رواية ثمن العروس الفصل الثاني عشر
تطلَّع فؤاد إلى ابنته في دهشة، فقد كان يتوقع منها أي طلب إلا ما سمعه الآن. ظل يحدق بها برهة، ثم وضع فنجان القهوة جانبًا وقال:
- ...مشروع إيه اللي عايزة تعمليه يا غزل؟
اعتدلت في جلستها، وقد بدت ملامحها أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.
- عايزة أبدأ بمكتب صغير للدعاية والإعلان.
انعقد حاجباه، ثم قال باستغراب:
- دعاية وإعلان ؟
أومأت برأسها في هدوء.
- أيوه.
ظل صامتًا ينتظرها أن تكمل، فأردفت.
- أنا درست إعلام يا بابا، وكان نفسي من أول ما اتخرجت أشتغل في المجال ده، لكن كل مرة كنت بأجل الخطوة. مرة أقول لسه بدري، ومرة أخاف أجرب وأفشل... لحد ما لقيت السنين بتجري، وأنا واقفة مكاني.
راقبها بعينين يملؤهما الاهتمام، ثم سألها:
- وإيه اللي خلاكي تفكري دلوقتي؟
ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت:
- يمكن علشان تعبت من التأجيل... حسيت إن لو مأخدتش الخطوة دلوقتي، عمري ما هاخدها.
ساد الصمت بينهما لحظات، قبل أن يعود فيسألها:
- وهتبدأي إزاي؟
تنفست بعمق، ثم قالت:
- هبدأ من عندك.
ارتفع حاجباه مرة أخرى.
- ...من عندي أنا؟
- أيوه. إنت عندك قرى سياحية وكومباوندات، وكل شوية بيبقى فيه مرحلة جديدة أو مشروع جديد. أنا عايزة أتولى الدعاية ليهم. أعمل الحملات الإعلانية، وأعرف الناس بالمشروعات، وأبرز مميزاتها. ولو قدرت أنجح في شغلك، هيبقى ده أكبر إثبات لنجاحي ووقتها همسك مشروعات تانيه ويكون ليه نسبه على المبيعات
ظل فؤاد صامتًا وهو يتأملها. لم تكن تتحدث بعشوائية، بل كانت تعلم جيدًا ما تريده، وكأنها أعادت ترتيب تلك الفكرة في رأسها عشرات المرات قبل أن تنطق بها.
ثم مال بجسده إلى الأمام، وقال بنبرة يغلب عليها الاهتمام:
- يعني إنتِ دارسة الموضوع كويس انتى عارفه تنى معايا مستثمرين تانين واى غلطه هتبقى فى وشى؟
ابتسمت بثقة لأول مرة منذ زمن.
- بقالي فترة براجع كل جديد في المجال، وبشوف الحملات الإعلانية الكبيرة اتعملت إزاي. وأنا مش طالبة منك غير فرصة... لو نجحت هكمل، ولو فشلت هعرف إني حاولت على الأقل.
ظل ينظر إليها طويلًا، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة رضا.
كان يرى أمامه غزل مختلفة... ليست تلك الفتاة التي كانت تتراجع عند أول خطوة، بل امرأة قررت أخيرًا أن تمنح حلمها فرصة للحياة.
- خلاص... حضري كل اللي محتاجاه، وتعالي اقعدي معايا. نشوف أول مشروع هتشتغلي عليه.
اتسعت ابتسامتها دون أن تشعر، بينما تسلل إلى قلبها شعور افتقدته منذ زمن... شعور البدايات.
ظل فؤاد صامتًا لبرهة، وقد بدا وكأنه يزن كلماتها بعقل رجل الأعمال لا بعاطفة الأب. اعتدل في جلسته، ثم شبك أصابعه أمامه وقال بنبرة هادئة:
- أنا موافق... بس مش علشان إنتِ بنتي.
رفعت غزل رأسها تنظر إليه في ترقب .
- أنا موافق علشان الفكرة تستحق إنها تتجرب. لكن من النهارده هتفصلي بين علاقتك بيا وبين الشغل. تعاملك زي أي شركة هتتقدم تاخد شغل من عندي. هطلب خطط، وأفكار، وهحاسب على النتيجة.
ارتسمت ابتسامة امتنان على شفتيها.
- وده اللي أنا عايزاه يا بابا.
أومأ برأسه في رضا، ثم قال:
- عندنا مشروع جديد هيبدأ الإعلان عنه قريب. حضري تصور كامل للحملة، ولو أقنعتني هنبدأ بيه. وبعدها نشوف النتائج على أرض الواقع.
لم تستطع إخفاء فرحتها، لكنها تماسكت حتى لا تبدو متحمسة أكثر مما ينبغي.
- حاضر... أوعدك إنك مش هتندم.
ابتسم فؤاد ابتسامة خفيفة، ثم نهض من مقعده وربت على كتفها.
- وأنا مستني أشوف شغل خريجة الإعلام اللي كانت مستخبية كل السنين دي.
ضحكت بخفة، ثم وقفت هي الأخرى.
- المرة دي هتشوفها بجد.
غادرت مكتبه بخطوات هادئة، غير أن قلبها كان يخفق بعنف. كانت تشعر وكأنها وضعت قدمها أخيرًا على أول الطريق الذي طالما خشيت السير فيه.
لكن بقيت خطوة أخيرة...
أخرجت هاتفها من حقيبتها، وظلت تحدق في اسم مختار الذي يملأ شاشة الهاتف. ترددت لثوانٍ، ثم ضغطت زر الاتصال.
في الجهة الأخرى، كان مختار منهمكًا في مراجعة بعض العقود داخل مكتبه، قبل أن يضيء هاتفه باسمها.
انعقد حاجباه في دهشة.
منذ أيام لم تتصل به، ولم تبادر حتى بإرسال رسالة واحدة.لم يتردد.
التقط الهاتف على الفور، وأجاب بصوت امتزج فيه القلق بالاستغراب:
- غزل... ؟
أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت بهدوء شديد:
- محتاجة أقابلك.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يسألها:
- في حاجة حصلت؟ قالها بتوجس
- لما نتقابل هتعرف.
أدرك من نبرة صوتها أن الأمر ليس عابرًا، فنهض من مقعده دون تفكير.
- قوليلي إنتِ فين... وأنا جاي.
ذكرت له المكان، ثم أغلقت الهاتف.
بعد أقل من ساعة، كان مختار يترجل من سيارته، لتقع عيناه عليها وهي تجلس في ركن هادئ من المقهى، شاردة في نقطة بعيدة.
اقترب بخطوات متعجلة، ثم جلس أمامها وهو يتأمل وجهها.
بدت هادئة... كعاتها قال وهو يرمقها بقلق:
- خير يا غزل... قلقتيني ؟
رفعت بصرها إليه، وثبتت عينيها داخل عينيه للحظات، ثم قالت بصوت خرج ثابتًا على نحو أدهشها قبل أن يدهشه:
- أنا طالبة منك الطلاق يا مختار.
تجمدت ملامحه في اللحظة نفسها، وسقطت الكلمات على مسامعه كصاعقة، حتى إنه ظل يحدق بها غير قادر على استيعاب ما سمعه... وكأن العالم توقف حوله في تلك اللحظة.
ظل مختار يحدق إليها، وكأن الكلمات التي نطقتها لم تجد طريقها إلى عقله بعد. مرت عدة ثوانٍ قبل أن يستعيد صوته، فقال وقد ارتسمت الحيرة على وجهه:
- ...طلاق؟ ليه يا غزل؟
لم تجبه على الفور، فاكتفى بالنظر إليها، ثم أردف بنبرة يغلب عليها الارتباك:
- إحنا اتفقنا ندي نفسنا فرصة... وإنتِ وافقتي. قولتي إننا نتعرف على بعض بهدوء، وإن كل واحد فينا يدي التاني فرصة حقيقية.
ابتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تصل إلى عينيها.
- فرصة؟... فرصة إيه يا مختار؟
قطب حاجبيه وهو يتابعها في صمت.
- أنا كنت فاكرة إن جوازنا طبيعي... زي أي راجل وست. لكن بعد اللي عرفته، فهمت إن ده كان صفقة... واتفاق أمي عرضتها عليك، وإنت وافقت عليها.
شحب وجهه، وشعر أن الكلمات التي حاول دفنها منذ أشهر عادت لتقف بينهما من جديد.
تنهد ببطء، ثم قال بصراحة:
- مش هكدب عليكي... أيوه، في الأول كنت باحسبها كده.
لم ترمش حتى، وظلت تنظر إليه في هدوء زاد من اضطرابه.
- لكن صدقيني... أنا غيرت الحسابات دي من زمان. الجواز مبقاش بالنسبة لي صفقة ولا اتفاق.
هزت رأسها ببطء، وقالت بصوت ثابت:
- حتى لو غيرت حساباتك... الحقيقة نفسها عمرها ما هتتغير.
انعقدت ملامحه وهو يحدق بها.
- الحقيقة إن أمي راحتلك، وعرضت عليك جوازي مقابل إنك ترجع تقف على رجلك، وإن شركتك تنقذ من اللي كانت فيه... وده حصل فعلًا.
ازدادت نبرة صوتها هدوءًا، لكنها كانت أشد وقعًا.
- الصفقة نجحت يا مختار... شركتك رجعت أقوى من الأول، والمشروعات بقت تدخل عليك واحدة ورا التانية. يبقى خلاص... كل واحد فينا ياخد طريقه.
ضرب مختار بكفه فوق الطاولة دون أن يشعر، ثم قال بانفعال:
- إنتِ ليه مصممة تشوفيها بالطريقة دي؟!
رفعت حاجبها في هدوء.
- لأنها دي الحقيقة.
مال بجسده نحوها، وقال محاولًا احتواء الموقف:
- الحقيقة ناقصة يا غزل... أيوه، وقتها كنت في أسوأ فترة في حياتي، وشركتي كانت بتنهار، وأمك عرضت عليا الجواز. مش هأنكر ده... لكن اللي إنتِ متعرفيهوش إن بعد الجواز كل حاجة اتغيرت.
أشاحت بوجهها قليلًا، بينما تابع هو:
- كنت فاكر إننا هنعيش كل واحد في حاله، لكن ده محصلش. وجودك في البيت فرق، وطريقتك معايا وكلامك
توقف للحظة، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة.
- أنا بقيت أبصلك بشكل مختلف.
ابتسمت ابتسامة ساخرة لم يستطع تجاهل مرارتها.
- مختلف؟... وإمتى اكتشفت ده؟ بعد ما شركتك وقفت على رجليها؟ بعد ما بقيت توقع أكبر العقود؟ ولا بعد ما بقيت مش محتاج الصفقة؟
ارتبك للحظة، لكنه سرعان ما قال:
- ملوش علاقة بالشغل.
قاطعته بهدوء:
- بالعكس... ليه كل العلاقة.
ساد الصمت بينهما، بينما كانت نظراته معلقة بها، يحاول أن يجد ثغرة ينفذ منها إلى قلبها.
أما هي، فكانت قد اتخذت قرارها قبل أن تأتي إلى هنا، ولم تكن تنوي السماح لكلماته أن تعيدها خطوة واحدة إلى الوراء.
ظل مختار يحدق إليها في صمت، وكأن كلماتها تسحب الأرض من تحت قدميه، بينما بقيت غزل تنظر إليه بعينين خاليتين من أي انفعال، كأنها استنفدت كل ما بداخلها قبل أن تأتي إلى هنا.
وقبل أن ينطق بحرف، اهتز هاتفه الموضوع فوق الطاولة.
ألقى نظرة عابرة إلى الشاشة...
ليلى.
تجمدت ملامحه.
شعر في تلك اللحظة أن القدر يسخر منه، وأن تلك المكالمة جاءت في أسوأ توقيت يمكن أن يتخيله.
لم يتردد، فضغط زر الرفض سريعًا، ثم أعاد نظره إلى غزل، لكنه فوجئ بها وقد رأت الاسم الذي أضاء الشاشة.لم تقل شيئًا...واكتفت بالنظر إليه.
فتح فمه ليتحدث، إلا أن الهاتف عاد يرن من جديد.
الاسم ذاته...
ليلى.
زفر بضيق، ثم أغلق المكالمة للمرة الثانية بعصبية، وأمسك الهاتف وأغلقه تمامًا، قبل أن يدفعه بعيدًا عن الطاولة.
- غزل... اسمعيني، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
ابتسمت ابتسامة هادئة، لكنها كانت موجعة أكثر من أي دموع.
- ليلى مش هتسيبك يا مختار.
هز رأسه سريعًا.
- مالهاش علاقة بينا.
نظرت إليه بثبات وقالت:
- ليها... وليها علاقة كبيرة.
ساد الصمت بينهما، بينما كانت كلماتها تخرج ببطء، لكنها تصيب هدفها بدقة.
- هي شايفاك بتاعها... ومش هتستسلم بسهولة.
حاول مقاطعتها، لكنها رفعت يدها في هدوء، فأطبق شفتيه.
- وأنا... مش عايزة أدخل حرب نتيجتها معروفة من البداية.
انعقد حاجباه، وقال بلهجة متألمة:
- حرب إيه؟!
أطرقت برأسها لحظة، ثم عادت تنظر إليه.
- حرب على قلبك.
اتسعت عيناه دون أن ينطق.
أما هي، فأكملت بصوت ثابت:
- إنت بتحبها يا مختار.
هز رأسه بعنف.
- لأ...
قاطعته بهدوء:
- بتحبها... يمكن إنت نفسك مش قادر تعترف بده، ويمكن بتحاول تنساها فعلًا... لكنك لسه واقف في نفس المكان.
ابتلع ريقه بصعوبة، بينما واصلت هي حديثها.
- والدليل إنها مجرد ما رنت عليك، اتلخبطت بالشكل ده. أول ما شفت اسمها، وشك كله اتغير. عارف لو مكنتش ملامحك اتغيرت قولت يمكن هى لسه بتجرى وراك .
أغمض عينيه للحظة، ثم قال بإرهاق:
- اتغير علشان كنت عارف إنك هتفهمي غلط.
ابتسمت في أسى.
- لا... اتغير علشان وجودها لسه بيأثر فيك.
حاول أن يمسك بكفها، لكنها سحبت يدها بهدوء.
- خلينا ننهي الموضوع يا مختار.
نظر إليها بعجز.
- غزل...
تنهدت طويلًا، ثم قالت:
- نتطلق... وإنت ارجعلها.
اتسعت عيناه في صدمة.
- إيه؟!
- أيوه... ارجعلها، وخلصوا الحكاية اللي بينكم. يمكن وقتها كل واحد فينا يعرف يعيش حياته من غير وجع، ومن غير ما يبقى فيه طرف مظلوم.
هز رأسه رافضًا، وقد بدأ الخوف يتسلل إلى قلبه لأول مرة.
- إنتِ فاهمة غلط... أنا مش عايز ليلى.
رفعت بصرها إليه، وقالت بصوت خفيض، لكنه حمل يقينًا مؤلمًا:
- يمكن عقلك بيقول كده... لكن قلبك لسه ما قالهاش.
ساد بينهما صمت ثقيل، بينما كان مختار يشعر، للمرة الأولى، أن كل الكلمات التي يملكها لم تعد تكفي ليقنع المرأة الجالسة أمامه أن الحقيقة لم تعد كما كانت يوم تزوجها... وأنه قد يكون تأخر كثيرًا قبل أن يدرك ذلك.
ظل مختار يحدق إليها طويلًا، ثم أطلق زفرة مثقلة بالعجز، وأطرق برأسه للحظات قبل أن يعاود النظر إليها.
- إنتِ ظلماني يا غزل.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت:
- يمكن... بس أنا بحاول ماظلمش نفسى أكتر من كده.
هز رأسه معترضًا، ثم قال بإصرار:
- لا... إنتِ حكمتي عليا من غير ما تديني فرصة أدافع عن نفسي.
أجابته بهدوء:
- تدافع عن إيه؟
مال بجسده إلى الأمام، وقد بدا لأول مرة عاجزًا عن إخفاء ما يعتمل داخله.
- عن الحقيقة... عن اللي حصل بعد جوازنا.
ظلت صامتة، فأكمل:
- أنا عمري ما قربت من ليلى من يوم ما اتجوزتك. ولا مرة فكرت أرجعلها، ولا وعدتها بحاجة.
ابتسمت بسخرية مريرة.
- لكنك سايب لها الباب مفتوح.
انعقد حاجباه.
- باب إيه؟
- إنها تفضل ترن عليك... وتبعتلك... وتستناك. طول ما إنت سايبها فاكرة إن عندها أمل، عمرها ما هتخرج من حياتك.
قبض على كفيه بقوة.
- أنا اللي أنهيت كل حاجة بينا.
هزت رأسها في هدوء.
- لو كنت أنهيتها فعلًا... كانت اختفت من حياتك.
ساد الصمت بينهما، ولم يجد ما يرد به.
أطرقت غزل برأسها لحظة، ثم قالت:
- تعرف إيه أصعب حاجة؟
ظل ينظر إليها منتظرًا.
- إن الست لما تحب راجل، بتبقى نفسها تحس إنها اختياره... مش تعويض، ولا حل أزمة، ولا صفقة، ولا حتى محاولة للنسيان.
ارتجفت ملامحه.
- وإنتِ بقيتي اختياري.
رفعت عينيها إليه، وقد لمعتا بدموع أبت أن تنهمر.
- بعد إيه يا مختار؟
لم يجد جوابًا.
أكملت بصوت خافت:
- بعد ما كل حاجة استقرت؟ بعد ما بقيت واقف على رجلك؟ بعد ما بقيت مش محتاج الجواز ده؟
هز رأسه بعنف.
- لا... والله لا.
- يبقى جاوبني.
صمت.
كان يعلم أن أي إجابة سيقولها الآن ستبدو وكأنها جاءت متأخرة.
تنهدت غزل، ثم سحبت من حقيبتها صندوقا صغيرًا، ووضعته أمامه فوق الطاولة.
نظر إليه باستغراب.
- إيه ده؟
- كل الدهب اللي جبتهولي يوم كتب الكتاب... حتى الشبكة.
اتسعت عيناه.
- إنتِ بتعملي إيه؟
- برجعلك كل حاجة... علشان لما نتطلق، مايبقاش فيه بينا حق لحد.
دفع الصندوق بعيدًا بعصبية.
- أنا مش هاخد منك حاجة.
- وأنا مش هحتفظ بحاجة تربطني بجواز انتهى قبل ما يبدأ.
نظر إليها في ذهول، وشعر أن كل كلمة تنطق بها تغلق بابًا جديدًا في وجهه.
أما غزل، فنهضت من مكانها في هدوء، وأمسكت حقيبتها.
رفع رأسه إليها بسرعة.
- رايحة فين؟
نظرت إليه نظرة أخيرة، امتزج فيها الحزن بالسلام الذي اتخذت قرارها بعد عناء طويل.
- فكّر في كلامي... ولما تهدأ، ابعتلي ورقة الطلاق.
استدارت وغادرت بخطوات ثابتة.
ظل مختار جالسًا مكانه، يتابعها بعينيه حتى اختفت تمامًا.ولأول مرة منذ سنوات...
شعر أن كل النجاحات التي قاتل من أجلها لم تعد تعني شيئًا، وأنه، وهو يراقب ابتعادها، قد يخسر المرأة الوحيدة التي دخلت حياته دون أن يخطط لها... لكنها أصبحت، دون أن يشعر، الجزء الأهم فيها.
مرَّت الأيام التالية متلاحقة، وكأن غزل قررت أن تدفن كل ما يؤلمها تحت ركام العمل.
لم تنتظر كثيرًا، فما إن حصلت على موافقة والدها، حتى بدأ في تجهيز كل ما تحتاج إليه. استأجر لها مكتبًا صغيرًا في موقع مميز، وتولى تجهيز المكان بالأثاث والأجهزة الأساسية، بينما تكفلت هي بكل ما يتعلق بالجانب الإبداعي، بدايةً من اختيار اسم المكتب وشعاره، وحتى تصميم هويته البصرية.
ورغم أن فؤاد هو من تكفل برأس المال، فإنه تعمد أن يبتعد عن التفاصيل، تاركًا لها مساحة كاملة لتخوض التجربة بنفسها.
كان يريد أن يراها تنجح...لا أن يصنع نجاحها بيده.
أما غزل، فقد اتخذت قرارًا آخر...
أن تبدأ من نفسها أولًا.
وقفت طويلًا أمام مرآتها، تتأمل الفتاة التي اعتادت أن تكتفي بالملابس الهادئة، وتجمع شعرها كيفما اتفق، دون أن تهتم كثيرًا بما تعكسه صورتها للآخرين.
ابتسمت لنفسها ابتسامة خفيفة.
لم تكن ترغب في أن تصبح شخصًا آخر...
كانت فقط تريد أن تظهر النسخة التي ظلت تخفيها سنوات طويلة.
غيَّرت طريقة ملابسها، فأصبحت أكثر أناقة وعصرية، دون أن تفقد بساطتها. واهتمت بتغيير لفه طرحتها، واختارت ألوانًا هادئة تليق بها، كما بدأت تهتم بطريقة حديثها وحضورها في الاجتماعات، مدركةً أن أول إعلان لأي شركة ناجحة هو صاحبها.
وخلال اسابيع قليلة، تحولت ساعاتها كلها إلى عمل.
كانت تستيقظ مع شروق الشمس، ولا تعود إلى منزلها إلا مع حلول المساء، تتنقل بين المواقع الإنشائية، وقاعات الاجتماعات، ومكاتب المستثمرين، تحمل حاسبها المحمول وملفاتها، تعرض أفكارها بثقة، وتناقش خططها بإصرار، غير عابئة بنظرات الدهشة التي كانت تلاحقها كلما اكتشفوا أنها لا تزال في بداية طريقها.
لم تكن كل الأبواب تُفتح في وجهها.
بل إن بعضها كان يُغلق قبل أن تنهي حديثها.
لكنها لم تسمح لرفضٍ واحد أن يهز ثقتها.
كانت تعود إلى مكتبها، تعيد دراسة أخطائها، وتطور أفكارها، ثم تبدأ من جديد.
وبفضل اسم فؤاد في السوق، حصلت على أول فرصة حقيقية، فتولت الحملة الدعائية لإحدى المراحل الجديدة التابعة لأحد مشروعاته.
لم تتعامل معها على أنها ابنة صاحب المشروع...
بل كانت آخر من يغادر موقع العمل، وأول من يحضر الاجتماعات.
وبمجرد انتهاء الحملة، لفتت الأنظار بطريقة عرضها المختلفة، والأفكار التي قدمتها، لتبدأ بعض شركات الاستثمار في التواصل معها، طالبةً عروضًا دعائية لمشروعاتها الجديدة.
كانت تعلم أن الطريق ما زال طويلًا...
لكنها كانت تشعر، مع كل خطوة تخطوها، أنها تسترد شيئًا فقدته منذ سنوات.
شيئًا اسمه...غزل.
مرَّ ما يقرب من ثلاثة أشهر منذ أن فتحت غزل مكتبها الصغير.
لم تكن الأشهر الثلاثة سهلة كما تخيلت، بل كانت مليئة بالاجتماعات التي تنتهي دون اتفاق، والعروض التي تعود إليها محملة بالملاحظات، وساعات طويلة من العمل لم تكن ترى ثمارها إلا بعد جهدٍ شاق.
لكنها لم تتراجع.
كانت تغادر مكتبها مع شروق الشمس، ولا تعود إليه إلا في ساعة متأخرة من الليل، متنقلةً بين مواقع المشروعات، ومكاتب المستثمرين، وقاعات الاجتماعات، حاملةً حقيبةً امتلأت بالملفات والعروض التي أعدتها بنفسها.
ومع مرور الوقت، بدأ اسم شركتها يتردد بين رجال الأعمال، لا لأنه مملوك لابنة فؤاد، بل لأن صاحبته كانت تبذل جهدًا يفوق كثيرًا من الشركات الأكبر منها.وفي صباح أحد الأيام، كانت تقف داخل قاعة اجتماعات بإحدى شركات التطوير العقاري، تعرض حملتها الدعائية الخاصة بمشروع سكني جديد، بينما جلس أمامها عدد من المستثمرين يتابعون العرض باهتمام .
أنهت حديثها، ثم أغلقت جهاز العرض، وانتظرت تعليقات الحضور.
تحدث أحدهم أولًا، طالبًا بعض التعديلات، بينما اكتفى آخر بإبداء إعجابه بالفكرة دون أن يحسم موقفه.أما الرجل الذي كان يجلس في نهاية الطاولة...
فلم ينطق بكلمة واحدة.
ظل يتابعها منذ بداية الاجتماع، مكتفيًا بتدوين بعض الملاحظات في الملف الموضوع أمامه.
وبعد دقائق، انتهى الاجتماع، وبدأ الجميع يغادرون القاعة.
جمعت غزل أوراقها، وأغلقت حاسبها المحمول، واستدارت في طريقها إلى الخارج.
-آنسة غزل.
توقفت، ثم التفتت إلى مصدر الصوت.
كان الرجل نفسه.
اقترب منها بخطوات هادئة، ثم مد يده إليها قائلًا:
- كريم الدمنهوري.
صافحته بابتسامة رسمية.
- أتشرفت بحضرتك.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:
- العرض بتاعك مختلف.
انتظرت أن يكمل.
- عندك شوية تفاصيل محتاجة تتطور... لكن عندك رؤية واضحة، وده أهم من أي تصميم.
شكرته في هدوء، بينما أخرج من جيب سترته بطاقة تعريف خاصة به، ومدها إليها.
- عندي مشروع جديد في الساحل، ولسه بندرس الحملة الدعائية الخاصة بيه.
ألقت نظرة سريعة إلى البطاقة، ثم رفعت عينيها إليه.
- يشرفني طبعًا
- ابعتيلي تصور كامل للحملة خلال أسبوع... ولو عجبني، هنبدأ سوا.
اتسعت ابتسامتها دون أن تشعر.
- إن شاء الله مش هخيب ظن حضرتك.
أومأ برأسه، ثم قال قبل أن يغادر
- وأنا مستني أشوف شغلك.
راقبته وهو يبتعد، ثم نظرت إلى البطاقة بين يديها للحظات.
كانت تعلم جيدًا من يكون كريم الدمنهوري.
أحد أبرز المستثمرين في مجال التطوير العقاري، وصاحب مشروعاتٍ تتنافس كبرى شركات الدعاية للفوز بها.
ضمت البطاقة إلى ملفها، ثم غادرت الشركة، بينما كانت تشعر أن بابًا جديدًا قد فُتح أمامها...
بابٌ لم تكن تعلم أن عبوره سيغيّر أشياءً كثيرة في حياتها، ليس على مستوى عملها فحسب، بل على مستوى حياتها بأسرها.
