رواية اختيار إجباري الفصل الحادي عشر 11 بقلم جيهان زكريا

 

 

 

رواية اختيار إجباري الفصل الحادي عشر والاخير بقلم جيهان زكريا


نزلت أنا و يَحيي نشتري نقاب كتيير ولبس جديد
كنت مبسوطة أووي وأنا ببص لنفسي في المراية وبظبط النقاب علي وجهي، حسيت براحة كبيرة كنت بدور عليها من زمان .. بالنسبة ليّ إن محدش يشوفني غير زوجي و أهلي دا إحساس مُريح ليّ لأبعد حد،

خرجت بيه من المحل أنا ويحيي، لقيته وِقف فجأة في الشارع وقال: أنتِ مش عارفة أنا مبسوط ازاي إن زوجتي محدش هيشوفها غيري، حاسس أني مطمئن كده، ودا لا ينفي خوفي عليكِ بردو.

- ابتسمت علب كلامه وقولت: طيب ما تعزمني بقا علي آيس كريم إحتفالًا بهذه المناسبة.
- قدامي يا سندس يا حبيبتي أنتِ فلستيني أصلًا.
- بصيت له وأنا بمثل الزعل: يعني مش هتجيبلي يا يحيوحة.
- بص ليّ بضيق: علشان خاطر يحيوحة دي مش هجيب حاجة.
- ولد! 
قدامي علي المحل يالا.
- مَثّل أنه مخضوص وقال: بالراحة ماشي أهو..!

جابلي بالمانجا وهو بالشيوكولاته قولت برخامة:
ايه دا اشمعنا انت شيوكولاته يعني؟
- بص لي باستغراب وقال: علشان أنت مبتحبيهاش،
وعارفك بتعشقي المانجة.
- قولت من غير تفكير: دا أنت مراقبني بقا.
- قال بسخرية: أراقبك ايه يا سندس، أنا مبشوفش غيرك طول اليوم!
- عجبك ولا مش عجبك؟
- عاجبني ونص.
حاسبي بس علشان النقاب ميتوسخشي.
يا ماما مش كده المانجا هتبوظوا.. كنت قولتيلي كنت جبتلك في كوباية بدل البسكوت.
- بحب البسكوت، بس مش عارفة أكله،
مش متعودة علي النقاب.

مسك أيدي وروحنا قعدنا في مكان شبه منعزل شوية كان قدامنا البحر فلقيته قالي: أقعدي جنبي بقا وحاولي تنزلي النقاب محدش هيشوفك.
- بصيت له بحب وقولت: طيب، أمسكها بس ما تكولش منها 

قضينا وقت لَطيف جدًا علي البحر جانب النقاب اللي أتبهدل شوية وبقا شكلي زي الأطفال بس يالا فدايا.
كنت مبسوطة بعلاقتي اللي أتطورت مع يحيي،
بس لا ينفي أبدًا خوفي البسيط من فكرة الفقد أو البُعد عمومًا .. كنت بقرأ في الروايات إن الإنسان بتطمئن روحه مع مَن يُحب، صحيح أنا مطمنة أن يحيي معايا، 
بس غصب عني جوايا شئ بينغص عليّ الشعور بالطمأنينة، كأن الخوف هو الشعور المُسيطر بالنسبة الأكبر علي قلبي كـ مَثل الاحتلال الذي ما زال يطمع بإغتصاب أرض القدس  .. كِلاهما لا يهدأ 

روحنا البيت كانت الساعة ٢ بليل، كانت أجمل خروجة في حياتي لكن تأتي الرِّياح دائمًا بمَا لا تشتهي السُفن!

دخلت أوضتي علشان أنام، غيّرت هدومي ولسه باتجه للسرير لقيت الباب بيخبط، قولتله يدخل فـ دَخل وكانت ملامحه قلقانه وحزينة جدًا!

- قلقت جدًا عليه، وقولت بتوتر: في ايه يا يحيي أنت كويس؟
- بص لي وكأنه بيرتب الكلام اللي هيقوله، حسيته بيحاول يخفف حجم معاناة الكلام اللي هيقوله..
سندس أ...
- نعم يا يحيي، بالله متقلقنيش 
- حاول يخلي صوته ثابت وقال: احنا لازم نروح عند بيت جدو دلوقتي.
- ليه، حد حصله حاجة؟
لقيته نزل رأسه في الأرض ودموعه بتنزل بغزارة،
رفعت وجه ليّ وقولت بدموع خوف: همّا كويسين صح؟
- بص ليّ وعينه كانت حمراء جدًا، مع أنه كان بيحاول يبقي ثابت قدامي بس دموعه كانت بتخونه كلّ ما يرفع وجه في وجهِ!
- حط أيده علي كتفي وقال وهو بيمسح دموعي: احنا مؤمنيين بقضاء الله صح؟
-  بصيت له وسكت لأني أدركت أن الخسارة المرة دي كبيرة أووي، قولتله بثبات غريب وجدية شديدة: ايه اللي حصل؟
- حط راسه علي راسي وقال بصوت ضعيف غلبته دموعه: جدتنا في ذمّة الله.

ضربات قلبي كانت سريعة وأنا ببعد عنه وببص له بصدمة .. استغربت نفسي وأنا بقول بهدوء: ممكن تطلع بره علي ما ألبس هدومي ونروح لهم؟
- بص لي باستغراب وخوف شديدين، هو كان مستني أني أكذبه أو علي الأقل أبكي .
- مسك أيدي وقال بخوف عليّ: أبكي .
- مش عايزة.
- ضغط علي أيدي وقال: متكتميش جواكِ، أنتِ كده...
- قطعت كلامه وأنا بعطي له ظهري وقولت: لو سمحت يا يحيي أطلع علي ما أغير هدومي.
- طلع وهو بيتنهد بحزن،
أما أنا كنت في حالة غريبة جدًا أول مرة أتحط فيها،
اسمع خبر وفاة أعز الناس عليّ وأتعامل بجدية رهيبة، وثبات إنفعالي شديد، بس عقلي كان مصدوم ومش مصدق أنها خلاص مشيت .. هي كانت لسه معايا، بتعملي حاجة حلوة لما بروح عندها، وبتاخدني في حضنها لمّا الدنيا كلّها تقف في وجهِ .. 
هل جزاءِ إني كنت بحبها؟
أم أن هذه الدنيا تفضل سِرقة كل مَن نحب وما نحب ..

لبست هدومي ونزلت أنا ويحيي كان في مطر خفيف واحنا نازلين فقال وهو بيمسك أيدي: أدخلي العربية بسرعة علشان المطر.
- بصيت له برجاء وقولت: ممكن نمشي مش عايزة أركب العربية.
- حس بالخنقة اللي انا فيها وقال: هتتعبي.
- يا ليت الداء بالجسد.
- قلع الجاكت بتاعه وحطه عليّ وقال: هبقي مطمن عليكِ أكتر ..
مسك أيدي ومشينا سوا كان الجو بيمطر بشدة والهواء جامد أووي بس كل البرودة دي ما عملتش حاجة في نارِ قَلبي!

عشر دقائق و وصلنا بيت جدي، البيت ساكن بطريقة حزينة كأنه متأثر بـ رَحيل جدتي، صوت نشيج البكاء اللي جاي من أوضتها قتل آخر أمل كان باقي في قلبي!
اول ما سمعنا صوت بكاءهم يحيي ضغط علي أيدي جامد كـ محاولة أنه يمنع بكاءه،

دخلنا الأوضة، جدو كان حاطط رأسها علي صدره ومعتز أخويا قاعد الناحية التانية ماسك أيديها مستنيها تصحي وتمشي أيدها علي شعره زي ما كانت بتعمل دائمًا معاه وهو صغير، اول ما شافني وقف وجه عليّ حضني جامد كنت سامعة صوت بكاءه بيزيد وهو بيشدد علي ضمه ليّ، 
طبطبت عليه بهدوء وقولت بثبات:  
ربنا يرحمها يا معتز، أدعيلها دلوقتي هيّ محتاجة دعاءك دلوقتي أكتر من أيّ حاجة.
خرج من حضني وبص عليها وبعدها طلع جري علي أوضته، ماما كانت قاعدة جنب بابا بتهديه وهيّ بتبكي علي فراق جدتي..

قعدت جنب جدتي وفضلت أبص ليها بهدوء كان وجهها أبيض جدًا وملامحها مرتاحة   ..

بعد شوية كلهم طلعوا من الأوضة وأنا قولتلهم هقعد شوية معاها علشان هي مبتحبش تبقي لوحدها،
قعدت علي كنبة كانت جنب السرير وعيني غفت مرة واحدة،  كنت حاسة بتعب وأنا نايمة وكل شوية أصحي من صوت بكاءي، لقيت الباب بيتفتح ويحيي بيحاول يصحيني بس مكنتش بستجيب له و بتمسك 
اكتر في الكنبة بس هو شالني غصب عني وطلعني علي الأوضة بتاعته وفضل قاعد جنبي يمسح دموعي ويطبطب عليّ لحد ما نمت تاني 

بعد فترة معرفش قد ايه، لقيت يحيي بيصحيني وبيقومني أشرب ماية، فقت شوية وسألته ايه الأوضة دي، بس افتكرت اللي حصل لما قالي انه جبني أوضته علشان كنت تعبانة تحت.
- هما بدأ في الإجراءات؟
سألته بدموع نزلت غصب عني.
- طبطب علي رأسي وقال بصوت ضعيف: أيوة يا حبيبي.
- بصيت له وقولت: يحيي أنا عايزة أمشي من هنا.
 أنا خايفة أوي، مش عايزة أقعد هنا.
- خدني في حضنه وقال: هنمشي يا حبيبي بس تخلص الدفنة وخلاص.
- قولت بصوت ضعيف من البكاء: هي مبتحبش تقعد لوحدها، أنا خايفة عليها أووي.
- مسح علي شعري وهو بيهديني وقال: ربنا ينور قبرها يا رب.
- تحبي ننزل شوية تشوفيها آخر مرة.
- هزيت رأسي بالموافقة وهو ساعدني ألبس الخمار،
كنت هلبس النقاب كمان بس هو قال: سبيه يا حبيبي مفيش رجالة تحت غير أهلنا.
- هزيت رأسي بهدوء ودخلت حمام اللي فأوضته واتوضيت علشان أصلي الفجر، كان فاضل وقت قليل ووقته يخرج.
وبعدها نزلنا أنا وهو دخلنا أوضة جدتي و بوست راسها للمرة الأخيرة آملة أن ألقاها في الجنّة.

مرّت إجراءات الدفنة ببطء علي قلوبنا كلنا، بابا قالي أقعد معاهم شوية بس أنا أصريت أمشي مع يحيي،
كنت خايفة جدًا ولو فضلت موجودة خوفي هيزيد أكتر،
وصلنا بيتنا ويحيي دخلني معاه أوضته .
- بص لي وهو بيمسح بقايا الدموع اللي علي وجه وقال: ايه رايك نغير الهدوم دي، أنا عارف أنك مش مرتاحة فيها.
- هزيت رأسي بهدوء، وهو قعدني علي السرير وقال: هدخل أجيب لك غيار من جوا وآجي مش هتأخر عليكِ.

طلع ليّ هدوم مريحة وسابني وقال: هخرج بره علي ما تخدي دش حلو كده و تغيري هدومك، لو احتجتي مساعدة نَادي عليّ..

خلصت وطلعت ليه كان غيّر هدومه،
وواقف في المطبخ بيعمل ساندوتشات..
- متتعبش نفسك مش هقدر آكل حاجة.
- قرب وقف قدامي وقال: بس انت مأكلتيش من إمبارح ودلوقتي احنا المغرب وهتتعبي لو سيبتك كده.
- بعدت وجهِ عنه وقولت: بس انا مش جعانة.
قرص خدي بالراحة وقال: علشان خاطري بقا بطلي شقاوة.
- سكت وأنا شايفاه بيعمل ساندوتش ليّ وليه وبعد ما خلص مسك أيدي ودخلني أوضته وقال: يالا علشان تاكلي وتنامي شوية.
- أكلت بالعافية وقعدت علي السرير وهو طفي النور،
الجو كان هادي بشكل يخليك تفتكر أحن ذكريات حصلت لك بس للأسف مش هينفع ترجع تاني.
- قرب منّي وأخدني فحضنه لمّا حس أني ببكي وقال: ايه رأيك أقرأ قرآن جنبك علشان نسيت الورد بتاعي.
- هزيت راسي وهو بدأ يتلو سورة يوسف، كان بيقرأ من الموبايل علشان ميشغلش النور وبأيده التانية بيمسح علي راسي بهدوء لحد ما عيني راحت في النوم،
لما حس أن أنفاسي أنتظمت غطاني كويس وقفل الفون وضميني ليه أكتر، قولت بصوت خافت: متسيبنيش يا يحيي.
- باس جبيني وقال: مش هقدر أسيبك يا سندس.

-----

مرّت فترة علي وفاة جدتي، اتخطيت الصدمة بوجود يحيي جنبي، كان دائمًا يقولي أن أحنا بإذن الله هنجتمع بيها يوم القيامة ودائمًا كان يشجعني نعمل صدقات كتير علي روحها،

عرفني أن الفقد دا بيحصل علشان احنا فـ  الدنيا،
وأن هذه أصلًا ليست حياتنا ولا تلك ديارُنا،
صحيح أن بها جزء من السعادة و البهجة لكنها غير دائمة،

حينما يُدرك المرء أن كلّ من عليها فان ولن يبقي سوي وجه ربنا ذي الجلال والإكرام،  وقتها ستكون النجاة...
النجاة من الدنيا ومُلهياتها وملذاتها الفانية القليلة..
- لبيك إنّ العيش عيش الآخرة.
- لبيك إنّ العيش عيش الآخرة.

----- 

كنت قاعدة في البلكونة مستنية يحيي اللِ كان بيعمل لنا كوبايتين شاي بالنعناع، وأنا كنت بظبط مكان لـ عائشة و عُبيدة عندهم ٤ سنين .. واللِ بالمناسبة ملوا علينا البيت وعرفونا يعني ايه استقرار وهدوء..

كانوا قاعدين بيراجعوا حفظ القرآن علشان يحيي هييجي يسمعلهم أحم ويسمعلي أنا كمان المراجعة بتاعتي اه ما حِلم من أحلامي تحقق و ختمت القرآن بفضل الله عز وجل.

سمعت صوت يحيي وهو بيفتح باب البلكونة وبيقول:
- عملتلك أحلي كوباية شاي بالنعاع يا عيوني.
- بصيت له بحب وقولت: وأنا ظبط المكان بتاعك وخلصت مراجعة.
- حط الكوباية قدامي وقعد: أممم شكلي هشوف مواهب.
- ضحكت وعائشة قالت: هيّ ماما بتتعبك في الحفظ يا بابا.
- بص لي وقال: ماما دي أشطر واحدة في الدنيا.
- طيب وأنا؟
- باس ايديها وقال: أنتِ قلب بابا يا عائش.

- يالا يا ولاد مين اللي هيبدأ الأول؟
- قالوا بنفس الوقت: ماما طبعًا، علشان هي خلصت.
- العيال دول مش عيالي علي فكرة انا مربيتش علي  الجبن دا!
- انت خايفة؟
- لا يا اخويا هخاف من ايه، بس بالله متتعصبش لو غلطت وتحافظ علي هدوءك كده.
- بص لي بجنب عينه وقال: مش علي أساس أنك خلصتِ حفظ؟
- توهت بعيني، وقولت: عيبب، هشرفك.
- بص لهم وقال: ماما دي أكتر واحدة بتنسي اللي بتحفظه في ثواني، بحسها بتعمل سوفت وير كل خمس دقائق.

- ضحكت عليه وقولتله وأنا بمثل الزعل: كده يا يحيوحة اهون عليك؟
- باس أيدي وقال: أبدًا، يالا ياللي مطلعة عين يحيوحة.

----

في النهاية أحب أقول أن زواجي من يحيي كان أجمل اختيار إجباري حصل في حياتي كلها ..
صحيح أوقات بـ نُجبر نتحط في اختيارات فرض علينا
بس بنتغافل عن أنها ممكن تفيدنا وتكون منفذ لإنقاذنا،

فكرة الزواج بالإجبار هي فكرة خاطئة جدًا وحرام طبعًا، 
كذلك لمّا يُجبر المرء علي أحلام وأهداف وحياة عمره ما فكر فيها ولا حتي تليق بيه،

لكن في نفس الوقت ممكن يكون اللي حصل هو بداية لـ طريق واصل بينك وبين أهدافك الحقيقية، 
تخيل أن الإنسان يلمس حلم كان مدفون جوه قلبه محدش يعرف عنه حاجة بواصلة طريق بعيد ًا جدًا عن حلمه، لكنَّه ''الرّضا'' الذي يُكمل داخلنا الأشياء الناقصة و يزين بأعيننا نِعم الله الواسعة التي تحيط بنا من كل جانب حتي ونحن غافلين عنها.

- أتمني أن الرواية تكون أثرت بالإيجاب عليكم،
لمست فيكم شئ محدش حاول يشوفه قبل كده، أو حتي نفسكم، 
بكتب لأن الكتابة هي الطريق الوحيد اللي أوصل بيه مشاعر مختلفة,  ولأني بحب أذكر معاناة من ليس له صوت.
- إن أردتم ذكري، فها هي فِلسطين، لا تغفلوا عنها تنبض بقلبي دائمًا، لا تغفلوا عن معاناتهم .. اذكروهم واجعلوا إخوانكم حاضرين في الأذهان والميادين.

- فلسطين، السودان، اليمن، الأيغور، الصومال
 وسائر بلاد المسلمين.

انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات