رواية لست قاسية الفصل الحادي عشر 11 والاخير بقلم امنية الريحاني


 رواية لست قاسية الفصل الحادي عشر والاخير 


تطرق غادة باب منزل أم خالد، فتفتح لها أم خالد في دهشة قائلة:

- غادة! إزيك يا بنتي؟

تدخل غادة في لهفة:

- إزي حضرتك يا طنط؟ خالد فين؟ أنا عايزاه في حاجة مهمة أوي.

تنظر لها أم خالد دون أن تجيب.

تتغير نبرة صوت غادة حين رأت نظرة أم خالد، فتقول:

- خالد فين يا طنط؟ في الشغل، مش كده؟

أم خالد:

- خالد سافر يا بنتي.

غادة في صدمة:

- سافر؟! سافر إمتى؟

أم خالد:

- سافر أول امبارح.

غادة:

- يعني خلاص مشي؟ أنا كنت جاية أقوله إني خلاص فوقت، وعرفت إني كنت غلطانة، وعرفت إنه هو أماني، وإني مش محتاجة من الدنيا كلها غير وجوده جنبي. كنت جاية أقوله إني آسفة على كل حاجة غلطتها في حقه... مشي من غير ما أقوله إني بحبه.

تنزل دموع غادة على وجنتيها، وتهمّ بالمغادرة.

أم خالد:

- رايحة فين يا بنتي؟

غادة:

- خلاص يا طنط... كل حاجة حلوة راحت.

---

بعد مرور سنة

تجلس غادة في شقتها التي تركها لها خالد قبل طلاقهما، بعد أن قررت أن تعيش مع ذكرياتها معه.

اعتزلت العالم كله، واكتفت بوجودها في شقته، التي تشعرها بوجوده حتى ولو كان بعيدًا عنها، وهذا الشعور وحده يمنحها الأمان.

---

في منزل أم خالد

تتحدث أم خالد مع خالد في الهاتف.

أم خالد:

- وبعدهالك يا خالد؟ مش ناوي تريح قلبي يا ابني؟ هتفضل من غير جواز طول عمرك يعني؟

خالد:

- يا ماما، أنا خلاص جربت حظي، ومش ناوي أكررها تاني.

أم خالد:

- يبقى عايزني أموت بحسرتي عليك؟ كان نفسي أشيل عيالك قبل ما أموت.

خالد:

- بعد الشر عليكي يا أمي. طب إنتِ إيه اللي يريحك وأنا أعمله؟

أم خالد:

- تشوفلك بنت الحلال اللي تعوضك عن اللي فات، وتتجوزها.

خالد:

- بصي يا ماما، أنا معدش فارق معايا هتجوز مين. شوفيلي إنتِ واحدة كويسة على ضمانتك، وأنا هنزل مصر أجازة خلال أسبوعين أشوفها.

تبتسم أم خالد في فرحة.

- ريحتني. الله يريح قلبك يا ابني. أنا من بكرة هشوفلك بنت الحلال. ربنا يسعدك.

يغلق خالد الهاتف، ويتنهد في حزن، محدثًا نفسه:

"أي واحدة مش هتفرق... كده كده مفيش واحدة هتقدر تملى قلبي ولا أحبها بعد غادة."

---

بعد أسبوعين

ينزل خالد إلى مصر، وتستقبله أمه بالأحضان والاشتياق.

خالد وهو يقبل أمه:

- وحشتيني أوي يا أمي.

أم خالد وهي تبكي:

- كنت خايفة أموت قبل ما أشوفك.

خالد:

- بعد الشر عليكي يا حبيبتي. يلا بقى، عشان أنا مشتاق لأكلك ولبيتنا.

---

بعد يومين

يجلس خالد في غرفته شاردًا في ذكرياته مع غادة، التي لم تفارق عقله طوال فترة غيابه.

تدخل أمه عليه فتقطع شروده.

أم خالد:

- إيه يا حبيبي، سرحان في إيه؟

خالد:

- ولا حاجة يا ماما.

أم خالد:

- طب مش ناوي تيجي تشوف العروسة اللي نقيتهالك؟

خالد:

- مش هتفرق يا ماما... أي واحدة وخلاص.

أم خالد:

- أي واحدة وخلاص إزاي؟ ده أنت ابني حبيبي، وأنا نقيتلك ست البنات كلها، اللي هتسعدك صحيح. يلا يا ابني، ربنا يهديك. نروح بكرة نشوف البنت ونخلص مع أهلها.

يتنهد خالد قائلًا:

- حاضر يا ماما.

---

في اليوم التالي

تتوجه أم خالد مع خالد إلى منزله القديم هو وغادة، فيندهش خالد.

خالد:

- إنتِ مودياني فين يا ماما؟ مش قولتي هنروح نشوف العروسة اللي اخترتيها؟

أم خالد:

- ما هي العروسة كانت جارتك في بيتك القديم.

خالد:

- جارتي؟! مين دي؟

تصل أم خالد مع ابنها إلى شقته القديمة وتدخله.

خالد:

- أنا مش فاهم حاجة. أنا هنا ليه؟ وفين العروسة دي؟

أم خالد:

- هتفهم حالًا.

ثم تنادي:

- ادخلي يا عروسة.

تدخل غادة، وعلى وجهها ابتسامة اشتياق، وتلمع عيناها بالدموع عند رؤية خالد، الذي تجمد في مكانه عند رؤيتها.

حاول خالد تمالك مشاعر الاشتياق التي تملكته حين رآها، فهو ما زال يحبها ويتمنى قربها، لكنه لا ينسى ما فعلته معه من قبل.

خالد:

- هي دي العروسة؟

أم خالد:

- آه هي دي. بذمتك، في أحلى من كده عروسة؟ ده أنت حتى اللي اخترتها عشان تكون عروستك.

خالد في تهكم:

- ده كان زمان يا ماما.

أم خالد:

- لا يا ابني، خراب البيت مش بالساهل. وأنا عارفة أنت بتحب غادة إزاي، وهي كمان بتحبك أوي. يبقى ليه نعمر بيت جديد وإحنا ممكن نصلح البيت القديم ونمنعه من الخراب؟

خالد:

- عشان هي اللي اختارت... بعد إذنكم.

يهم خالد بالذهاب، فتركض غادة إليه وتمسك يده، خوفًا من أن يضيع منها مرة أخرى.

غادة:

- خالد... أرجوك، متمشيش قبل ما تسمعني.

ينظر خالد إلى يدها التي تمسك به، ثم إلى عينيها.

غادة:

- عشان خاطري يا خالد.

يومئ خالد برأسه بالموافقة.

وتتركهما أمه، وتدخل إلى المطبخ.

خالد:

- عايزة إيه يا غادة؟

غادة:

- عايزة الأمان يا خالد.

خالد:

- آسف... طلبك مش عندي.

غادة:

- ولو قلتلك إنك الوحيد اللي عنده طلبي؟ أنت الوحيد اللي معاه أماني يا خالد.

عارف أنا طول فترة غيابك كنت قاعدة في الشقة دي؟ عارف ليه؟ كل ركن فيها بيفكرني بيك. كنت حاسة بنفسك محاوطني. كنت بدور على الأمان اللي مش بلاقيه غير معاك... وفي حضنك يا خالد.

خالد:

- يا سلام... واكتشفتي ده إمتى؟

غادة:

- خالد... أنا عارفة إني غلطت كتير، وكنت قاسية معاك أوي طول فترة جوازنا. بس صدقني أنا اتغيرت... أو تقدر تقول فوقت.

رجعت غادة... غادة اللي شفت معدنها من جوا وفهمتها صح، وهي حاولت تداري على كل ده بغلاف من القسوة، كانت فاكرة إنها بتحمي بيه نفسها، ومكنتش عارفة إنك أنت حمايتها، وإنها هتكتفي بيك عن الناس كلها.

صدقني يا خالد... أنا رجعت. رجعت ومبقتش قاسية.

خالد:

- وعايزة إيه دلوقتي يا غادة؟

غادة:

- عايزة أرجعلك يا خالد... عايزة أرجع للحضن اللي بيحسسني بالأمان.

خالد:

- أنا مش حمل جرح تاني يا غادة.

غادة:

- محدش بيجرح نفسه يا خالد.

ينظر إليها في استفسار.

فتقترب منه، وتقول بصوت اختلطت فيه الدموع بالابتسامة:

- إنت نفسي يا خالد...

أنا... بحبك.

ينظر إليها خالد غير مصدق ما يسمعه.

فهي لأول مرة تعترف بحبها له.

يرى في عينيها صدقًا وبراءة لم يرهما من قبل.

خالد في اشتياق:

- وحشتيني يا غادة... وحشتيني أوي.

غادة:

- بجد يا خالد؟

خالد:

- بجد يا غادة.

يقترب منها خالد ليأخذها بين ذراعيه، فتمنعه قائلة:

- لا... استنى... أنا مش مراتك دلوقتي.

فيبتسم خالد، ويصيح:

- حد يشوفلي مأذون يا إخواتنا!

تخرج أم خالد، وتطلق الزغاريد بعودة الحبيبين إلى بعضهما.

---

بعد سبعة أعوام... في دبي

تقف غادة في الشرفة، تتأمل المباني العالية في دبي.

فيأتي خالد ويحتضنها من الخلف قائلًا:

- حبيبتي بتعمل إيه؟

غادة:

- بتفرج على البلد يا حبيبي.

خالد:

- بقالك سبع سنين هنا، ومشبعتيش فرجة على البلد؟ اللي يشوف كده ميشوفش إنك كنتِ مش عايزة تسافري قبل كده.

غادة:

- الأول كنت خايفة من الغربة.

خالد:

- ودلوقتي؟

غادة:

- دلوقتي مينفعش أحس بالغربة، طول ما أنا في حضنك... اللي هو وطني.

خالد:

- طب تعالى في حضن الوطن يا حبيبتي.

تضحك غادة، وتحاول أن تدخل في حضنه، لكنها تفشل بسبب بطنها المنتفخة من الحمل.

غادة:

- آي... حاسب بطني يا خالد.

خالد:

- ييييه! إمتى تولدي بقى؟

غادة:

- يا سلام! مش كنت بتقولي عايز عشر عيال؟ ولا رجعت في كلامك؟

خالد:

- وإنتِ صدقتي؟ جيبيلنا تلاتة، والرابع جاي في السكة. طب كان لزمتها إيه من الأول حبوب منع الحمل، طالما إنتِ أرنبة كده؟

تضربه غادة في صدره قائلة:

- أرنبة في عينك.

ثم تلف ذراعيها حول رقبته، وتقول:

- الست مبتبقاش عايزة تخلف طول ما هي مش حاسة بالأمان مع جوزها... لكن دلوقتي أنت أماني، ودنيتي، وكل حاجة حلوة في حياتي. عشان كده نفسي أجيب منك، إن شاء الله، عشر عيال.

ينظر إليها خالد في حب، ويقول:

- بحبك يا أم العيال.

فتبتسم وتجيبه:

- بحبك يا أبو العيال.

وهنا تنتهي قصة غادة، التي وجدت حبها الحقيقي في زوجها، ونزعت من قلبها قناع القسوة، فلم تعد بحاجة إليه لتحمي نفسها.

فقد أصبح أمانها في حب زوجها، والدفء وسط أسرتها الصغيرة.

وهكذا... أصبحت غادة ليست قاسية.

تمت بحمد الله 

تعليقات