رواية تدخل عائلي الفصل الفصل العاشر والاخير بقلم دنيا سعيد فوزي
_ روح أنتِ بتلغوشي على الوضع صح؟
مسحت وشها وفضلت تضغط على عينها وهي مدياني ضهرها في محاولة بائسة إنها تحفي أثر البُكا.
فضلت ساند على الحيطة ومنتظرها تخلص، وبصراحة مكنتش فاهم هي بتعمل إيه! أنا شوفت دموعها وانهيارها خلاص! رجعت تاني ترسم اللامبالاة والجمود المزيفين، ابتسمت إبتسامة جانبية وعيني فضلت تتابع حركاتها، كررت جملتها تاني وقالت وهي بتعدل السرير وكأنها بتعمل أي حاجة عشان متبصليش: إحنا لازم نمشي الليلة مينفعش نطول أكتر من كده، خلاص أنت بقيت كويس والدنيا ليل دا أنسب وقت نمشي فيه ومحدش هيلاحظ.
وقتها أدركت إننا كنا هربانين من ضرب نار! والمفروض حاجتنا كانت في الفندق!
بصتيلها فجأة وكنت لسه هروح أسألها، بس ذكائها سبقني خطوة وجاوبت على سؤال عقلي: قبل ما نتحرك من الأوتيل اتصلت بشركة ADM وطلبت أفراد أمن هم اللي دخلوا وساعدونا وقتها، ورنيت على هادي وخليته يدخل يصفي الأوض بتاعنا ونقل كل حاجة تخصنا عنده.
عقدت حواجبي بإستغراب وسألتها: مين هادي؟
بصت بطرف عينيها وقالت: زميلي هنا في ألمانيا.
كنت لسه هسألها أكتر عنه، يعني إيه زميلي!! وعلاقة الزمالة دي واصلة لحد فين بالظبط لدرجة إنها تأمنله أوي كده!! بس هي فتحت باب الأوضة وخرجت من غير ما تديني فرصة.
دخلت أخد شاور ساقع عشان أفوق وشيلت اللزق اللي كان على راسي وخرجت لقيت بدلة محطوطة على السرير، ندهت إسمها.
_ روح!!
لكن مكنش في أثر لوجودها، بدأت البس وجهزت نفسي ولسه بفتح الباب لقيت “جاك” صاحب البيت واقف قدامي، بصلي بإعجاب وقال: يا لك من وسيم يا رجل.
ابتسمت وقولتله: أُراهن أنك كنت أوسم بشبابك.
ضحك وقال بغرور: نعم، لهذا التفت إليّ هذه المرأة الجميلة.
شاورلي بإيده، فبصيت تجاه إيده لقيت مراتة واقفة مع “روح”، خرجت معاه وأنا بسأله: لو لم تكن وسيم لما حظيت بها؟!
عينه فضلت عليها وإحنا ماشيين وقال: إنها جميلة بالقدر الذي يجعلها تختار ما تشاء.
بصلي وقال: إنها تستحق…يُناسبها دومًا الأفضل، في كل شيء.
بصيت عليها لقيت جمالها في نظري عادي جدًا وقد يكون أقل من العادي كمان، ولكن الحُب محليها في عينه لدرجة إنه مش شايفة حد أحلى منها! بصيت جمبها لقيت “روح” بتضحك لأول مرة ضحكة أنثوية خلتني شكيت إن دي هي نفسها اللي قادرة توقف 10 رجالة على طراطيف صوابعهم من الخوف وهي برضو اللي كانت بتعلن انهيارها من شوية!
_ هي أيضًا جميلة…تليق بك.
بصيتله وابتسمت وأنا بسأل: حقًا!! أتليق بي هذه المجنونة؟
ضحك وخبط على ضهري وهو بيقول: لا مكان للعقلاء في الحُب، المجانين هم مَن يمنحون العلاقة نكهة وطعم مختلف، أتوقع أنك ما زلت تترد بإختيارك لها.
بصيتلها وسرحت وفجأة افتكرت كل حاجة! من أول ما رميت تقل راسي على كتفها لحد ما جينا هنا وبدأت تضمد جرح راسي وتعملي كمدات، افتكرت كمان إني بدأت أخرف وأنطق إسمها، قد إيه كانت دافية وحنينة! بصيت عليها تاني لقيتها بترجع براسها وبتضحك من قلبها، شوفتها بعيون جديدة و “روح” جديدة.
_ مَن يراك هكذا يقول أنك تقع بحبها للمرة الأولى!
ابتسمت وقولت بدون إرادة: نعم، أنا هكذا بالفعل…إنها المرة الأولى التي أشعر بها وكأن روحًا ألفت روحي.
جاوبني ببساطة وقال: إذن، حافظ على هذا الشعور…هو يأتي بالعُمر مرة.
سألته بإستغراب: حقًا!!
جاوبني بتأكيد وثقة: بالطبع، مثل هذه الفتاة لا تغامر بفقدانها، لقد كانت قلقة بشأنك وكأنها ترعى جزء منها.
حركت راسي بالموافقة وبصيت عليها لقيت جالها مكالمة وبدأ تتحرك بعيد برا الجنينة، استأذنت منه ومشيت وراها فسمعتها بتقول: كل حاجة لازم تكون جاهزة يا هادي، الغلطة بنهايتي أنا وسيف.
حسيت إني بعيد وبرا الدايرة خالص ودا كان شعور خانقني، فقررت أتدخل: روح!
بصت وراها لقتني واقف على ملامحي كذا علامة استفهام، فقالت وهي بتبص في عيوني وكأنها قاصدة تستفزني: ماشي يا هادي هستناك.
قفلت معاه ولسه عيونها جوا عيوني، فسألتها: ممكن أفهم إيه اللي بيحصل لو مش هضايق حضرتك؟
رفعت أكتافها وقالت ببساطة: مفيش، بحاول أتواصل مع هادي يخرجنا من هنا بأقل خساير ممكنة.
جاوبتها بإنفعال: مش دورك.
قربت مني وحطت إيديها على راسي وسألتني: جرحك لم؟
كنت لسه هنفعل، لقيتها بتقولي بهدوء وثبات وهي واقفة قدامي بإنش صغير: أنا معاك، مين أنقذ مين ولا مين اللي بيحاول يخرّج مين، مش هتفرق، المهم إننا نخرج من هنا سوا، أنا عارفة إنك لو كنت قادر تقف على رجليك بعد اللي حصل كنت هتخرّجنا منها سالمين وعلى خير.
حسيت إنها طفت ناري، أنا…هديت! كل العصبية والإنفعال اللي كانوا جوايا اتبخروا، ثبات نبرتها حسسني إني رسيت على بر ، بعد ما كنت هتكفي على وشي.
سألتها وأنا بحاول مستجبش للشعور اللذيذ اللي صابني دا: والفون بتاعي؟
جاوبتني بتأكيد وثقة: كل حاجتنا معاه، هو خمس دقايق ويوصل وبعدها هنبدأ نتحرك.
سألتها تاني بشك: واثقة فيه أوي يعني؟
حركت راسها بتأكيد بدون كلمة زيادة، بصيتلها كتير وأنا بحاول أفهمها، أوقات بيضايقني غموضها وصمتها لحد ما بكتشف إن الإنسان بيكشف نفسه وورقه كله للشخص المُناسب، فسألتها بدون تفكير: روح أنتِ ممكن تدخلي شخص حياتك بشكل رسمي؟
ابتسمت وقالت: والله لو مكنتش اتولدت في عيلة الهاشمي كان ممكن أعملها، بس أنا مربوطة بعادات وتقاليد يعني مُجبرة مش مُخيرة خالص.
ضحكت بصوت عالي ومقدرتش اتحكم في نفسي ففضلت أضحك وأنا بضرب كف في كف.
سألتني بإستغراب: ممكن أفهم بتضحك على إيه بالظبط!
قولتها في عز ضحكي: أنتِ مُجبرة! أنتم كبنات عيلة الهاشمي عمومًا مجبرين!! أومال إحنا نعمل إيه! دا كان ناقص جدي يطفي سجاير تحت باطنا.
ضحكت وراحت قعدت على كرسي الجنينة اللي كان قدامنا وهي بتقول: الإختيارات لما تبقى محدودة ميبقاش إسمها حرية، اللي بيعمل كده بيحاول بس يقلل الشعور بالذنب، بيخدر ضميره مش أكتر عشان يعرف ينام لما يحط راسه على المخدة.
روحت قعدت معاها وأنا بسألها: ومين الاختيار اللي كنتِ شايفة إنه ممكن يناسبك؟
بصتلي لوهلة دقايق وكانت لسه هتتكلم، لكن صوت ضرب النار قطعها، قومنا فجأة وبصينا حوالينا، سألتها بسرعة: معاكِ سلاح؟
حركت راسها بالنفي، فسحبتها من إيديها وبدأنا نجري، مكنتش عارف إحنا بنروح فين ولا حتى بنجري من مين وإيه المكان اللي إحنا بندخل فيه دا…بس كنا سوا، فضلنا نجري لحد ما قابلتنا حيطة سد فضلنا نلف حوالين بعض، وكل حد فينا بيحاول يلاقي مهرب.
انحنت ومسكت ركبتها وهي بتنهج: وبعدين!! خلاص كده!
مسكت راسي وأنا بضغط عليها، لفيت حوالين نفسي لكن مفيش أمل!
فقولت وأنا بحاول ألاقي أي مخرج: أكيد في حل، أكيد مش دي النهاية يعني!!!
سمعنا صوت خطوات بيقرب أكتر، سحبت دراعها ف اترمت عليا ووقعنا في زاوية بعيدة، لكن لو حد قرب ودور هيقدر يشوفنا.
كانت لسه هتعترض، قولتلها وأنا بكتم نفسها: هششش مش وقته خالص، إحنا على تكة وهنموت، اتشاهدي بقا وأسكتي.
فضلت أحاول أشوف بطرف عيني أي حاجة، بس للأسف الرؤية كانت معدومة بسبب الضلمة، رجعت تاني بصيت عليها لقيتها بصالي، سألتها بهمس: في إيه؟
كانت لسه هتجاوبني بس سمعنا صوت سلاح بيتعمر، الصمت حل علينا وتقريبًا حتى صوت نفسنا بدأ يبقى محسوب، مش فاهم إزاي كل حاجة اتقلبت فجأة كده! معقول كده خلاص!
“روح” مسكت البدلة بتاعي جامد وكأنها كده بتحاول تتماسك وبتستمد مني الدعم، كنت حاسس إنها عايزة تقول حاجة أو تعترف بشيء معين، فقولتلها بسخافتي اللي كالعادة في غير محلها: متفكريش كتير، إحنا فاضلنا ثواني ولو اتمسكنا هنتصفى سوا، صدقيني مفيش وقت ومفيش مجال للندم بعدين لإن أصلًا مش هيكون في بعدين.
كنت بشجعها تتكلم بطريقة تكاد تخلي روحها تطلع قبل أوانها أصلًا، فحركت راسي بالموافقة وقولتلها: سامعك.
غمضت عيونها وأخدت نفس عميق زي اللي بيجاهد نفسه على قرار ممكن يندم عليه في أي وقت تاني غير الوقت اللي إحنا فيه دا.
فتحت عينيها وسكتت شوية وبعدها قالت ببطئ وهمس ممزوجة بأنفاسها السريعة: الإختيار…اللي…اللي كان هيناسبني هو….هو أنت يا سيف.
كنت بحاول أشوف فاضلنا وقت قد إيه بإني أحاول أبص أشوف أي حاجة برا الجحر اللي إحنا فيه دا، لكن جملتها ثبتت عيوني في الفراغ، بصيتلها تاني وأنا مصدوم من اللي سمعته! “روح” بذات نفسها اعترفت وقررت تتكلم عن مشاعرها!يمكن عشان ضامنة إن ممكن حياتنا تنتهي هنا، بس مش مهم، المهم إنها كانت بتتحامى فيا، كانت ماسكة فيا بتستمد مني الأمان، في اللحظة دي كانت هي البنت اللي أقصدها لما اتجمعت بالشباب، افتكرت جملتي وقتها وأنا بقول: ” يجماعة ما هي دي طبيعة الأنثى ودا الطبيعي أصلًا، إنها تكون ضعيفة وهي جمبك، عشان تبقى أنت مصدر الحماية وملجأ الأمان ليها”
صوت السلاح كان خلاص على بُعد إنش واحد مننا، بصينا أنا وهي في نفس الوقت، بس المفاجأة كانت.
: مُراد!!!!!!
قولناها أنا وهي سوا بصدمة وإذبهال! فلعب بالسلاح اللي كان رافعه في وشنا وقال: مفاجأة مش كده؟!
رفع إيديه وقال: خلاص يا رجالة لقيتهم.
_____________________
_ حجاب يا عُمر؟
= ماله يا دُنيا؟ جربي إحنا في المحل أهو وشوفي إيه اللي يناسبك.
كانت واقفة مترددة، عارفة إنها خطوة كبيرة ومش سهلة أبدًا على واحدة عُمر ما حد وجهها صح.
مسكت أكتافها ووقفت قدامها، حاولت يكون صوتي أعلى من أصوات دماغها فقولت: صدقيني أنا عايز أبدأ أنا وأنتِ كل حاجة صح، عايز أبدأ معاكِ ونساعد ونسند بعض في الخير يا دُنيا.
حسيتها بدأت تلين فكملت: أنتِ كده كده أغلب لبسك مش مكشوف ومش صعب على الحجاب، وهناخدها خطوة خطوة سوا لحد ما ربنا يعينا ويرضى عننا، وحطي في دماغك إنك بتعملي كده عشان ترضي ربنا مش عشاني ولا عشان أي مخلوق على وجه الأرض.
الحيرة صابت عيونها البريئة، فقولتلها ببساطة: جربي؟
سألتني بتردد: تفتكر هكون قدها؟
حركت راسي بثقة وتأكيد: أنا في ضهرك، جربيني كده لما تقعي أو تنحني وشوفي هعمل إيه.
ابتسمت وقالت: كنت معايا يا عُمر ومقصرتش، من أول ما وقفت في وش عمران عشاني لحد ما فوقتني من لحظة كان ممكن بعدها أتجنن للأبد، لما لقيت أمي رجعت لعمران تاني.
كانت هتبدأ تسرح ولمسة الحزن هتمر على عيونها، بس قاطعتها وقولت: ولسه في مواقف كتير هتمر علينا وهتلاقيني ثابت على موقفي، بصراحة مش عايز أتكلم كتير عشان مبانش إني عايز أمدح في نفسي قدامك، ويعني بيقولوا إن اللي بيقول مبيعملش، واللي بيعمل مبيقولش.
قالت بهدوء: أتكلم.
سألتها وأنا بحاول أتأكد: عايزاني أتكلم يا دُنيا بجد؟
حركت راسها بالموافقة وقالت: أنت عارف إن قلب البنت في ودانها؟
ضحكت وسألتها بعدم فهم: يعني إيه؟
بصت لضحكتي بضيق مصطنع لكنه كان لذيذ في نظري وبعدها قالت: يعني إحنا أكيد أكيد بنحب الفعل، لإن مفيش بشري بيتغذى على الكلام بس، لكن بنميل وبنحب كمان نسمع، نسمع قد إيه الشخص اللي معانا بيحبنا، قد إيه ميقدرش يعيش من غيرنا، قد إيه وجودنا فارق معاه، ولأي مدى بالظبط قادر إنه يحافظ على وجودنا في حياته.
كانت بتتكلم وطاقتها كلها حاضرة، بتشاور بإيديها وتشرحلي، وأنا كنت واقف مبتسم مستمع، بحاول أسأل نفسي، إزاي كائن صغير بالنسبالي كده وضافلي دُنيا بحالها لدرجة إني اتجردت من قسوتي وجمودي وبقيت شخص جديد بحياة جديدة!
حركت راسي بالموافقة وقولت أمشي معاها في الكلام: يعني كده النسبة كام كام؟
جاوبتني بجدية وكأنه موضوع يستحق فعلًا الأهمية: 60, 40.
ابتسمت وقولتلها: عيني حاضر.
قالتلي بإعتراض ومشاكسة: عين واحدة بس! والتانية سايبها لمين يا أستاذ أنت!!!
قولتلها بدون مقدمات: لبنتا.
الإبتسامة على وشها بدأت تقل بالتدريج، والحَمار بدأ ياخد خدودها مرسى، فغيرت الموضوع عشان محرجهاش أكتر وقولت: يلا عشان نلحق نشتري اللبس قبل ما المحلات تقفل.
بدأنا نختار لبس سوا من كذا محل، بدأت تختار ليا استايل اللبس كله، كنت حرفيًا بتجرد من “عُمر” الشاب الصعيدي، لـ “عُمر” المُعاصر أو بمعنى أصح جوز “دُنيا” البنت الصغيرة الشقية.
كنت قاعد على الكرسي مستنيها لقيتها جت وهي ماسكة كام طقم في إيديها وبتحطهم عليا تشوف هتليق عليا ولا لأ.
_ عُمر أنزل كده شوية.
بصيت للون التي شيرت اللي هي مسكاه وسألتها: دا لون إيه دا يا دُنيا معلش!
قالتلي ببساطة: بيبي بينك.
_ نعم يختي! بيبي إيه!!!
= بيبي بينك يا عُمر.
_ وعُمر بيعمل إيه وسط البيبي والبينك!
= على فكرة دا لون شبابي.
_ بلا شبابي بلا شبابك اتفضلي يا دُنيا رجعيه مكانه.
= يا عُ…
_ اتفضلي بقولك رجعيه.
بصتلي بغيظ فرفعتلها حاجبي، وفضلنا على الوضع دا لكام ثانية لحد ما استسلمت ومشيت، ضربت كف في كف وأنا بقول: عُمر الهاشمي يلبس بيبي بينك! دا أنا اتطخ عيارين أرحملي.
رجعت تاني وهي ماسكة لون كان مقبول شوية في نظري عن التاني لحد ما سألتها عن إسمه: دا لون إيه؟
بصت للتي شيرت بإنشكاح وقالت: بيبي بلو.
_ لا إله إلا الله! يحبيبتي ما ألوان الناس الكبيرة حوالين أهيه، عندك كحلي وبني وأسود وألوان أمة لا إله إلا الله موجودة ماشاء الله.
ضيقت عيونها وقالت بضيق: مش عايز بيبهات يعني!
جاوبتها بمراوغة: عايز، بس منك.
عدلت وقفتها وقالت: أنا قصدي في اللبس يا سخيف.
ابتسمت وقولتلها: وأنا قصدي فـ….
كنت لسه هكمل، لقيت واحدة جت قاطعتنا وهي بتعرض المساعدة: أساعدكم في حاجة يا فندم؟
رجعت تاني رسمت الجدية على ملامحي، لقيتها مسكت التي شيرت من إيد “دُنيا” وقالت وهي بتبصلي: معتقدش دا هيليق عليك، ممكن أختارلك حاجة من القسم التاني.
كنت واقف ثابت متهزش فيا شعرة بس كنت شامم ريحة شياط بصيت بطرف عيني وعرفت المصدر كانت “دُنيا”، سحبت منها التي شيرت وقالتلها: أنا أعتقد دا أولًا، بالنسبة لثانيًا بقا ونيجي لأهم حاجة…أنتِ مال أهلك؟
منكرش إني اتخضيت! بس كنت مستمتع وأنا شايفها غيرانة عليا، انفلتت ابتسامة جانبية من بين شفايفي وفضلت واقف مكاني سايبلها الساحة.
البنت قالتلها بنبرة فيها غضب: أفندم!!!
“دُنيا” جت وقفت قدامي بيني وبينها وقالت: زي ما سمعتي، اللي واقف قدامك دا جوزي، يعني يخصني أنا، وأنا اللي أقول إيه اللي يليق عليه وإيه اللي لأ…فهمتي؟
كانت لسه هترفع عينيها ليا وكأنها إشارة إني أتدخل، “دُنيا” مسكت وشها وقالتلها بنبرة عالية: بصيلي أنا، راحة فين!!!
حسيت إن إحنا هنعمل قلق من لا شيء، فحطيت إيدي على كتف “دُنيا” وضغطت عليه وأنا بحاول أهديها: دُنيا.
بصتلي بعيون صابها لهيب الغضب والغيرة وهي بتقول: بس أنت…والتي شيرت دا هناخده.
سحبته من إيد البنت وبعدها قالت بإنفعال أكبر: وهناخد البيبي بينك كمان يا عُمر.
كنت عايز أضحك على هيئتها تشبه الطمطماية، وطريقة تعبيرها عن الغيرة اللي جواها كنت مستمتع وأنا شايفها، لكن اتحكمت في ابتسامتي وقولت بهدوء: تمام مفيش مشكلة.
خرجنا من المحل، أنا كنت في قمة برودي وهي كانت شعلة متحركة، أول ما ركبنا العربية، اتخليت عن القناع المزيف اللي كنت راسمه وبدأت أضحك، ضربتني في كتفي وقالت: عُمر متبقاش مستفز!!!
بصيتلها وقولت وأنا مكمل ضحك: يا قادرة مسكتي البنت جوا غسيل ومكوى وفي الأخر أنتِ اللي متضايقة!
ضربتني في كتفي تاني وقالت بضيق: البنت كانت عينيها عليك يا عُمر متستهبلش.
_ وإيه المشكلة!
= إنك تخصني مثلًا!! وإن مينفعش طرف تالت يحاول يقول رأيه في أي حاجة تخصنا ما بالك ببنت بقا! لا ودي كمان راحة تقولك يليق عليك إيه وأنا أباجورة!
كانت بتتكلم بسرعة وانفعال واضح على وشها، ورجعت بصت قدامها وهي بتضم إيديها بضيق بسبب هدوئي.
حركت راسي بالنفي وقولتلها: لا يحبيبتي أنتِ الخير والبركة.
بصتلي بصدمة وقالت: الخير وبركة دي تبقى جدتك يا عُمر.
كتمت ضحكتي عشان متتعصبش أكتر وقولت: وليه قلة الأدب دي بقا!!
جاوبتني بنفس درجة الإنفعال: قلة الأدب في عينك، أنا خير وبركة! أنت بتعك على فكرة.
قولتلها بتبرير: والله فهموني إن دي حاجة كويسة!
حاولت أهديها فقولت: وبعدين خدي هنا، بقولك إيه المشكلة تقوليلي إني أخصك! دي مشكلة؟
_ أنت أكبر مشكلة في حياتي يا عُمر.
= ولا كأني سمعت حاجة، المهم إني حاجة كبيرة في حياتك وخلاص، بالنسبة لنوع الحاجة فدي شكليات مش هنبص ليها.
ضحكت وندهت إسمي: عُمر.
استجبت لندائها وأنا بتحرك بالعربية: نعم يا دُنيا.
بصتلي وقالت بإبتسامة: أنا شكلي هحبك بجد.
ضحكت وقولتلها: لا حول ولا قوة إلا بالله، كتر خيرك يا حبيبتي والله.
_ إحنا هنروح فين؟
= هنروح نجيبلك لبس ليكِ ونشوف الحجاب.
بصيت من المرايا أشوف رد فعلها، لقيتها هادية فدعيت تفضل كده لحد ما ناخد الخطوة.
__________________
_ يونس أصحى، يونس قوم بسرعة يا يونس.
صحيت مفزوع كالعادة بس المرادي على صوت ناعم! بصيت حواليا ملقتش حد! لقيتها بتخبط على ضهري الناحية، لفيت الناحية التانية لقيت واحدة جميلة قدامي ودموعها مغرقة وشها!
سألتها وأنا لسه بحاول أستوعب: أنتِ مين؟
قالتلي ما بين بُكاها: أنا نسمة مراتك.
بصيتلها بإستغراب وأنا بحاول أفهم هي بتقول إيه أصلًا! وبعدها حاولت أفتكر أنا اتجوزت أمتى! فسألتها تاني: مراتي مين! وبتعيطي ليه؟
بُكاها زاد أكتر وقالت: جدي يا يونس، جدي طالبنا كلنا في السرايا…بيقولوا تعبان أوي وحالته ميؤوس منها.
الدم ضرب في نفوخي، فقومت بسرعة وسألتها بصوت عالي: بتقولي إيه!!!
حركت رأسها ودموعها مغرقة وشها وكأنها كده بتأكدلي اللي سمعته، فتحت دولابي وأخدت منه أي حاجة، مكنتش شايف قدامي غير صورة جدي، “داغر الهاشمي” تعبان! “داغر الهاشمي” بذات نفسه ضِعف وسنه خانه!!!
عيوني خانتني لمجرد إني ممكن أخسره! سَند عيلة كاملة ممكن يقع! مسحت دموعي عشان متشوفهاش، ولبست بسرعة وأخدتها ونزلنا، ركبنا العربية، طول الطريق كنت سامع “نسمة” بتدعيله، وأوقات كنت بسرح وبسوق بسرعة، فتيجي إيديها تضغط على إيدي في محاولة إنها تهديني وتحاول تفوقني من تاني، فارجع أمسح وشي وأركز من تاني.
الطريق طويل في الوقت العادي، لكن المرادي كنت حاسس إني طاير مش بسوق! كش عارف وصلت إزاي ولا جيت أمتى! ولكن وصلت، ولسه بفتح باب العربية وهنزل، وقفت مكاني لما لقيت عربياتهم كلهم موجودة!…مش قادرة حتى أعرض الفكرة على دماغي وأتخيل إيه اللي بيحصل جوا!
_ يلا يا يونس.
جملة قالتها “نسمة” تبان سهلة أوي، لكن صعبة عليا أوي! يلا فين؟ وإحنا بنعمل إيه هنا؟ افتكرت أخر مرة اتجمعت معاه لقيتني كنتُ قاسي وعاصي، ضغط على عيني يمكن أكون بحلم، بس شيلت إيدي لقيت الضباب صاب عيني ومع ذلك أنا لسه مكاني.
دخلت السرايا مع “نسمة” اللي صوت عياطها كان بيأكدلي إحساسي اللي كنت بجاهد نفسي عشان أدفنه بعيد عن تفكيري بس مفيش مهرب من القدر والواقع!
أول ما دخلت لقيتهم كلهم متجمعين والحزن مشاركهم المكان! “عُمر” كان جامد ملامحه كانت جامدة حتى عيونه مكنتش بترمش، زي اللي خايف لحظة تفوته ما بين ثانية والتانية بيجز على سنانه تقريبًا كان بيمنع نفسه إنه يضعف بالطريقة دي، بصيت الناحية التانية لقيت “مراد” عينه ملتهبة أثر دفن دموعه وبتطلع شرارة بس مع ذلك جسمه ثابت وانفاسه بتحارب الوقت وتعلا أكتر، بصيت تاني لقيت “سيف” في أثر ضرب في وشه وعمال يفرك إيديه في بعض من الخوف، أما بالنسبة لـ “نوح” فكان مغطي وشه كله بإيديه وكأنه مش عايز يشاركنا ضعفه، والحريم متجمعين في الأوضة جوا وصوت عياطهم واصل لهنا.
_ جدي فين؟
سألتهم بنبرة مهزوزة وأنا خايف من الجواب، كلهم بصولي بضعف، ضعف مكنش حد يقدر يظهره في عيونهم غير “داغر الهاشمي” بنفسه، وفعلًا قدر وعملها! أساس العيلة بيتهد فوق دماغها.
جاوبني “نوح” وهو على نفس وضعه بنبرة مفيهاش روح: فوق في الأوضة مع الدكتور.
سألتهم بإنفعال على وشك البُكا: وأنتم سايبينه لوحده ليه؟؟ وإيه اللي حصله!
الدكتور نزل من فوق ومعاه مجموعة من التمريض، كلنا روحنا عليه فجأة، فقال بأسف: والله إحنا حاولنا، بس الأمل ضعيف وهو مش راضي يساعدنا ويروح المستشفى نهائي…هو طالب يشوف عُمر.
محدش كان مركز مع التاني ولكن أقسم إن التوازن بتاعنا كلنا أختل بعد جملة “الأمل ضعيف”، “مراد” ضغط على كتف “عُمر” وقاله بعيون دموعها فاض من كتر الضغط: أقنعه يا عُمر…قوله إن مينفعش نخسره، قوله إن إحنا لسه محتاجينه، إحنا مكبرناش زي ما هو شايف ومتخيل…لأ، لسه عايزينه.
عيوننا بدأت تفيض، وكل واحد بدأ يبعد وشه عن التاني عشان محدش فينا يشوف ضعف التاني.
_ شكرًا يا دكتور على مجهودك أكيد، أنا طالعله.
بصلي وقال بإرهاق: وصله يا يونس.
_______________________
كنت بطلع سلّمه وأبقى عايز أنزل ضِعفها، مش عايز أشوفه ضعيف، مستحرم أشوف “داغر الهاشمي” الإسم اللي كان بيخوف الكبير قبل الصغير، نايم في السرير لا حول ليه ولا قوة، مش عايز أضيع الصور اللي ليه في خيالي وبستمد منها القوة أختمها بضَعفه في النهاية!
وقفت قدام الأوضة وغصب عني بكيت قبل ما أدخل، كنت زي العيل الصغير “عُمر” رجع العيل الصغير اللي كان بيعيط على موت أبوه وأمه تاني في نفس المكان بس المرادي هو بقى راجل كبير ولكن الشعور مختلفش! بالعكس، دا بيتكرر تاني وبيتضاعف أكتر قدام عيونه!
مسحت دموعي وحاولت أتنفس قبل ما أدخل أشوفه، وبعدها فتحت الباب ودخلت، وأول ما دخلت، حاولت أدور على جدي ملقتوش! بصيت في الأرض عشان معيطش قدامه.
_ تعال يا عُمر…تعال أقعد متقفش كده.
حتى صوته ضعيف! غمضت عيوني وضغطت عليها في محاولة ضعيفة إني أمنع دموعي.
قعدت على الكرسي وقولتله بنبرة حاولت أخليها خالية من أثر البُكا والضعف: ليه مش عايز تروح المستشفى.
ضحك ضحكات ضعيفة وقال: بيتي وفرشتي أولى بجسمي وروحي.
مسكت إيده وقولتله برجاء: عشان خاطري، قوم نروح المستشفى، قوم نلحقك…أنت مش عايز تربي عيالي زي ما ربتني؟
دموعي كانت بتنزل غصب عني وأنا بتكلم، فطبطب على وشي بضعف وقال: دُنيا، أمانة في رقبتك ليوم الدين، أوعى تخذلني يا عُمر..دي وصيتي ليك يا عُمر.
سمعت كلمة “وصيتي” وحسيت إن قلبي هيطلع من بين ضلوعي، حركت راسي بالنفي وبكيت بصوت وقولتله وأنا بحاول أجمع كلامي: لا…لا يا جدي، هتبقى…هتبقى كويس…وصية إيه بس.
مكنش سامعني كان في ملكوت تاني، ابتسم وقال: كنت راجل قد كلمتك طول عمرك، استحملت واتحملت فوق طاقتك كتير يا حبيبي….هتفضل كبيرهم بعدي، كلمتك اللي هتمشي على الكل في غيابي، كل أسبوع تعمل يوم وتجمعهم فيه يا عُمر هنا.
حَنيت راسي وبوست إيده وطولت وأنا ببكي، كنت ماسك إيده بحاول أشبع منه على قد ما أقدر، مش قادر أتخيل غيابه! عيلة الهاشمي ملهاش قيمة من غيره!
_ عُمر.
رفعت راسي ليه وقولتله بصوت مخنوق: نعم؟
_ عايز دُنيا.
حركت راسي بالموافقة وقولتله وأنا بمسح عيوني: حاضر.
قومت وقفت وكنت لسه هروح افتح الباب، جريت عليه تاني ومسكت راسه بوستها وأنا بحاول أتماسك وقولت وأنا بعيط: هتوحشني…هتوحشني أوي.
____________________
_ بس أنا ملحقتش أشبع منك يا جدو!
قولتها وأنا واقفة بعيد وشايفة جسمه مرخي ومستسلم قدامي، ميل راسه كان في شبه ابتسامة مرسومة على وشه وهو بيقول: قربي يا دُنيا…قربي يا حبيبتي.
عيطت أكتر، حتى وهو بيودعني كان حنين، وجريت عليه وأنا بقوله: ليه مش عايز تقعد معايا؟ أنت عارف إن مليش حد، عارف إن أنا جيت هنا وأنا وحيدة ومكسورة، ليه تكمل عليا؟
مسح على راسي وقال: عُمر مش هيسيبك، ضهرك مسنود…لا عاش ولا كان اللي يحنيه في وجود جوزك.
العياط خنقني حسيت إن في رباط عمال يتشد حوالين رقبتي، فقولتله وأنا بحاول أخد نفسي: بس أنا عايزاك أنت.
طبطب عليا وقال: عُمري خلص وأنقضى وأنا راضي…قوليلي أنتِ مسمحاني؟
دفنت راسي في اللحاف اللي كان على السرير وفضلت أعيط، إزاي بعد ما دوري جه من الحنية وإزاي بعد ما خلاص السعادة زارتني، أرجع أخسر تاني! الكلمة اللي كانت عمالة تترد في دماغي “ملحقتش…ملحقتش”
_ أفهم من كده إنك مش مسمحاني! همشي وأنتِ زعلانة مني؟
رفعت راسي بسرعة وقولتله: عُمري ما هزعل منك، أنت كنت أحن حاجة حصلتلي يا جدو…مسمحاك، مسمحاك والله بس خليك معانا.
ابتسم وقالي: عايز يونس.
صوتي عياطي زاد أكتر لما أدركت إنه كده بيودعنا فعلًا!!!!
____________________
_ أنا عايز مصلحتك يا يونس، جوزتك نوسة عشان هي الوحيدة اللي هتقدر تصونك، أنت فاكر إني مش عارف صياعتك يواد أنت؟ أنا عارف كل حاجة.
كنت واقف قدامه قليل الحيلة، مش بعمل حاجة غير إني ببص ليه وبملي عيني منه، نزلت بوست إيده لقيتها بدأت تبقى باردة، حنيت راسي وفضلت على وضعي وأنا بقوله بدموع: كلامك سيف على راسي يا جدي، أنا أسف لو وقفت قدامك…مكنتش أقصد والله، حقك على راسي يا جدي.
_ قوم يا يونس أرفع راسك.
رفعت راسي وبصيت ليه، لقيت وشه كِبر لأول مرة أشوفه كبير كده! كِبر أمتى؟ كنت قاعد ببكي من غير صوت، مستسلم يمكن! أو مصدوم إني معملتش حساب اللحظة دي!
قالي بنبرة بتحاول تكون واضحة: نسمة تحطها في عينك لا تخونها ولا تزعلها، البنت دي نضيفة وزيها زي أحفادي…سامع يا يونس؟ أمانة في رقبتك، البنت دي لسه بتحاول تعيش، أوعى تدفنها بالحياة…وصيتي دي حطها قدامك وأتقي الله فيها.
كنت بحرك راسي بالموافقة ورا كل جملة بكل ضعف وهزيمة، ورجلي عمالة تتحرك لوحدها.
_ تعال هات حضن يواد.
وقتها بس بُكايا مبقاش بدون صوت! فضل يطبطب على ضهري، كان بيواسيني على زعلي عليه!
همس في ودني وقال: عايز سيف يا يونس.
_________________
_ روح يا سيف….روح لازم تتجوزها.
= مكنش لازم أسافر وأسيبك يا جدي…مكنش لازم أسافر وأسيبك.
قولتها وأنا ببص عليه ودموعء مش قادر أتحكم فيها، مش قادر أشوف “داغر الهاشمي” بكل الضعف وقلة الحيلة والاستسلام دا.
قالي بكل رضا وسلام نفسي: دا قدري وكنت هشوفه، سواء كنت موجود أو لأ كنت هتعب يا سيف…الحمد لله.
كنت لسه هتكلم، قاطعني وقال: في خلال أسبوع روح تكون مكتوبة على إسمك، أسبوع يا سيف، لا أكتر ولا أقل.
_ طب خليك معانا واحضر كتب كتابنا، هخلي عُمر يطلب الإسعاف وتروح المستشفى، أنا عايزك معايا تشهد على كتب كتابي…زي….زي ما شهدت على…على كتب كتابهم.
صوتي ضِعف في الأخر وبدأت أعلن انهياري، فقال: عايز روح يا سيف…هاتهالي.
بعد راسه الناحية التانية، وكأنه بيقولي إنه مش عايز يسمع حاجة تانية، هو عايز يقول وصيته وخلاص!
______________
فضلت واقفة عند الباب وباصة عليه في صمت، عمري ما كنت ضعيفة في يوم من الأيام، مريت بأسوأ الأحداث ومع ذلك ثباتي متهزش، حتى مع وفاة أمي، تخطيت الأمر وقت حدوثه…لكن جدي! “داغر الهاشمي” مصدر قوتي وقدوتي في الحياة، هيسيبني ويمشي!
_ مش خايف عليكِ يا روح.
الجملة دي هزتني أوي، هزتني لدرجة عيوني دمعت، فسألته بنبرة ممزوجة بالبُكا: ليه؟ ليه مش خايف عليا؟ عشان قوية؟ عشان بعرف أخد حقي من عيون أي حد؟
دموعي بدأت تنساب على خدي بكل سلاسة، صعبت عليا نفسي أوي إني كنت بتحط وسط عصابات ومشاكل وبتعامل مع تُجار لوحدي! فكملت وقولت: أنا لو كده فأنا كده بسببك، انا قويت بيك، كنت بستمد قوتي وطاقتي منك، فمينفعش بعد كل دا تسيبني بسهولة كده!
كملت وأنا بشهق بسبب بُكايا المكتوم: مينفعش…مينفعش بعد ما كنت معتمدة عليك، تيجي وتقولي كملي لوحدك…متبقاش أناني يا داغر باشا وتختار إنك تموت دلوقتي، في حين إن إحنا ممكن ننقذك، عشان أنا…مش هعرف أكمل من غيرك والله.
دموعه بدأت تنزل، ففتحلي دراعاته بوهن وضعف، فجريت وحضنته زي العيلة الصغيرة وأنا بترجاه: في أمل، متخليناش نخسره ونخسرك معاه…أرجوك.
_ اسمعيني يا روح، سيف…هيكتب كتابه عليكي بعد أسبوع من النهاردة.
رفعت راسي وقولتله بإعتراض: مستحيل.
لوى دراعي وهو بيقول: دي وصيتي يا روح.
كنت لسه هعترض لقيته بيقولي: عايز نوح يا روح.
___________________
_ أنت أحن واحد في أحفادي يا نوح.
كنت حاني راسي لسه، مش قادر أشوفه كده! مش عايز أشوفه ضعيف وهزيل! “داغر الهاشمي” هيفضل في عيوني هو أقوى وأكبر وانجح راجل في عيوني.
قالي بتأنيب: مش عايز تشوفني يا نوح؟
رفعت راسي بسرعة وقولتله بإنكار: أبدًا يا جدي…دا أنا لو هشوفك العُمر كله مش هزهق ولا هحب أشوف بعدك حد والله، أنا بس…مش عايز أحس إني بودعك، مش عايز أشوفك بتروح قدام عيوني كده!
ابتسمت وقالي بنبرة رضا: أنت ليك حرية اختيار شريكتك يا نوح، أنت حُر….أنا سيبتك لإنك حنين وبتتقي الله في حياتك وخطواتك عن اخوك يونس عشان كده ربنا هيوقع في طريقتك اللي تشبهك وتشبه قلبك الصافي يا حبيبي.
ميلت على إيده بوستها، العادة اللي عودنا عليها وفجأة هتروح مننا وقولتله بعياط: أنت اللي حبيبي يا جدي، أنت اللي حبيبي يا حبيبي، أروح لمين بعدك…قولي؟
مسك راسي وقالي: ربك كبير أرضه واسعة.
بكيت لإني عارف إن أرض الله واسعة، بس اللي حاجة الوحيدة اللي عايزها هتروح مني!
_ عايز عمران يا يونس…عايز أشوفه.
_______________
_ دي أخرتنا يا عمران، النومة اللي أنا نايمها دي هي أخرتي وأخرتك.
قالهالي وكأنه كده بيأنبني، كنت قاعد ثابت مصدوم، اللي نايم دا هو نفسه “داغر الهاشمي” أبويا!!! الدنيا دي صغيرة أوي كده!
_ بنتك دُنيا، لو محاولتش تصلح اللي بينك وبينها دلوقتي، مش هتقدر تصلح بعدين يا ولدي، غلطك كبير وذنبك أكبر…أنا قدامك أهو، قسيت وقويت وافتريت على ناس كتير، بتمنى يرجع بيا الزمن وأقف على رجلي عشان معملش اللي عملته دا، فوق يا ولدي فوق.
سألته وأنا مش مستوعب: أنت هتسيبنا وتمشي يا حج؟ جاوبني، رد عليا…خلاص هتمشي؟
عيوني بدأت تحمر ودموعي بدأت تخلي الرؤية مش واضحة، قولتله بإبتسامة: عمري ما بكيت، عمري ما نزلت دمعة من أول ما جيت الدُنيا دي وشوفت النور، تيجي أنت يا حج وتبقى عايز تضعفني؟ قوم يا راجل وأقف على رجلك، قوم متشمتش الأعداء فينا.
ابتسم وقالي: خلاص يا عمران مبقاش في باقي من العُمر، بس في باقي من عُمرك أنت، مش هوصيك يا ولدي…بتعيط يا عمران؟ عندك مشاعر وبتحس زينا يواد؟
ضحكت في عز بُكايا وضحك معايا لحد ما شرق، والكحة بدأت تبقى مش طبيعية! فضل يكح ولسه بلف عشان أصب كوباية المية رجعت بصيت عليه لقيته…مات!
_ حج داغر! قوم جبتلك المية أهو، أبويا؟…حج داغر؟
كوباية المية وقعت من إيدي، وأنا بقول: أبويا مات!….أبويا مات يولاد! الحج داغر ماااااات!
_______________
بعد مرور سنة.
_ يا دُنيا انجزي هنتأخر على الناس كده يماما.
= مش أنت اللي حجبتني؟ أهدى بقا لحد ما أشوف أنهي لفة هتليق على وشي.
فضلت واقفة قدامي عمالة تجرب كذا لفة على وشها وكل شوية تفك الطرحة وتبدأ تعملها من أول وجديد، لحد ما طاقتي خلصت فقولتلها بنفاذ صبر: يبنتي أنجزي بقا متخلنيش أقلعهالك وأضرب نفسي مية جزمة على وشي إني قولتلك البسيها.
بصتلي وقالت: قوم خد خديجة من الأوضة يحبيبي وأنزلوا، أنا هخلص المهرجان اللي أنا فيه دا وأنزلكوا حاضر.
لسه هتكلم لقيت “خديجة” جاية تزحف على الأرض، ثمرة عادات وتقاليد جمعتني بأرق وأجمل بنت في العالم بالنسبالي، شيلتها وبوستها، لقيتها بتقولي: دا اللي هي بتاخده منك، لكن تيجي عندي وتفضل تتعصب وتزعق وحاجة أخر قلة أدب بجد.
قربت منها وقولتلها بخبث: طب تعالي وأنا هراضيكِ.
قلبت وشها خالص وقالتلي: أنزل يا عُمر.
قولتلها بكل استسلام: حاضر…يلا يا ديجا عشان ماما مجنونة دلوقتي.
خرجت من الأوضة لقيتها ورايا بتندهني، بصتلها وقولت: نعم يا دُنيا؟
باستني من خدي وقالت: أنا شكلي حبيتك يا عُمر.
ضحكت وقولتلها: كتر خيرك يا حبيبتي والله.
_________________
_ يا نوسة مش عايز أسمع كلمتين من عُمر على التأخير.
= خلصت.
خرجت من الأوضة، كانت لابسة عباية سودة وبطنها قدامها شبرين، للأسف مقدرتش أكتم ضحكتي، فقولتلها: حبيبتي ماشاء الله زي القمر.
بصتلي وقالت: بجد يا يونس باين إن أنا حامل أوي؟
ضحكت وقولتلها: إطلاقًا يا حبيبتي ناقصك بس سنتي واحد وتنفجري بينا كلنا، أنتِ بتمولي دول خارجية بالأطفال ولا إيه؟
ضربتني في كتفي وقالت: أنت قليل الأدب والله يا يونس بجد.
حركت راسي بالموافقة وقولتلها بتأكيد: دي حقيقة فعلًا والدليل معانا أهو.
شاورت على بطنها، فـ لقيتها هتعيط قومت مسقف عشان اسكتها وقولتلها: لا لا مش وقته هرمونات، عدي اليوم…عدي اليوم يا نوسة، اغنيهالك يحبيبتي؟
سألتني وهي بتمسك بطنها: شكلي تخينة أوي؟
حبيت أخدها على قد عقلها وقولتلها: لا يحبيبتي، هو نفس حجم القولون بالظبط، الأعمى بس اللي مش هيشوفه.
حركت رأسها بإبتسامة وبعدها لما فهمت الكلام قالت: إيه دا استنى! يعني كده كل الناس تقدر تشوفه!!!
سيبتها ومشيت وأنا بضحك، فقالتلي بصوت عالي: يا يونس بجد هزعلك.
_________________
كانت واقفة قدام المرايا بتظبط حجابها، حتى وهي محجبة كان ليها طلة مختلفة وكبرياء مقدرتش الأيام تكسره، المرة الوحيدة اللي شوفتها فيها مكسورة كان وقت وفاة جدي، فضلت تدعي القوة وإنها مش متأثرة برحيله، لحد ما كتبنا الكتاب، جت اترمت في حضني واتجردت للمرة التانية من كبرياءها المزيف وأعلنت انهيارها بين دراعاتي.
قربت منها وبصيت في المرايا وأنا بقولها: إيه سر جمالك يا روح هانم.
ابتسمت وسندت ضهرها على جسمي وهي بتقول: جوزي.
حبيت حركتها وهي بتميل عليا وبتثبتلي بالحركة البسيطة دي إنها بقوتها قدام العالم دا كله بتيجي عندي وترخي، قولتلها بأسف مزيف: يخسارة…طلعتي متجوزة في الأخر!
ضحكت وقالتلي وهي بتبص في المرايا: متجوزة أشطر وأنجح وأجمل وأقوى حد في عيوني.
حاوطتها بدراعي وقولتلها بهيام: بحبك أوي يا روح، وهفضل أقولك بحبك عوضًا عن كل مرة فكرت فيها إنك مش البنت المناسبة ليا، أنا أسف…كنت هبقى مغفل أوي لو ضيعتك وسبتك.
لفت ليا وقالت وهي بتظبط لبسي: بس أنا كنت عارفة أننا هنكون لبعض في الأخر، كان جوايا يقين بيقولي إن سيف هو الراجل اللي روح تقدر تسلمله أمرها وتستسلم معاه.
ابتسمت وقولتلها: يا بخت سيف واللي جابوا سيف كمان والله.
ضحكت وقالتلي: طب يلا يا أستاذ روح هات أنس من الأوضة ومتصحيهوش يا سيف عشان بجد هزعلك.
قربت منها خطوة وقولت: أنا نفسي أوي حد يزعلني دلوقتي.
فضلت تبعدني وتقول بتحذير: سيف أتلم وروح هات أنس عشان منتأخرش عليهم.
حاولت اتخابث عليها وقولتلها: طب ما نتأخر عادي ونجيب هدية لأنس.
برقت بعيونها وقالت: هقتلك يا سيف.
غمزتلها وأنا بقول: قادرة وتعمليها.
_______________
_ مدام نور بعد إذنك لو مش هضايقك ممكن نخلص المرادي بدري شوية؟ مش معقول كل مرة نروح متأخر.
= امممم يعني طلعت أنا اللي بأخرك يا بشمهندس نوح!
حركت راسي بالنفي وقولتلها: لا يحبيبتي أنا اللي قليل الأدب وبحب أتأخر.
ضحكت وقالتلي: طب تعال يا قليل الأدب اربطلي الدريس.
قومت وأنا بقولها بإدعاء ضيق: أنتِ هتصاحبيني ولا إيه؟
غمزتلي في المرايا وهي بتقول: أنا اتجوزتك خلاص…أنا طموحي عالي يبني.
ضحكت وقولتلها: بترسمي على تقيل.
عدلتلي الكلمة وهي بتقول: على حنيّن، كنت برسم إني الاقي حد حنيّن يا يونس، دعيتها في ليلة وقولت يارب الاقي حد أحن من نفسي عليا، صحيت تاني يوم لقيت إعلان نازل للشركة بتاعكم اللي أنت ماسك مقرها محتاجين متدربين عندهم خبرة، روحت قدمت وعملت حوار عشان أشوفك وأول ما شوفتك، حسيت إني بتعامل مع حد بسيط وجميل أوي رغم كونه من عيلة كبيرة يعني يقدر في أي وقت إنه يتعالى وهيبقى حقه، بس مع ذلك اخترت تكون بسيط وحنيّن على غيرك
حاوطتها بإيدي وربطلها ضهر الفستان وأنا ببص في عيونها وبقول: جبتيني بالدعاء يا بنت عمي محمد.
ابتسمت وقالتلي: عندك اعتراض؟
حركت راسي بالنفي وقولتلها: من بختي الحلو إني لقيتك يا نور.
لفيت الرباط كويس وجبتلها طرحتها وأنا بقول: من حُسن حظي إن ربنا وقعك في طريقي بعد كتير أوي من الوحدة.
_________________
وصلت السرايا، وعشان محدش فينا يعاير التاني وصلنا كلنا في نفس الوقت، كل واحد وقف بعربيته قصاد التاني.
“مراد” خرج من جوا وقال بصوت جهوري: نورتوا بيت جدكم يا أحفاد الهاشمي.
بدأنا نركن العربيات وبعدها كل واحد خرج من عربيته ومعاه اللي يخصه، بدأنا نسلم على بعض بكل ألفة ومحبة وود وأصوات ضحكنا بدأت تعلا وكذلك أصوات الرجالة وضحكهم وهزارهم.
دخلنا جوا وأول ما خطينا السرايا، لقيت أمي و”عمران” أبويا قاعدين جوا، بقا بيجيبها في كل تجمع لينا سوا، ربنا هداه بعد وفاة جدي وتقريبًا خاف على نفسه وأخرجته، جالي وفضل يترجاني أسامحه، كنت حاسة بشفقة ناحيته بسبب هيئته من الصدمة على وفاة جدي، من وقتها وهو كل مرة يشوفني فيها يعوضني ويعتذرلي عن كرهه الغير مبرر ليا من أول ما جيت الدُنيا دي.
قام حضني وحضنا كلنا وبعدها أخد “خديجة” و “أنس” وعيال “جميلة” و “مراد” وخرج الجنينة يلعب معاهم كعادته كل مرة.
اتجمعنا كلنا لقينا “جميلة” مجهزة كل حاجة والأكل جاهز، بدأنا نقعد والصوت والحركة رجعوا تاني للمكان، وطبعًا القعدة كانت لا تخلو من سخافة “سيف” وخفة دم “يونس” وعقلانية “عُمر” وحكاوي “مراد” واندماج “نوح” مع “يونس”.
: الفاتحة على روح جدي.
قالها “عُمر” قبل ما نبدأ أكل، الكل استجاب ورفع إيده وبدا يقرأ ويدعيله ويترحم عليه، وقتها مجاش في دماغي غير جملة:
“زارنا الزمان، سرق منا فرحتنا والراحة والأمان”
تمت بحمد الله
