رواية ما استردة القلب الفصل الرابع عشر 14 بقلم ريهام ناجي

 


رواية ما استردة القلب الفصل الرابع عشر بقلم ريهام ناجي


أسبوع كامل عدى بعد أزمة الملف، 
الهدوء رجع للشركة من تاني، والاجتماعات رجعت تمشي بشكل طبيعي،
 والكل افتكر إن اللي حصل كان مجرد أزمة وعدت.

لكن أنا...
مكنتش قادر أنسى، 
كل ما أفتكر تسجيلات الكاميرات المحذوفة...
وأفتكر الأخطاء اللي ظهرت فجأة في الملف...
كنت أتأكد أكتر إن اللي حصل مكانش صدفة، 
كان فيه حد بيلعب لعبة كبيرة...
ولسه مخلصهاش. 

كنت قاعد في قاعة الاجتماعات، وقدامي أعضاء مجلس الإدارة، 
وبنراجع آخر تقارير المشروع الجديد.
اتكلم أحد الشركاء وهو بيقلب في الأوراق:

_الحمد لله الصفقة الأخيرة كانت نقطة تحول كبيرة للشركة.

هزيت راسي باقتضاب.

_وده يخلينا مطالبين إننا نحافظ على المستوى ده.

لسه هكمل كلامي...
فجأة الباب اتفتح، 
ودخل خالد بسرعة، وعلى وشه ملامح عمري ما شوفتها عليه قبل كده.

وقف عند الباب وقال باعتذار:

_آسف على المقاطعة يا جماعة...
بس لازم مستر يونس يخرج حالًا.

كل اللي في القاعة بصوا له باستغراب، 
عقدت حاجبي.

_خير يا خالد؟

بلع ريقه، وقال بنبرة حاول يخفي فيها توتره:

_فيه موضوع مهم جدًا...
ومينفعش يستنى.

اعتذرت للحضور، وقمت من مكاني، 
أول ما خرجنا من قاعة الاجتماعات، بصيتله بجدية.

_اتكلم.

اتلفت حواليه يتأكد إن محدش سامعنا، 
وبعدين قال بصوت منخفض:

_احنا عندنا مصيبة.

ثبت عيني عليه. 

_مصيبة إيه؟

مدلي التابلت اللي في إيده.

_بص.

أخدته منه، وفتحت الملف، 
أول صفحة...
وتاني صفحة...
وتالت صفحة...
ومع كل صفحة كنت حاسس إن الدم بيتسحب من وشي، 
رفعت عيني لخالد ببطء.

_الملف ده...

هز راسه.

_أيوه...
ده نفس ملف الصفقة بتاعنا.

سكت لحظة...
قبل ما يكمل:

_وشركة محمود الخولي قدمته باسمها الصبح.

فضلت باصصله ثواني من غير ما أنطق، 
يمكن لو حد غير خالد هو اللي قالي الكلام ده... مكنتش هصدقه. 

بصيت تاني للتابلت، وقلبت في الصفحات بسرعة أكبر، 
كل بند...
كل رقم...
كل ملاحظة...
حتى ترتيب العرض...
كان نسخة طبق الأصل من الملف اللي اشتغلنا عليه أسابيع.

قفلت التابلت ببطء، وأنا بحاول أسيطر على هدوئي.

_أنت متأكد إن دي النسخة اللي اتقدمت؟

هز خالد راسه.

_مفيش أي شك... وصلتني من مصدر موثوق،
 ولسه متأكد منها بنفسي.

سكت لحظة، قبل ما يكمل:

_وده معناه إن حد سرب الملف من عندنا.

اتنهدت بهدوء، رغم إن جوايا كان بيغلي.

_مين يعرف بالنسخة النهائية؟

بدأ خالد يعد على صوابعه.

_أنا... وأنت... وقسم العقود... وقسم المراجعة.

بصيتله.
_والملف كان مع مين آخر مرة؟

رد من غير تردد:

_كان مع رُهام... لأنها كانت آخر واحدة راجعته قبل ما يتبعت.

سكت...
لكن المرة دي أنا اللي كملت. 

_وبعدها الملف اتبعت من عندي وبنفسي بع. 

هز خالد راسه.

_بالظبط.

رجعت أبص قدامي
فيه حاجة..
فيه حاجة مش راكبة، 
رُهام كانت تقدر تسرق الملف لو هي فعلًا عايزة...
لكن ساعتها...
مكنتش هتتعب نفسها وتفضل تصلحه بالساعات قدامي، 
ولا كانت هتقبل ترجع تراجعه من أوله، 
ولا كانت هتخاطر إنها تقعد في مكتبي كل الوقت ده.

قال خالد بتردد:

_يونس...
فيه حاجة لازم تعرفها. 

لفيتله.

_إيه؟

بلع ريقه.

_الموضوع بدأ ينتشر في الشركة.

عقدت حاجبي.

_إيه اللي انتشر؟

اتنهد وقال:

_فيه ناس بتقول إن اللي سرب الملف... 
واحد من موظفين الشركة.

سكت ثانية...
قبل ما يكمل بنبرة أوطى:

_وفيه اللي بدأ يذكر اسم رُهام.

اتجمدت ملامحي.

_مين؟

_لسه مش عارف...
 بس الإشاعة بتنتشر بسرعة.

وقبل ما أرد...
رن موبايل خالد، 
بص للشاشة، واتغير وشه، 
رد بسرعة:

_أيوة.

فضل ساكت وهو بيسمع...
وبعدين قال:

_إيه؟!

رفع عينه ناحيتي بصدمة.

_بيقولوا إنهم عرفوا رُهام تبقى بنت مين... وبيقولوا إنها جات تشتغل هنا مخصوص، عشان كجاسوسة لشركتهم، عشان كدا معرفتش حد بهوايتها الحقيقية! 

ـــــــــــــ

كنت قاعدة على مكتبي، مركزة في الشغل، وبراجع شوية بيانات طلبها مني مستر خالد قبل ما الشركة تنشغل في الصفقة اللي دخلها. 

الغريب...
إن القسم النهاردة كان هادي بشكل مش طبيعي.

عدى حوالي نص ساعة، وكل حاجة كانت ماشية تمام...
لحد ما حسيت بنظرات بتخترقني، 
رفعت عيني من على شاشة اللاب.

لقيت اتنين من الموظفين واقفين بعيد شوية، بيتكلموا بصوت واطي،
 وأول ما بصيت ناحيتهم... سكتوا. 

استغربت، 
بس رجعت أكمل شغلي، وأنا بحاول أقنع نفسي إني بتوهم.

لكن بعد دقايق...
عدت واحدة من الموظفات جنبي، وبصتلي نظرة طويلة، 
قبل ما تكمل طريقها، 
عقدت حواجبي. 

_هو فيه إيه؟

لفيت أبص ناحية ندى...
لقيتها ماسكة موبايلها، ووشها متغير، وكأنها قريت خبر صدمها.

أول ما رفعت عينيها وشافتني...
نزلت الموبايل بسرعة، ولفت وشها الناحية التانية، 
قلبي اتقبض، 
قمت من مكاني، وروحتلها.

_ندى...

رفعت رأسها بتوتر.

_نعم؟

_هو في حاجة حصلت؟

اتلخبطت وهي بتبص حواليها.

_لا... ليه؟

بصيتلها باستغراب.

_أصل حاسة الناس كلها باصة عليا بطريقة غريبة.

بلعت ريقها.

_يمكن... يمكن عشان اللي حصل الأسبوع اللي فات.

هزيت راسي بعدم اقتناع.

_لا...
الموضوع أكبر من كده، 
ما هو خلال الاسبوع كانوا بيتعملوا معايا عادي. 

هزت رأسها بسرعة. 

_صدقيني مفيش حاجة. 

بصيتلها بعدم اقتناع. 

_متأكدة؟

قبل ما ترد...

سمعت همسة طالعة من آخر القسم.

_"هي دي... أهي."

لفيت تلقائي ناحية الصوت، 
كان اتنين من الموظفين واقفين جنب بعض، واحد منهم ماسك موبايله،
 وبيوريه للتاني، 
أول ما بصيت عليهم...
سكتوا، 
ونزلوا عينيهم في الأرض. 

بدأت أحس إن فيه حاجة بتحصل... وأنا الوحيدة اللي مش فاهماها، 
رجعت بصيت لندى، لقيت التوتر باين في عينيها، 
قولتلها بقلق:

_ندى... بالله عليكي، قوليلي فيه إيه؟

بلعت ريقها، ولسه هتتكلم...
لكن في اللحظة دي...
دخل موظف من قسم العقود بسرعة، وقال بصوت مسموع:

_يا جماعة... هو الكلام اللي بيتقال ده بجد؟

رد عليه واحد من الموظفين بصوت واطي، لكنه كان مسموع:

_أيوه... بيقولوا إنها بنت محمود الخولي،  
وهي اللي سربت ملف الصفقة لشركتهم. 

وفي ثانية...
اتحولت كل العيون ناحيتي. 

أما أنا...
ففضلت واقفة مكاني...
مش فاهمة هما بيتكلموا عن مين...
لحد ما سمعت اسمي.

_بيقولوا... إن رُهام هي بنت محمود الخولي.

ــــــــــــــ

اتجمدت مكاني...
حسيت إن كل الأصوات حواليا اختفت فجأة،
 ومبقتش سامعة غير دقات قلبي.

بصيت حواليا...كل العيون كانت عليا، 
عيون فيها استغراب... وعيون فيها اتهام، 
وعيون كأنها خلاص أصدرت الحكم، 
هزيت راسي بعدم استيعاب.

_إيه...؟

بصيت للموظف اللي قال الكلام.

_أنت بتقول إيه؟

اتردد، لكنه مردش، 
واحدة من الموظفات همست للي جنبها:

_يبقى الكلام طلع بجد.

وقال التاني:

_أنا أول ما عرفت استغربت أصلًا... إزاي بنت محمود الخولي تشتغل هنا،
 إلا إذا كان عشان تعمل عملتها دي. 

حسيت إن رجلي مش شايلاني، 
بصيت لندى...
كانت واقفة ساكتة، ملامحها متوترة، ومش عارفة تبصلي، 
قربت منها خطوة.

_ندى...

رفعت عينيها ليا.

_هو... هم بيقولوا إيه؟

فتحت بقها، لكن الكلمات خانتها، 
وفي اللحظة دي..اتفتح باب القسم بعنف، 
لف الكل ناحية الباب... وساد صمت ثقيل.

ــــــــــــــ

قبل ما أوصل للقسم...
وقفت في نص الممر، وأنا باصص من خلال الواجهة الزجاجية للشركة، 
الملف اتسرق...والإشاعة انتشرت، وكل الخيوط... بتقف عند رُهام، 
وقف خالد جنبي، وقال بصوت هادي:

_هتعمل إيه؟

فضلت ساكت ثواني...
قبل ما أقول:

_قدامي احتمالين...

لف يبصلي باهتمام.

_يا إما كل اللي حصل خلال الفترة اللي فاتت كان تمثيل متقن...

سكت لحظة...

_يا إما فيه حد بيلعب بينا كلنا.

عقد خالد حواجبه.

_وأنت ميال لأنهي احتمال؟

بصيت قدامي من غير ما أرد، 
كانت صورة رُهام وهي قاعدة بالساعات قدام الملف، وهي بتراجع كل تفصيلة فيه، بتمر قدام عيني...
وفي نفس الوقت...
الملف اللي قدامي نسخة مطابقة.

غمضت عيني للحظة...
كل الأدلة... كانت بتقول إنها هي، 
لكن...
أوقات الحقيقة بتبقى أبعد بكتير من اللي ظاهر قدامنا. 

وأوقات...
العقل بيقول حاجة...
واللي شوفته بعيني بيقول حاجة تانية. 

فتحت عيني، واتنفست ببطء.

_لازم أعرف الحقيقة منها...
قبل ما أحكم. 

واتحركت ناحية قسمها.

ــــــــــــــــــ

كان مستر يونس اللي جه، 
دخل بخطوات ثابتة، وعلى وشه ملامح جامدة خلت حتى الهمس يختفي، 
ومستر خالد كان ماشي وراه، وعينيه بتلف على الموظفين.

بصيتله...
وأول ما عيني جت في عينه، حسيت إن قلبي وقع، 
يا ترى...
هو كمان صدق؟ 

وقف في نص القسم، وبص على الوجوه اللي متجمعة حواليا، 
اتكلم بصوت هادي... لكن حاد.

_إيه اللي حاصل هنا؟

محدش رد، 
كل واحد بص للتاني، 
وهو كرر سؤاله بنبرة أقوى.

_أنا بسأل...
مين سمح إن الشغل يقف؟

اتحرك واحد من الموظفين وقال بتردد:

_يا فندم... إحنا...

قاطعه قبل ما يكمل.

_كل واحد يرجع على مكتبه.

فضلوا واقفين مكانهم، 
رفع عينه لهم.

_سمعتوا اللي قولته؟

في أقل من ثواني... بدأ كل واحد يرجع لمكانه، 
لكن الهمسات موقفتش...كانت بس بقت أوطى.

فضلت واقفة مكاني...
مش قادرة أتحرك، 
بصلي ثواني... وحسيت في نظراته بخذلان، وصلني منه إنه صدق إني فعلًا اللي عملت كدا، 
أنا اللي سربت ملف الصفقة لشركة بابا، اللي المفروض مأملكش فيها أي شيء دلوقتي! 

ومش بعيد يكون فكر، إن كل اللي قدمته في الفترة اللي فاتت ما هو إلا تمثيل لحبك الخطة التمام عشان أسرب معلومات الشركة هنا لشركتنا. 

قرب مني وقال بهدوء:

_أنسة رُهام.

رديت بصوت خرج بالعافية.

_أفندم...

_اتفضلي معايا المكتب.

حسيت إن الدنيا لفت بيا، 
هو خلاص... أكيد هيحقق معايا، 
يمكن... يمكن يطردني.

بصيت حواليا...
لقيت كل العيون متعلقة بيا، 
فيها شفقة... وفيها شماتة... وفيها انتظار.

حتى ندى...
كانت باصة لي، وملامحها متوترة.

بلعت ريقي...
وهزيت راسي بصمت.

_حاضر.

لف يونس من غير ما يقول كلمة زيادة، 
ومشي.

فضلت واقفة ثانية...
قبل ما أخد نفس عميق، وأمشي وراه.

وأنا ماشية في الممر...
كنت حاسة إن كل خطوة بتقربني من نهاية شغلي في الشركة اللي حطيت أملي فيها، في إنها ترفعني لفوق، فوق في إني أقدر أحقق وعدي لنفسي ولبابا، وأرجع حقنا المسلوب بالقوة.

وصلنا قدام مكتبه، 
فتح الباب... وأشار بإيده. 

_اتفضلي.

دخلت...
ودخل هو ورايا، 
وقفل الباب بهدوء.

ـــــــــــــــ

وفي نفس الوقت...
ابتسم سليم وهو فاتح المكالمة، 
وبيكلم حازم اللي بينقله كل حاجة لايڤ، وقال بهدوء:

_أخبار الشركة؟

ابتسم حازم بثقة.

_زي ما توقعت بالظبط.

_الإشاعة وصلت لكل الموظفين.

_ويونس أخدها بنفسه على المكتب.

ارتسمت ابتسامة رضا على وش سليم.

_كويس...
يعني خلاص. 

هز حازم رأسه.

_المرة دي... مستحيل يصدقها.

وقف سليم قدام الشباك، وهو بيبص للمدينة من بعيد، 
وقال بثقة شديدة:

_مهما كانت ثقته فيها...
فيه حاجات... لما الناس كلها تقولها...
محدش بيقدر يقف قدامها.

سكت لحظة...

وبعدين ابتسم ابتسامة باردة.

_اللعبة انتهت...
وخسرهتها رُهام.


تعليقات