتشف الحقيقة.
عادت تضع بعض الملابس داخل الحقيبة بعشوائية وحين سمعت طرقًا على الباب.
انتفض قلبها.
ثم أسرعت تمسح وجهها.
وقالت بصوت مهزوز : ادخل .

انفتح الباب ودخلت هانم.
فتوقفت فورًا عندما وقعت عيناها على الحقيبة وعلى الملابس المنتشرة فوق الفراش.
انعقد حاجباها وقالت بحدة: إيه ده؟"

ارتبكت سارة للحظة ثم قالت: أنا راجعة القاهرة."

تجمدت هانم مكانها ثم أغلقت الباب خلفها بسرعة وتقدمت للداخل.وهتفت ذاهله بسخط:  راجعة؟"

أومأت سارة وتابعت بصوت مرهق: أيوه."

ثم أشاحت بعينيها بعيدًا واضافت : خلاص... مفيش داعي أفضل هنا أكتر من كده."

ظلت هانم تحدق فيها لثوان ثم قالت فجأة إنتِي اكيد اتجننتي؟"

رفعت سارة رأسها إليها.
أما هانم فتابعت بانفعال: تمشي دلوقتي؟"
بعد كل اللي حصل؟"

تنهدت سارة بتعب: وده سبب كفاية إني أمشي."

راقبتها هانم جيدًا وشعرت أن هناك شيئًا آخر خلف كلامها شيئًا لا تعرفه.
لكنها لم تهتم فالآن لديها ما هو أهم فقالت:
أنتي عارفه مين اللي قاعد مع سلطان في المكتب دلوقتي ؟؟

توقفت حركة سارة ورفعت رأسها ببطء: مين ؟؟

أجابتها هانم : ابو وحور ...
وسمعت الكلام اللي دار بينهم ....

ساد الصمت بينهم  ورغم محاولتها التظاهر بعدم الاهتمام...
إلا أن سارة توقفت تمامًا عن ترتيب الحقيبة.

فأكملت هانم: هاشم الرفاعي راح له مخصوص. وقال له كلام واضح وصريح."

ثم اقتربت أكثرً وأضافت: قال له لو عاوز يتجوز..."
صمتت لحظة واكملت ولمعت السعاده داخل مقلتيها : يبقى يطلق بنته الأول."

اتسعت عينا سارة.

أما هانم فأردفت: وقال له إنه مش هيسمح لحور تعيش مع ضرة."

بقيت سارة صامتة.

أما هانم فتابعت وهي تراقب كل تغير في وجهها: والأهم من ده كله..."

"إن أول سؤال سلطان سأله بعد الكلام ده كان..."

وتوقفت عمدًا.

ثم قالت: حور قالت لك إنها عاوزة ترجع دارك ؟؟

انعقد حاجبا سارة بخيبه ...

أما هانم فأكملت:يعني الموضوع شاغله."

"ويعني إنه عارف إن لو حصلت المواجهة دي..."
ممكن يخسر حور فعلًا."

ظلت سارة صامتة.

لكن هانم لمحت الاضطراب الذي مر بعينيها.
فمالت نحوها أكثر.
وقالت ببطء: فاهمة يعني إيه؟"

لم تجب سارة.

فأكملت هانم بنفس الهدوء: يعني لو حور خرجت من حياته..."
يبقى الطريق بقى مفتوح قدامك ...

هزت سارة رأسها فجأة.

وقالت بتوتر: أنا مش بفكر في الموضوع خلاص...

لكن هانم قاطعتها فورًا بغضب: وأمال بتفكري في إيه؟"

انخفض بصر سارة إلى الحقيبة المفتوحة.
وشعرت بانقباض قوي داخل صدرها.

أما هانم فأشارت إليها قائلة: بتفكري تهربي."

تجمدت سارة.

فأكملت هانم: وأول ما تمشي..."
كل حاجة هتنتهي."

ثم اقتربت خطوة أخرى وأضافت بنبرة حاسمة: إنتِ مش واخدة بالك إن دي أول مرة يبقى فيه أمل حقيقي؟"

ارتجفت أنفاس سارة.

أما هانم فتابعت: أبو حور بنفسه حط الشرط."
ابتسمت ابتسامة صغيرة خبيثة: حور 
عمرها ما هتقبل تعيش مع ضره زي ما ابوها قال ...
يبقي احنا دورنا اننا نخالي سلطان يتجوزك علشان نخلص من حور ...

ساد الصمت ...صمت طويل ثقيل ...

بينما وقفت سارة تنظر إلى الحقيبة المفتوحة بشرود .
تتصارع داخلها رغبتان.
رغبة في الهرب... ورغبة في التمسك بآخر خيط يربطها بسلطان.

أما هانم...
فكانت تراقبها في صمت وقد أدركت أنها نجحت.
على الأقل...
في منعها من الرحيل اليوم وطرد حور في الغد.......

..................................

✦ وفي نفس الوقت ....
داخل استراحة قديمة عند أطراف أراضي العامرية... ✦

كان الغروب يزحف ببطء فوق الجنوب.
والحقول الممتدة تغرق شيئًا فشيئًا داخل لون نحاسي قاتم.
أما الاستراحة الحجرية القديمة الواقعة بعيداً علي إطراف البلده...
فكانت شبه مهجورة لا يرتادها أحد إلا نادرًا.

ولهذا اختارها صبري.
وقف أمام النافذة المفتوحة يراقب الأراضي الممتدة أمامه.
بينما كانت خطوات عامر تقترب من خلفه.
دخل عامر إلى الاستراحه ...
وأغلق الباب خلفه ثم قال مباشرة بملل:  خير يا صبري؟"

التفت صبري نحوه ببطء وعيناه تحملان تلك الابتسامة الخبيثه ...!!!!

وقال: أهلاً يا ابو عمو .. نورت ...اقعد يا راجل ....

ظل عامر واقفًا مكانه لم يجلس.
ولم يبادله الابتسام.

بل قال ببرود:  اخلص وقول اللي عندك قبل ما حد يوعي لنا ...

اتسعت ابتسامة صبري قليلًا ثم جلس فوق المقعد الخشبي أمامه وقال:ايه خايف حد يشوفنا مع بعض ويقول لسلطان ويعلقك من رجليك في الفلكه ...

هدر صوت عامر الغاضب: صبررررري... احترم نفسك .. انا غلطان اني وافقت اجي اشوفك لما شيعت لي...
وهم ان يرحل الا ان صوت صبري اوقفه: اقعد يا رجل بهزر معاك ....

جلس عامر وهتف بغضب: اديني قعدت ...
انجز ولخص ...

اضجع صبري في جلسته وتابع : انا طول عمري بحب الراجل العملي."
اخذ نفس من سيجارته وزفر دخانها في الهواء ....
أما عامر فظل يراقبه فقط.
فأكمل صبري: عشان كده اخترت أكلمك إنت."
رفع عامر حاجبًا ساخرًا.
وقال:ودي المفروض أفرح بيها؟"

ضحك صبري بخفوت ثم مال للأمام قليلًا.
وقال: على حسب اللي هتسمعه."

سكت لحظة ثم أخرج ورقة مطوية من جيبه.
ووضعها فوق الطاولة.
توقفت عين عامر عليها.
أما صبري فأكمل بهدوء: تعرف أرض السواقي القديمة؟"
تغيرت نظرات عامر فورًا.
فابتسم صبري لأنه التقط رد الفعل الذي كان ينتظره.
وقال بخبث:  واضح إنك عارفها."

ظل عامر صامتًا.
لكن عينيه لم تغادرا الورقة.

فتابع صبري: الارض دي دخلت كوردون المباني  وساعتها المتر اللي تمنه  جنيه..."

رفع إصبعه واشار : هيبقى بالف ....

لمعت عين عامر بوميض جشع ...

أما صبري فأردف : ومحدش في البلد كلها يعرف حاجه عن الموضوع ده ....

سكت ثم دفع الورقة نحوه أكثر.: إلا أنا."

مد عامر يده ببطء وأخذ الورقة قرأ ما فيها سريعًا ثم رفع عينيه هذه المرة لم يكن فيهما سخرية بل اهتمام حقيقي.

فابتسم صبري وقال: وانا شايف ان مفيش حد اولي بيها غيرك انت وانا متنازل لك عنها ....

وضع عامر الورقة أمامه ثم سأله مباشرة: مقابل إيه؟"

هنا فقط... اختفت الابتسامة من وجه صبري.

وقال: مقابل خدمة بسيطة."

ضحك عامر ضحكة قصيرة خبيثه : واضح فعلاً انها بسيطه...

ثم أردف: اللي بيدفع بالشكل ده بيبقى عاوز مصيبة."

مال صبري بجسده للخلف ثم قال بهدوء: أنا عاوز أوصل لسارة."

ساد الصمت ....صمت طويل حتى إن الهواء بدا أثقل فجأة.

أما عامر... فنظر إليه طويلًاثم قال:اشمعنا ؟؟

ابتسم صبري ابتسامة باردة: يعني راجل زيك محتاج يسأل السؤال ده؟"

ظل عامر يراقبه.
فأكمل صبري: إنت عارف هي موجوده هنا علشان ايه؟؟
ووجودها هنا هيعمل ايه؟؟

ثم أضاف: وعارف كمان إنها أكتر نقطة تقدر تضرب سلطان منها."

لم يرد عامر لكن عينيه قالتا إنه فهم.

فأكمل صبري وهو يرفع كتفيه بلا مبالاة وتابع : كل واحد فينا له تار بطريقته."

هنا ضاقت عينا عامر.

وقال ببطء:إنت عاوز منها ايه بالظبط؟؟

ابتسم صبري.
أما عامر فقال: وسلطان؟"

أجابه صبري بهدوء قاتل: سلطان طول عمره واخد كل حاجة."
 العلام ... الهيبه ... المشيخةً.... كرسي الشيخ صفوان ...

ثم ارتفعت نبرته بحقد : حتى البنت اللي كان المفروض تبقى ليا."

ساد الصمت.

أما عامر...

فبدأ يفهم لأول مرة حجم الحقد الحقيقي داخل الرجل الجالس أمامه.

فقال إنت مجنون .....

ضحك صبري....ضحكة قصيرة بلا روح.

ثم اردف : يمكن."

واستند بظهره إلى المقعد وتابع: بس الجنان  ساعات بيخلي صاحبه يشوف فرص الناس العاقلة مبتشوفهاش."

سكت ثم ثبت عينيه داخل عيني عامر مباشرة وقال: وأنت بلاش تمثل عليا."

اختفت آخر بقايا المجاملة من صوته.

وأردف: إنت مش زعلان على سلطان ولا خايف عليه ...
إنت زعلان إنه بقى الشيخ بدالك ...

ساد الصمت....صمت ثقيل وخطر.

لكن عامر لم يغضب لأن الجملة أصابت هدفها.
فابتسم صبري ببطء وقال: وأنا مش طالب منك محبه ولا مساعده لوجه الله ...

ثم أشار إلى الورقة: كل شيء وله تمن ...

نظر عامر إلى الورقة ثم إلى صبري.
ثم عاد إلى الورقة مرة أخرى وبقي صامتًا.

أما صبري...ًفنهض واقفًا.
وعدل جلبابه ثم قال وهو يتحرك نحو الباب:
فكر براحتك."

توقف عند الباب ثم استدار نصف استدارة.
وأضاف: بس متتأخرش."

ثم ابتسم ابتسامة باردة.: لأن الفرص زي الست لما تروح... مبتحبش ترجع."

وغادر تاركًا عامر وحده.

واقفًا في منتصف الاستراحة.

ينظر إلى الورقة فوق الطاولة.

بينما كانت عيناه تلمعان بذلك البريق الذي لا يظهر إلا حين يجتمع الطمع مع الكراهيه...

............

✦مساء في جناح سلطان ....

كان الجناح غارقًا في هدوءٍ ثقيل، لا يقطعه سوى صوت ورقٍ يُقلب ببطء ثم يُترك دون اكتراث.

حور كانت جالسة على طرف الأريكة،  تمسك كتاب مفتوح بين يديها، لكن عينيها لم تكن تقرأ، بل كانت معلّقة في فراغٍ أبعد من السطور.

منذ الصباح وهي على هذا الحال... صمتٌ ممتد، وثقلٌ لا يُرى لكنه يُحس.

صوت الباب انفتح بهدوء ودخل سلطان.

أغلق الباب خلفه دون استعجال، ثم تقدّم بضع خطوات داخل الجناح.

لم يكن في ملامحه شيء جديد... نفس الجمود، نفس الثبات، وكأن ما جرى بينهما في الصباح لم يترك أثرًا ظاهرًا.

توقف حين وقعت عينه عليها.

ثم قال بصوت هادئ: مساء الخير."

لم تلتفت حور ولا رفعت نظرها.

مرّت ثوانٍ قصيرة ثم قال وهو يقترب خطوة:
مالك ؟؟

الصمت كان هو الرد.

نظر إليها طويلًا، كأنه يحاول أن يفهم إن كانت تتجاهله عمدًا أم لا تسمعه أصلًا.

ثم ناداها بهدوء:حور."

رفعت عينيها أخيرًا.
نظرة ثابتة، باردة، لا تحمل شيء :نعم."

سكت لحظة، ثم قال:شكلك غريب في حاجه حصلت ضايقتك؟؟

جاء ردها سريعًا: لا."

كلمة قصيرة... لكنها مغلقة بإحكام.

لم يقتنع.

ظل واقفًا مكانه، ثم قال:

"من الصبح وإنتِي مش باينه وقاعده هنا طول اليوم ...

أغلقت الكتاب ببطء، ووضعته بجانبها.

ثم قالت دون أن تنظر إليه: عادي مفيش حاجة .....

ساد الصمت و الثقل بينهما ازداد، كأن الهواء نفسه أصبح أضيق.

اقترب خطوة أخرى، ثم قال بصوت أقل:

"لو كنت ضايقتك الصبح... أنا ما كانش قصدي."

رفعت عينيها إليه هذه المرة فقط، وقالت بثبات: وأنا ما اتضايقتش."

نظر إليها طويلًا.
يعرف أنها لا تقول الحقيقة... ويعرف أنها تعرف أنه يعرف.

لكن لا أحد يفتح الباب أكثر من ذلك.

ثم قال بصوت أهدأ:انتي متغيره....

ردت مباشرة:أنت اللي بيتهيأ لك ...

طحن فكيه بغضب وتابع :  بس مش زي الأول."

انخفض نظرها للحظة، ثم قالت: وأنا مش المفروض أكون زي الأول."

سالها بعدم فهم : يعني ايه ؟؟

حور بنفاذ صبر وكبرياء: مش انت قلت اللي حصل امبارح بينا كان لحظه ضعف ...
تمام ... هو فعلاً لحظه ضعف مني انا كمان .
صفعته جملتها بقوه ...
يعرف انه جرحها وهي محقه في رده فعلها لكنه يريدها كما كانت يريد دفئها لا جفاءها....

هتفت بصوت منخفض: هحضر لك العشا..
ومرت من جانبه لكن قبضته القويه أوقفتها مكانها....
اقترب منها خطوه اخري حتي صار الفراغ بينهم معدوماً ونطق اسمها بنبره مبحوحه: حور ...

تصلب جسدها ودوت ضربات قلبها بعنف: واجابته بنبره مهزوزه : نعم ..

هتف بنفس النبره الرخيمه: بص لي...

استدارت بجسدها ببطء ورفعت نظرها اليها فاشتبكت عينها الخضراء اللامعه بدموع أبيه مع خاصته البنيه التي تطالعها بندم وشيء يعجز عن التعبير عنه : انا قلت لساره ترجع القاهره .. وان اللي كان بينا كان ماضي وانتهي ...

رقصت دقات قلبها فرحاً لكنها تابعت بنفس الهدوء: كويس...

تضايق من برودها فقال بضيق :هو ده كل اللي عندك؟"

اجابته بنفس البرود: المفروض أقول إيه؟"

زفر بضيق وتابع : ولا حاجة... بس كنت فاكر إن الموضوع يفرق معاكي أكتر من كده.

اكمل سلطان وعينه تسير علي ملامح وجهها البهيه: ومش انا الرجل اللي ممكن يتجوز علي مراته سواء برضاها او غصب عنه ، ده مش مبدأي ، فا اطمني...

ابتسمت حور وتابعت بحاجب مرفوع بثقه: انا مش خايفه علشان اطمن ، لاني مش الست اللي تقبل تشارك جوزها مع واحده تانيه...
انا مش بسيب حاجه تخصني لحد انا بحارب علشانها لاخر نفس فيا ....

اقترب سلطان اكثر حتي لفحت انفاسه الساخنه صفحه وجهها وتابع بنبره مثقله: افهم من كده اني اخصك وممكن تحاربي علشاني...

اجابته حور بصدق وهي تملي قلبها وعينيها من رؤيته: لو حاربت انت علشاني اتاكد اني هحارب علشانك حتي لو كان التمن حياتي ...

صمتت لثواني وتابعت: لكن لو اعتبرت ان محاربتك علشاني لحظه ضعف صدقني مش هتحرك من مكاني علشانك ....

اقترب سلطان اكثر ونظراته تتعمق اكثر واكثر وكان بها مغناطيس خفي يجذبه اليها: انتي ممكن تسيبي البيت هنا وتمشي في اي وقت ...

حور بنبره حاسمه: مش انا الست اللي تسيب بيّت جوزها وتمشي طول ما هو متمسك بيها ومحافظ عليها ...

ساد الصمت بينهما للحظات طويلة...

وظلت عيناه معلقتين بها.

كأن كلمتها الأخيرة ما زالت تتردد داخله.

"طول ما جوزها متمسك بيها ومحافظ عليها."

كانت جملة بسيطة...

لكنها لم تمنحه الراحة التي كان يبحث عنها.

بل تركت داخله شيئًا آخر...

شيئًا يشبه الخوف.

خوفًا لم يختبره من قبل.

أن يفقد شيئًا لم يكن يعلم أصلًا متى صار يعنيه بهذا القدر.

أما حور...

فكانت تنظر إليه بثبات.

ثم ابتعدت خطوة للخلف بهدوء.

وقالت بنبرة خافتة لكنها واضحة: العشا هيبرد."

وظلت عيناها عليه لثوانٍ أخرى.

قبل أن تستدير متجهة نحو المائدة.

وبقي سلطان مكانه.

يتابعها بصمت.

يتابع حركتها الهادئة داخل الجناح...

ويدرك للمرة الأولى...

أن خوفه لم يعد من سارة.

ولا من حديث هاشم الرفاعي.

ولا حتى من ثقل المشيخة التي وُضعت فوق كتفيه.

بل من أن يأتي يوم...

لا يجد فيه حور هنا داخل جناحه وفي كنفه 

تنهد ببطء.

ثم تحرك خلفها نحو المائدة.

بينما كان شيء ثقيل داخله...

يخبره أن المعركة الحقيقية لم تعد خارج الدار.

بل أصبحت أقرب بكثير مما يظن ....
....................

تعليقات