رواية لولا الغرام الفصل الخامس عشر 15 بقلم روز امين


 رواية لولا الغرام الفصل الخامس عشر 

«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.» 


«أقفُ وسط زحامِ الوجوهِ في بقعةٍ لا تنتمي إليّ، محاطةً بحشدٍ غفيرٍ من بشرٍ لا يشبهونني في شيء، يتحركون حولي في حلقةٍ مفرغةٍ من الآلية، يضحكون بلا فرح، ويتحدثون بألسنةٍ خاويةٍ من الروح، يرتدون أقنعةً زاهيةً غُزلت من زيفٍ متقن، صُممت خصيصاً لتُخفي ملامحهم الحقيقية وتطمس نواياهم الباطنة، يرقصون بآليةٍ مفرطة، وبخطواتٍ رتيبةٍ ومدروسة، كأن هناك خيوطاً خفيةً تُحركهم، أو محركاً بارداً يضبطُ إيقاعَ أجسادهم. 
أنظرُ في أعينهم فلا أرى أثراً لروح، بل بريقاً زجاجياً عاتماً، يتزاحمون في الفراغ كتماثيل شمعيةٍ ذابت ملامحها الأصلية، ثم أُعيد صبها في قوالب ممسوخةٍ ومتشابهة، وفي غمرة هذا المشهد الروتيني البارد، شعرتُ بغربتي تلتهمُني، كجسدٌ حيٌ وحيدٌ، ضل طريقهُ لينتهي به المطاف سجيناً داخل متحفٍ مهجورٍ للشمع.»
"نهلة منير الخولي"
بقلمي« روز أمين» 
_______*________

كانت غارقة في نومها، والأسى يرتسم كظلال فوق ملامحها الشاحبة،أيقظتها نقرتان خفيفتان تردد صداهما ببطء فوق الباب، فتحت جفنيها الثقيلين بصعوبة، ثم همست بنبرة واهنة يغلبها النعاس:
-ادخلي يا ماما

انفتح الباب ببطء شديد، لتلمح قامته تطل عليها، وبلحظة تبخر النوم من عينيها، وتحركت بلهفة مباغتة وهي ترتد إلى الخلف، تعتدل في جلستها بتلقائية وسرعة مدفوعةً بوقار فطري واحترام شديد تحمله في قلبها لأبيها ومكانته العالية لديها.

هتفت بنبرة ممتزجةً بالذهول: 
-بابا!

تقدم نحوها بخطى هادئة كمن يجر خلفه جبالاً من الندم، جلس على حافة الفراش واستدار نحوها، فما كان من جسدها إلا أن تراجع خطوة إلى الوراء، كانت حركة عفوية، لكنها انغرست كالنصل في صدره، إذ تذكر فورًا سطورها التي اعترفت فيها بأنها باتت تخافه وتخشى تكرار ما حدث.

نظر في عينيها بعمق، وعيناه تتوسلان غفرانًا عجز لسانه عن صياغته، ورغم الرجفة التي سرت في أوصالها، إلا أنها شعرت بسعادة هائلة قد اجتاحتها، فهذه هي المرة الأولى منذ تلك الليلة السوداء التي يتأمل فيها وجهها، تنفس الصعداء بمرارة، وشق جدار الصمت قائلاً بخفوت:
-أنا قريت جوابك يا دليلة.

ارتبكت، وأشاحت بنظرها بعيدًا وقد كسا الحزن والخجل وجهها،بلمسة حانية امتدت أصابعه لتستقر أسفل ذقنها، ليرفع وجهها برقة حتى التقت نظراتهما، تابع بصوت متهدج وعينين تصرخان بالاعتذار:
-أنا آسف يا بنتي، آسف على كل لحظة وجع عيشتيها بسببي.

إرتسمت على ثغره ابتسامة باهتة مغلفة بالألم، وأردف موضحًا:
-بس لازم تعرفي حاجة مهمة، أنا بثق فيكِ لأبعد حد.

لم تستطع جفونها على حبس عبراتها أكثر،فالتمعت الدموع في عينيها وهي تسأله بشجن طفولي منكسر:
-طب ليه ضربتني لما أنت بتثق فيا يا بابا؟!

خرجت تنهيدته حارة من أعماق قلبه المحترق، وأجابها بنبرة تصرخ ألمًا:
-لحظة شيطان، وأوعدك عمرها ما هتتكرر تاني.

غمر كفيها الصغيرتين بين يديه في احتواءٍ عميق، وشدد قبصته بحنان، ليستأنف قائلاً بإصرار:
-أوعي تزعلي مني يا دليلة، ومش عاوز أسمعك تقولي تاني إنك بقيتي بتخافي مني.

واستطرد مؤكدًا:
- أنا لسه زي ما أنا، سندك وأمانك، وأكتر واحد في الدنيا دي هيحبك ويخاف عليكِ .

انفجرت دموعها وانهمرت بغزارة فوق وجنتيها، لم تكن دموع قهر، بل كانت غيثًا من شدة سعادتها التي امتزجت بالطمأنينة،زاحت كل الثقل الذي جثم على صدرها أيامًا، وبدون سابق إنذار ارتمت فجأة في أحضانه، ليستقبلها بلهفةٍ واشتياق، طوقها بذراعيه بقوة كمن يسترد ضالته الثمينة، ولأول مرة منذ ذلك اليوم المشؤوم، شعر برئته تمتلؤ بالهواء النقي، ليتنفس أخيرًا بارتياح. 

بينما منى، كانت في طريقها نحو الدرج المؤدي إلى الطابق الأرضي، تجمدت خطواتها بغتة حين تناهى إلى مسامعها صوت شهقات مكتومة تنبعث من غرفة ابنتها، انقبض قلبها وتحركت بخطى قلقة نحو الباب الموارب، دفعته برفق، لتتطلع عيناها على مشهد أثلج صدرها وجعل دقات قلبها تذوبُ من شدة الراحة، حيث كان زوجها يطوق دليلة باحتواء افتقدته لأيامٍ، لم تتمالك من نفسها، فخطت نحوهما بخطوات سريعة، ودثرتهما بذراعيها في عناق جماعي حانٍ، 

زفرت من أعماقها تنهيدة ارتياح طويلة مسحت عن كاهلها هموم الأيام الماضية.رفع صادق عينيه نحوها، وكانت نظراته مثقلة باعتذار صامت، فابتسمت له بصفح، ومدت كفها لتتحسس وجنته بحنان دافق، وعيناها تشعان بالعشق. 

كسرت حالة الشجن تلك حيث خرج صوتها بنبرة مرحة:
-بمناسبة توقيع معاهدة الصلح دي، أنا هنزل حالاً أعمل لكم أحلى صينية كيكة بالبرتقال. 

اتسعت ابتسامة دليلة وهي تنظر إلى والدتها بروح حيوية عادت لتنبض من جديد، وشاركتها الحماس وهي تقول:
-وأنا هقوم أجهز لك المكونات بتاعتها فورًا

تحررت من حضن أبيها الذي طبع قبلة حانية فوق رأسها قبل أن تبتعد، ثم أسرعت بخطى خفيفة نحو الطابق السفلي، التفت صادق نحو منى، ثم مد يده ليرجع خصلة متمردة من شعرها وراء أذنها، وقال بنبرة يغلفها الأسى:
-أنا آسف يا منى.
رمقته بابتسامة رقيقة مسحت غيوم الندم عن وجهه، وأجابت بحكمة زوجة تعشق زوحها وتقدسه:
-مفيش بينا آسف يا حبيبي، ده شيطان ودخل بينا، والحمد لله إننا تخطينا الموضوع. 

تشابكت أصابعهما معًا في تلاحم دافئ وهما يهبطان درجات السُلم، مضت هي باتجاه المطبخ بخطى واثقة، بينما اتجه هو إلى مكتبه لمتابعة أعماله، في المطبخ، امتزجت ضحكات منى ودليلة وهما تعدان الكعك معًا بكل حب وشغف، ولم تمضِ ساعة حتى فاحت في أرجاء البيت رائحة كعكة البرتقال الذكية، أعددن الشاي الساخن، وحملن الأطباق متجهات نحو الحديقة، حيث كان صادق وأحمد بانتظارهما.

التف الجميع حول الطاولة في الحديقة،راحوا يتناولون الكعك الهش ويرتشفون معه الشاي، تعالت ضحكاتهم الصافية حيث ملأت المكان بهجة، وكأن تلك الأيام العصيبة التي مرت بهم، لم تكن إلا سحابة صيف عابرة انقشعت لتترك سماء أسرتهم صافية ومشرقة من جديد.
           ______*______

داخل مدينة المنصورة، انتهى على من مهام عمله، وتحرك بخطواتٍ ثابتة نحو مكتب داليا، وقف يتأملها بحنو وهي تجمع أوراقها المبعثرة، ثم سألها بنبرة دافئة:
-خلصتي يا حبيبتي؟

رفعت عينيها إليه وهي ترتب بقية الأوراق وتضعها بنظام فوق سطح المكتب، وأجابت بابتسامة رقيقة:
-آه يا حبيبي، خلصت.

خطا نحوها قائلاً بروحٍ مرحة:
-طب يلا بينا علشان نروح، أنا جعان جدًا ومش قادر أصبر. 

أحكمت إغلاق حقيبتها، وحملتها على كتفها وهي تنهض متجهة نحوه، لم تكد تخطو خطوة واحدة بجانبه، حتى داهمها دوار مفاجئ، واهتزت الأرض تحت قدميها باختلال عنيف، في لحظة خاطفة، تشنجت أصابعها وهي تتشبث بذراعه بقوة، وهمست بنبرة مستغيثة واهنة:
-الحقني يا علي.

وقبل أن يستوعب جملتها، خارت قواها تمامًا وهوت نحو الأرض، لتسقط فاقدة الوعي، تزلزلت الأرض من تحته، وانخلع قلبه رعبًا وهو يراها تسقط هكذا، جثا على ركبتيه بلهفة وجنون، ورفع رأسها ليضعه فوق فخذيه، وأخذ يربت على وجنتيها الشاحبتين بيدين ترتعدان خوفًا، وهو يصرخ باسمها بنبرة يقفز منها الهلعُ:
-داليا، فوقي يا داليا، فوقي يا حبيبتي علشان خاطري. 

ارتفع صوته المذعور، ليهرع زملائهم في العمل وتجمعوا حولهما في صدمة، اندفعت إحدى الصديقات وجذبت زجاجة عطر من حقيبتها، ثم مدت يدها قائلة بعجلة:
-خد يا علي رش لها من البرفان ده وهي هتفوق. 

التقط الزجاجة منها بلهفة، وقربها من أنفها وضغط عليهامرت ثوانٍ كأنها دهور، حتى بدأت أهدابها تتحرك ببطء، وتفتح عينيها الثقيلين، لتلتقي عيناها بوجه زوجها المذعور، انحنى عليها، وسألها بصوت يرتجف شوقًا ونبرة تفيض بلهفة عارمة:
-إنتِ كويسة يا حبيبتي؟ حاسة بإيه؟

حركت رأسها بوهنٍ شديد، عاجزة عن نطق أي حرفٍ كجواب، تحدثت إحدى زميلاتهم وهي تشير بسبابتها نحو النافذة قائلة بهدوء: 
-فيه دكتور ممتاز في العمارة اللي قصادنا على طول يا علي، خدها ووديها عنده حالاً.

لم يتردد لثانية واحدة، بل أجاب وعيناه تلتهمان وجه حبيبته بقلقٍ:
-تمام، هوديها حالا.

لمحت داليا إصراره، فرفعت يدها بحركة اعتراض واهنة، وقالت بنبرة خافتة يغلفها الإرهاق:
-لا يا علي، روحني، أنا لو روحت ونمت شوية هبقى كويسة.

ضرب برغبتها عرض الحائط، فخوفه عليها كان أكبر من أي نقاش، أحكم ذراعيه حولها واصطحبها بالفعل إلى عيادة الطبيب في البناية المقابلة. 

استمع الطبيب إليهما باهتمام، ووجه لداليا بعض الأسئلة عن حالتها، فوصف كلاهما الأعراض التي داهمتها مؤخرًا. 

طلب الطبيب منهما إجراء فحص دم عاجل، صعدا إلى المختبر المجاور للعيادة، وبعد سحب العينة، جلسا في قاعة الانتظار يترقبان النتيجة، كان التعب قد بدا عليها تمامًا، فمالت بجسدها وسندت رأسها الثقيل على كتفه، وهمست برجاء: 
-روحني شقتنا يا علي، أنا خلاص بقيت كويسة .

طوق كتفيها بذراعه محتويًا ضعفها، وطبع قبلة حانية فوق رأسها وهو يجيبها بنبرة مطمئنة:
-هنروح يا حبيبتي، بس نتيجة التحليل تطلع ونوريها للدكتور ونمشي على طول، مش هنتأخر ان شاء الله.

زفرت بضيق طفيف وتابعت بمحاولة أخيرة لإقناعه:
-هو يعني لازم ناخدها النهاردة؟ ما نبقى نعدي بكرة بعد الشغل ناخدها ونوريها له.

شدد من ضمته لها، وقال بحنو بالغ وصبرٍ كأنه يحدث صغيرته:
-معلش يا حبيبتي اصبري، علشان لو عندك أنيميا ولا حاجة الدكتور يكتب لك أدوية بالمرة ونطمن عليكِ.

خرجت الممرضة من غرفة المختبر ممسكة في يدها بورقة الفحص، تسلمها علي بعجل، ودلفا معًا إلى مكتب الطبيب، ما إن وقعت عينا الطبيب على سطور الفحص حتى انفرجت أساريره عن ابتسامة واسعة، ورفع رأسه قائلاً بنبرة مبهجة: 
-مبروك.

عقد علي حاجبيه قاطبًا وملأت ملامحه الحيرة والوجوم، فاستطرد الطبيب موضحًا :
-هتبقى أب قريب يا أستاذ علي.

تلاطمت في صدره أمواج عاتية من المشاعر المتضاربة، اجتاحته سعادة غامرة كادت تقتلع قلبه من فرط روعتها، لكن سرعان ما دوى في عقله خوفٍ هائل ورهبة زلزلت كيانه،وبات سؤالاً يطرح نفسه، هل هو مستعد حقًا؟ هل يملك القوة ليصبح أبًا ويتحمل مسؤولية روح جديدة؟

أما داليا، فقد سرى في أوصالها هلعٍ من المجهول، اهتز له جسدها الضعيف، لكن ذلك الخوف تشتت في غضون لحظة، ليحل محله فيضانٍ من فرحة عارمة لا يضاهيها شيء في الوجود، شعورًا سحري ودافئ غمر أحشاءها،فهناك جزءًا نابضًا من حبيبها وزوجها، ينمو الآن في أحشائها.

 التقت عيونهما في نظرة طويلة تفيض بذهول السعادة، قبل أن تلتفت داليا نحو الطبيب وتسأله بلهفة: 
-حضرتك متأكد يا دكتور؟! يعني انا حامل بجد؟

لوح الطبيب بملف الفحص وهو يجيبها بعملية:
-أكيد يا مدام، الأرقام والتحاليل بتقول كده.

ازداد بريق عينيها اشتعالاً، وتابعت حديثها بلهفة أشد:
-طب أنا حامل في الشهر الكام؟

اعتدل في جلسته وأجابها بنبرة توجيهية:
-التفاصيل دي هتعرفيها من دكتور أمراض النسا، ولازم تعملي له زيارة الأسبوع ده بالكثير، علشان يتابعك ويكون معاكِ من الأول، لو حابة أرشح لك دكاترة شاطرين في المجال ده، معنديش مانع.

قاطعته بعجلة وبدون تفكير:
-متشكرة جدًا يا دكتور، أنا هروح للدكتورة بتاعة ماما، هي ممتازة وشاطرة جداً.

شعر علي بضيقٍ، فنظر إليها قائلاً بمحاولة للالتفاف على رأيها:
-طب ما نشوف رأي الدكتور الأول،مش يمكن يرشح لنا حد كويس وثقة يا حبيبتي.

هزت رأسها برفض قاطع تجلى في نبرتها:
-الدكتورة دي كويسة جداً يا علي، وكفاية إن ماما بتثق فيها وفي شطارتها، وعارفاها من زمان.

انقبضت أساريره ولم يعجبه تفكيرها، فقد استيقظت في صدره حساسيته المفرطة تجاه تدخل حماته في أدق تفاصيل حياتهما، ولم يكن ليسمح بأن تصل للدرجة التي تجعلها تختار الطبيب الذي سيشرف على طفله القادم. 

تجاهل رفضها تمامًا، والتفت نحو الطبيب قائلاً بنبرة حاسمة وصوت رزين:
-رشح لي دكتور كويس وثقة لو سمحت يا دكتور.

رمقته بنظرة استغراب، وعتابٍ صامت من إصراره، لكن فرحتها الطاغية جعلتها تتغاضى عن الأمر سريعًا وتتجاوز الموقف. 

التقط كارت الطبيب المرشح ووضعه في جيبه ثم نهض، مد يده نحو داليا، فنظرت إلى كفه بعينين تشعان عشقًا، ودست أصابعها بين أصابعه بتلاحمٍ دافئ، ليتحركا معًا بخطى حالمة نحو بيتهما،وعيون متطلعة بشوق يتأمل شروق شمس طفلهما القادم ليضيء حياتهما.
        _______*_______

انتهى رشيد من محاضراته الجامعية، وخرج ليتنزه في الساحة برفقة أصدقائه، راحوا يتبادلون الحديث. 

وعلى بعد مسافة منهم، كان يقف متصلبًا، يتابع رشيد بأعين مشتعلة بالغل والحقد الأعمى، لاحظ صديقه الواقف بجواره تلك النظرات المتفحمة، فمال عليه وسأله بنبرة لائمة:
-إنتَ لسه حاطط رشيد في دماغك يا يحيى؟

تحولت نظراته إلى قسوة مرعبة، وتحدث بفحيح مسموم من بين أسنانه: 
-وعمري ما هسيبه غير لما أدمره بالكامل. 

تنهد صديقه بقلة حيلة وحاول إعادته إلى صوابه قائلاً بنُصحٍ:
-سيبك منه وبص لمستقبلك يا يحيى، رشيد مش سهل وكلنا شفنا اللي عمله فيك.

وتابع مذكرًا إياه:
- اللي خطط بالذكاء ده كله عشان يكشفك ويفضحك قدام الجامعة كلها، قادر يخطط من جديد ويدمر لك اللي باقي من مستقبلك.

تطاير الشرار من عيني الآخر واشتدت رغبته للانتقام، وهتف بنبرة حانقة يملؤها الغضب:
-رشيد عمره ما كان ذكي، وبالنسبة للي عمله ده كله، ده كان رد القلم اللي أنا إدتهوله.

ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة، وتابع بتشفٍ وسعادة قفزت من عينيه اللامعتين بالشر:
-أنا دمرت له خططه اللي كان راسمها لحياته كلها، وأهم خطة هي نهلة، اللي كان عاوز يتسلق على أكتاف أهلها. 

وتابع بابتسامة ساخرة: 
-حتى علاقته بأهله اللي كان بيتباهى وفرحان بيها، دمرتها له، فهو يا حرام، كان بيرد الضربة مش أكتر. 

بينما كان رشيد مستغرقًا في حديثه مع أصدقائه، اقتربت منهم "مايسة"، إحدى الصديقات المقربات لنهلة، بدت خطواتها مترددة وعيناها تتلفتان بحذر، وقفت أمامه وقالت بنبرة خافتة:
-إزيك يا رشيد

التفت إليها ثم رد بترحيب هادئ:
-إزيك إنتِ يا مايسة.

فركت كفيها بارتباك واضح، وخفضت صوتها أكثر وهي تبتعد بنظراتها عن باقي الرفاق:
-ممكن نتكلم شوية لوحدنا؟

انسحب معها بهدوء حتى أصبحا بمعزل عن مسمع أصدقائه، فالتفت إليها منتظرًا، لتقول مسرعة بلهجة حذرة:
-نهلة عاوزة تكلمك على التليفون، بتقول لك روح للكافيتريا وهي هتتصل بيك بعد خمس دقايق بالظبط.

ارتسمت على وجهه علامات الحزن، وأخرج تنهيدة ثقيلة محملة بالشوق والأسى قبل أن يجيبها:
-تمام يا مايسة.

تحرك نحو الكافيتريا، ووقف ينتظر بجوار عامل الكافيتريا، وعيناه معلقتان بالهاتف الأرضي الموضوع على الطاولة، وما إن تعالى صوت الجرس حتى التقط السماعة بلهفة خبأها خلف هدوئه المصطنع.

على الجانب الآخر، كانت تجلس خلف مقود سيارتها، تطوق الهاتف بيدين تتلهفان شوقًا، وبمجرد أن أتاها صوته، انطلقت منها تنهيدة راحة عميقة، وهي تقول بلهفة جارفة خرجت من أعماق قلبها العاشق:
-حبيبي، وحشتني

أغمض عينيه بألم، واعتصرت الحسرة نبرته وهو يجيبها:
-هي دي أخرتها يا نهلة؟ نتكلم في التليفون وإحنا كل اللي بينا كام متر؟!

خيم الحزن على صوتها، لكنها حاولت التمسك بالأمل وهي تجيبه:
-معلش يا حبيبي، المسألة مسألة وقت صدقني.

ثم تابعت بنبرة أضاءت وجهها من شدة حماسها:
-أنا حاسة إن بابا بدأ يلين يا رشيد.

لم يستطع حجب حزنه ليتمتم متأثرًا بما وصلا إليه كلاهما:
-مكنتش أتمنى أتحط ولا أحطك في الموقف ده أبدًا يا نهلة،كنت مخطط أتخرج وأشتغل، ولما أكون جدير بيكِ، وقتها أجي وأتقدم لأهلك.

زفر بحدة وعروق جبينه برزت غضبًا، وتابع بمرارة امتزجت بالغضب:
-منه لله يحيى، في لحظة واحدة دمر لي كل تخطيطي. 

أسرعت تحاول تضميد جراحه وتخفيف وطأة الحزن الساكنة في صدره، فقالت بنعومة:
-اهدأ يا رشيد، ومن فضلك بلاش تفكر في اللي فات، خلينا نتفاءل ونبص على الجانب الإيجابي في اللي حصل.

عقد حاجبيه باستغرابٍ ممتزوج بالمرارة، وسألها بتهكمٍ حزين:
-وهو اللي حصل ده كان فيه أي جانب إيجابي يا نهلة؟

أجابت بعجلة، وقد اشتعل صوتها بحماس وإصرار أنثى تقاتل لأجل قصة عشقها لرجل حياتها:
-طبعًا، إن قصة حبنا بقت معروفة للجميع.

ثم أردفت بتحدٍ وعناد شديدين:
-وأنا هفضل وراهم لحد ما يبقى واقع مفروض، والكل لازم يتقبله. 

         ______*_______

عاد علي وداليا إلى شقتهما، وما إن أغلق بابها خلفهما، حتى التفت إليها بعينين يشعان فرحًا ولهفة. ودون مقدمات، مال نحوها برقة وجاذبية، ثم رفعها بين يديه بخفة لتستقر بين ذراعيه.

 دار بها والضحكات تخرج من أعماق قلبه، ليهتف بسعادة غامرة لم يسعها الكون بأكمله:
-وأخيرًا هبقى أب لطفل منك يا داليا. 

تعالت ضحكاتها الرقيقة، وامتزجت ملامحها بالخجل والدوار، فتعلقت بعنقه وهي تقولُ بدلالٍ امتزج بالهلع:
-اهدأ يا مجنون ونزلني. 

طبع قبلة دافئة بين عينيها، تحمل كل معاني العشق والامتنان، ثم تحرك بها بخطوات واثقة ونبضات متسارعة نحو غرفة النوم، وضعها على الفراش بنعومة بالغة، ودثرها بالغطاء كمن يحافظ على جوهرة ثمينة، وتمتم بنبرة حانية:
-ارتاحي شوية على ما أجهز لك الغدا.

نظرت إليه بخجل ونظرة اعتذار تجلت بعينيها، وهي تقول برقة: 
-للأسف يا حبيبي، ماما معملتش أكل النهاردة، كانت برة هي وخالاتي ومعرفتش تيجي.

ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة ومطمئنة، وأجابها بنبرة يملأها الحنان:
-عادي يا حبيبي، أنا هسلق لك فرخة بسرعة وأعمل شوية لسان عصفور.

ثم رفع إصبعه مهددًا إياها بمزاح وخفة ظل: 
-بس تاكلي وانتِ ساكتة، ممنوع أي انتقادات،مفهوم.

 تمسكت بكفه وضغطت عليه برقة وعيناها تفيضان بمشاعر الحب والامتنان:
-ربنا يخليك ليا يا حبيبي.

انحنى نحوها قليلاً، وتلاقت عيناه بعينيها في نظرة طويلة تقطرُ عشقًا خالصًا، وقال بصوت رخيم دافئ:
-ويخليكِ ليا وميحرمنيش منك يا روح قلبي.

          _______*_______

انسحب إلى المطبخ بخطواتٍ متعجلة، يملؤه الحماس وهو يبدأ في إعداد الطعام لزوجته، لم تمر سوى ربع ساعة حتى استمع إلى رنين جرس الباب. تحرك سريعًا وفتحه وهو ما يزال يرتدي مئزر المطبخ، ليتفاجأ بوالدة زوجته "نعمة" تقف أمامه، والبهجة تقفز من عينيها بشكلٍ لم يعهده من قبل، لترتسم على ملامحها ابتسامة عريضة وهي تهتف بلهفة:
-مبروك يا علي،ألف مبروك يا حبيبي. 

لم تنتظر منه ردًا أو ترحيبًا، بل دفعت الباب وتخطته بلهفة متجهة مباشرة صوب غرفة النوم، وقف مذهولاً في مكانه، لتتضاعف دهشته وهو يرى شقيقتيّ حماته تدلفان وراءها الواحدة تلو الأخرى، وعلامات السعادة تملأ وجوههما وهما تكرران النبرة ذاتها:
-مبروك يا علي. 

رد بذهولٍ تجلى بنبرته وعُقد على آثره لسانه:
-الله يبارك فيكِ يا طنط.

 ثم أشار بيده نحو الداخل بآلية:
-اتفضلوا.

تسمر في ردهة الشقة يتابع أثرهن بعينين مندهشتين حتى اختفين تمامًا داخل الغرفة، اجتاحته موجة من الحيرة والتعجب، كيف عرفن بالخبر؟ ومتى؟ وبأي طريقة انتشر بهذه السرعة القياسية؟ تنفس الصعداء،بعد تخمينه بمهاتفة زوجته لوالدتها من الهاتف الموجود فوق تلك الطاولة المجاورة للفراش،لم يعد يتعجب،فداليا لا تستطيع إخفاء سرًا عن والدتها،وهذا يعد أكبر عيوبها.

 فك مئزر المطبخ واضعًا إياه جانبًا، ثم دلف إلى الغرفة ليرحب بضيوفه مرغمًا، وجدهن قد افترشن الفراش، محاصرات داليا التي بدت ضئيلة بينهن، بينما كانت نعمة توجه الحديث لابنتها بنبرة آمرة لا تقبل الجدال:
-أنا بكرة بعد العصر هاخدك ونروح للدكتورة حنان، ونخليها تعملك سونار نعرف بيه عمر الجنين بالظبط، ونتابع معاها بانتظام إن شاء الله.

شعر بضرورة التدخل لفرض خصوصية حياته، فتنحنح وتحدث باعتراض لطيف ومهذب:
-مفيش داعي يا طنط، أنا بكرة هاخدها بعد الشغل ونروح.

وتابع محاولًا تلطيف الأجواء بحرص: 
-احنا مش عاوزين نتعبك معانا.

التفتت إليه وقالت بابتسامة عريضة تغلف إصرارها:
-وأنا إن مكنتش أتعب لبنتي، هتعب لمين يا علي؟ وبعدين دي مشاوير ستات، ارتاح أنت بس وأنا هقوم بالمهمة دي.

حاول التمسك بموقفه وقال بمرونة:
-يا حبيبتي الدكتور أصلاً عيادته جنب الشركة .

لوحت بيدها في الهواء باستنكارٍ ظاهري، وقاطعت كلامه بحدة تجلت بنبراتها:
-دكتور إيه ده يا اخويا، إحنا هنروح للدكتورة بتاعتنا، عارفينها وعارفانا، وحافظة تاريخ العيلة كله.

بدأت نبرته تفقد هدوءها، ورد مدافعًا عن حقه:
-بس الدكتور اللي هنروح له ده ممتاز، ودكتور الباطنة هو اللي قالنا عليه.

مطت شفتيها بتهكم واضح، وردت باستنكار:
-تلاقيه صاحبه، ولا بياخد منه نسبة على المرضى.

وقبل أن يفتح فمه للرد، أشارت بيدها قائلة بحسم أنهى النقاش:
-ريح نفسك يا علي، إحنا مش هنروح غير للدكتورة حنان.

تراجع خطوة إلى الوراء، وعلامات الضيق بدأت ترتسم بوضوح على تقاطيع وجهه، شعر باختناق شديد، فوالدة زوجته باتت تتدخل في تفاصيل حياته  بطريقة غير مقبولة لديه، وتفرض سلطتها على كل شيء. 

التفت بنظراته نحو داليا، فوجدها تتطلع إليه بعينين يملؤهما الحرج الشديد والقلق، كانت تشعر بحجم الضيق الذي يعتصر صدره، لكنها في المقابل لم تكن تقوى على كسر كلمة والدتها، التي اعتادت منذ صغرها أن تسير أمور البيت بأكمله وفق مشيئتها وحدها.

تحرك عائدًا إلى المطبخ هربًا من تلك الأجواء المشحونة كي لا يفتعل المشاكل مع نعمة ويطفأ سعادة زوجته بقدوم طفلهما الأول، لكن حتى تلك المهمة البسيطة لم تتركها له تلك المتسلطة،فقد دلفت وراءه وراحت تكمل إعداد الطعام بفرض سيطرتها، لتصنع غداءًا للجميع. 

تناولوا الطعام وقضوا وقتًا طويلاً معًا، وسط جدران الشقة التي باتت تضيق على ذلك الغاضب، الذي كظم غيظه لأجل زوجته.
       ______*______

جاءت ليلة الزفاف المنتظرة للمستشار رفيق منير الخولي، بدت الأجواء داخل ذلك الفندق الفاخر مهيبة، كانت الثريات الكريستالية الضخمة المتدلية من السقف العالي تعكس أضواءً ماسية تتراقص على جدران القاعة الملكية، بينما انتشرت باقات الورود البيضاء النادرة في كل زاوية، تفوح منها رائحة الثراء والرفاهية. 

كل تفصيلة في الحفل خضعت لتنظيم صارم على أعلى مستوى، من الموسيقى الكلاسيكية الهادئة التي تعزفها فرقة موسيقية كاملة، إلى طاولات العشاء المكسوة بأفخم أنواع الحرير. 

وسط هذا الصخب المخملي، وقفت نهلة تراقب الحشود من حولها بنظرات غاب عنها البريق، كانت الضحكات المتبادلة بين الحاضرين تبدو لها مزيفة، والجميع يتصافحون بحرارة مصطنعة، ويمطرون بعضهم بألقاب وتفخيمات جوفاء لا روح فيها.

 تنفست بضيق، وشعرت وكأنها تتحرك وسط متحف لتماثيل الشمع، حتى النساء بأثوابهن الباهظة ومجوهراتهن اللامعة كنّ يتحركن بآلية مبالغ فيها، كأنهن دُمى خشبية معلقة بخيوط غير مرئية تحركها المظاهر الاجتماعية.

بينما كانت شاردة في تأملاتها، شعرت بنظرات إعجابٍ تخترق خلوتها، التفتت لتجد شابًا في حوالي الثامنة والعشرين من عمره، يجلس على طاولة قريبة ويتابعها باهتمام شديد وتركيز لم يرق لها، رمقته بنظرة حادة صارمة لتجبره على التراجع، لكنه قابل ذلك بابتسابة هادئة واثقة، بل وهز رأسه لها بتحية أرستقراطية متزنة، أزاحت عينيها عنه فورًا بنفورٍ شديد، وتحركت لتجلس على طاولة العائلة حيث تجلس مايا، التي بادرت بالحديث قائلة بانبهار:
-الفرح حلو أوي، والعروسة زي القمر، عقبالك يا نانا.

هزت رأسها بابتسامة باهتة ، وردت باقتضاب:
-ميرسي يا مايا.

اقترب منير ووقف خلف مقعدها مباشرة، انحنى برقة وطبع قبلة حانية فوق رأسها، ثم قال بنبرة فخورة حاول بها استمالتها:
-زي القمر يا نانا. فستانك حلو أوي، والميكب رقيق، دايمًا ذوقك يجنن في كل اختياراتك يا حبيبتي.

التفتت بجسدها حيث مكان والدتها، لكن ملامح وجهها ظلت جامدة كلوح ثلج، وجاء ردها بجفاف شديد صدمه:
-تقدر تشكر راندا هانم، لأن كل حاجة من أول الفستان للشوز للشعر للميكب، من اختيارها هي. 

تنهد بأسى، وشعر بمرارة صدها المستمر له وجدار الجفاء الذي تبنيه بينهما مؤخراً، ورغم ذلك، لم يستسلم، وحاول مجددًا سحبها إلى عالمه والاندماج مع تلك الأجواء الرائعة، فقال بصوت دافئ وابتسامة جذابة:
-وحتى لو ده اختيار ماما، فـ إنتِ نانا الخولي، يعني الرقة والجمال والشياكة.

سحبت نفسًا عميقًا خرج من تحت ركام قلبها المحطم، متزامنًا مع إعلان مسؤول الموسيقى عن بدء الرقصة الأولى للعروسين.

 تحرك رفيق وعروسه نحو المنصة المخصصة تحت تصفيق حار وهتافات الإعجاب من الحاضرين، وبدآ خطى رقصتهما الأولى، في تلك الأثناء، اقتربت راندا من مقعد نهلة، وقالت بنبرة تحمل صيغة الأمر المغلف بالحب:
-قومي علشان تقفي جنب اخوكِ وتتصوري معاه هو وعروسته أول ما يخلص رقصته.

خرجت كلماتها بجدية حادة ونبرةٍ جافة:
-قولت لحضرتك من شوية إني مش هتحرك من مكاني، يا ريت تريحي نفسك وركزي مع حد غيري. 

كادت أن تجن من تحدي تلك العنيدة لأوامرها مؤخراً، اشتعلت نيرانها وتضاعف حنقها الداخلي، ومع ذلك، ظل وجهها يحتفظ بابتسامة مشرقة ووديعة، وكأنها تخفي بركان مشاعرها خلف قناع صلب من الزيف. 

لم تكن راندا وحدها، بل كان معظم المعازيم يرتدون أقنعةً مشابهة، يواري كل منهم خلفها حقيقته ونواياه، صدح صوت المنظم مجددًا عبر المكبرات، طالبًا من العشاق والأزواج الانضمام إلى العروسين ومشاركتهم رقصة "سلو" هادئة. 

تدافع الجميع نحو الساحة، والتفوا حول العروسين يتمايلون بنعومة، حتى والدا العروسان، وحتى سامح ومايا التي غادرت الطاولة ، تاركة نهلة وحيدة في عزلتها، وبينما كانت شاردة، لمحت خيال شخص يقترب من طاولتها، ليخترق صمتها صوتٍ رجولي هادئ يتحدث باحترام مبالغ به: 
-مساء الخير يا فندم.

رفعت وجهها لتجده الشاب ذاته، ذاك الذي حاصرها بنظراته المركزة منذ بداية الحفل، أجابته بهدوء غلفه برودٍ حاد:
-مساء النور.

أردف الشاب معرفًا عن نفسه بوقار وثقة:
-مع حضرتك سيادة المستشار أدهم فواز، صديق سيادة المستشار رفيق الخولي، أخو حضرتك.

استغربت بشدة من جرأته واقتحامه لخصوصيتها، لكنها فضلت الصمت ولم تعلق عله يخجل وينسخب،بينما وجد أدهم في صمتها مساحة لمتابعة حديثه، مد يده إليها برقة وقال بجرأة أكبر:
-تسمحي لي بالرقصة دي؟

اتسعت عيناها بذهول حقيقي من فرط جرأته، كيف يجرؤ غريبًا عنها على طلبٍ كهذا بهذه البساطة؟ تحدثت بأسلوب فظ وصارم لتضع حدًا لتخطيه حدودها:
-هو حضرتك تعرفني؟!

ارتبك أدهم قليلاً من حدة أسلوبها المباغت، وتهيأ ليرد ويدافع عن نفسه، لكن راندا لحقت به في الوقت المناسب، حيث اندفعت بابتسامة جذابة، مستغلة معرفتها السابقة به بعد أن قدمه لها رفيق قبل قليل، وقالت بنبرة تحمل الكثير من اللباقة: 
-إنت متعرفش نانا يا سيادة المستشار؟

التفت إليها أدهم، وابتسم وهو يسترق نظرة خاطفة لنهلة، مكملاً مديحه الأرستقراطي بنبرة تقطر سحرًا ووقارًا: 
-وهل يخفى القمر يا راندا هانم؟ الشبه الكبير اللي بين جمال ورقة حضرتك ونهلة هانم، بيأكدوا إنها بنت جنابك وجناب منير باشا.

كان أدهم قد نال إعجاب راندا منذ اللحظة الأولى التي رأته فيها، بدا لها شابًا لبقًا، رزينًا، وحسن المظهر، يملك جاذبية آسرة، والأهم من كل ذلك، أنه ينتمي إلى عائلة عريقة جداً، واسعة النفوذ والثراء.

تمايلت بابتسامة تملؤها الحفاوة والدلال،وتمتمت برقة مبالغ بها: 
-ميرسي يا سيادة المستشار على المجاملة اللطيفة.

رد متوددًا بوقارٍ زاده جاذبية:
-خالص يا فندم، أنا وصفت حقيقة حضرتك والآنسة نهلة.

ابتسمت برضا تام، وعقبت بخبث مبطن:
-بس نانا أجمل بكثير طبعاً. 

كانت تشعر بأنفاسها تضيق، وبأن جدران القاعة الفاخرة بات يطبق على صدرها حتى كادت تختنق،وقفت فجأة وقالت بهدوء باللغة الإنجليزية:
-Excuse me.

رمقتها راندا بنظرة ترفع وكبرياء، وسألتها بحدة مكظومة:
-رايحة فين يا نانا؟

أجابتها بجفافٍ وجدية خرجا رغمًا عنها بفضل ضغطها النفسي:
-رايحة التواليت أعدل الميكب يا ماما.

تحركت مغادرة المكان بخطواتٍ سريعة لكنها رشيقة، بينما ظلت عينا أدهم معلقتين بطيفها الراحل، كأنه بات مسحورًا عاجزًا عن المقاومة، أو إشاحة نظره بعيدًا عن تلك التي استطاعت سرقة لُبهُ. 

التفتت راندا إليه، وتحدثت بنبرة هادئة ومهذبة، محاولة تبرير جفاء ابنتها:
-سوري يا سيادة المستشار، نانا أصلها خجولة شوية.

رد أدهم بنبرة دافئة تنم عن ذكاء ودبلوماسية:
-وده اللي بيميزها عن غيرها يا فندم،شابوا لتربية سعادتك.

اتسعت ابتسامتها ورفعت رأسها بكبرياء وتعالٍ، وهي تشعر بأن الشاب قد وقع بالفعل في شباك سحر ابنتها.

         ______*______

اتصل علي بوالدته ليزف إليها خبر حمل داليا، فما إن نطقت شفتاه بالخبر حتى غمرتها فرحةً عارمةً عجزت الكلمات عن استيعابها، تراقص صوتها عبر الهاتف مفعمًا بالبهجة والزغاريد المكتومة، وهتفت بنبرة دافئة:
-ألف مبروك يا حبيبي.

 ثم تابعت بلهفة أم تنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر:
-هات داليا بكرة وتعالى يا علي، وأنا هعمل لكم كل الأكل اللي بتحبوه. 

شعر بسعادة بالغة انعكست على ملامحه وهو يستمع إلى فرحة والدته الهائلة، فأجابها بامتنان وحنوٍ ظهر بنبراته:
-مش هينفع يا حبيبتي، الدكتورة قالت بلاش مواصلات الفترة الجاية.

لم تنقص هذه الكلمات من بهجتها شيئًا، بل ردت على الفور بمرونة وحماس كبير:
-ولا يهمك يا حبيبي، أنا هاجي لها لحد عندها، وهعمل لكم أكل كتير تخزنوه في الفريزر، وابقوا طلعوا منه عشان داليا متوقفش قدام البوتاجاز.

تأثر بشدة من فيض حنانها وحرصها الصادق الذي افتقده في تدخلات والدة زوجته، فخرج صوته دافئًا تتقافز منه مشاعر الحنان والامتنان:
-ربنا يخليكِ ليا وميحرمنيش منك يا ماما.

ردت بصوت يفيض بالحب والدعوات الصادقة:
-ويخليك ليا يا حبيبي، ويقوم لك مراتك والمولود بألف سلامة يارب.
         ______*______

بعد انقضاء أسبوع كامل على حفل الزفاف الصاخب، سافر فيه رفيق بصحبة عروسه إلى إحدى الدول الأوروبية لقضاء شهر العسل. 

 كانت نهلة تقف داخل غرفتها، ترتدي ثيابها وتستعد للذهاب إلى النادي الاجتماعي لحضور تمرين التنس المعتاد، حملت حقيبتها بعدما وضعت بها ملابسها الرياضية، وتحركت بخطوات هادئة عبر الممر الطويل المؤدي إلى الدرج، لكنها تسمرت في مكانها قبل أن تخطو خطوة واحدة للأسفل، عندما تناهى إلى مسامعها صوت والدها القادم من بهو المنزل، حيث كان يجتمع بوالدتها وأشقاءها الثلاث، قال منير بنبرة حازمة:
-محدش يفاتحها دلوقتي خالص، سيبوني أنا هكلمها في الوقت المناسب.

صاحت راندا بنبرة حانقة تملؤها العصبية والاعتراض على طريقته مع تلك المدللة:
-بنتك بتدلع يا منير، ولازم تفهم إن وقت الدلع ده خلاص، انتهى، ده عريس ما يترفضش، مستشار ومن أكبر عائلات البلد، والأملاك والفلوس اللي عند باباه تسدد ديون مصر بأكملها.

ثم تابعت بنبرة فخر متعالية:
-ده غير إنه شاب وسيم وجذاب، حرفياً مفهوش غلطة، يعني بنتك ملهاش أي حجة لرفضه. 

وتابعت بتأكيد: 
-لازم تبلغها النهاردة يا منير، عشان أول ما رفيق يرجع من الهاني مون، يجي لنا زيارة هو وأهله. 

تراجعت نهلة إلى الخلف خطوة تلو الأخرى والذعر ينهش كامل كيانها، بينما انقبض قلبها برعب حقيقي لم تشهده من قبل. 

تهاوت كل حصونها، وتحطمت الآمال الواهية التي غزلها خيالها بأن والدها بدأ يلين ويتقبل قصة حبها، إذ تبين أن كل ذلك كان مجرد وهم وخداع عاشت فيه لأسابيع. 

ركضت عائدة إلى غرفتها والدموع تحرق وجنتيها، أغلقت الباب خلفها وجسدها يرتجف بشدة، ثم التقطت هاتفها وضغطت على زر الاتصال برشيد، ومن حسن حظها، كان قريبًا من هاتف منزلهم الأرضي، فأجاب على الفور، لتنفجر باكية بنبرة منهارة تمامًا وهي تصيح مستنجدة:
-الحقني يا رشيد. 


تعليقات