رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الخاتمة بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الخاتمة 

بعد مرور عدة أعوام... كانت الحياة قد أخذت شكلا مختلفا تماما عما كانت عليه في السابق.

البيوت التي شهدت الحزن والخوف والانتظار امثلات الان بأصوات الأطفال، والوجوه التي

عرفت الوجع طويلا أصبحت أكثر هدوها وطمأنينة.

وفي صباح يوم مميز كانت الاستعدادات تعم الجميع منذ الساعات الأولى، فاليوم هو يوم زفاف أروى، اليوم الذي انتظرته العائلة كلها وكأنه احتفال جماعي بانتصار جديد على سنوات طويلة

من الألم.

خرجت جواهر من غرفتها بخطوات بطيئة وحذرة، واضعة إحدى يديها أسفل ظهرها بينما استقرت الأخرى فوق بطنها المنتفخة التي أعلنت بوضوح اقتراب موعد ولادتها. كانت ملامح

الإرهاق بادية على وجهها، إلا أن بريق الأمومة الذي ازداد وضوحًا مع كل حمل كانت تمر به منحها جمالا خاصا لا تخطئه العين هبطت الدرج درجة تلو الأخرى وهي تزفر بين الحين والآخر من تقل الحمل، حتى وصلت إلى الطابق السفلي حيث وجدت ترنيم جالسة على الأريكة تحمل حفيدها الصغير فوق ساقيها وتطعمه بحنان بينما كانت تراقبه بعينين تفيض منهما المحبة.

ما إن وقعت عينا جواهر عليهما حتى ابتسمت رغم الامها وقالت:

"صباح الخير يا خالتوا عروستنا صحيت ولا لسه ؟"

رفعت ترنيم رأسها نحوها، ثم زفرت بضيق مصطنع وهي تشير بيدها في الهواء قائلة:

لسه، عماله أصحي فيها من بدري، وهي مش راضيه تقوم"

ثم انتقلت نظراتها إلى بطن جواهر الكبيرة، وتأملتها للحظات قبل أن تقول بقلق ممزوج بالحنان: "شكلك خلاص على آخرك، ربنا يقومك بالسلامة يا حبيبتي يارب"

قالت بشكوى لطيفة

تنهدت جواهر وهي تمرر كفها فوق بطنها بحركة تلقائية اعتادت عليها خلال الأشهر الأخيرة، ثم

" البت دي شقيه أوي أخوها مكانش كده"

ابتسمت ترنيم بحنو وهي تتذكر تجاربها القديمة مع أبنائها، وقالت:

معلش يا حبيبتي كل حمل بيختلف عن غيره، أتحركي أنتي كثير بس علشان تكون ساعه سهله عليكي "

أومأت جواهر برأسها، ثم أخذت تبحث بعينيها في المكان وكأنها تفتقد أحدًا، قبل أن تسأل: " هو جواد مشي ولا أيه ؟"

اجابت ترنيم بهدوء

"أيوه راح مع خاله وأحمد علشان يجهزوا للفرح سوا."

تنهدت جواهر وهي تهز رأسها بأسى خفيف، ثم قالت:

ماشي يا توته، مطلع أنا لأروى أصحيها، لسه ورانا حاجات كتير."

ثم تحركت ببطء نحو الدرج وبدأت الصعود من جديد بينما تابعتها ترنيم بعينيها حتى اختفت في الطابق العلوي.

ما إن غابت جواهر حتى التفتت ترنيم نحو حفيدها الصغير الجالس أمامها، وربتت على شعره وهي تقول بمزاح:

شكل أمك ناويه تعملها النهاردة، وأختك هتيجي تنور الدنيا."

اتسعت عينا الطفل الصغير بحماس حقيقي وقال بسعادة:

" بجد یا تیته؟ یعنی مامى هتولد النهاردة؟"

ضحكت ترنيم وهي تهز كتفيها قائلة:

"الله أعلم، بس شكلها بيقول كده يلا يا قلب تيته كل علشان تروح مع جدو الحلاق " أوما الصغير برأسه مطيفا، لكنه ظل يفكر في أمر آخر، ثم رفع رأسه فجأة وسأل بفضول:

"هي فريدة مش هتيجي النهاردة ولا ايه يا تيته ؟"

لم تستطع ترنيم منع نفسها من الابتسام وهي ترى ذلك الاهتمام الواضح الذي يحاول إخفاءه دون جدوى، فقالت بمشاكسة

"شكلها قصة جديدة ولا أيه؟ عموما دي أبوها شاهين، بيغير عليها من نسمة الهوا، ولو شافك بتبص ليها بصه كده ولا كده هياكلك "

عقد الصغير حاجبيه باستياء طفولي لطيف وقال:

"فريدة بتاعتي أنا يا تيته، ولو حد فكر يخدها مني هموته"

انفجرت ترنيم ضاحكة، حتى كادت تفقد قدرتها على الكلام من شدة المرح، ثم قالت وهي تمسحدموع الضحك من عينيها:

طريقة أبوك بالظبط، ابن الوز عوام"

وفي تلك اللحظة اقترب غريب من خلفها، وقد سمع آخر ما قاله الصغير، فانحنى أولا ليقبل رأس ترنيم بحب اعتاد عليه طوال سنوات عمرهما معا، ثم مال نحو حفيده وقبل رأسه هو الآخر قبل أن يجلس بجوارهما متسائلا:

" بتضحكي على أيه يا قلبي "

نظرت إليه ترنيم بعينين امتلانا بالدفء وقالت:

"فادي أين أبنك بيحب فريدة بنت رنيم وشاهين، وبيقولك أنها بتاعته ولو حد فكر يخدها منه

هيموته، بذمتك مش نفس طريقة أبوة ؟"

ضحك غريب وهو ينظر إلى حفيده بفخر واضح، ثم قال بثقة لا تخلو من التدليل : "أين أبني يشاور بصباعه بس على البنت اللي تعجبه، وأنا أجبها لحد عنده، وأنا عندي كام فادي

بس"

هزت ترنيم رأسها بيأس مصطنع وقالت:

"الأيام بتعيد نفسها يا غريب، فاكر جواد لما كان متعلق بجواهر، وكان يقول كده، وأنت كنت

تقوله نفس الجمله دي ؟ "

ساد الصمت لثوان قصيرة، ارتسمت خلالها على وجه غريب ابتسامة هادئة ممزوجة بالكثير من الذكريات، ثم قال:

فاكر كل حاجه كأنها أمبارح، أمتى الأولاد كبروا وأتجوزوا وجابوا لينا حته منهم معرفش ؟ بس انا فرحان أن عيلتي كبرت معاكي وبيكي يا ترنيم

شعرت ترنيم بدفء كلماته يتسلل إلى قلبها رغم مرور كل تلك السنوات، فابتسمت له بحب

صادق وقالت:

"ربنا يخليك لينا، أنت السند والأمان لينا في الدنيا دي "

مد يده نحوها وأمسك كفها برفق، ثم قربها من شفتيه وقبلها بحب عميق لم ينقص منه الزمن

شيئا وقال:

"لو جابوا عمر بن على عمري هفضل أحبك فيهم، أنتي نصي الحلو، ومهما كبرتي هتفضلي أجمل وارق بنوته قابلتها في حياتي يا أعظم دكتورة في الدنيا."

لكن رومانسية اللحظة لم تستمر طويلا، لأن فادي زفر بضيق واضح وهو ينظر نحو الباب

الخارجي ثم قال متبرها:

هي اتأخرت كده ليه ؟ حد يتصل بخالتوا رنيم ويشوفها مجاتش لحد دلوقتي ليه ؟" تبادلت ترنيم وغريب النظرات، ثم انفجرا ضاحكين في الوقت نفسه، وقالت ترنيم وهي تربت

"لا ده أنت واقع في البت من الدور العشرين "

على رأسه:

بينما جلس غريب يضحك هو الآخر، واستمرت مزاحاتهم وضحكاتهم تملأ أرجاء المنزل، في

بیت امتلأ بالأبناء والأحفاد والذكريات، وكأن السنوات الطويلة بكل ما حملته من ألم وفرح قد

اجتمعت أخيرا في صورة عائلة كبيرة تنعم بالدفء الذي حلم به الجميع يوما ما.

عند رتيم....

داخل المطبخ كانت رنيم تتحرك بخفة بين الخزائن والطاولة والموقد، تعد وجبة الإفطار على

عجل وهي تحاول إنهاء كل شيء قبل التوجه إلى فيلا غريب للمشاركة في تجهيزات هذا اليوم منذ بدايته كانت ترتدي ملابس بسيطة، وقد رفعت شعرها بعفوية، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة تعكس رضا امرأة وجدت أخيرا مكانها الحقيقي في الحياة، حتى وإن كانت

المسؤوليات تحاصرها من كل اتجاه.

وفي أثناء انشغالها دخلت مرام إلى المطبخ بخطوات بطيئة، تستند بيدها إلى بطنها المنتفخة التي أوشكت أن تبلغ شهورها الأخيرة، وقد بدا الإرهاق واضحا على ملامحها رغم محاولتها إخفاءه، وما إن وقعت عينا رنيم عليها حتى استدارت نحوها بسرعة وارتسمت على وجهها نظرة عتاب ممزوجة بالحنان.

"صباح الخير"

ابتسمت رنيم لها يحب وقالت:

أيه نزلك بس يا مرام؟ ربحي أنتي يا حبيبتي "

جلست مرام على أحد المقاعد وهي تزفر بضيق خفيف ثم قالت:

زهقت من النومه في السرير، قولت أنزل أشوفك بتعملي أيه وأساعدك"

هزت رنیم رأسها معترضة وهي تواصل ترتيب الطعام أمامها.

ولا أي حاجه، أنا خلصت الفطار خلا وهنادي على البنات ترص الأطباق على السفرة، أرتاحي أنتي بس "

وقبل أن تضيف شيئا آخر، جاءت فريدة بخطواتها الصغيرة المسرعة، وتمسكت بملابس والدتها وهي تطلق بكاء متواصلاً، أطلقت رنيم زفرة طويلة وقد ظهر الاستسلام على وجهها أكثر من الانزعاج.

يا بنتي أرحميني شوية بقى على طول ماسكه فيا كده هو أنا هطير منك "

ضحكت مرام بخفوت وهي تنحني لتحمل الصغيرة بين ذراعيها، ثم قالت وهي تربت على ظهرها

مالك بس يا حبيبتي بتعيطي ليه بس ؟"

ردت رنيم وهي تضع آخر الأطباق فوق الطاولة:

"عايزة تمشي يا أختي وتروح عند جواهر وفادي البت متعلقه بيهم أكثر ما متعلقه بيا أنا"

ثم اتجهت نحو باب المطبخ ورفعت صوتها قليلا:

ايما ميا رضوا الاطباق يلا."

وخلال دقائق قليلة كانت السفرة قد امتلأت بالطعام، وبدأ الجميع يتجمعون حولها في أجواء عائلية دافئة اعتادوا عليها خلال السنوات الأخيرة، بينما بقى المقعد الرئيسي فارغا ينتظر

صاحبه.

لم يطل الانتظار كثيرا.

فبعد لحظات هبط شاهين من أعلى الدرج بخطواته الواثقة المعتادة، وما أن وصل إليهم حتى انحنى أولا وقبل رأس رنيم، ثم أخذ فريدة بين ذراعيه وقبل رأسها، وبعدها مر على إيما وميا

بنفس الحنان الذي اعتادتا عليه منه قبل أن يجلس أخيرا إلى مكانه.

ظل يداعب طفلته لبعض الوقت، ثم رفع رأسه ونظر إلى الجميع قائلا:

حد محتاج حاجة للفرح؟"

أجابت رنيم سريفا وهي ترتب كوب الشاي أمامه

"لا يا قلبي نزلنا أنا والبنات أمبارح اشترينا كل اللي محتاجينه، ربنا يخليك لينا."

وقبل أن يرد عليها، تدخلت إيما وهي ترفع يدها باستسلام:

"أنا مش هينفع أروح معاكم الفيلا، عندي شغل كثير في الشركه عمو مروان ما صدق رمى عليا

كل حاجة."

رفع مروان حاجبيه للأعلى وهو ينظر إليها بتهديد تمثيلي:

"آه يا بنت الرواي! بت أنني، مش أنتي اللي طلبتي أعلمك الشغل واعتمد عليكي ؟ "

ضحكت ايما وهي تهز كتفيها ببراءة مصطنعة.

بهزر معاك يا ميرو بس فعلا مش هينفع مروحش الشركة النهاردة، عندكم ميا تروح معاكم، وأنا

هخلص الشغل اللي ورايا وهاجي على القاعه بليل "

نظر إليها شاهين بحنان الأب الذي لا يزال يراها طفلته الصغيرة رغم كل ما حققته، ثم قال:

ماشي يا حبيبتي بس بلاش تجهدي نفسك في الشغل أوي كده"

وقبل أن تنتهي الجملة، كانت ميا قد سارعت بالرد:

متقلقش عليها يا بابي كلها سنتين وأخلص جامعه وأساعدها شوية"

ابتسم لها شاهين وقال:

" إن شاء الله يا حبيبتي "

ثم التفت إلى فريدة التي كانت تجلس بين ذراعيه وقال بمزاح

وأنتي يا ديدا مش هننزلي تساعدي بابي؟"

ابتسمت الصغيرة ابتسامتها الواسعة وهزت رأسها بالرفض، فضحك شاهين وضمها ا إليه أكثر.

بينما امتلأت عيناه بحنان لا ينضب كلما نظر إليها.

لكن الأجواء الهادئة لم تستمر طويلا.

إذ بدت ميا مترددة على غير عادتها، وظلت تعبث بأصابعها للحظات قبل أن تقول:

بابي عايزة أقولك على حاجة"

رفع رأسه إليها وقال بهدوء:

"قولي يا حبيبتي "

تنحنحت بتوتر ثم قالت:

م مامي جاتلي إمبارح عند الجامعة، وقالتلي أنها أتغيرت ونفسها أنك تسامحها."

ساد صمت ثقيل للحظات.

واغلقت رنيم عينيها بضيق وهي تدرك جيدا إلى أين يمكن أن يقودهم هذا الحديث.

أما شاهين فقد تغيرت ملامحه فوزا، لكنه حافظ على هدوئه الظاهري وقال:

"لما تجيلك تاني، قوليلها تغيرها ميخصنيش في حاجة، أمكم على عيني وعلى راسي لكن

ماليش دعوة بيها، علاقتكم بيها وعلاقتها بيكم انتوا حرين فيها، فهموها أنها تشغل بالها بيكم

انتوا وبس."

تنحنحت رنيم بتوتر وقالت محاولة تخفيف حدة الموقف:

" لو حابة تيجي تزوركم أنا معنديش مشكلة."

لكن شاهين قاطعها فورا وقال بحزم واضح

"لا متدخلش بيتي، لو حابة تشوفهم، هي عارفه مكانهم فين تروح تزورهم هناك"

زفرت ميا بضيق وقالت:

أصلاً مامي أتجوزت، يعني هي مش في نيتها أنها تقرب من بابي تاني، هي بس قالتلي أنها اتجوزت واتغيرت وطلبت مني أقولك تسامحها. "

طرق شاهين بأصابعه فوق الطاولة ثم قال بنبرة أنهت النقاش تماما:

خلاص نقفل على الموضوع ده، وأنا قلتلكم حابه تقابلكم هي عارفه مكانكم فين أو تتفقوا مع

بعض وتتقابلوا يوم بره مش عايز اسمع حرف تاني في الموضوع ده

ساد الصمت محددا.

وتبادلت رنيم وبنات شاهين نظرات سريعة فهمت منها كل واحدة أن الوقت ليس مناسبا

للاستمرار في الحديث.

لذلك سارعت ايما للنهوض وهي تقول:

"أنا شبعت الحمد لله همشي أنا بقى "

فوقف مروان هو الآخر وقال:

" وأنا كمان تعالى معايل"

ثم انحنى وقبل رأس زوجته قبل أن يغادر بصحبة إيما.

بعدها بلحظات اقتربت ميا من رئیم و همست لها بشيء لم يسمعه أحد، فأومات رنيم برأسها

موافقة، ثم غادرت ميا هي الأخرى.

"كانت بتقولك أيه ؟"

نظر شاهين إلى زوجته بتشكك وقال:

ارتبكت قليلا ثم قالت:

م مافيش، د دي حاجه خاصة بالبنات".

اكتفى بهزة رأس بسيطة، ثم نهض من مكانه وقبل رأس فريدة قبل أن يعيدها إلى والدتها. "هروح أنا الشركه وبليل هروح على القاعة."

أومأت رنيم برأسها وقالت:

"ماشي انا هحضرك هدومك وكل حاجة على السرير، علشان لما تيجي تغير على طول"

ابتسم لها ابتسامة صغيرة، مال وقبل خدها يحب، ثم غادر المنزل.

ظلت رنيم تتابعه بعينيها حتى اختفى من أمامها تماما، ولم تستطع منع الابتسامة التي ارتسمت

فوق شفتيها، قبل أن تلتفت إلى مرام وتسألها :

هتيجي معايا؟ ولا هتستني مروان وتيجي معاه؟"

هزت مرام رأسها وقالت:

"لا مش هقدر أروح معاكي مطلع أربح في أوضي لحد ما يجي مروان وهاجي معاه."

أومأت رنيم موافقة.

تمام مطلع أغير هدومي أنا وفريدة وهمشي بقى علشان اتأخرت عليهم"

وبعد دقائق كانت قد انتهت من تجهيز نفسها وابنتها، ثم هبطت إلى الأسفل، وضعت فريدة في

مقعدها المخصص داخل السيارة وأحكمت ربط الحزام حولها، قبل أن تغلق الباب وتلتف إلى

الجهة الأخرى.

جلست خلف المقود، وأدارت المحرك، ثم تحركت بالسيارة بهدوء في الطريق المؤدي إلى فيلا

غريب، بينما كان قلبها يسبقها إلى هناك إلى يوم جديد سيحمل لعائلتها فرحة أخرى تضاف إلى

سلسلة طويلة من النهايات السعيدة التي كافحوا جميعا للوصول إليها.

دلفت جواهر إلى غرفة أروى بخطوات بطيئة، واضعة بذا أسفل ظهرها والأخرى فوق بطنها المنتفخة التي أصبحت تنقل حركتها أكثر مع اقتراب موعد ولادتها، وما إن فتحت الباب حتى وجدتها كما توقعت تماما، ما زالت غارقة في نومها وكأن اليوم لا يحمل أي أهمية استثنائية. بينما كان المنزل كله يعيش حالة من الاستنقار منذ ساعات الفجر الأولى استعدادا لحفل زفافها. اقتربت منها وهي تهز رأسها بيأس مصطنع، ثم جلست إلى جوارها على حافة السرير وربنت فوق كتفها برفق قائلة:

أصحي يا بنتي فيه عروسه تنام لحد دلوقتي يوم فرحها ؟ "

اطلقت أروى زفرة طويلة وهي تدفن وجهها أكثر داخل الوسادة، ثم قالت بصوت منقل بالنعاس

جواهر بطلي زنك ده وروحي شوفي ابنك، ولا روحي بيضي اللي في بطنك دي. " اتسعت عينا جواهر بصدمة مفتعلة، ثم رفعت يدها وصفعتها بخفة فوق ظهرها وهي تقول

بغضب تمثيلي:

"أبيض ليه شيفاني فرخه ؟"

ردت أروى وهي ما تزال مغمضة العينين بنفاد صبر:

"لا شيفاكي حيه "

فجاءتها الصفعة الثانية أسرع من الأولى، لتقول جواهر وهي تضغط على أسنانها:

طيب قومي لأبخ في وشك دلوقتي "

اعتدلت أروى أخيرا فوق السرير وهي تنظر إليها بضيق واضح، ثم قالت:

"الله يكون في عون جوزك منك زناااانه، راديو مش بيفصل "

رفعت جواهر ذقتها بكبرياء مصطنع وعقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة:

أطلعي أنتي منها، جوزي بيموت فيا بيعشقني "

ابتسمت أروى بمكر وقالت:

" ببطنك دي."

ضیقت جواهر عينيها وهى تنظر إليها شررا قبل أن تقول :

"لما نشوفك يا اختي هتبقى أزاي وأنتي زي كده؟"

لكن الابتسامة التي كانت تزين وجه أروى بدأت تتلاشى تدريجيا، وحل محلها ذلك القلق القديم

الذي لم يفارقها بالكامل رغم السنوات الطويلة التي قضتها تحاول التعافي من آثار الماضي. نهضت من فوق السرير ببطء، ووقفت تنظر إلى الأرض للحظات قبل أن ترفع رأسها نحو جواهر

وتقول بصوت خافت حمل داخله قدرا كبيرا من التوتر:

"مش لما أشوف هعمل معاه أيه النهاردة، أنا خايفه أوي مقدرش أخليه يلمسني، آه خلال السنين اللي فاتت سمحت ليه يمسك أيدي يقرب مني بشكل ما، بس خايفه متقبلش اللي هيحصل النهاردة"

اختفت الفكاهة فوزا من ملامح جواهر، وحل محلها حنان صادق اقتربت منها وربتت على

ظهرها برفق، فهي وحدها تقريبا تعرف حجم المعركة التي خاضتها أروى مع نفسها طوال تلك

السنوات، وتعرف أن ما وصلت إليه اليوم لم يكن أمرا سهلا أو طبيعيا بالنسبة لها.

قالت بصوت هادئ

طبيعي أي بنت في يوم زي ده بتخاف يا أروى، وهو الراجل مسؤول أن يشيل الرهبه والخوف عندك بطريقته، أهم حاجه أنتي مترفضيش أي حاجه يعملها أو يطلبها منك، أنتي كده كده

الدكتوره قالتلك أنك جاهزه للخطوة دي، وبناء على كلامها اتحددت ميعاد الفرح."

أومات أروى برأسها ببطء، بينما بدأت أصابعها تتشابك ببعضها في حركة اعتادت القيام بها كلما

شعرت بالتوتر.

عارفه یا جواهر بس لسه متحطتش في موقف زي ده مباشر ي يعني م مجرد ما يقرب يعمل

دور هخافر"

ابتسمت جواهر بحب، ثم أمسكت كنفيها وأجبرتها على النظر إليها مباشرة.

" ولا هتخافي ولا حاجه، أحمد عاقل وحنين وهيعرف يحتويكي، أنسي بس اللي هيحصل باليل

بينك وبينه، وركزي في الفرح وليلة العمر وأفرحي "

ظلت أروى تنظر إليها للحظات طويلة، وكأنها تحاول التشبث بكلماتها لتستمد منها بعض

الطمأنينة. وفي النهاية أومأت برأسها وقالت بابتسامة صغيرة:

ماشي ربنا يستر، هدخل الحمام أخد شاور سريع وأجهز، علشان ننزل نروح الفندق "

لكن جواهر لم تبد بنفس الحماس المتوقع، بل جلست تتنفس ببطء وكأن التعب يزداد داخلها مع

كل دقيقة تمر.

حركت راسها قائلة:

"لا روحي أنتي ورنيم، أنا تعبانه أوي النهاردة مش عارفه فيه أيه؟"

عقد القلق حاجبي أروى فوزا وهي تنظر إلى بطنها المنتفخة.

"أنتي ناوية تعمليها النهاردة ولا أيه؟"

ضحکت جواهر وقالت بمزاح

وليه لاء، ما أنتوا عيله منحوسه في أفرحكم، لازم تحصل حاجه اليوم ده"

انفجرت أروى ضاحكة رغم توترها، ثم قالت:

"لا يا أختي العيب فيكي، إنما إن شاء الله الفرح هيعدي بخير وسلامة، حتى لو أنتي هتولدي

هكمل عادي "

أغمضت جواهر إحدى عينيها وهي تنظر إليها بنظرة اتهام واضحة وقالت:

"قد أيه طلعتي واطيه."

ثم تحركت نحو الباب وهي تتمتم بطريقة كوميدية جعلت أروى تضحك أكثر:

أشوف فيكم يوم يا ولاد ضرغام اللهي يضرب في نفوحكم العرق التركي اللي أنتوا فرحانين بی ده.

أنهت كلماتها وأغلقت الباب خلفها، بينما بقيت ضحكات أروى تتردد داخل الغرفة الثوان طويلة.

ولأول مرة منذ استيقاظها شعرت أن شيئا من التوتر بدأ يخف داخلها، وأن الخوف الذي كان

يسيطر على قلبها منذ أيام لم يعد بنفس القوة.

تنفست بعمق، ثم اتجهت نحو المرحاض بخطوات هادئة وهي تحاول أن تركز في فكرة واحدة

فقط.. اليوم ليس يوم الخوف.

اليوم هو اليوم الذي انتظرته هي وأحمد طويلا، اليوم الذي ستبدأ فيه حياة جديدة كانت

تخشاها يوما، ثم تعلمت تدريجيا كيف تفتح لها باب قلبها دون أن ترتجف.

بعد وقت ليس بقليل، وصلت رنيم أخيرا إلى الفيلا وهي تحمل فريدة على ذراعها. كانت تحاول

أن تبدو طبيعية قدر الإمكان، لكن الإرهاق كان واضحا فوق ملامحها بشكل آثار القلق فور

دخولها، وما أن عبرت الباب حتى أنزلت صغيرتها إلى الأرض، ثم اتجهت نحو أقرب مقعد

وجلست عليه ببطء كان جسدها فقد جزءا من طاقته فجأة.

كانت ترنيم أول من انتبه إلى شحوب وجهها، فانعقد حاجباها بقلق ونهضت من مكانها وهي

تقترب منها سريعا. قالت بتساءل:

"أنتي مال وشك أصفر كده ؟"

رفعت رنيم رأسها إليها وحاولت أن تبتسم، لكن الابتسامة خرجت باهتة وهي تقول:

مش عارفه فجأة كده وأنا سابقه حسيت بدوخه الحمد لله أني وقفت على جنب ومعملتش حادثة."

شعرت ترنیم بانقباض في قلبها، فمدت يدها تمسد شعرها بحنان أمومي لم يتغير رغم السنوات. تم قالت بلهفة واضحة

تعبانه؟ أجبلك دكتور؟"

حرکت رنيم رأسها سريعا بالرفض وقالت:

"لا لا مش محتاجة، ممكن يكون الضغط واطي عندي أو حاجه المهم فين البنات؟ جهزوا ولا لسه ؟"

وقبل أن تجيبها ترنيم، كانت جواهر تهبط الدرج ببطء شديد، مستندة إلى السور وهي تزفر بين

الحين والآخر من نقل الحمل الذي أصبح يرهقها أكثر كل يوم. قالت بتعب:

" بتجهز فوق وهتنزل علشان تروحوا الفندق "

رفعت رنیم حاجبيها باستغراب ونظرت إليها قائلة:

نروح ليه أنتي مش جايه معانا ؟"

جلست جواهر على المقعد المقابل لها، ثم وضعت يدها فوق بطنها المنتفخة وربتت عليها بحركة

لا إرادية وقالت:

لا مش قادره، تعبانه أوي النهاردة"

تأملتها رئيم لثوان، ثم ضيقت عينيها وهي تقول بشك واضح:

"شكلك ناوية تعمليها النهاردة يا جواهر، متخصصة أفراح."

أطلقت جواهر زفرة طويلة مليئة بالاستياء وقالت:

" هو فيه أيه أنتي وهي؟ طيب أهو انتوا الفقر وستين فقر كمان، حد قالكم تحددوا الفرح وأنا

بطني على آخرها."

انفجرت رنيم وترنيم بالضحك في الوقت نفسه بينما ظلت جواهر تنظر إليهما بأستياء.

صح فين ديدا حبيبة خالتها ؟"

وبينما كانت الضحكات تملأ المكان، بدأت جواهر تبحث بعينيها حولها تم قالت فجأة:

تلفتت رنیم حولها باستغراب وقالت:

أنا كنت سيباها هنا"

و نهضت من مكانها بسرعة تبحث عنها، ولحقت بها ترنيم وجواهر، لكن خطواتهن توقفت دفعة واحدة عندما وقعت أنظارهن على المشهد الموجود خلف الأريكة.

تجمدن الثوان قبل أن تنفجر الضحكات.

كان فادي جالسا على الأرض بكل براءة، بينما تجلس فريدة فوق قدميه الصغيرة، وهو يطعمها قطع الشوكولاتة بتركيز شديد وكأنه يؤدي مهمة مصيرية لا تحتمل الخطأ. المشكلة الوحيدة أن الشوكولاتة لم تصل إلى فمها وحده، بل وصلت إلى ملابسهما ووجهيهما وأيديهما وحتى

شعرهما، ليبدوا وكأنهما خرجا من معركة شرسة ضد مصنع حلويات كامل.

حاولت رنيم التماسك، لكنها فشلت تماما وهى تقول وسط ضحكاتها:

"جواد وجواهر بعينهم، أنا فاكرة أنكم في مرة كنتوا بالشكل ده

نظرت جواهر إلى الطفلين ثم إلى رنيم وقالت بمزاح

" يخيبك ولا طالع لابوك "

أما ترنيم فكانت تنظر إليهما بعينين ممثلتتين بالسعادة، تلك السعادة الخاصة التي لا تأتي إلا عندما يرى الإنسان امتداد عمره وأيامه أمامه في هيئة أطفال يملؤون المكان ضجيجا وحياة. ابتسمت وهي تقول بهدوه:

"أنا فرحانه أوي بعد أن حكايتنا مش يتخلص وفي كل مرة بتنضاف حكايه قلبين جداد القصتنا."

كانت كلماتها صادقة إلى درجة جعلت الجميع بصمت للحظة، شعرت رنيم بشيء دافئ يمر داخل قلبها، بينما اقتربت جواهر هي الأخرى من ترنيم.

مدت رنيم ذراعيها واحتضنتها، وكذلك فعلت جواهر فوجدت ترنيم نفسها محاصرة بينهما وسط ذلك الحب الذي زرعته في قلوبهم جميعًا على مدار سنوات طويلة.

قالت ترنيم بصوت اختلط فيه الحنان بشيء من الشجن

"يا عالم لما يكبروا هكون موجودة في الدنيا ولا لا، بس أمانة عليكم، حافظوا على حبهم لبعض زي ما حفظنا على حبكم لبعض."

شعرت جواهر بوخزة داخل قلبها من كلماتها، فمالت وقبلت رأسها بسرعة، تريد طرد تلك الفكرة من الوجود كله، ثم قالت:

متقوليش كده يا خالتوا إن شاء الله هتعيشوا لحد ما يكبروا وتجوزوهم كمان." ابتسمت ترنيم، لكنها لم تجب. اكتفت بالنظر إلى فادي وفريدة وهما يتشاجران الآن على قطعة

شوكولاتة أخبرة، ثم تنهدت بعمق.

وفي داخلها كانت تدعو لهما بصمت، أن يكبرا وسط هذا الحب.

وأن يوما يتمسكوا ببعض كما تمسك كل قلب في هذه العائلة بنصفه الآخر.

وأن تبقى هذه الحكاية ممتدة عبر الأجيال، لا تنتهى بانتهاء أصحابها، بل تستمر نابضة في قلوب

أبنائهم وأحفادهم من بعدهم.

بالمساء .....

كانت أروى قد انتهت من جميع تجهيزات العروس، وجلست أمام المرأة للحظات قصيرة تحاول استيعاب انعكاس صورتها عليها، بدا الفستان الأبيض حولها وكأنه خلق خصيصا لها، ينساب بنعومة حول جسدها ويمنحها هيئة أميرة خرجت للتو من إحدى الحكايات القديمة. ورغم جمالها الأخاذ الذي كان كفيلا بخطف الأنظار، لم تكن ترى في المرآة سوى قلب يرتجف داخل صدرها بعنف، وعقل يركض بين آلاف الأفكار والمخاوف التي لم تستطع التخلص منها مهما حاولت.

كانت تحاول التقاط أنفاسها ببطء حين دوى طرق خافت على باب الغرفة.

انتفض جسدها بالكامل دون إرادة منها، ونهضت واقفة بسرعة وهي تشعر بأن قلبها قفز إلى حلقها. للحظة ظنت أن أحمد هو من يقف بالخارج، فازدادت ضربات قلبها توترا، لكن ما إن انفتح

الباب حتى تنفست براحة واضحة.

كان غريب.. ابتسامته الهادئة المعتادة سبقتها إلى داخل الغرفة.

أغلق الباب خلفه برفق ثم تقدم نحوها بخطوات بطيئة، وظل يتأملها لثوان طويلة، قبل أن يقول بسعادة غمرتها الدموع:

" أنا مش مصدق نفسي، شايف بنوتي الجميله الدلوعه أجمل عروسة، أنا حاسس أني بحلم، لسه زي أمبارح الدكتور كان بيعمل السونار لترنيم وبيقولي، أنك عروسه زي القمر، والنهاردة فعلا

شايفك عروسة تخطف القلب، ربنا يسعدك يارب يا بنتي "

ومع نهاية كلماته خانته مشاعره أخيرا، فهبطت دمعة دافئة من عينه.

شعرت أروى بشيء ينقبض داخل قلبها، فأسرعت تمسح تلك الدمعة بأطراف أصابعها قبل أن تكمل طريقها على وجنته، ثم نظرت إليه بعينين امتلانا بالمحبة وقالت بصوت اختلطت فيه

المشاعر كلها :

انت مكنتش مجرد أب وخلاص أنت كنت صاحبي واخويا ودنيتي كلها، أنت الامان اللي مكنتش بعرف أنام غير لما أحس بأيدك طبطب عليا وشفايفك على راسي، أنت أعظم وأجمل وأطيب أب في الدنيا كلها، ومهما عيشت و مهما شفت رجالة غيرك هتفضل أنت أفضل راجل في حياتي "

وما إن انتهت من كلماتها حتى ارتمت داخل أحضانه بقوة، وكأنها تعود للحظة أخيرة إلى ملجنها الأمن الذي احتمت به طوال عمرها.

شدها غريب إلى صدره بقوة مماثلة، وأغمض عينيه وهو يحتضنها، يشعر بأن طفلة الأمس ما

زالت هناك رغم الفستان الأبيض ورغم السنوات التي مرت.

قال بصوت خافت متأثر

"أنتي نور عيوني من جوة، أنتي ضحكني الحلوة وفرحة قلبي اللي بتعيش جوه منه من غير

استئذان"

ظل يحتضنها للحظات قبل أن يبعدها عنه قليلا، ثم كوب وجهها بين كتبه و نظر داخل عينيها

مباشرة، يريد أن يترك فيها وصية أب أخيرة قبل أن يسلمها لحياتها الجديدة.. قال بهدوء عميق: "أنتي من النهاردة هتتنقلي لحياة ثانيه جديدة، حياة أنتي المسئولة عنها، حياة محتاجة حكمة وهدوء، وأحمد راجل بيحبك بجد ويعتمد عليه، أنا واثق أنه هيصونك وهيكون قائد لبيته بطريقة حكيمة، أتمسكوا بالحب اللي ما بينكم وإياكم تسمحوا لحاجه تخربه لأن الحب هو

مفتاح أي حياة سعيدة يا بنتي "

كانت تستمع إليه وتحاول تحفظ كل كلمة داخل قلبها، ثم أومأت برأسها وهي تبتسم له يحب وقالت:

"حاضر يا بابي "

ابتسم غريب ابتسامة امتزج فيها الفخر بالحزن الجميل، ثم مال يقبل رأسها بحنان وقال: "ربنا يسعدك يا نور عيوني."

بعدها من ذراعه إليها وأمسك يدها برفق، تم وضعها داخل ذراعه كما كان يفعل معها منذ

طفولتها كلما أرادت التعلق به نظر إليها وسألها:

" مستعدة ؟"

اخذت أروى نفسا عميقا، شعرت خلاله بكل المخاوف التي تعيش داخلها، ثم أخرجته ببطء

محاولة السيطرة على ارتجاف قلبها. وأخيرا أومأت برأسها وقالت:

"مستعدة"

تحركا معا خارج الغرفة، وسارا في الممر الطويل حتى وصلا إلى البوابة الكبيرة المؤدية إلى القاعة. توقفا خلفها ينتظران لحظة فتحها، بينما كانت أروى تسمع دقات قلبها أعلى من أي

صوت آخر حولها، ثم انفتحت البوابة أخيرا.

وفي اللحظة التي ظهرت فيها الأضواء والوجوه أمامها، وقع بصرها مباشرة عليه. كان أحمد يقف في الجهة المقابلة ينتظرها.

بمجرد أن رأته تسارعت نبضاتها من جديد، وشعرت بارتجافة خفيفة تسري في جسدها كله، لم يقت ذلك على غريب غربت على يدها الممسكة بذراعه بحركة مطمئنة جعلتها تستعيد شيئا من هدونها.

تحركا معا نحو الخارج، وأغلقت الأبواب خلفهما ببطء.

اقترب أحمد منهما وعيناه لا تفارقان أروى للحظة واحدة. صافح غريب باحترام، ثم انحنى

غريب قليلا وقبل رأسها، قبل أن يسلمه يد ابنته.

ابتعد غريب عنهما وهو ينظر إليهما بعينين ممتلئتين بالدعوات الصامتة.

أما أحمد، فبقي واقفا أمام أروى يتأملها كما لو أنه يراها للمرة الأولى.

كانت بالنسبة له أجمل من كل ما تخيله.

امسك يدها برفق، ثم رفعها إلى شفتيه وقبلها بحب صادق قبل أن يقول:

"طالعة قمر ما شاء الله"

احمر وجهها بخجل وهى تنظر إليه، ثم قالت بصوت منخفض

و وأنت كمان شكلك حلو أوي النهاردة"

اتسعت ابتسامته فوزا، وظهر ذلك البريق الدافئ الذي كانت تعرفه جيدا في عينيه.

شد على يدها برفق يحاول يطمئنها أنه بجوارها ولن يتركها، ثم تحركا مقا ببطء نحو المكان المخصص لهما، بينما كانت الأنظار تتابعهما بإعجاب، وكان قلب كل منهما يستعد لبداية فصل

جديد من الحكاية التي انتظراها طويلا.

كانت رنيم تقف بين الحضور تتنقل بعينيها بين الوجوه والديكورات والأضواء التي ملات القاعة، لكن شيئا واحدا فقط كانت تبحث عنه. كانت عيناها تجوبان المكان كله في محاولة للعثور على شاهين، ومع كل ثانية تمر دون أن تراه كانت تشعر بانزعاج خفي يزداد داخلها. وحين لم تجده أخيرا، اتجهت نحو إيما التي كانت تقف بالقرب من إحدى الطاولات تتابع

التجهيزات الأخيرة. قالت بتساءل:

"إيما هو بابي لسه مجاش ؟"

حرکت ايما رأسها بالنفي وقالت:

"لا لسه یا رنيم "

اومات رنيم برأسها في هدوء ظاهري، لكنها لم تستطع إخفاء خيبة الأمل الصغيرة التي مرت داخلها، ثم تحركت نحو أحد المقاعد وجلست عليه وهي تراقب باب القاعة بين الحين والآخر. في الجهة الأخرى كانت جواهر تقف بصعوبة واضحة، تشعر بألم حاد أسفل ظهرها يمتد شيئا فشيئا إلى بطنها، حاولت تجاهل الأمر في البداية، لكن الانقباضات بدأت تصبح أوضح وأقوى وبينما كانت تحاول التقاط أنفاسها شعرت بذراعين تلتفان حول بطنها المنتفخة من الخلف.

زفرت بضيق وقالت وهي تتألم

"مش نقصاك يا جواد أبعد عني "

ابتعد جواد عنها فوزا ونظر إليها باستغراب وقال:

"مالك يا جواهر؟"

وضعت يدها فوق بطنها وقالت بألم:

"شكلي بولد يا جواد"

اتسعت عيناه فجأة وكأن أحدهم ألقى فوق رأسه دلوا من الماء البارد، ثم قال بصدمة:

بتولدي دلوقتي با جواهر؟ ده وقته بذمتك ؟ "

رمقته بنظرة حادة رغم الألم وقالت:

بذمتك أنت ده كلام ؟ وأنا مال أمي، وأنا اللي كنت جبت الطلق دلوقتي ؟ "

أدرك حماقة سؤاله فوزا ، فأمسك يدها بقلق وقال بسرعة:

طيب تعالي أقعدي، يمكن مش ولادة، ودي تفاسيح ولادة، زي أيام فادي كده"

أومأت برأسها وتحركت معه نحو أحد المقاعد حيث كانت والدتها تجلس، ثم هبطت فوقه بتعب واضح.

نظرت إليها سمية بقلق وقالت:

"لسه يا بنتي الوجع ؟"

أومأت جواهر برأسها وقالت:

"أيوه يا ماما لسه، ويمكن كمان بيزيد

تنهدت سمية وهي تشعر بأن الأمر أصبح واضحا أكثر مما ينبغي وقالت:

شكلها ولادة، ربنا يجعلها ساعه سهله عليكي يا بنتي يارب

وفي وسط تلك الأجواء المليئة بالتوتر، كان هناك خبر آخر ينتظر الخروج إلى النور، اقترب تامر سريعا من ترنيم، وانحنى قليلا بجوار أذنها قبل أن يقول بسعادة تكاد تنفجر من صوته:

في توأم".

اتسعت عينا ترنيم بدهشة حقيقية، ثم نهضت من مكانها دون تفكير واحتضنته بقوة وهي تقول:

هتبقى عمتو الحرباية يا ترنيم مراتي حامل ولسه جاين من عند الدكتور وكمان طلعت حامل

"مبروك يا قلب أختك ربنا يكملها على خير يارب يا حبيبي "

ريت تامر على ظهرها بسعادة وقال:

"ربنا يخليكي ليا يا اختي يارب"

تم ابتعد عنها وهو يبتسم وأضاف:

"هروح أقف جنب بنتي الأولى، ووش السعد عليا، أروى حبيبة خالها."

غادر نحو اروى واحمد بينما بقيت ترنيم تتابعه بعينين ممثلثتين بالفخر والسعادة، ثم عادت إلى

مقعدها وهي تشعر أن عائلتها تكبر يوما بعد يوم أمام عينيها.

أما رنيم فكانت ما تزال تنظر إلى ساعة يدها بضيق واضح، وكل دقيقة تأخير من شاهين كانت

تزيد من تذمرها.

وفجأة شعرت بقبلة دافئة تستقر فوق رأسها ابتسمت تلقائيا قبل أن تلتفت.

كانت تعرف صاحب تلك القبلة حتى قبل أن تراه رفعت رأسها إليه وقالت بلوم محبب:

كده برضه یا شاهين؟ أيه التأخير ده كله "

جلس بجوارها وأمسك يدها بين يديه وقال:

"حقك عليا يا قلبي غصب عني والله كان عندي شغل كثير أوي النهاردة، وكمان على ما مرام جهزت هي ومروان وأنا كمان أخدنا وقت"

نظرت إليه بإعجاب حقيقي، رغم مرور السنوات ما زال شاهين يحتفظ بذلك الحضور الذي

يجبر الأنظار على الالتفات إليه أينما ظهر.

رفعت يدها ولمست صدره بخفة وقالت:

بس طالع قمر أوي تتاكل أكل، أنا لو عليا عايزة أخدك ونروح، وخبيك من عيون البنات اللي

عماله تبص عليك دي. "

انفجر شاهین ضاحكا ثم مال نحوها قليلا وقال بغمزة مشاكسة:

والله معنديش مانع نروح وأهو نعيد الذكريات براحتنا"

ضربته على صدره بخجل وقالت:

" والله العظيم أنت غلس، يعني أنا بكلمك على أيه وأنت بتقول أيه"

أمسك يدها وقبلها بحب وقال بابتسامته الهادئة التي كانت تذيب كل غضبها:

"أنا عيوني مش شايفه غيرك يا رنيم، وقلبي ملكك أنتي، وكلي أسير لعيونك يا عمري "

ابتسمت له يحب حقيقي، ثم قبلت يده وقالت:

"بعشقك أوي يا شاهين."

وبعد لحظة قصيرة أمسكت يده ووضعتها فوق بطنها برفق، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة

مختلفة تماما، ابتسامة تحمل سرا جميلاً، قالت بسعادة:

هتبقى أب للمرة الرابعه يا شاهين"

في البداية ظن أنه لم يسمع جيدا. نظر إليها بعدم تصديق ثم قال:

بجد يا رنيم؟ انتي حامل ؟"

أومأت برأسها وقالت:

امم، بقالي كذا يوم بحس بدوخة، عملت إختبار حمل من شوية وطلعت حامل "

شعر العالم كله اتسع فجأة داخل صدره ابتسم بسعادة غامرة وقال:

"مبروك يا قلب و عمر شاهين، أنا مبسوط أن عيلتي بتكبر بيكي يا نور عيوني "

ارتمت داخل أحضانه وقالت:

" ويخليك ليا يا أجمل ما في حياتي "

لكن الفرحة لم تستمر طويلا.

ففي اللحظة التالية تماما دوى صوت صرخة ألم قوية من جهة جواهر انتفض الجميع.

وضعت جواهر يدها فوق بطنها وشعرت بشيء دافئ ينزلق بين ساقيها، ثم قالت بدموع وألم:

" ألحقني يا جواد أنا بولد "

في ثانية واحدة تحولت القاعة كلها من أجواء زفاف وفرح إلى حالة طوارئ كاملة.

لم يفكر جواد لحظة واحدة، بل حملها بين ذراعيه بسرعة جنونية واتجه بها إلى الخارج، بينما

كان قلبه يقفز من مكانه خوفا عليها.

وضعها داخل السيارة ثم انطلق بها نحو المشفى.

في الوقت نفسه تبعه شاهين ورنيم وكذلك سمية وتامر.

أما أروى فكانت على وشك اللحاق بهم حين أوقفتها ترنيم بسرعة وقالت:

"أنتوا رايحين فين؟ مالكمش دعوة أنتوا باللي بيحصل، أطلعوا اوضتكم وأنا لما تولد هطمنكم "

نظرت أروى إليها يقلق وقالت:

بس يا مامي مينفعش أسيب جواهر وجواد"

حرکت ترنیم رأسها بحزم وقالت:

"أحنا مش هنسيبها، أطلعوا أنتوا اوضتكم، كفايه الفرح اللي باظ."

شعرت أروى بالحيرة، لكنها في النهاية أومأت برأسها أمسك أحمد يدها برفق، وقادها نحو باب القاعة.

خرجا مقا وصعدا إلى الجناح الخاص بهما في الفندق، بينما كانت أصوات الفوضى والقلق تتلاشی خلفهما شيئا فشيئا.

وخرج معها سريعا.

أما غريب فوقف للحظات يعتذر للحضور عن إنهاء الحفل بشكل مفاجئ، ثم أمسك يد ترنيم

استقلا السيارة، وما إن أغلق الباب حتى انطلق بها بأقصى سرعة نحو المشفى.

وهكذا انتهت ليلة زفاف أروى بالطريقة نفسها التي اعتادت بها هذه العائلة أن تعيش أفراحها، حب كبير، وضحكات كثيرة، وحدث مفاجئ يقلب كل شيء رأسا على عقب في اللحظة الأخيرة.

وقف أحمد وأروى أمام باب الجناح الملوكي الذي أعد لهما بعناية ليكون بداية حياتهما الجديدة. لكن أروى لم تكن ترى في تلك اللحظة سوى كل المخاوف التي ظلت تطاردها لسنوات طويلة. كان التوتر واضحًا على ملامحها إلى درجة جعلت أحمد يشعر بانقباض في قلبه، فاستدار إليها فوزا وكوب وجهها بين كفيه بحنان بالغ، محاولاً أن يلتقط بعينيه ما تعجز عن قوله.. قال بتساؤل:

حابه تروحي معاهم المستشفى ؟"

حركت رأسها بالرفض وتكلمت بتوتر:

ل لا، د هطمن عليها بالتليفون "

ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة تحمل من الطمأنينة أكثر مما تحمل من الفرح، ثم أوماً برأسه وفتح الباب ودلف إلى الداخل. توقف عند العتبة واستدار نحوها، ماذا يده إليها في صمت، ظلت تنظر إلى يده لثوان طويلة، وكأنها تقف على حافة عالم جديد تخشى الدخول إليه، قبل أن تتحرك أصابعها ببطء شديد لتستقر داخل كفه. أمسك يدها يرفق وجذبها معه إلى الداخل. ما إن خطت عدة خطوات داخل الجناح حتى سمعت صوت الباب يغلق خلفها، فانتفض جسدها لا إراديا، واستدار رأسها بسرعة نحو مصدر الصوت. كانت تلك الحركة كافية ليعرف أحمد حجم الرعب الذي لا يزال يسكن أعماقها، فاقترب منها وربت على ظهرها برفق وقال:

" أدخلي يا حبيبتي متخافيش"

ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أومأت برأسها محاولة السيطرة على ارتجافها، وتحركت معه إلى الداخل. لكن ما إن وقعت عيناها على السرير حتى تجمدت خطواتها بالكامل، تراجعت خطوة لا إرادية فاصطدمت بصدر أحمد فمال برأسه نحوها وقال بصوت هامس مفعم بالحنان

متخافيش مني يا أروى أنا عمري ما هاذيكي."

رفعت عينيها إليه للحظة قصيرة قبل أن تخفضهما من جديد، تم تحركت ببطء نحو السرير و وقفت أمامه تنظر إليه وكأنه خصم تخشاه لا قطعة أثاث عادية. كانت تهز رأسها بالرفض دون وعي، كان عقلها يخوض معركة صامتة مع ذكريات لم تمت بعد، لم يتركها أحمد تغرق في تلك الدوامة، فتقدم إليها وجعلها تنظر مباشرة إلى عينيه وقال بهدوء حاسم:

"أهدي يا أروى، أنا مش مستعجل خالص، ولا هغصب عليكي في حاجه، أنا أهم حاجة عندي أنك بقيتي معايا وهتنامي في حضني، أما الباقي هيجي مع الأيام، ولو مجاش خالص والله مش هزعل، أنا بحبك يا أروى، وأهم حاجه عندي، انتي مش جسمان"

ظلت تحدق في عينيه لثوان طويلة. لم تر فيهما شفقة، ولا ضيقًا، ولا حتى رغبة يحاول إخفاءها، بل رأت رجلا أحبها بما يكفي ليضع راحتها قبل كل شيء. عندها انهارت آخر مقاومة كانت تنمسك بها، وارتمت داخل حضنه بقوة، أخيرا وجدت المكان الوحيد الذي تستطيع أن تضع فيه كل أوجاعها دون خوف.

تشبتت به وهي تبكي بحرقة وقالت:

"أنا أسفه ليك يا أحمد، أسفه بجد علشان ظلماك معايا في حاجة مالكش ذنب فيها، بحاول والله بس فيه حاجات لسه مش قادرة أتخطاها."

أحاطها بذراعيه بقوة أكبر، ثم قبل رأسها بحب وقال بنبرة هادئة مطمئنة:

" وأنا مش زعلان ولا مضايق، أنا عندي اللحظه اللي بتبقى فيها في حضني، أهم مليون مرة من أي حاجة تانيه، يلا يا عمري غيري فستانك ده، وتعالى نتعشى وشوية كده نتصل بيهم في

المستشفى لتطمن على جواهر عملت أيه"

ابتعدت عنه ببطء، بينما كانت دموعها قد بدأت تهدأ شيئا فشيئا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة صادقة قبل أن تومئ برأسها موافقة ابتسم لها بدوره ثم غادر الغرفة الداخلية تاركا لها المساحة التي تحتاجها.

ظلت تتابعه بعينيها حتى أغلق الباب خلفه، ثم جلست على حافة السرير وأخذت نفسا طويلا تحاول استيعاب كل ما حدث كانت تعرف في أعماقها أن أحمد منحها من الصبر ما لم يكن أحد غيره ليمنحه، واحتواها بحب نادر دون أن يطالبها بشيء طوال السنوات الماضية لم يضغط عليها، ولم يشتك، ولم يجعلها تشعر يوما بأنها ناقصة أو مقصرة. ومع كل ذكرى مرت بينهما

كانت دقات قلبها تتسارع أكثر، ليس خوفا هذه المرة، بل حياء

رفعت رأسها ببطء ونظرت أمامها، ثم اتخذت قرارا طالما هربت منه أرادت أن تحاول، لا من أجل الواجب، بل من أجله هو، من أجل الرجل الذي استحق منها تلك المحاولة منذ زمن طويل.

نهضت من مكانها وبدلت فستان الزفاف، تم ارتدت ما أعدته خصيصا لهذه الليلة. وقفت أمام المرأة تنظر إلى انعكاسها، وكان التوتر لا يزال حاضرا داخلها رغم كل شيء. تذكرت حينها الحبوب التي وصفتها لها الطبيبة لتساعدها على الاسترخاء في مثل هذه اللحظات، فاتجهت نحو حقيبة يدها واخرجتها، ثم تناولت واحدة مع عدة رشفات من الماء.

أغمضت عينيها وأخذت نفسا عميقا قبل أن تزفره ببطء، محاولة تهدئة العاصفة التي تدور داخلها، ثم اتجهت نحو الباب وفتحته بحذر.

خرجت إلى الخارج تبحث بعينيها عن أحمد، لكنها لم تجده بالخارج. وقبل أن يتسلل إليها القلق سمعت صوتا خافنا قادما من المطبخ الصغير الملحق بالجناح، فتحركت نحوه ببطء حتى وقفت عند الباب، وظلت تدعك أصابعها ببعضها من فرط التوتر قبل أن تقول بصوت خافت: "

أنا خلصت "

استدار أحمد نحوها، وما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمد مكانه للحظة. اتسعت عيناه بوضوح

وتعالت أنفاسه دون إرادة منه، بينما أخذ يتأملها وكأنه يراها لأول مرة.

اقترب منها ببطء حتى وقف أمامها مباشرة، ثم قال بتوتر صادق:

" أيه الجمال ده كله، أنا قلبي مش هيستحمل كده"

احمر وجهها فوزا وابتسمت بخجل وهي تقول:

"ش شكرا."

مال برأسه وقبل وجنتها بعشق خالص ثم همس:

"أنتي جميله أوي في كل حالتك، وفعلاً أنا محظوظ بيكي، نورتي حياتي يا عشقي الأول والأخير."

تم ابتعد خطوة للخلف حتى يخفف عنها ارتباكها وقال مبتسما:

يلا يا عمري، أنا سخنت الأكل في الميكروويف، حطي الأطباق على الترابيزة." أومأت برأسها ونفذت ما طلبه منها، ثم جلسا معا إلى المائدة من العشاء وسط أجواء دافئة لم تعرفها أروى من قبل؛ كان أحمد يطعمها بين الحين والآخر، ويحدثها بهدوء، ويملأ المسافة بينهما بالحب والحنان حتى بدأت تشعر أن توترها يتلاشى تدريجيا.

وحين انتهيا من الطعام نهضت أروى تلقائيا لتساعده، وكادت تمد يدها نحو أحد الأطباق، لكنه أمسك يدها بسرعة وقبلها بحب وقال :

"لا يا عمري، سيبي أنتي كل حاجة وروحي أقعدي على ما أنا أخلص، وأجيلك نطمن على جواهر."

اكتفت بابتسامة صغيرة وهي تومئ برأسها، ثم تحركت نحو الخارج بينما بقي هو يرتب كل شيء بعناية غير مدرك أن تلك الليلة التي ظنها بداية لحياتهما الزوجية فقط، كانت بالنسبة الأروى بداية حقيقية لشفاء قلبها أخيرا.

انشغل أحمد بترتيب ما تبقى من الأطباق والاكواب بهدوء، وبعد أن انتهى، أعد كوبين من المشروب الساخن، ثم حملهما واتجه نحو أروى التي كانت تجلس في الصالة غارقة في أفكارها. وضع الكوبين على الطاولة أمامهما، ثم جلس إلى جوارها وأخرج هاتفه. قال وهو يفتح سجل الاتصالات:

تعالي يلا نطمن عليهم."

أجرى اتصالا بتامر وانتظر قليلا حتى جاءه الرد، وما إن سمع صوته حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة مطمئنة وقال:

"أيه يا تيمو؟ طمني جواهر عاملة أيه دلوقتي ؟"

رد عليه عبر الهاتف وقال:

ولدت الحمد لله وجابت بنوته زي القمر المهم طمني عليكم، كل حاجة تمام ؟ " التفت أحمد نحو أروى، وتأمل وجهها للحظة قبل أن يبتسم لها بحب واضح وقال: تمام الحمد لله، شوية كده هتبقى نكلمكم تاني، وأروى تكلم جواهر."

تكلم تامر سريعا وقال :

" أديني بنت اختي بالا، ولا علشان بقت مراتك هتخدها مننا؟"

تعالت ضحكات أحمد، ثم ناول الهاتف الأروى قائلاً:

خدي كلمي خالك، شكله غيران عليكي مني "

ابتسمت بخجل وأخذت الهاتف، ثم وضعته على أذنها وقالت بصوت خافت

" أزيك يا خالوا."

تكلم تامر عبر الهاتف وقال بمزاح

خالوا أيه بقى ؟ ما أنتي بعتيني علشانه"

اتسعت ابتسامتها قليلا وقالت:

"مقدرش، ده أنت الأساس يا تيمو."

فور سماعه كلماتها، لان صوته أكثر وقال بنبرة أبوية دافئة:

"ربنا يسعدك يا بنتي ويفرح قلبك يارب، طمنيني عليكي عامله ايه دلوقتي ؟"

رفعت أروى عينيها نحو أحمد الجالس بجوارها، فتلاقت نظراتهما للحظة قصيرة حملت من

المشاعر ما عجزت الكلمات عن قوله، ثم أجابت:

تمام يا خالوا الحمد لله ربنا يخليك ليا يا حبيبي "

مد أحمد يده وأخذ الهاتف منها وهو يقول بنفاد صبر مصطنع:

"ما خلصنا يا عم متبقاش بارد کده"

تعالت ضحكات تامر وقال:

ماشي ماشي، مسيرك هتقع تحت أيدي." أنهى أحمد المكالمة وهو يبتسم، بينما بقى أثر المزاح العائلي الدافئ يخفف من رهبة الأجواء

المحيطة بهما.

أما أروى فظلت تنظر إليه بصمت، تتابع تفاصيل وجهه وهو يبتسم، وكأنها تراه بعين مختلفة الليلة. لم ينتبه في البداية إلى نظراتها، وحين رفع رأسه أخيرا وجدها تحدق به، فغمز لها بخفة وقال:

"أيه عجبك ؟"

احمر وجهها فورا، وأبعدت عينيها بسرعة وهي تدعك أصابعها ببعضها في ارتباك واضح.

اقترب منها أكثر، ووضع ذراعه حول كتفيها، ثم أعطاها كوب المشروب الساخن بينما أمسك هو

الآخر بكوبه. ساد الصمت بينهما لعدة لحظات، لكنه لم يكن صمنا ثقيلا، بل كان أشبه باستراحة

قصيرة قبل كلمات مهمة تنتظر الخروج.

ابتلعت أروى ريقها بصعوبة ثم قالت:

"!أحمد "

التفت إليها فورا، مجرد سماع اسمه بصوتها يكفى لجذب انتباهه بالكامل، وقال بنبرة عاشقة: "عيونه"

رفعت عينيها إليه بتوتر وقالت:

" أنا ع عايزة من نحاول "

عقد حاجبيه بعدم فهم وقال:

" تحاول أيه؟"

اعتدلت في جلستها، وحاولت أن تبدو أكثر ثباتا رغم ارتجاف صوتها وهي تقول:

"أحمد! | أنا عايزة أعيش حياة طبيعيه، عارفه أن الوضع هيكون صعب عليا في الأول، بس برضه لازم تحاول أنا تعبت وزهقت من الخوف اللي في قلبي عايزة أدوس عليه برجلي وأرمي الماضي وراه ضهري، وأعيش حياتي مع الراجل اللي أختاره قلبي بطريقة طبيعيه زي أي اتنين متجوزين، فاهمني "

ظل صامنا الثوان، لا لأنه لم يفهم، بل لأنه فهم أكثر مما قالت كان يعرف حجم المعركة التي خاصتها داخل نفسها حتى تصل إلى تلك الكلمات مد يده وريت على وجنتها بحنان بالغ، ثم قال:

فهمك من غير ما تتكلمي من اللحظة اللي شفتك لابسه فيه كده عرفت أنتي عايزة أيه، بس أنا خايف عليكي، خايف اذيكي بأيدي، أنا مش مستعجل صدقيني "

امتلأت عيناها بالدموع وهي تقول:

"أنت عمرك ما أذتني، أنت دايقا، كنت البلسم لكل جروحي."

وضع الكوبين على الطاولة، ثم اقترب منها أكثر، لم يكن في نظراته سوى الحب والاحتواء، ولم يكن في قربه أي ضغط أو استعجال، وحين مال نحوها، كان يمنحها الفرصة للتراجع إن أرادت. للحظة قصيرة ارتبكت أروى وتراجعت غريزيا، لكن ابتسامته الهادئة كانت كفيلة بأن تبدد جزءا

كبيرا من خوفها.

احتواها بنظراته قبل أن يحتويها بذراعيه، وظلت المسافة بينهما تتقلص ببطء، بينما كانت هي التعلم للمرة الأولى كيف تستبدل الخوف بالأمان. ومع مرور اللحظات بدأت الحواجز التي بنتها

حول قلبها تتصدع شيئا فشيئا أمام صبره وحبه.

بعد وقت قصير استقام أحمد واقفا، تم مال نحوها وحملها بين ذراعيه برفق شدید تشبعت به دون مقاومة، وأخفت وجهها في عنقه بينما اتجه بها نحو الغرفة.

دلف إلى الداخل وأغلق الباب خلفهما، تاركا العالم كله خارج تلك الغرفة، لتبدأ بينهما أخيرا مرحلة جديدة من حياتهما، مرحلة لم تين على الخوف أو الألم، بل على الحب والصبر والثقة التي انتظرها كلاهما طويلا.

بعد مرور عدة سنوات....

امتلات فيلا غريب بالحياة والضجيج والضحكات، حتى بدا المكان وكأنه يحتفل بالعائلة نفسها أكثر مما يحتفل بعيد ميلاد أصغر حفيداتها، ابنة أروى الثانية. كانت الأصوات تتداخل في كل زاوية، الأطفال يركضون في الممرات، والرجال يتبادلون الأحاديث في الخارج، بينما انشغلت النساء بتجهيز الطعام واستقبال الضيوف، لتتحول الفيلا بأكملها إلى مشهد دافئ يفيض بالألفة والمحبة التي تراكمت عبر السنوات.

وسط تلك الأجواء الصاخبة، اتفتح باب إحدى الغرف بعنف، وخرج فادي بملامح مشتعلة غضبا.

يركض خلف فريدة التي كانت تسبقه بخطوات وهي تضحك بانتصار واضح، كعادتها كلما

نجحت في استفزازه، كان يعرف جيدا أنها تفعل ذلك عمدا، وكانت تعرف هي أيضا أنه رغم

غضبه الدائم منها فإنه لا يستطيع تجاهلها ولو لدقيقة واحدة.

اندفعا إلى المطبخ، وفادي ما يزال يطاردها بعينيه الغاضبتين وهو يقول:

وربنا ما هسيبك يا فريدة، هعرفك أزاي تقفي مع شباب قصاد المدرسة."

اختبأت خلف أحد المقاعد وهي تضحك على انفعاله بطريقة زادت النار اشتعالا داخله، ثم قالت

بغيظ متعمد:

" وأنت مالك بيا دول أصحابي واقفه معاهم عادي، روح أنت خليك مع رنا يا بتاع رنا."

اشتدت عضلات فكه من شدة الغضب، وقال وهو يحاول السيطرة على أعصابه:

"قلتلك ما فيش ما بينا حاجة، أنتي اللي دماغك مهويه "

عقدت ذراعيها أمام صدرها، ورفعت ذقتها بعداد طفولي تعرف جيدا تأثيره عليه، ثم ردت بنفس

النبرة المستفزة التي كانت تتعمد استخدامها كلما أرادت إخراجه عن شعوره

" ودول برضه أصحابي، مافيش ما بيني وبينهم حاجة"

لم يحتمل أكثر من ذلك، فانطلق خلفها مجددا وهو يقول بغضب:

يا بنت ال طيب أنا راجل أعمل اللي أنا عايزة، إنما أنتي اكسرك رقبتك وربنا."

في الجهة الأخرى من المطبخ، كانت جواهر ورنيم وأروى يتابعن المشهد بالكامل، لم تتدخل أي واحدة منهن، فقد اعتدن على تلك المعارك اليومية التي أصبحت جزءا من حياة الجميع، بل إنهن

كن يجدن فيها قدرا لا بأس به من التسلية.

أسرعت فريدة لتختبئ . بدة لتختبئ خلف جواهر، وتمسكت بها وهي تقول:

"الحقيني يا خالتوا، أبنك أتجنن "

لكن فادي لم يتراجع، بل وقف أمامهما وهو يقول بجدية حقيقية هذه المرة:

"أنتي لسه مشوفتيش جنان يا فريدة، وربنا لو شفتك واقفه مع شباب تاني لكسرك رقبتك "

ثم استدار وغادر المطبخ غاضبا قبل أن يفقد ما تبقى من أعصابه.

وقفت فريدة مستقيمة وهي تزفر براحة، ثم ابتعدت عن جواهر وكأن شيئا لم يحدث.

أما رنيم فقد نظرت إليها بضيق حقيقي وقالت:

" وربنا عايزه كسر رقبتك يا فريدة، خرجتي عن شعوره حرام عليكي "

لكن فريدة لم تكن من النوع الذي يتأثر بالتوبيخ، بل بدأت تعدل ملابسها بثقة مبالغ . فيها وهي تقول:

"ولسه، وحياتك يا غاليه لا طلع عينيه بتاع رنا ده"

ضربتها جواهر بخفة على رأسها وقالت:

يا بت أمه واقفه قصادك، وبتسحلفي ليه؟"

وضعت فريدة يدها مكان الضربة وقالت متذمرة

" يا ست أنتي أبنك مش متربي، وعينه زايغه، وأنا وربنا هخليه يتوب عن صنف الحر الحريم خالص"

ضحکت اروى وهي تراقبها، ثم : قالت:

"بلاش أفتكري أني قلتلك بلاش ده دماغه زي أبوه مش بيتفاهم ابداً."

رفعت فريدة رأسها بفخر واضح وقالت:

عيب عليكي يا خالتوا، ده أنا فريدة شاهين الرواي، اللي هتخليه يتوب ويصلي كمان"

لكن كلماتها توقفت فجأة عندما شعرت بيد قوية تمسك بذراعها من الخلف.

تجمدت للحظة، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت دون أن تلتفت:

" هو صح ؟ "

أومات النساء الثلاث برؤوسهن في الوقت نفسه بينما ارتسمت على وجوههن ابتسامات شماتة واضحة.

استدارت فريدة ببطء لتجد فادي يقف خلفها مباشرة.

ابتسمت ابتسامة متوترة وقالت بسرعة

روح قلبي يا غالي ده أنا قلبي عليك، يرضيك الناس تقولي ابن خالتك قليل الأدب وفلاني وبتاع بنات؟ ابسلوتلي "

رفع أحد حاجبيه وقال باستغراب:

اب أيه يا أختي؟"

ابتسمت ببراءة مصطنعة وقالت:

"ايسلوتلي "

ضغط على شفتيه محاولا كنم غضبه وقال:

"ده أنا هنفخك "

فردت فورا

" ولما تنفخني واتخن مين هيبصلي ويتجوزني دلوقتي ؟"

نظر إليها لحظة طويلة، ثم قال بلا تفكير

"يا بنتي أنتي ناويه تجلطيني ؟ لا متقلقيش هنفخك وهتجوزك "

في اللحظة التي خرجت فيها الكلمات من فمه، شعر الجميع بالصدمة، حتى هو نفسه.

بخجل حاولت اخفاءه خلف المزاح

أما فريدة فاحمرت وجنتاها بصورة واضحة، وارتبكت لأول مرة منذ بداية المشادة، ثم قالت

"أيه الكسوف ده هو فيه حد يخبطها لحد كده على طول ؟"

دفعها بخفة أمامه وهو يقول:

"أمشي قدامي يا آخرة صبري"

ثم خرجا معا من المطبخ بينما ظلت نظرات الجميع تلاحقهما.

وما إن اختفيا حتى تبادلت النساء الثلاث النظرات قبل أن تنفجر ضحكاتهن في الوقت نفسه..

قالت جواهر وهي تحاول النقاط انفاسها:

الولا واقع في البت، وقالها هتجوزك قصادنا ولا كأننا واقفين."

ابتسمت أروى بسعادة وهي تستعيد المشهد في ذهنها، ثم قالت:

"الاثنين دول بيعبدوا قصتك أنتي وجوزك من ثاني بس الصراحه حبهم دمه أخف عنكم " تنهدت رنيم وهي تشعر بدفء غريب يجتاح قلبها. كانت تنظر إلى المستقبل الذي بدأ يتشكل أمام عينيها من جديد، وإلى جيل جديد يحمل المشاعر نفسها ولكن بأعباء أقل وندوب أقل من تلك التي حملها جيلهم.

تم قالت بصوت مفعم بالرضا

"أنا فرحانه أنهم اختاروا بعض حاسه أن قصتهم هتكون مختلفه عننا، حياتهم اهدا وأجمل عن اللي شفنا واحنا في سنهم "

هزت جواهر رأسها موافقة وقالت:

"ربنا يسعدهم، يلا يا بنات خالتوا ترنيم هتلاقوها فوق راسنا وهتدينا علقة بالعصاية بتاعتها."

تعالت ضحكاتهن مرة أخرى، ثم عدن إلى إعداد الطعام وسط أجواء مفعمة بالسعادة، بينما كانت الحياة تواصل دورانها حولهم، حاملة معها حكايات جديدة تشبه حكاياتهم القديمة، لكنها أكثر هدوءا وأقل وجفا.

بالمساء، اكتست الفيلا بأجواء دافئة يغلب عليها الفرح والامتنان، واجتمع الجميع حول الطاولة المستديرة الكبيرة التي امتلأت بأصناف الحلوى والمخبوزات والمشروبات، كانت الضحكات تتعالى من هنا وهناك، والأحاديث تتداخل في تناغم جميل، بينما تحرك الأطفال بين الكبار

بحيوية جعلت المكان أكثر دفنا وحياة.

جلست ترنيم إلى جوار غريب، وقد احتضن يدها بين كفيه المرتعشتين بفعل العمر الذي مر عليهما معا عاما بعد عام. كانت التجاعيد قد حضرت خطوطها الهادئة على وجهه، وأنقل الشيب رأسه، لكن شيئا من هيبته القديمة لم يتغير، وظلت ملامحه الرجولية محتفظة بذلك الوقار الذي طالما منح من حوله شعورا بالأمان، أما عيناه، فرغم ما حملتاه من سنوات طويلة وتجارب لا تحصى، ما زالنا تنظران إليها بنفس النظرة التي عرفتها منذ شبابها النظرة التي كانت تخبرها

دائما أنها موطنه الأخير وسكينته التي لا يجدها إلا بقربها.

التفت غريب إليها بعدما لاحظ شرودها، فوجدها تتأمل الجميع بعينين تلمعان بسعادة غامرة ممزوجة بشيء من التأثر. كانت عيناها تتنقلان بين أفراد العائلة وكأنها تستعرض رحلة عمر كاملة مرت أمامها في لحظات.

نظرت إلى جواد وجواهر الواقفين معا، وإلى جوارهما ولديهما فادي وفيرون فرأت فيهما امتدادا لحكاية بدأت منذ سنوات طويلة وما زالت تكتب فصولها حتى الآن. ثم انتقلت بنظرها إلى أروى التي كانت تقف إلى جوار أحمد، وقد أحاطت ابنتاهما لمار وميار بهما، فابتسمت وهي تتذكر الطريق الطويل الذي سلكته أروى حتى وصلت إلى تلك الطمأنينة التي تزين وجهها الآن. ومن هناك انتقلت عيناها إلى تامر، الذي كان يقف بجوار زوجته وأبنائه التوام، فضحكت في سرها وهي تتذكر كم كان يحلم بذلك البيت المليء بالأطفال والضجيج. ثم وقعت عيناها على شاهين ورنيم وعلى جوارهما إيما وميا وفريدة، بينما وقف رحيم قريبا منهما، فشعرت بقلبها يمتلئ بالرضا وهي ترى تلك العائلة التي تشكلت بعد كل ما مروا به من صعوبات وآلام. ولم تنس أن تنظر إلى سمية الجالسة على أحد المقاعد، وبجوارها مروان وزوجته وأطفاله. لتدرك أن الدائرة التي بدأت صغيرة منذ سنوات أصبحت اليوم عالمًا كاملا من البشر الذين يجمعهم الحب والانتماء.

امتلأت عيناها بالدموع دون أن تشعر، فالتفتت نحو غريب وقالت بصوت مرتجف من شدة التأثر:

عيلتنا كبرت يا غريب، ورغم كل اللي إحنا شفنا في حياتنا، قدرنا نحافظ عليهم واخدنا بإيديهم لبر الأمان"

نظر إليها غريب طويلا، ثم ربت على يدها بحنان بالغ وقال:

"ربنا يبارك لينا في عمرك لولاكي ما كان هيكون فيه عيلة ولا هكون عايش سعید لوقتنا ده یا

ترنيم، التي الزهرة اللي عطرتي حياتنا يعطرك المميز."

ارتجف قلبها لكلماته كما كان يحدث دائما مهما مرت السنوات، ثم مالت برأسها لتستند إلى صدره، وأغمضت عينيها للحظة طويلة، تاركة نفسها تنجرف مع سيل الذكريات.

وفي أعماقها، وبينما كانت تسمع ضحكات الأبناء والأحفاد من حولها، ظهر وجه لم تنسه يوما.

وجه ظل حاضرا في قلبها رغم غيابه الطويل، رفعت دعاء صامنا وهي تقول داخل نفسها:

ياريتك كنت موجود دلوقتي يا سلطان وشفت عيلتنا وهي بتكبر ربنا يرحمك يارب" كان الحنين يمر بقلبها كنسمة هادئة لا تسرق منها سعادتها، بل تضيف إليها عمقا خاضا، لأن بعض الأشخاص يرحلون عن الحياة، لكنهم يظلون جزءًا من كل لحظة جميلة نعيشها بعدهم. وفي تلك الأثناء ارتفعت أصوات الجميع بالنغمات المحببة لأعياد الميلاد، وتعالت الضحكات

والتصفيق بينما أطفئت الشموع وسط أجواء مليئة بالحب. تم التف الأبناء والأحفاد حول ترنيم و غريب، واقترب الجميع ليكونوا في إطار واحد، إطار يحمل سنوات من الكفاح والدموع

والانتصارات الصغيرة والكبيرة.

النقطت الصورة أخيرا، صورة بدت كاملة في أعين الجميع، مليئة بالوجوه التي أحبوها والقلوب التي اجتمعت حولهم، لتبقى ذكرى تنتقل عبر الأجيال القادمة، شاهدة على عائلة استطاعت أن

تنجو من العواصف وتصنع من الألم حياة.

ورغم اكتمال الصورة بكل من فيها، ظل هناك مكان صغير في قلب ترنيم وحدها تعرف أنه كان مخصصا لشخص غالب شخص لو حضر لاكتملت الفرحة أكثر لكنه بقي حاضرا بطريقته الخاصة، في الدعوات، وفي الذكريات، وفي الحب الذي لم يمت برحيله، "سلطان".

تمت بحمد الله 
تعليقات