رواية نارين بين الحب والوجع الفصل العاشر
في الطابق الأخير من مقر شركة "الرشيد للدعاية والإعلان"، كان الصمت يلف مكتب عاصم الرشيد الفاخر، لا يقطعه سوى صوت نقرات قلمه المنتظمة على سطح المكتب.
كان غارقًا حتى أذنيه في مراجعة الأوراق المكدسة أمامه؛ يتفحص تصاميم الحملة الإعلانية الجديدة لإحدى أكبر شركات التطوير العقاري في الشرق الأوسط، ويدقق في الميزانية المقترحة لتصوير الإعلان التلفزيوني القادم.
كان معروفًا بدقته الشديدة، فلا يمرر تصميمًا أو فكرة قبل أن تحمل بصمته الإبداعية الخاصة، ولا يوقع على أي مشروع إلا بعد أن يراجع أدق تفاصيله بنفسه.
قطع تركيزه رنين هاتفه الشخصي.
زفر بهدوء عندما وقع بصره على اسم المتصل، ثم ضغط زر الإجابة قائلًا بنبرة امتزجت فيها المحبة بالاستسلام:
"أهلًا يا أمي."
جاءه صوت نجاة هانم حاسمًا، لا يقبل النقاش:
"عاصم... مش هقبل أي أعذار النهارده.
لازم ترجع على الغدا، أنا عازمة خالتك مديحة وبنتها شاهندة، ولازم تكون موجود.
يا إما بجد هزعل منك، وأنت عارف زعلي."
أغمض عينيه لثوانٍ، بينما مرت يده على جبينه المتعب في محاولة لتهدئة الصداع الذي بدأ يزحف إلى رأسه.
كان يعلم جيدًا الهدف الحقيقي من تلك العزومة، لكنه في النهاية لم يكن يملك رفاهية كسر خاطر والدته أو تحمل غضبها.
قال مستسلمًا على مضض:
"حاضر يا أمي... هكون عندك في الميعاد."
بمجرد أن أنهى المكالمة، ألقى الهاتف فوق المكتب بنفاد صبر، ثم أسند ظهره إلى المقعد الجلدي وأدار كرسيه ببطء نحو الواجهة الزجاجية الضخمة المطلة على المدينة.
راقب السيارات التي تنساب أسفل المبنى، وتمتم بضيق:
"وبعدين بقى؟... برضه مش عايزين يسيبوني في حالي!"
لم يكد ينهي عبارته حتى دوى صوت الهاتف الداخلي.
ضغط الزر سريعًا.
"دكتور عاصم... دكتور يحيى بره وعايز يقابل حضرتك."
اعتدل في جلسته، وكأن تلك الزيارة انتشلته من دوامة أفكاره.
"خليه يدخل حالًا يا هدى."
بعد لحظات، انفتح الباب ودلف يحيى إلى المكتب بابتسامته الهادئة المعتادة.
نهض عاصم من خلف مكتبه، واتجه نحوه يصافحه بحرارة.
"أهلًا يا يحيى... جيت في وقتك فعلًا، الواحد محتاج يفصل من ضغط الشغل شوية."
ابتسم يحيى وهو يجلس على المقعد المقابل، ثم راح يتأمل ملامح صديقه بإمعان.
"إيه الحكاية يا عاصم؟ أنت عمرك ما اشتكيت من الشغل... مالك؟ فيك إيه؟"
تنهد عاصم بعمق، وأسند مرفقيه إلى سطح المكتب:
"هو فيه غير الحكاية إياها اللي قرفاني وتعبالي دماغي؟"
ابتسم يحيى ابتسامة العارف وهز رأسه:
"آه... فهمت. نجاة هانم.
ثم أضاف مازحًا
"بس عندها حق يا ابني... اتجوز بقى وريحها وريح نفسك.
رفع عاصم حاجبيه بضيق وقال:
"جواز إيه بس يا يحيى؟ هو أنا فاضي للكلام ده؟ أنت شايف بنفسك ضغط الوكالة والحملات اللي شغالين عليها."
نظر إليه يحيى بنظرة يغلب عليها العتاب:
"يعني هتفضل كده من غير جواز لحد إمتى؟! العمر بيجري، والشركة مش هتعوضك عن الاستقرار."
أغلق عاصم الملف الذي أمامه بحركة حاسمة، ثم قال:
"أكيد هتجوز... مش هفضل عازب طول حياتي، بس مش وقته خالص دلوقتي."
مرر كفيه على وجهه في إرهاق، ثم أكمل بنبرة ضيق واضحة:
"أنا مش متضايق من الزن بس... أنا متضايق من شاهندة بنت خالتي ومصايبها،تصور يا يحيى مفهمة كل الناس إنى خطيبها .
اتسعت عينا يحيى بدهشة وقال : للدرجة دى؟
هز عاصم رأسه بضيق وأكمل:
البنت مش قادرة تفهم إني مش طايقها، ومش عارف أبعدها عني إزاي! وأمي، الله يهديها، مصممة تلبسهالي وتجوزني ليها بأي طريقة .
رفع يحيى حاجبيه باستغراب:
"مالها يا ابني شاهندة؟ دي بنت ناس، ومناسبة جدًا ليك، ومن مستواك.
ارتسمت على شفتي عاصم ابتسامة ساخرة:
"مناسبة؟!مناسبة لإيه بالظبط؟ ده كل اللي في دماغها الفسح والشوبنج والمظاهر! تفتكر واحدة بعقليتها دي هتقدر تفهم طبيعة شغلي أو تستحمل ضغطي؟
ضحك يحيى بخفة وهز كتفيه:
"يا صاحبي... كل الستات كده، وحياتك ،
اسألني أنا... مجرب قبلك.
"لوّح عاصم بيده في الهواء معترضًا، وقال بنبرة امتزج فيها الضيق بالسخرية:
"ما هو عشان كده بالظبط أنا مش عايز أتجوز! أنا مش فاضي لوجع الدماغ ده كله، عندي شركة ومستقبل عايز أبنيهم، مش ناقص نكد ومطالب ملهاش آخر."
تلاشت ابتسامة يحيى، وحلّت محلها نظرة جادة، ثم قال بهدوء:
"بس أنت يا عاصم لازم تشوف حل. ماينفعش تفضل رابط البنت بيك وبأمل ملوش وجود. البنت بتكبر، ولو فضلت معلقها كده، هتشيل ذنبها في الآخر."
شعر عاصم بالاستفزاز، فاعتدل في جلسته وقال بنبرة حادة:
"يعني إيه يا يحيى؟ أتجوزها غصب عني عشان ترتاحوا كلكم، وأموت أنا مشلول؟"
رفع يحيى كفيه في هدوء، وقال:
"لا طبعًا، أنا مقولتش كده خالص.... سكت لحظة ثم أردف عارف يا عاصم... المشكلة الحقيقية مش في شاهندا ولا في غيرها، المشكلة فيك أنت. أنت اللي قافل قلبك، ورافض دخول أي ست في حياتك من الأساس. أدي لنفسك فرصة يا أخي، يمكن لما تعرفها بجد قرارك يتغير."
رمقه عاصم بنظرة حانقة، وقال ساخرًا:
"يا بني آدم... هو أنا بحكيلك وبفضفضلك عشان تقطمني وتلومني، ولا عشان تقف جنبي وتشوفلي حل في المصيبة دي؟"
انفجر يحيى ضاحكًا محاولًا تلطيف الأجواء، بينما زفر عاصم بقلة حيلة، ثم قال:
"ما علينا... قوللي بقى ، كنت جاي ليه ؟!
اتسعت عينا يحيى فجأة، وضرب بكفه على جبهته بحركة عفوية:
"تصدق... نسيت تمامًا من كتر الرغي!"
جزّ عاصم على أسنانه، وحدق فيه بغيظ شديد، ثم هتف بصوت ارتفع قليلًا:
"يحيى!!!!!!"
رفع يحيى يديه باستسلام وهو يضحك.
"خلاص خلاص... متتعصبش ،ثم اختفت ابتسامته تدريجيًا، وحلّ محلها وجه جاد تمامًا.
نظر إلى صديقه مباشرة، وقال:
"أنا... مسافر.
انعقد حاجبا عاصم ،وظل يحدق فيه لثوانٍ،وكأنه لم يستوعب ما سمعه.
ثم نهض من مقعده فجأة، واندفع خطوة إلى الأمام وقد ارتسمت الصدمة على وجهه:
"إيه؟! مسافر فين؟"
رد يحيى بهدوء وثبات:
"كندا."
ظل عاصم ينظر إليه بعدم تصديق، قبل أن يقول بنبرة امتزجت فيها الحيرة بالدهشة:
"هتسافر؟! طب والجامعة؟ والامتحانات اللي قربت دي هتعمل فيها إيه؟ أكيد الإدارة مش هتوافق تسيبهم في التوقيت ده."
ابتسم يحيى ابتسامة هادئة، وعدّل جلسته قبل أن يقول:
"وده بالظبط سبب وجودي هنا.
سكت لحظة، ثم تابع:
"جالي عقد عمل ممتاز جدًا في جامعة كندية كبيرة. دي فرصة عمري اللي كنت مستنيها من سنين عشان أطوّر أبحاثي الأكاديمية وأكمّل شغلي العلمي هناك.
طبيعي إدارة الجامعة هنا اعترضت في الأول بسبب توقيت الامتحانات، لكن بعد مناقشات طويلة وافقوا... بشرط واحد."
عقد عاصم حاجبيه وهو يتابعه باهتمام.ط
"إيه هو؟"
"إني أرشح دكتور منتدب من بره الجامعة يمسك المادة بدل مني لحد ما الامتحانات تخلص، وهم يوافقوا عليه بناءً على ترشيحي.
أشار عاصم إلى نفسه باستغراب، وقال:
"تمام... بس أنا مالي بكل ده؟"
ابتسم يحيى ابتسامة ذات مغزى، ثم قال وهو يثبت عينيه في عيني صديقه:
"ما هو... أنت الدكتور المنتدب ده يا عاصم."
تراجعت ملامح عاصم، وحلّت محلها نظرة حادة تنطق بالحسم.
رد دون أن يتردد:
"لا طبعًا... مش موافق."هزّ يحيى رأسه، ثم نهض من مقعده واتجه نحوه قائلًا بهدوء:
"اسمعني بس يا عاصم..."
قاطعه عاصم بحدة، مشيرًا بيده في الهواء:
"أسمع إيه؟ وأنا مالي أصلًا! ما يشوفوا أي دكتور تاني، الجامعة مليانة دكاترة ومستعدة تشيل المادة."
ابتسم يحيى ابتسامة خفيفة، وكأنه كان يتوقع هذا الرد:
"جامعة إيه اللي مليانة يا عاصم؟ أنت ناسي إن مادة (الاستراتيجيات المتقدمة للحملات الإعلانية) محدش بيديها في الكلية كلها غير أنا ودكتور محمود؟"
سكت لحظة، ثم أكمل:
"ودكتور محمود رفض تمامًا، لأن جدوله مليان على آخره، ده غير إن الجامعة نفسها التمست له العذر بسبب سنه وحالته الصحية. يعني، باختصار... مفيش قدامي غيرك."
هزّ عاصم رأسه برفض قاطع، ثم استدار واتجه نحو النافذة الزجاجية، وأعطى صديقه ظهره.
شبك ذراعيه أمام صدره وهو يحدق في الأفق، وقال بصوت حاسم:
"برضه... مش موافق يا يحيى. شيل الفكرة دي من دماغك خالص."
تنهد يحيى، ثم اقترب منه بهدوء حتى وقف إلى جواره، ووضع يده على كتفه في لفتة أخوية.
التفت إليه عاصم ببطء، بينما قال يحيى بصوت خافت امتزج بالرجاء:
"يا عاصم... دي فرصة عمري. فرصة استنيتها سنين، وممكن ماتتكررش تاني في حياتي الأكاديمية. يرضيك تضيع مني بسبب عنادك؟"
ظل عاصم صامتًا.
أبعد نظره عنه، وعاد يتأمل المدينة الممتدة خلف الزجاج.
شدّ على فكه في صمت، ثم أطلق زفرة طويلة، دون أن ينطق بحرف.
استغل يحيى لحظة التردد التي ارتسمت لأول مرة على وجه صديقه، فابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
"طيب... سيبك مني خالص، وفكر فيها بالعقل."
التفت إليه عاصم بنصف وجهه، دون أن يعلق
أكمل يحيى:
"أنت بقالك سنتين بتشتكي إن الخريجين الجداد اللي بييجوا يقدموا عندك في الشركة معندهمش أي احتكاك حقيقي بالسوق، وإنك بتقضي شهور تدربهم من الأول."
اقترب خطوة أخرى، وأردف بحماس:
"دلوقتي الفرصة جاتلك لحد عندك. أنت واخد نفس الدكتوراه، وبتدرّس نفس التخصص، وعندك خبرة عملية محدش يقدر ينافسك فيها."
سكت لحظة، ثم تابع:
"بدل ما تستنى المواهب لحد ما تتخرج، هتبقى أنت اللي بتشوفها وهي لسه في بدايتها. هتعرف مين المتميز، ومين يستحق يدخل حاضنة الأعمال، ومين يبقى مشروع قائد فريق في شركتك.
ظل عاصم صامتًا، لكن ملامحه لم تعد بنفس الصلابة.
أكمل يحيى، وقد شعر أن كلماته بدأت تجد طريقها إليه:
"وهتشرف بنفسك على مشاريع التخرج، وتتابع الطلاب العباقرة من أول الطريق، بدل ما تعتمد على تقارير الموظفين. ساعتها هتبقى شايف كل حاجة بعينك، وهتختار الناس اللي تناسبك بنفسك."
انعكس وجه عاصم على الزجاج أمامه، بينما راحت عيناه تتحركان ببطء، وكأنه يعيد ترتيب الأفكار في رأسه.
ابتسم يحيى في خبث، ثم قال وهو يعقد ذراعيه:
"وبعدين..."
انتظر حتى التفت إليه عاصم.
"...الست محاضرات دول هيبقوا أحسن حجة تهرب بيها من دوشة البيت."
ارتفع أحد حاجبي عاصم دون إرادة.
ابتسم يحيى ابتسامة المنتصر، وأكمل:
"كل ما نجاة هانم تحاول تدبسك في عزومة، أو شاهندة تحاول تقرب منك... تقول بكل بساطة: عندي محاضرات، وعندي طلبة، وعندي مستقبل أجيال!
هز عاصم رأسه بيأس وكأنه تخيل المشهد فعلاً.
رغمًا عنه، ارتسمت على شفتي عاصم ابتسامة خافتة سرعان ما أخفاها.
لاحظها يحيى، فعرف أنه أصاب الهدف.
فضرب الضربة الأخيرة:
"وبعدين يا سيدي... هما ست محاضرات بس اللي فاضلين في الترم. يومين في الأسبوع، ساعتين كل يوم. لا هيعطلوا شغلك، ولا هيأثروا على الشركة.
ساد الصمت للحظات.
ظل عاصم ينظر إلى انعكاسه في الزجاج، وكأنه يحاسب نفسه.
كان يكره الالتزامات الجديدة..
ويكره التدريس...
لكنه في الوقت نفسه كان يرى أمامه فرصة لن يحصل عليها بسهولة.
فرصة تساعد صديقه...
وتخدم شركته...
وتمنحه مخرجًا محترمًا من حصار والدته وشاهندا.
لمح يحيى التردد الذى ارتسم على وجه صديقه ،لكنه تعمد ألا يظهر أى فرحة ،،وكأنه يخشى أن يتراجع في اللحظة الأخيرة .
.أغمض عاصم عينيه لثانية، ثم استدار ببطء نحو يحيى.
نظر إليه طويلًا قبل أن يقول بنبرة مقتضبة:
"ماشي..."
توقف لحظة، ثم أكمل:
"موافق"
-----------------
في تمام الثانية ظهرًا، توقفت السيارة السوداء الفارهة أمام الفيلا.
ترجل عاصم من المقعد الخلفي بعدما فتح له السائق الباب، ثم تناول منه حقيبته الجلدية.
قال بهدوء:
"استناني... احتمال نرجع الشركة بعد الغدا."
أومأ السائق باحترام.
"تحت أمرك يا فندم."
أغلق السائق الباب بهدوء، بينما اتجه عاصم نحو مدخل الفيلا بخطوات ثابتة.
ما إن ولج إلى الردهة حتى استقبلته نجاة هانم بابتسامتها الهادئة.
اقترب منها، وانحنى قليلًا يقبّل رأسها.
ابتسمت وربتت على خده بحنان.
"الحمد لله إنك لحقت تيجي."
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: "هو أنا أقدر على زعلك برضو يا ست الكل "
نجاة :تسلم يا حبيبى
، ثم مالت نحوه قليلًا وهمست بصوت خافت:
"أنا تعبت عشان أجمعكم النهارده... وياريت اليوم يعدي على خير."
اكتفى بإيماءة بسيطة، ثم اتجه معها إلى غرفة الطعام.
كانت المائدة عامرة بأصناف الطعام، لكن دفء الطعام لم ينجح في إذابة برودة الأجواء.
جلست مديحة هانم بوجه متجهم، بينما جلست شاهندة إلى جوارها، وقد اختفت ابتسامتها المعتادة،وماإن دخل عاصم وقال:
مساء الخير ،حتى رفعت رأسها نحوه بعد تردد،وكأنها تحارب رغبتها فى تجاهله ،ثم قالت ببرود :
"أهلًا يا عاصم."
أومأ برأسه إيماءة مقتضبة.
"أهلًا."
ثم جلس في مكانه وبدأ الجميع يتناول الطعام وسط أحاديث متفرقة، لم تدم طويلًا قبل أن يخيم الصمت على المائدة.
وضعت نجاة هانم شوكتها جانبًا، ثم نظرت إلى ابنها قائلة بهدوء:
"عاصم..."
رفع عينيه إليها
"نعم يا أمي؟"
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:
"أنا عارفة إن لكل واحد منكم وجهة نظره... لكن يهمني إن محدش يخرج من بيتي وقلبه متغير من التاني."
ساد الصمت لثوانٍ، ثم أردفت برقة:
"ولو ليّا خاطر عندك... متزعلش بنت خالتك"
ظل عاصم صامتًا للحظة، ثم أمسك بالسكين وبدأ يقطع شريحة اللحم أمامه في هدوء.
وبينما عيناه مثبتتان على طبقه، قال بصوت خالٍ من أي انفعال:
"إذا كان أسلوبي في الكلام ضايقك... فأنا باعتذر."
تعلقت عينا شاهندة به، تنتظر أن يرفع رأسه...
أن ينظر إليها...
أن يبتسم..
لكنه لم يفعل.
ظل يتناول طعامه في هدوء، وكأن شيئًا لم يحدث.
ازدردت شاهندة ريقها بصعوبة، وقالت بخيبة واضحة:
"بس كده؟"
أجابها وهو ما يزال منشغلًا بطعامه:
"أيوه... بس كده."
تدخلت مديحة هانم بامتعاض:
"يعني البنت راحت تطمن عليك، يبقى جزاها إنها تخرج من مكتبك بالشكل ده؟"
رفع عاصم كوب الماء، ارتشف منه رشفة صغيرة، ثم وضعه مكانه قبل أن يجيب بهدوء:
"هي ما كانتش رايحة تطمن عليا يا طنط... هي دخلت مكتبي من غير استئذان، وأنا كنت في اجتماع شغل. ولو أي شخص عمل كده، سواء موظف أو عميل، كنت هتصرف بنفس الطريقة."
قالت مديحة بضيق:
"بس دي بنت خالتك."
أجاب بنفس الهدوء:
"وده السبب إني اكتفيت إني طلبت منها تخرج... غيرها كان هيتمنع من دخول الشركة."
احمر وجه شاهندة وقالت بصوت مخنوق:
"أنا كنت فاكرة إن ليا معزة عندك."
رفع عاصم منديله، ومسح شفتيه في هدوء، ثم قال دون أن تتغير نبرته:
"المعزة حاجة... والشغل حاجة تانية."
ثم عاد إلى طعامه وكأن الحديث انتهى.
هزت مديحة رأسها بضيق، ثم التفتت إلى نجاة هانم قائلة بعتاب:
"شايفة يا نجاة ابنك بيعامل البنت إزاي؟ حتى وهو بيعتذر... محسسها إنه بيأدي واجب!"
ابتسمت نجاة هانم ابتسامة هادئة، وقالت:
"احمدي ربنا يا مديحة إنه اعتذر. عاصم لما بيقتنع إنه صح، عمره ما بيعتذر... كفاية إنه عملها علشاني."
ساد الصمت للحظات.
أما شاهندة، فكانت تنظر إلى عاصم بانكسار، وقد فهمت أن اعتذاره لم يكن لها، بل استجابة لرغبة والدته ليس أكثر.
شعرت نجاة أن التوتر بدأ يهدأ، فابتسمت وهي تنظر إلى الجميع وقالت:
"يلا يا جماعة...كملو اكلكم قبل ما يبرد ."
وعادت الملاعق تتحرك فوق الأطباق، لكن الصمت الذي خيم على المائدة كان أبلغ من أي حديث.
------------------
**بعد يومين...**
داخل مكتب عميد كلية الإعلام، صافح العميد عاصم بحرارة، وقال بابتسامة امتنان:
"شكرًا جزيلًا يا دكتور عاصم. وجود حضرتك معانا إضافة حقيقية للجامعة."
اكتفى عاصم بابتسامة خفيفة، ثم قال بهدوء:
"العفو يا دكتور... وإن شاء الله أكون عند حسن ظنكم."
استأذن بعدها، وأغلق باب مكتب العميد خلفه، ثم اتجه بخطوات ثابتة عبر ممرات الكلية نحو المدرج الذي سيُلقي فيه أولى محاضراته.
---
في الممر المقابل، كانت لينا تمشي مسرعة وسط الزحام، وهاتفها ملتصق بأذنها، بينما تحاول شق طريقها بين الطلاب.
قالت:
"أنتِ فين يا بنتي؟ المحاضرة هتبدأ بعد دقيقتين!"
جاءها صوت سارة من الطرف الآخر:
"أنا طالعة السلم... دقيقة وهكون عند المدرج."
زفرت لينا بضيق وقالت:
"طب استعجلي."
في اللحظة نفسها، خرج عاصم من غرفة المكتب الجانبية يحمل حقيبته، وقد انشغل ذهنه بترتيب أولى محاضراته ومراجعة النقاط التي سيبدأ بها مع الطلاب.
وبينما هو يخرج ..
وفي اللحظة نفسها، كانت لينا تتقدم من الاتجاه المقابل، ما تزال منشغلة بالمكالمة.
لكن بعد فوات الأوان...
اصطدمت به بكل قوتها.
تطاير هاتفها من يدها، وارتطم بالأرض بعنف، ليتردد صوت تشقق الشاشة في أرجاء الممر.
انحنت بسرعة تلتقطه وهي تبرطم بضيق، بينما وقف عاصم مكانه للحظة.
مرت خصلات شعرها الأحمر الناري أمام عينيه في ثانية خاطفة، فتوقف بصره عليها لجزء من الثانية. لون غير مألوف وسط عشرات الوجوه التي اعتاد رؤيتها كل يوم.
لكن سرعان ما صرف انتباهه عنها، وعادت ملامحه إلى برودها المعتاد.
أما لينا، فما إن اعتدلت حتى نظرت إلى شاشة هاتفها المتحطمة، واتسعت عيناها بصدمة سرعان ما تحولت إلى غضب.
رفعت رأسها نحوه وهتفت بانفعال:
"مش تفتح يا كابتن أنت!
إيه الغشم ده؟
الشاشة اتكسرت خالص! أنا هسجل المحاضرة إزاي دلوقتي؟"
رفع عاصم أحد حاجبيه ببطء، ونظر إليها نظرة هادئة زادت غيظها، ثم قال بصوته الرخيم:
"كابتن؟!"
ثم أردف ببرود:
"أولًا... أنتِ اللي كنتِ ماشية بسرعة ومش باصة قدامك. ثانيًا... بدل ما تعتذري عن الخبطة، جاية تلوميني؟"
انعقد لسان لينا من شدة الصدمة.
هو لم يعتذر...
بل ألقى اللوم عليها بكل بساطة!
اشتعل وجهها غضبًا، بينما رمقها بنظرة قصيرة، ثم استدار وغادر المكان بخطوات هادئة، وكأن شيئًا لم يحدث.
ظلت تحدق في ظهره المبتعد بذهول.
لم تكن معتادة على أن يعاملها أحد بهذا القدر من البرود.
منذ دخلت الجامعة، اعتادت نظرات الإعجاب، ومحاولات الشباب لفتح أي حديث معها... أما هذا الرجل، فقد تصرف وكأنها مجرد طالبة اصطدمت به في ممر مزدحم.
ضمت هاتفها المحطم إلى صدرها، ثم زفرت بغيظ وتمتمت:
"يا أخي... ده أنت مغرور بطريقة مستفزة!"
أغلقت المكالمة، وعدلت حقيبتها على كتفها، ثم اتجهت بخطوات سريعة نحو المدرج.
وفي اللحظة نفسها.....
