رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثاني عشر
نبدأ بالصلاة على رسول الله
دوّى رنين هاتف عاصم، فألقى نظرة سريعة على الشاشة.
مراد.
ما إن فتح الخط حتى جاءه صوت مراد مضطربًا:
- الحق يا عاصم... ماما تعبت فجأة، والدكتور فكري قال ننقلها مستشفى الشروق.
تبدلت ملامح عاصم في لحظة، واعتدل في جلسته داخل السيارة.
- إيه؟! إيه اللى حصل؟!
أجابه مراد بسرعة، وصوته يختلط بالقلق:
- كانت قاعدة مع خالتو مديحة، وفجأة حسّت بدوخة ووقعت.
الدكتور فكري كشف عليها وقال لازم ننقلها المستشفى عشان يطمن عليها.
قبض عاصم على الهاتف بقوة، وقال بصوت مشدود:
- حالتها إيه دلوقتي؟!
- لسه يا عاصم... إحنا في المستشفى، والدكتور معاها دلوقتي.
نظر عاصم أمامه بقلق، ثم قال دون تردد:
- أنا جاي حالًا.
أنهى المكالمة، ثم التفت إلى مسعد، سائقه الخاص، وقال بصوت امتزج فيه القلق بالحزم:
- غيّر الطريق يا مسعد... على مستشفى الشروق.
نظر مسعد إليه عبر المرآة الداخلية، ولاحظ اضطرابه، فأومأ سريعًا.
- حاضر يا دكتور .
استدار بالسيارة عند أول تقاطع، وانطلق بها نحو المستشفى، بينما ظل عاصم يحدق من النافذة بشرود، وقلبه يدعو ألا يكون قد أصاب والدته مكروه.
كده الحركة بقت متوافقة مع وجوده داخل السيارة.
-------
في مستشفى الشروق...
كانت نجاة ممددة على سرير المستشفى، وعيناها مغمضتان، بينما كان مراد يقف إلى جوارها بملامح يملؤها القلق.
أنهى الدكتور فكري فحصه لها، ثم خلع سماعته بهدوء وقال مطمئنًا:
- الحمد لله... الضغط رجع للمعدل الطبيعي، والنبض مستقر.
تنفس مراد براحة، ثم سأل بقلق:
- طب يا دكتور... طالما حالتها مستقرة، ليه لسه مفقتش؟!
ابتسم الدكتور فكري وقال:
- اطمن يا مراد. والدتك أخدت حقنة مهدئة، ومن الطبيعي إنها تنام شوية بسبب مفعولها. أول ما تأثيرها يخف هتفوق إن شاء الله.
أومأ مراد برأسه براحة، بينما قالت مديحة:
- الحمد لله... ربنا يطمنك يا دكتور.
ابتسم الطبيب ابتسامة خفيفة، ثم قال:
- استأذن أنا بقى... ولو حصل أي جديد بلغوا التمريض.
أومأ مراد ومديحة برأسيهما.
- شكرًا يا دكتور.
غادر الدكتور فكري الغرفة.
اقترب مراد من السرير، وانحنى يقبل رأس والدته بحنان.
- ألف سلامة عليكِ يا ماما.
ثم جلس بجوارها للحظات، بينما كانت مديحة تراقبه .
اقتربت منه وقالت بهدوء:
- خلاص يا مراد... الدكتور بنفسه طمّنك.
ثم أردفت:
- يا حبيبي، أنا كلمت تحية وقلتلها تجهز شنطة فيها هدوم أمك وكل اللي ممكن تحتاجه.
رفع مراد عينيه إليها وقال:
- حاضر يا خالتو... هكلم عمى محمد يجيبها وأنا أفضل هنا عشان لو احتاجتو حاجة.
هزت مديحة رأسها برفض وقالت:
- لا يا حبيبي... روح إنت.
من الصبح وإنت واقف على رجلك. روح ريّح شوية، واتغدى، وهات الشنطة وإنت راجع. وبعدين متقلقش شاهنده جاية فى الطريق وكمان عاصم .
ثم ابتسمت وأضافت:
- وعشان سيلا زمانها قربت تخلص محاضراتها. لما ترجع البيت وتعرف إن ماما في المستشفى هتتخض
. خليك موجود وطمنها، ولحد ما تيجوا تكون نجاة فاقت إن شاء الله.
تنهد مراد، ثم نظر إلى والدته مرة أخرى.
- حاضر .
ابتسمت مديحة وربتت على كتفه بحنان.
- ربنا يطمن قلبك يا حبيبي.
ألقى مراد نظرة أخيرة على والدته، ثم استدار وغادر الغرفة.
انتظرت مديحة لحظات حتى تأكدت من ابتعاد خطواته في الممر، ثم اقتربت من الباب وألقت نظرة سريعة من خلال الزجاج الصغير.
تأكدت أن الممر أصبح خاليًا، فأغلقت الباب بهدوء، ثم استدارت نحو السرير.
ابتسمت ابتسامة خافتة وقالت:
- خلاص يا نجاة... مراد مشي.
فتحت نجاة عينًا واحدة ببطء، وأخذت تتأكد أن الغرفة خلت تمامًا، ثم فتحت عينها الأخرى وأطلقت زفرة طويلة قبل أن تعتدل في جلستها.
هزّت نجاة رأسها بضيق، وقالت بصوت مثقل بالقلق:
- والله يا مديحة... مش مرتاحة.
حاسة إن اللي بنعمله ده غلط.
نظرت إليها مديحة للحظات، ثم لم تستطع أن تخفي انفعالها، فقالت بحدة:
- كنتِ عايزانا نعمل إيه يا نجاة؟! قوليلي نعمل إيه؟ ابنك مش شايف غير شغله، ولا حاسس باللي حواليه. وشاهندة مستنياه بقالها سنين... رافضة تتجوز، وكل ما حد يتقدم لها ترفضه على أمل إن عاصم يحس بيها في يوم.
سكتت لحظة، ثم تابعت بضيق:
- البنت علّقت حياتها عليه، وهو ولا هو هنا... كأنه مش شايف إنها موجودة أصلًا.
ثم هدأت قليلًا، وسحبت الكرسي حتى أصبح ملاصقًا للسرير، وجلست بجوار نجاة، وأمسكت يدها برفق.
- يا نجاة... شاهندة بتكبر، وأنا مش هفضل واقفة أتفرج عليها وهي مستنية ابنك. لولا إني عارفة إنها بتحبه بجد، وإنها مستعدة تسعده وتستحمله في كل ظروفه، ما كنتش وافقت على كده أبدًا.
تنهدت مديحة، ثم أضافت بصوت أكثر هدوءًا:
- اللي بنعمله ده عين العقل يا نجاة... عاصم عمره ما كان هيفكر يتجوز إلا بالطريقة دي، هو قافل على نفسه ومش شايف غير شغله.
يمكن كان لازم نعمل كده من زمان.
ثم نظرت إليها وأضافت:
- إحنا مش بنأذيه... إحنا بنحاول نساعده. عاصم محتاج حد يفكره إن الحياة مش شغل وبس.
تنهدت نجاة، وقالت بصوت مليء بالألم:
- وأنا كمان نفسي أشوف عاصم سعيد... نفسي يعيش مع واحدة تحبه وتقدره.
نظرت إليها مديحة بثبات، وقالت:
- يبقى نكمل اللي بدأناه.
امتلأت عينا نجاة بالدموع، وقالت بصوت مكسور:
- عاصم عمره ما اتأخر عليا، ولا عمره رد لي طلب. أول ما سمع إني تعبت... ساب كل اللي في إيده وجري عليا. وأنا بدل ما أقابله بالحقيقة، بخبي عليه.
ضغطت مديحة على يدها بحنان، وقالت:
- يا نجاة... هو هيعرف منين إننا بنحاول نساعده؟ عاصم غرقان في شغله، ومحتاج حد يفكره إن الحياة مش شغل وبس. وإنتِ أمه... أكتر واحدة يهمها سعادته.
ثم ابتسمت بحزن وأضافت:
- كلميه كأم خايفة على ابنها، مش كحد بيضغط عليه. قولي له إن أمنيتك تشوفيه مستقر وسعيد، وإن شاهندة هي البنت اللي قلبك مطمن لها.
خفضت نجاة رأسها، ثم همست بصوت اختنق بالبكاء:
- يا رب... سامحني. أنا عارفة إن عاصم لو عرف الحقيقة، هيتوجع أكتر ما هيغضب... بس أنت شاهد إني ما عملتش كده إلا علشان أشوف ابني سعيد ومستقر.
---------------
فى قصر بهاء الدين المصرى
استيقظت لينا من نومها، ثم اعتدلت في جلستها وهي تنظر إلى الساعة المعلقة على جدار غرفتها، فوجدت عقاربها تشير إلى السادسة مساءً.
تمتمت بدهشة:
- يااااه... نمت كل ده!
ثم وقعت عيناها على هاتفها المحطم، فزفرت بضيق، قبل أن تنهض من فراشها وتتجه إلى الحمام.
وبعد نحو ربع ساعة، خرجت وقد ارتدت مئزرها، ثم فتحت خزانة ملابسها وأخرجت فستانًا صيفيًا جميلًا، مشجرًا بألوان هادئة، يصل إلى ركبتيها.
ارتدته، ثم أطلقت العنان لشعرها الاحمر الذي انسدل على كتفيها في نعومة، فبدت جميلة بحق.
التقطت هاتفها المحطم، وضعته في جيب الفستان، ثم غادرت غرفتها متجهة إلى الطابق السفلي.
هبطت درجات السلم وهي تنظر حولها باستغراب، فلم تجد أحدًا.
تمتمت:
- هما راحوا فين؟!
اتجهت نحو حديقة القصر، وما إن خرجت إليها حتى رأت ياسمين، زوجة ابن خالها ممدوح، تجلس على الأرجوحة الخشبية تداعب طفلها الصغير "عمر".
وبمجرد أن وقعت عينا الطفل على لينا، قفز من مكانه وركض نحوها وهو يصيح بفرحة:
- لولو... حبيبتي! أخيرًا صحيتي!
انحنت لينا وحملته بين ذراعيها، وأغرقت وجنتيه بالقبلات وهي تضحك.
- يا قلب لولو أنت!
ابتسمت ياسمين وقالت:
- كان مصمم يصحيكي، والله حوشناه بالعافية.
ضحكت لينا، ثم أمسكت أنف الصغير برفق وقالت:
- مش هتبطل شقاوة بقى؟
هز عمر رأسه بحماس وقال:
- عشان نلعب سوا.
ضحكت لينا وقالت:
- هنلعب يا حبيبي.
قالت ياسمين وهي تشير إليه:
- لما يتغدى الأول.
اتسعت عينا لينا بدهشة وقالت:
- معقول! متغداش لحد دلوقتي؟
تنهدت ياسمين وقالت:
- مغلبني من بدري... مش راضي ياكل غير معاكي.
أنزلت لينا الصغير على الأرض وربتت على رأسه بحنان.
- يا نهار قمر يا ناس!
طب يلا يا سيدي... روح قول لدادة فاطمة تحضر لنا أنا وأنت الغدا.
ركض عمر بكل قوته نحو الداخل.
فنادت ياسمين من خلفه:
- متجريش يا عمر... هتقع!
ابتسمت لينا وهي تتابعه بعينيها، ثم التفتت إلى ياسمين وسألت:
- ممدوح هنا؟
هزت ياسمين رأسها نفيًا.
- لا... مشي بعد الغدا على طول، عنده شغل.
وفي تلك اللحظة عاد عمر يجري مرة أخرى وهو يهتف:
- يلا يا لولو... ناكل عشان نلعب.
ضحكت لينا وربتت على شعره وقالت:
- يلا يا قمر... بس هروح مشوار صغير، وبكرة عندي أجازة...
ثم فتحت يديها على اتساعهما وهي تبتسم وأضافت:
- وهنلعب كتير سوا.
ابتسم الصغير بسعادة، ثم احتضنها بكلتا ذراعيه، فبادلته الحضن، ودخلا إلى الداخل لتناول الغداء.
-------------
في تلك الأثناء...
كانت سيارة عاصم تشق طريقها بسرعة نحو مستشفى الشروق.
ظل جالسًا في المقعد الخلفي، وعيناه معلقتان بالطريق من خلف زجاج السيارة، وملامحه متوترة رغم محاولته إخفاء قلقه.
لم يكن يشغل تفكيره سوى سؤال واحد:
كيف حال والدته؟
ما إن توقفت السيارة أمام بوابة المستشفى، حتى فتح عاصم الباب بنفسه وترجل منها سريعًا.
اقترب مسعد منه وقال:
- أجي معاك يا دكتور؟
هز عاصم رأسه دون أن يتوقف:
- لا يا مسعد... استناني هنا.
ثم اتجه إلى الداخل بخطوات سريعة.
دخل من باب الطوارئ، وسأل موظفة الاستقبال بصوت حازم:
- لو سمحتي... حالة نجاة الرشيدي موجودة فين؟
بحثت الموظفة في الحاسوب، ثم رفعت رأسها قائلة:
- الدور التاني... غرفة 217.
أومأ عاصم برأسه، واتجه مباشرة نحو المصعد.
خلال صعوده، كان يحاول أن يبدو هادئًا، لكن أصابعه كانت تقبض على هاتفه بقوة.
وصل المصعد إلى الدور الثاني.
خرج منه، وسار في الممر بخطوات متسارعة، حتى وصل أمام الغرفة رقم 217.
توقف للحظة أمام الباب.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم رفع يده ليطرق.
لكنه قبل أن يفعل...
وصل إلى أذنه صوت مديحة من الداخل:
- يا نجاة... دلوقتي معادش ينفع نتراجع.
العمر بيجري ببنتي، وعاصم مش شايف غير شغله...
تجمد عاصم في مكانه.
وظلت يده معلقة في الهواء.
ثم جاءه صوت والدته مكسورًا:
- أكتر حاجة وجعاني إني بكسر ثقته فيا... عاصم عمره ما اتأخر عليا، ولا عمره رد لي طلب.
شحب وجهه تدريجيًا.
لم يكن يتوقع أن يسمع شيئًا كهذا.
ظل واقفًا خلف الباب، يستمع لكل كلمة، بينما بدأت الحقيقة تتكشف أمامه بطريقة لم تخطر بباله يومًا.
أمه...
الشخص الذي كان يثق به أكثر من أي أحد...
كانت تخفي عنه أمرًا كبيرًا.
قبض عاصم على مقبض الباب ببطء، لكنه لم يفتحه.
ولأول مرة منذ سنوات...
شعر أنه لا يعرف ماذا يفعل.
زفر بضيق ثم رفع عاصم يده، وطرق الباب طرقات هادئة.
في الداخل، انتفضت نجاة ومديحة، وتبادلتَا نظرة سريعة. بينما عادت نجاة للاستلقاء على السرير وأغمضت عينيها، متظاهرة بالتعب.
اقتربت مديحة من الباب وفتحته.
وما إن وقع بصرها عليه، حتى رسمت ابتسامة هادئة على وجهها وقالت:
- حمد الله على سلامتك يا عاصم... ادخل يا حبيبي.
بادلها ابتسامة خفيفة.
- الله يسلمك
دخل عاصم الغرفة، واتجه مباشرة نحو والدته.
في تلك اللحظة، فتحت نجاة عينيها ببطء، وما إن رأته حتى قالت بصوت ضعيف:
- عاصم...
اقترب منها سريعًا، وجلس إلى جوارها، ثم أمسك يدها بين كفيه.
- حمد الله على سلامتك يا أمي... خوفتِني عليكِ.
ابتسمت نجاة ابتسامة واهنة.
- معلش يا حبيبي... تعبتك معايا.
هز رأسه نافيًا.
- تعبك راحة يا أمي.
وقبل أن يسترسل في الحديث، طُرِقَ الباب، أذن عاصم الطارق بالدخول إذا به الدكتور فكري وهو يحمل ملفها الطبي.
ابتسم ابتسامة مهنية، ثم قال:
- الحمد لله... الحالة مستقرة، والضغط رجع طبيعي.
ثم نظر إليهم بجدية وأضاف:
- لكن لازم أوصيكم على حاجة... مدام نجاة محتاجة راحة تامة، وممنوع أي زعل أو انفعال. حالتها النفسية دلوقتي أهم من أي دواء، فأرجوكم محدش يناقشها في أي موضوع يضايقها.
أومأ عاصم بهدوء.
- حاضر يا دكتور.
صافحه الطبيب، ثم غادر الغرفة.
تابعه عاصم بعينيه حتى أغلق الباب خلفه.
للحظة قصيرة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، ثم اختفت سريعًا.
حتى الدكتور فكري... أشركتوه معاكم!!
لكنه لم يُظهر شيئًا، وعادت ملامحه الهادئة كما اعتاد الجميع أن يروها.
تنهدت نجاة، ثم نظرت إليه بعينين تحملان الرجاء.
- عاصم...
رفع عينيه إليها.
- أيوه يا أمي.
ابتلعت ريقها، وقالت بصوت متردد:
- أنا يمكن معرفش هعيش قد إيه... وكل اللي نفسي فيه أشوفك متجوز ومستقر.
قطب عاصم حاجبيه فورًا.
- بعد الشر عليكِ يا أمي... ربنا يديكِ الصحة وطولة العمر.
هزت نجاة رأسها ببطء.
- الأعمار بإيد ربنا يا ابني... وأنا مش مطمنة عليك مع أي بنت... إلا شاهندة. بنت خالتك بتحبك من سنين، وأنا عارفة إنها هتسعدك.
ساد الصمت للحظات.
ظل عاصم ينظر إليها بهدوء، ثم قال:
- متقلقيش يا أمي... خلاص هعمل اللى يريحك واتجوز .
تنفست نجاة براحة، بينما لمعت عينا مديحة بالأمل.
قالت بسرعة:
- أنا هبلغ شاهندة حالًا.
رفع عاصم عينيه إليها، وقال بهدوء:
- ومين قال إني أقصد شاهندة؟
توقفت مديحة عن الكلام، ونظرت إليه باستغراب.
أما نجاة، فانعقد حاجباها في حيرة.
أكمل عاصم بنفس الهدوء:
- أنا خطبت.
تجمدت ملامحهما للحظة.
واتسعت عينا نجاة بصدمة.
- إيه ..خطبت؟!
أما مديحة، فبقيت تنظر إليه وكأنها لم تستوعب الكلمة.
- إنت... خطبت؟!
وبينما كانت نجاة ومديحة غارقتين في صدمتهما، دوّى رنين هاتف عاصم في الغرفة.
أخرجه من جيبه، وألقى نظرة سريعة على الشاشة.
"غادة"
ضغط زر الإجابة، ووضع الهاتف على أذنه.
- أيوه يا غادة.
جاءه صوت سكرتيرته العملي:
- دكتور عاصم، حضرتك عندك ميتنج بعد ساعة مع مستر منير، رئيس مجلس إدارة شركة الفردوس للسياحة، في فندق ماريوت الزمالك.
نظر عاصم إلى ساعته، ثم قال بهدوء:
- تمام يا غادة... هكون هناك في الميعاد.
أنهى المكالمة، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه.
التفت إلى والدته، التي كانت ما تزال تنظر إليه بشرود، ثم قال بهدوء:
- أنا مضطر أمشي يا أمي... عندي ميتنج مهم. ومراد وسيلا جايين، هيبقوا معاكي.
حاولت نجاة أن تتحدث، لكنها لم تجد ما تقوله.
أما مديحة، فظلت صامتة، وعيناها تتابعانه بحيرة، تحاول أن تفهم كيف استطاع أن يخفي عنها وعن أختها أمرًا بهذه الأهمية.
اقترب عاصم من والدته، وقبّل رأسها برفق.
- ارتاحي يا أمي... وأي حاجة تحتاجيها كلمينى ثم استدار وغادر الغرفة بخطوات ثابتة.
وبمجرد أن أُغلق الباب خلفه...
ظلت نجاة ومديحة في مكانهما، وكل منهما غارقة في أفكارها.
فخروج عاصم الهادئ كان أكثر ما أربكهما...لأنه لم يترك خلفه غضبًا أو عتابًا، بل ترك وراءه سؤالًا واحدًا:
من هي الفتاة التي استطاعت أن تجعل عاصم يختارها؟
لم تجد نجاة ما تقوله، بينما أخذت مديحة نفسًا عميقًا تحاول به إخفاء ارتباكها.
نظر إليهما عاصم، ثم قال:
- هتعرفوا في الوقت المناسب.
اقترب من والدته، وقبّل رأسها برفق.
- أهم حاجة دلوقتي إنك ترتاحى
وقف، ثم نظر إلى مديحة نظرة هادئة أربكتها.
- عن إذنكم.
استدار وغادر الغرفة بخطوات ثابتة.
وبمجرد أن أُغلق الباب خلفه...
ظلت مديحة تنظر إلى الباب، غير قادرة على تصديق ما سمعته.
ثم التفتت إلى نجاة، وقالت بصوت مبحوح:
- خطب يا نجاة ..خطب واحدة تانية غير شاهندة ؟!
لم تجبها نجاة، فقد كانت هي الأخرى شاردة.
وضعت مديحة يدها على صدرها، وقالت بألم:
- بعد كل السنين دي... بعد ما شاهندة استنته، ورفضت كل اللي اتقدموا لها عشانه... يطلع في الآخر اختار واحدة تانية؟!
تنهدت نجاة بحزن.
- أنا مش أقل منكِ وجعًا يا مديحة... شاهندة غالية عليا زي بنتي، وكنت أتمنى أشوفها مع عاصم.
نظرت مديحة إليها بعينين ممتلئتين بالحسرة.
- أنا كنت بقول لها اصبري... كنت بقول لها عاصم هيحس بيكي في يوم. أقول لها إيه دلوقتي؟
اقتربت نجاة منها وأمسكت يدها.
- إحنا منعرفش مين البنت دي يا مديحة... ولسه منعرفش إيه اللي حصل.
لكن مديحة ظلت تنظر إلى الباب، وقلبها مثقل بالخوف على ابنتها.
- بس عاصم لأول مرة اختار... والاختيار ماكانش شاهندة.
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
بعد أن انتهت من تناول الغداء، استأذنت لينا بهدوء، ثم صعدت إلى غرفتها.
وقفت أمام المرآة لحظة، ثم فتحت خزانة ملابسها وأخرجت حقيبة يد أنيقة تتناسق مع الفستان الذي ترتديه.
فتحت الحقيبة، ثم أخرجت محفظتها وتأكدت من وجود الكريدت كارد بداخلها.
بعدها أخرجت هاتفها المحطم من جيب الفستان، ووضعته داخل حقيبة اليد، ثم أغلقتها ونزلت إلى الطابق السفلي.
ما إن رأتها ياسمين حتى سألتها:
- رايحة فين؟
ابتسمت لينا وقالت:
- هروح بسرعة أصلح تليفوني، وأجيب iPhone 18 Pro Max.
عقدت ياسمين حاجبيها وقالت:
- ابعتي أي حد يجيبه.
هزت لينا رأسها نافية.
- مش هينفع... عايزة أصلح القديم الأول عشان أنقل منه الحاجات المهمة، هروح فرع ريكا اللى قريب من هنا يعنى عشر دقائق مشى حتى مش هاخد العربية .
تنهدت ياسمين وقالت:
- ماشي... بس متتأخريش.
ابتسمت لينا وهي تتجه نحو الباب.
- حاضر.
سألتها ياسمين:
- طب أجي معاكي؟
التفتت إليها لينا مبتسمة وقالت:
- لا... خليكي مع عمر، ده عشر دقايق مشي بس.
ابتسمت ياسمين وقالت:
- تمام... خلي بالك من نفسك.
أومأت لينا برأسها.
- حاضر... سلام.
خرجت من بوابة القصر، واتجهت سيرًا على الأقدام نحو مركز الصيانة الموجود في الشارع الخلفي.
وبعد دقائق، وصلت إليه ودلفت إلى الداخل.
استقبلها أحد الموظفين بابتسامة مهنية.
- اتفضلي يا آنسة.
فتحت لينا حقيبة اليد، وأخرجت الهاتف المحطم، ثم وضعته أمامه.
- عايزة أصلح ده.
تناول الموظف الهاتف وأخذ يفحصه لثوانٍ، ثم قال:
- الشاشة محتاجة تتغير، وهيكون جاهز خلال حوالي ساعة.
أومأت لينا برأسها، ثم قالت:
- تمام... وكمان عايزة iPhone 18 Pro Max، اللون الأسود التيتانيوم لو موجود.
فتح الموظف جهاز الكمبيوتر، وأخذ يبحث بين البيانات، ثم رفع رأسه معتذرًا.
- للأسف خلص من عندنا.
ظهرت علامات الانزعاج على وجه لينا.
- يعني مفيش خالص؟
- لا، لكن في دفعة جديدة هتوصل بعد يومين.
هزت رأسها برفض.
- لا... مش هينفع، أنا محتاجاه بكرة.
ابتسم الموظف وقال:
- موجود في الفرع الرئيسي لريكا بشارع إسماعيل محمد.
سألته لينا:
- هو بعيد؟
ابتسم الموظف وأضاف:
- لا، ده مشوار قريب بعد شارعين.... وعلى ما ترجعي هيكون تليفونك اتصلح.
تناولت لينا إيصال الاستلام، ثم ابتسمت قائلة:
- شكرًا.
وضعت إيصال الاستلام داخل حقيبة يدها، ثم خرجت من مركز الصيانة متجهة إلى الفرع الرئيسي بشارع إسماعيل محمد.
ــــــــــــــ
ما إن خرج عاصم من المستشفى، حتى أسرع السائق مسعد وفتح له باب السيارة.
استقل عاصم المقعد الخلفي، ثم قال باقتضاب:
- على فندق ماريوت الزمالك.
- حاضر يا دكتور.
انطلقت السيارة تشق الطريق في هدوء.
وبعد دقائق، رفع عاصم عينيه عن شاشة هاتفه وقال:
- يا مسعد... وقف على أي مركز كبير لبيع الموبايلات في طريقنا.
نظر مسعد إليه عبر المرآة الداخلية، ثم قال:
- في محل بشارع إسماعيل محمد يا دكتور، قريب من طريقنا.
أومأ عاصم برأسه.
- تمام... روح عليه الأول.
- حاضر يا دكتور.
انعطف مسعد بالسيارة متجهًا نحو شارع إسماعيل محمد.
------
خرجت لينا من مركز الصيانة وهي تمسك حقيبة يدها بإحدى يديها، بينما كانت تنظر إلى إيصال الاستلام قبل أن تعيده إلى داخل الحقيبة.
تنهدت بخفة وهي تتمتم:
- الحمد لله... على ما أجيب التليفون الجديد، يكون القديم اتصلح.
ثم تابعت سيرها في اتجاه شارع إسماعيل محمد.
كان الشارع أكثر هدوءًا من سابقه، تصطف على جانبيه الأشجار، وتتناثر به بعض السيارات المتوقفة أمام العمارات السكنية، بينما كانت حركة المارة محدودة مع اقتراب المساء.
وفي الجهة المقابلة، كان شاب في أواخر العشرينيات يقف مستندًا إلى أحد أعمدة الإنارة، تبدو عليه آثار الإهمال، وعيناه حمراوان، وملابسه غير مرتبة، وكأنه لم يذق النوم منذ أيام.
ما إن وقعت عيناه على لينا حتى اعتدل في وقفته، ورسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة.
تمتم بصوت منخفض وهو يتابعها بعينيه:
- إيه ده... هو السما بقت بتمطر مزز ولا إيه؟!
ضحك ضحكة قصيرة، ثم دفع كتف صديقه الواقف بجواره وقال:
- شفت القمر ده؟!
لم تلتفت لينا إليه، فقد كانت منشغلة بالطريق أمامها، وتابعت سيرها بخطوات هادئة.
انتظر الشاب حتى ابتعدت بضعة أمتار، ثم ترك صديقه وسار خلفها ببطء، وعيناه لا تفارقانها.
وبعد عدة خطوات، شعرت لينا بأن هناك من يسير خلفها.
التفتت سريعًا، فلم تجد سوى بعض المارة وسيارة تعبر الشارع.
عادت تنظر أمامها، وهمست لنفسها محاولة تهدئة خوفها:
- أكيد بتتهيألي... ده شارع والناس رايحة جاية.
ثم تابعت السير، دون أن تعلم أن ذلك الشاب ما زال يلاحقها، منتظرًا اللحظة المناسبة ليقترب منها.
واصلت لينا السير بخطوات ثابتة، وهي تحاول طرد ذلك الشعور المزعج الذي تسلل إلى داخلها.
كانت الأشجار تحجب جزءًا من ضوء أعمدة الإنارة، فأصبح المكان أكثر هدوءًا، ولم يعد يمر بالمكان سوى عدد قليل من المارة.
شعرت مرة أخرى بأن خطواتٍ تسير خلفها.
هذه المرة ازداد خفقان قلبها.
أسرعت قليلًا، فسمعت الخطوات تزداد سرعة هي الأخرى.
ابتلعت ريقها بصعوبة، لكنها لم تلتفت، وظلت تردد داخلها:
- اهدَي يا لينا... يمكن رايح نفس المكان... متخوفيش نفسك.
وبينما كانت تقترب من فرع موبايل ريكا ، ظهر فجأة ذلك الشاب من مدخل جانبي بين عمارتين، ثم وقف أمامها مباشرة، قاطعًا عليها الطريق.
تجمدت لينا في مكانها.
رفع الشاب حاجبه وهو يبتسم ابتسامة مقززة، ثم قال:
- رايحة فين يا حلوة؟!
ازدردت لينا ريقها بصعوبة، ثم قالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:
- إنت مين؟! وعايز إيه؟!
اقترب منها خطوة وهو يحدق بها من رأسها حتى قدميها، ثم قال:
- أنا مين... دي مش مهمة.
ثم لعق شفتيه ببطء، وفتح ذراعيه قليلًا وأضاف بابتسامة خبيثة:
- إنما عايز إيه... فأنا عايز... كتير.
تراجعت لينا خطوة إلى الخلف، وقد بدأ الذعر يتسلل إلى ملامحها،و ركضت بأقصى ما عندها،لكن الشاب ركض خلفها وأمسك بها .
قالت بحدة محاولة إخفاء خوفها:
- ابعد عني... وإلا هصرخ ولمّ عليك الناس.
اختفت الابتسامة عن وجهه، وأخرج من جيب بنطاله مطواة، ضغط على زرها فانفتح نصلها اللامع في لحظة.
شهقت لينا لا إراديًا.
أشار إليها بالمطواة وهو يقول بصوت غليظ:
- لو فتحتي بقك بكلمة واحدة... هتبقي جثة.
تجمدت في مكانها، وشعرت بأن الدماء انسحبت من وجهها.
ثم أشار برأسه إلى الزقاق الجانبي.
- امشي قدامي... من غير صوت.
رمشت لينا عدة مرات وهي تحاول السيطرة على ارتجاف جسدها.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت لنفسها في محاولة يائسة لتفكر بعقلها لا بخوفها:
- اهدَي يا لينا... لو قاومتيه دلوقتي وهو معاه مطواة ممكن يأذيكي... امشي معاه شوية، وأول ما تلاقي فرصة أو تشوفي حد... اجري أو استغيثي.
رفعت رأسها إليه مرة أخرى، وأومأت برأسها ببطء، ثم بدأت تتحرك أمامه بخطوات مترددة، بينما كانت عيناها تبحثان في كل اتجاه عن أي شخص يمكنه إنقاذها.
------
في تلك الأثناء، كانت سيارة عاصم تشق شوارع الزمالك في هدوء، متجهة إلى فرع موبايل ريكا بشارع إسماعيل محمد.
جلس في المقعد الخلفي، يراجع بعض الملفات على جهازه اللوحي، بينما كان مسعد يقود السيارة بهدوء.
قال مسعد وهو ينظر إلى الطريق:
- خلاص يا دكتور... الفرع قدامنا.
رفع عاصم عينيه عن الشاشة، ثم أغلق الجهاز ووضعه بجواره.
- تمام.
لكن ما إن اقتربت السيارة من الفرع حتى توقفت فجأة.
عقد عاصم حاجبيه.
- وقفنا ليه؟!
تنهد مسعد وهو يشير إلى الأمام.
- عربية نقل كبيرة بتنزل بضاعة يا دكتور، وقافلة الطريق. شكلنا هنتأخر شوية.
ألقى عاصم نظرة سريعة إلى ساعته، ثم قال بهدوء:
- الوقت ضيق.
فتح باب السيارة ونزل منها، ثم أغلقه خلفه.
التفت إلى مسعد وقال:
- خلّيك هنا لحد ما الطريق يفتح، وأنا هجيب الموبايل بنفسي. أول ما تخلص، تعالى قدام الفرع.
قال مسعد بسرعة:
- حاضر يا دكتور.
عدل عاصم سترته السوداء الأنيقة، ثم أدخل يديه في جيبي بنطاله، واتجه بخطوات هادئة نحو الفرع ، غير مدرك أن على بُعد أمتار قليلة منه، كانت فتاة تصارع خوفها، وأن القدر يقوده إليها خطوةً بعد أخرى.
-----
وبينما كانت تسير أمامه، رفعت عينيها فجأة، فوقع بصرها على رجل يرتدي بدلة سوداء أنيقة، يسير في نهاية الشارع متجهًا نحو فرع موبايل ريكا.
اتسعت عيناها بالأمل.
استجمعت كل ما تبقى لديها من شجاعة، ثم صرخت بأعلى صوتها:
- الحقني!
في لمح البصر، انقض الشاب عليها، وكتم فمها بيده بقوة، ثم ألصق نصل المطواة برقبتها وهو يزمجر في أذنها:
- لو فتحتي بقك تاني... والله لأدبحك.
أغمضت لينا عينيها للحظة، وقد تجمد الدم في عروقها.
ثم دفعها بعنف وهو يقول بلهجة ساخرة:
- امشي يا قطة... من سكات أحسن لك.
في تلك اللحظة، توقفت خطوات عاصم.
التفت فورًا نحو مصدر الصرخة، ثم اتجه نحوهما بخطوات هادئة وثابتة، حتى توقف على بعد أمتار قليلة منهما.
أدخل يديه في جيبي بنطاله، ووقف بكل ثقة، كأن وجود المطواة لم يهزه أدنى اهتزاز.
ثبت نظراته الباردة على الشاب، ثم قال بصوت هادئ يحمل أمرًا لا يقبل النقاش:
- سيبها.
رفعت لينا عينيها نحوه، لكن الظلام الذي لف المكان حال دون تمييز ملامحه، فلم تستطع أن ترى سوى هيئته الأنيقة وصوته الواثق.
نظر إليه الشاب باستهزاء، رغم انه اهتز من داخله بسبب ثبات عاصم وقال:
- طب لو ماسبتهاش هتعمل إيه؟!
لم تتغير ملامح عاصم، ولم يتحرك من مكانه، بل ظل ينظر إليه بثبات تام، ثم كرر بنفس النبرة الهادئة:
- قولت... سيبها.
رغم الرعب الذي كانت تعيشه، شعرت لينا أن ذلك الرجل الغريب يتحدث بثقة غريبة، وكأن الموقف كله تحت سيطرته، بينما بدأ الشاب يرمقه بحذر، فقد كان الهدوء الذي يسبق العاصفة.
