رواية باب موارب الفصل الخامس عشر والاخير بقلم رحيق
بعد ما الإمام سلَّم، فضل مصعب قاعد مكانه
المصلين بدأوا يخرجوا واحد ورا التاني، وصوت الأذكار بقى يملأ المسجد بعد ما هديت الحركة
أما هو...
فما اتحركش
كان باصص للسجادة قدامه، وساند ضهره على العمود، وكأن رجليه رافضين يقوموا
لأول مرة من سنين...
مفيش ملف مستنيه
ولا اجتماع لازم يلحقه
ولا مكالمة شغل شاغلة باله
كان فيه هو...
ونفسه
افتكر سنين وهو بيقنع نفسه إنه بيعمل الصح
إن الاجتهاد في الشغل عبادة
وإنه بيبني مستقبله
لكن عمره ما وقف يسأل نفسه
هو بيبني إيه...
وبيخسر إيه
مرت قدامه مواقف كتير في لحظة
أذان يأذن وهو يقول
هصلي بعد ما أخلص
ولما يخلص يكون وقت الصلاة خرج
افتكر والدته وهي كل شوية تقوله
اقعد معانا شوية يا ابني
ويرد وهو خارج
إن شاء الله لما أرجع
ويرجع يلاقيهم ناموا
افتكر والده وهو يحاول يفتح معاه أي كلام، وهو يرد بكلمتين ويرجع للموبايل أو اللاب
وافتكر بيان...
افتكر اليوم اللي وعدها يجي فيه
ونسي...
نسيها كأنها مجرد موعد في جدول مزدحم
افتكر وهي بتخلع الدبلة من إيدها، وتحطها قدامه في هدوء
من غير صوت عالي
ولا عتاب كتير
وجعها كان أهدى من إنه يتشاف
لكن كان أقسى من أي لوم
تنهد ببطء، وحس بغصة خانقاه
ولأول مرة...
سأل نفسه السؤال اللي كان بيهرب منه
هو أنا كنت ناجح فعلًا
ولا كنت بستخبى في الشغل عشان مقصرش قدام نفسي
رفع عينه للسقف، ولسانه اتحرك من غير ما يحس
يارب...
أنا كنت فاكر إني بكسب
وأنا كل يوم بخسر حاجة
مرة صلاة
ومرة بر والدين
ومرة قلب إنسانة كانت مستعدة تستحملني لو حسيت إنها مهمة عندي
نزلت دمعة على خده
مد إيده بسرعة يمسحها
وبص حواليه بتلقائية
كأنه مستغرب إن عينه دمعت
همس بصوت مبحوح
رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر هداي إلي
اللهم اغفر لي تقصيري
وأعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
فضل يدعي دقايق طويلة
ولما قام، حس إن الحمل اللي على قلبه لسه موجود
لكن لأول مرة
عرف إنه عمره ما هيتشال إلا لو رجع لربنا الأول
خرج من المسجد بخطوات هادية
الهواء البارد لمس وشه، فرفع عينه للسماء واتنهد
كان حاسس إنه بدأ أول خطوة في طريق طويل
طريق إصلاح نفسه
مش قدام الناس...
لكن قدام ربه
ولما وصل البيت، فتح الباب بهدوء
اتفاجئ بيقين قاعدة في الصالة، والكتاب مفتوح في حضنها
رفعت رأسها أول ما سمعت صوته
ابتسمت تلقائيًا
لكن ابتسامتها اختفت في ثانية
لأنها لأول مرة تشوف أخوها بالملامح دي
وشه كان هادي
لكن عينه كانت بتحكي حكاية عمر كامل
قفلت يقين الكتاب من على رجلها وقامت وقفت قدامه
فضلت تبصله ثواني
وبعدين قالت بهدوء :
- مالك يا مصعب
حاول يبتسم ابتسامة صغيرة
- مفيش
هزت رأسها وهي بتقرب منه :
- لا... في
إنت أخويا
وأعرف وشك أكتر ما أعرف وشي
سكت
خلع ساعته وحطها على الترابيزة
وقعد على الكنبة من غير ما يرد
قعدت يقين قدامه
وقالت بهدوء :
- بيان عملت إيه
رفع عينه ناحيتها باستغراب
- عرفتي منين
ابتسمت بحزن :
- - شوفتها أكتر من مرة يا مصعب
كانت كل ما حد يجيب سيرتك تدعيلك
وتلتمسلك العذر
وتقول أكيد الشغل واخده
البنت كانت بتحاول تنجح العلاقة...
واضح إنها تعبت وهي بتحاول لوحدها
نزل بعينه للأرض
وقال بصوت منخفض :
- هي سابتني
سكتت يقين لحظة
ثم قالت :
- ولا إنت اللي سيبتها الأول
رفع رأسه بسرعة
بصلها
لكن ملقاش في كلامها هجوم
كان سؤال
سؤال موجع
قال بعد لحظة :
- أنا كنت بعمل كل ده عشان مستقبلي ومستقبلها
ابتسمت يقين ابتسامة صغيرة وقالت :
- بس هي كانت عاوزة تشوفك في حياتها يا مصعب
سكت
فكملت :
- إنت فاكر وإحنا صغيرين
لما كنت برجع من المدرسة وأقعد مستنياك عشان تحكيلي يومك
كنت ساعات تنام قبل ما تيجي
وأقول بكرة
وبكرة ييجي وتغيب تاني
ضحك ضحكة باهتة
- لسه فاكرة
- فاكرة
وفاكرة ماما وهي كل يوم تعمل حساب إنها تتغدى معاك
وبعدين تشيل الأكل
وفاكرة بابا وهو يقول
"سيبوه... أكيد عنده شغل"
كلنا كنا بنلتمسلك العذر بس العذر لما يتكرر كل يوم
بيبقى غياب
حس مصعب إن كل كلمة بتنزل على قلبه
همس :
- أنا كنت فاكر إني بعمل الصح
قالت يقين برقة :
- يمكن فعلًا نيتك كانت صح
بس النية لوحدها مش كفاية
انت عليك حقوق
حق علاقتك بربنا
حق أهلك
حق خطيبتك
حتى نفسك ليها حق عليك
ولو كل الحقوق دي راحت عشان حق واحد
يبقى فيه حاجة محتاجة تتراجع
سكت طويل
ثم قال بصوت متعب :
- أنا خوفت
قطبت حاجبها :
- من إيه
- خوفت أبقى إنسان عادي
كنت فاكر إن قيمتي في شغلي
كل ما أنجح أكتر أحس إن ليا قيمة
لكن النهارده
اكتشفت إن ممكن أبقى ناجح في شغلي
وفاشل مع أقرب الناس ليا
ابتسمت يقين ودموعها لمعت
ومدت إيدها تمسك إيده
وقالت :
- طول ما إنت عرفت غلطك
يبقى لسه في أمل
التوبة مش للذنوب وبس يا مصعب
التوبة كمان لكل تقصير
وربنا سبحانه وتعالى بيفرح بتوبة عبده
فمتقفلش الباب بإيدك
ابدأ من جديد وأصلح اللي تقدر تصلحه
واللي راح
سيبه لكرم ربنا
لأنه الوحيد اللي يقدر يعوض اللي فات
------------------------------------------------------
عند نسيبة
نفذ عبدالرحمن كلام سراج فورًا وبعد عن نسيبة
قرب سراج بهدوء من نُسيبة، ونزل لمستوى نظرها من غير ما يلمسها
كانت ضامة رجليها لصدرها، وإيديها بترتعش، وأنفاسها سريعة جدًا، ووشها شاحب بشكل واضح
اتكلم بنفس النبرة الهادية:
- نُسيبة... أنا سراج
مردتش
فضل يبصلها بهدوء من غير ما يكرر الكلام بسرعة
وبعدين قال:
- مش هسألك أي سؤال دلوقتي
ولا هطلب منك تتكلمي
أنا بس محتاجك تسمعي صوتي
كانت دموعها بتنزل وهي بتحاول تاخد نفس، لكن صدرها كان بيرتفع وينزل بعنف
لف سراج وشه للأسرة وقال:
- من فضلكم... محدش يتكلم
الصمت دلوقتي أحسن بكتير من أي كلام
سكت الجميع
رجع بصره لنُسيبة وقال بهدوء شديد:
- بصي على إيدي
رفع كفه قدامها بهدوء
- مش لازم تبصيلي... بصي على إيدي بس
بعد ثوانٍ طويلة بدأت عينيها تتحرك ناحية إيده
ابتسم ابتسامة بسيطة جدًا
- كويس
خدي نفس معايا ببطء شهيق
واحد
اتنين
تلاتة... وزفير ببطء
كرره معاها مرة
واتنين
وتلاتة
في البداية كانت بتحاول، لكن نفسها كان بيتقطع
فقال:
- مفيش استعجال
ولا أي ضغط
كل اللي مطلوب نفس واحد هادي
بعد دقيقة تقريبًا بدأت سرعة أنفاسها تقل تدريجيًا
ولما اتأكد إن نوبة الهلع بدأت تهدأ، قال بهدوء:
- ممتاز
ده كفاية
مفيش حاجة تانية هنعملها دلوقتي
فضلت ساكتة، لكن رعشة جسمها بدأت تخف طرقع
بصوابعه قدام عيونها بصيلي رفعت عيونها ببطء وبصلته بدموع بدأت تتجمع تاني
ف اتكلم بسرعة :
- أهدي أهدي خدي نفسك مش هنتكلم في حاجه
وقف سراج بهدوء وهو بيبص على نُسيبة بعد ما بدأت أنفاسها تنتظم تدريجيًا
كانت قاعدة على أرض المطبخ، ضامة رجليها لصدرها، وعينيها تايهة كأنها مش شايفة اللي حواليها
قربت الأم منها بحذر وهي بتقول بقلق:
- نُسيبة... يا بنتي بصيلي
أول ما سمعت صوتها، انتفض جسم نُسيبة كله بشكل لا إرادي، ورجعت بجسمها لورا وهي ضامة نفسها أكتر
وقفت الأم مكانها، واتجمدت ملامحها
في اللحظة دي قرب عبدالرحمن بسرعة، ونزل على ركبته قدامها وقال بصوت كله ندم:
- نُسيبة... بصيلي يا بنتي... والله أنا آسف
رفعت عينيها ليه للحظة
كانت أول مرة يبص في عينيها بعد اللي حصل
لكن بدل ما تهدى، هزت رأسها بسرعة وهمست بصوت متقطع:
- سيبني...
سكت عبدالرحمن
فكملت وهي بتحاول تمنع دموعها:
- إنت كمان... سيبني
الجملة نزلت على قلبه كأنها طعنة
رجع خطوة لورا من غير ما يحس
بص سراج لعبدالرحمن وقال بهدوء:
- سيبها دلوقتي
بصله عبدالرحمن بعين مليانة وجع:
- يا عمي...
قاطعه سراج بنبرة ثابتة:
- دي مش بترفضك...
دي بترفض الإحساس اللي جواها دلوقتي
وساد صمت طويل
قطع الصمت والد نُسيبة وهو بيبص لسراج بقلق:
- هي هتبقى كويسة... صح؟
اتنهد سراج بهدوء، ثم قال:
- إن شاء الله... بس محتاجة تهدى بعيد عن أي ضغط
سأله الأب:
- نعمل إيه؟
سكت سراج لحظة، وبعدين قال بهدوء:
- لو حضرتك موافق... أنا عايز أخدها كام يوم عند والدتي
رفع الأب حاجبه باستغراب:
- عند والدتك؟
- أيوه
مكان هادي... مفيهوش دوشة... ولا ضغط... ولا أسئلة
اعترضت الأم بسرعة:
- يعني بيتي هو اللي تعبها؟
لف سراج ناحيتها بهدوء شديد وقال:
- أنا مقولتش كده
انا بس هاخدها مؤقتًا لأن بسبب انهيارها دا ف شكله البيت مرتبط بيه بنسبة كبيرة ف هنبعدها شوية عن الضغط
مش هروب
دي فرصة لجسمها وعقلها يهدوا
سكتت الأم، ومردتش
بص سراج لعبدالرحمن وقال:
- وإنت هتيجي معايا
بس مش النهارده
قطب عبدالرحمن حاجبيه وقال:
- ليه؟
رد سراج بهدوء:
- لأنها شكلها زعلانه منك انت كمان
نزل عبدالرحمن عينه في الأرض، ومقدرش ينطق
قرب سراج من نُسيبة، لكنه وقف على مسافة مريحة ليها، وقال بصوت هادي:
- نُسيبة...
أنا مش هطلب منك تتكلمي
ولا أجاوبي على أي سؤال
بس لو موافقة... تيجي معايا عند جدتك كام يوم
مكان هادي
مفيهوش حد هيضغط عليكي
ولا هيجبرك تحكي
فضلت ساكتة
وعينيها ثابتة في الأرض
عدت ثواني طويلة
ثم هزت رأسها حركة بسيطة بالموافقة
ابتسم سراج ابتسامة خفيفة وقال:
- تمام
هتقدري تقومي تجهزي شنطتك وهاتي لبس يكفيني أسبوعين وتعالي
هزت راسها وحاولت تقوم ببطء ومشيت تجاه اوضتها
بص سراج تجاه اخوه وعبدالرحمن اتكلم وهو بيطمن اخوه :
- متخافش هي هتلاقيها مضغوطة متسالهاش دلوقتي عن حاجه خالص وهي اكيد لما تهدى هرجعهالك
بعدها بص تجاه عبد الرحمن تعالى معايا البلكونه نتكلم خمسة بس
خرج سراج للبلكونة، واستناه عبدالرحمن لحد ما قفل الباب وراهم
فضل واقف شوية، حاطط إيده على سور البلكونة، ومش عارف يبدأ منين
كان واضح عليه إنه بيلوم نفسه
قطع سراج الصمت وقال بهدوء:
- احكيلي إيه اللي حصل النهارده
تنهد عبدالرحمن وقال بصوت منخفض:
- أنا السبب يا عمي
بصله سراج من غير ما يقاطعه
كمل عبدالرحمن:
- النهارده كان أول يوم أرجع فيه الشغل بعد الإجازة
وأول ما وصلت حصلت مشكلة كبيرة
في فلوس كانت ناقصة واتهموني إني أنا اللي أخدتها
رغم إنهم بعدين عرفوا مين اللي عملها
بس الموقف كله خلاني راجع البيت وأنا متضايق ومش شايف قدامي
سكت لحظة ومسح وشه بإيده
- ونُسيبة كانت مستنياني أروح أجيبها من الجامعة
وأنا... نسيتها
أول ما رجعت البيت جت تعاتبني
وأنا اتعصبت عليها
مكنش ذنبها والله... بس طلعت فيها كل اللي كان جوايا
نزل بعينه للأرض وقال بندم:
- أول مرة في حياتي أشوفها تبصلي بالطريقة دي
فضل سراج ساكت كام ثانية، ثم قال بهدوء:
- لا يا عبدالرحمن
رفع عبدالرحمن رأسه باستغراب
- اللي حصل النهارده مش سببه إنك زعقتلها
قطب عبدالرحمن حاجبيه وقال:
- إزاي
قال سراج وهو مسند ضهره على الحائط:
- لأن الانهيار اللي شوفته ده... مبيحصلش من موقف واحد
دي كانت آخر نقطة
آخر نقطة فوق حمل كبير متشال بقاله سنين
سكت عبدالرحمن وهو بيستوعب كلامه
فكمل سراج:
- في الطب النفسي بنسمي اللي حصل النهارده "محفز"
مش "سبب"
السبب الحقيقي بيكون متراكم
والمحفز مجرد حاجة خلت كل اللي متخزن يطلع مرة واحدة
بلع عبدالرحمن ريقه وقال:
- يعني... أنا مش السبب
هز سراج رأسه وقال:
- أنت كنت آخر موقف
لكن أكيد مش أول وجع
ساد بينهم صمت
قبل ما يسأل سراج بهدوء:
- قولي يا عبدالرحمن
أختك دي كانت شخصيتها كده من وهي صغيرة
ولا اتغيرت مع الوقت
فكر عبدالرحمن شوية
وبعدين قال:
- لا... هي من زمان هادية
بس...
سكت
سأله سراج:
- بس إيه
اتنهد عبدالرحمن وقال:
- دلوقتي وأنا بفكر... حاسس إن الموضوع مكانش هدوء
كانت دايمًا تخاف تغلط
ولو حد علي صوته حتى لو مش عليها... تسكت
ولو حد قالها كلمة... تفضل تفكر فيها بالأيام
وعمرها ما كانت تدافع عن نفسها
كنت فاكر ده طبعها
ابتسم سراج ابتسامة حزينة وقال:
- في فرق كبير بين الإنسان الهادي
والإنسان اللي متربي على الخوف
نزلت الجملة على قلب عبدالرحمن بصعوبة
لأنه لأول مرة يحاول يفتكر أخته من الزاوية دي
قال بصوت مبحوح:
- يعني هي كانت بتتعب وإحنا مش واخدين بالنا
رد سراج بهدوء:
- معرفش
وعشان كده مش هفترض حاجة
أنا لسه معرفش نُسيبة حكتلكم إيه... ولا مخبية إيه
لكن اللي أعرفه
إن اللي شوفته بعيني النهارده
بيقول إن البنت شايلة فوق طاقتها بكتير
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
- أنا مش هدور دلوقتي مين غلط ومين صح
أنا كل هدفي إنها تقف على رجليها تاني
فضل عبدالرحمن ساكت، وعينيه معلقتين في الأرض
فربت سراج على كتفه برفق وقال:
- ومتجلدش نفسك
الذنب لو فضل مسيطر عليك... مش هتعرف تساعدها
دلوقتي هي محتاجة أخوها
بس محتاجة أخوها وهو ثابت... مش مكسور معاها
وعشان كده... أول خطوة هتعملها إنك تصبر
وتسيبها تاخد وقتها
وأوعدك...
لما تبقى مستعدة تواجه اللي جواها
هترجع أقوى من الأول بإذن الله
بعد مدة خرجت نسيبة وهي ساكته تماما قام سراج استأذن ومشي وهي مشيت وراه من غير ما تبص على حد منهم بس قبل ما يفتح سراج جه صوت حذيفة بيتكلم بنوم :
- نسيبة انتي راحه فين قرب منها شوية وبعدها اتكلم بصدمة انتي معيطة انتي راحه فين بالشنطة دي
حاولت نسيبة تجمع صوتها وتتكلم بس مقدرتش ف اتكلم سراج :
- واخدها معايا عشان هي تعبانه شوية صغننه وهترجعلك تاني
بصلها حذيفة وقرب منها وحضن رجليها واتكلم :
- متتاخريش عليا أنا بحبك و مش بحب اشوفك بتعيطي وزعلانه أنا عارف أن ماما بتزعقلك كتير وكنتي بتدخلي تعيطي في اوضتك بس أنا كنت بزعقلها واخاصمها عشان بتزعقلك متزعليش
نزلت دموع نسيبة بصمت وبعدها نزلت لمستواها وحضنته وبعدت وهي بتمسك وشه بين كفوفها وحاولت تتكلم وهي بتجمع حروفها :
- مش.... مش زعلانه يا حبيبي أنا بس تعبانه شوية وعمو سراج هيرجعني على طول وهجيبلك حاجه حلوة وأنا جاية بس متتعبش ماما واسمع الكلام عشان مزعلش ماشي
هز رأسه بسرعه :
- ماشي بس متتاخرييش عليا
- حاضر
مشيت نسيبة مع سراج
مر اليوم الأول...
هادئًا بشكل غريب
البيت كان مختلف
مفيش صوت عالي
ولا أسئلة
ولا حد بيحاول يعرف مالها
استقبلتها والدة سراج بحنان، وجهزتلها الأوضة، وقالت بابتسامة هادية:
- ارتاحي يا بنتي... ولما تحتاجي أي حاجة أنا بره
قضت اليوم كله ساكتة
وسراج...
متعمدش يسألها عن أي حاجة
قبل المغرب وقف عند باب الأوضة وقال بهدوء:
- أنا مش مستني منك كلام
ولما تكوني مستعدة...
هتلاقيني موجود
واكتفى بكده
...
تاني يوم
كانت قاعدة في البلكونة
خرج سراج وقعد قدامها من غير ما يبصلها
وبعد صمت طويل سألها:
- آخر مرة حسيتي فيها بالأمان كانت إمتى
دخل السؤال لقلبها
لكنها مقدرتش تجاوب
ابتسم وقال بهدوء:
- خلاص...
اعتبري إن السؤال متسألش
ورجع يشرب الشاي
استغربت
لأول مرة حد يحترم صمتها
اليوم اللي بعده...
قعد قدامها وقال:
- أنا مش جاي أصلحك لأنك مش بايظة
رفعت عينيها ليه
فكمل :
- أنا بس عايز أعرف مين أقنعك إنك طول الوقت غلط
نزلت دموعها بهدوء
وسابها تبكي
لحد ما هديت
- إحنا مش هنفتش في الماضي دلوقتي
إحنا بس هنفصل صوتك
عن الأصوات اللي عاشت جواكي سنين
وسألها:
- لو بنت صغيرة قالتلك: "أنا فاشلة ووحشة"
هتقوليلها إيه
قالت من غير تفكير:
- هقولها إن ده مش حقيقي وأنها حلوة
ابتسم وقال:
- طيب ليه صدقتيه لما اتقالك إنتِ
سكت ولأول مرة
بدأت تشك
إن المشكلة يمكن عمرها ما كانت فيها
لكن في كل الأصوات اللي أقنعتها بده
قال سراج بهدوء:
- لأن الكلام لما بيتكرر كتير... العقل بيبطّل يناقشه
ويبدأ يصدقه حتى لو كان كدب
رفعت عينيها ناحيته ببطء
فكمل بنفس الهدوء:
- محدش بيتولد وهو شايف نفسه قليل
إحنا بنتعلم نشوف نفسنا من عيون اللي ربونا
لو فضل طفل كل يوم يسمع إنه غبي
هيكبر مقتنع إنه غبي
ولو فضل يسمع إنه عبء
هيكبر معتذر عن وجوده
ولو فضل يسمع إنه ميعرفش يعمل حاجة
هيخاف يجرب من الأساس
سكت لحظة
- جربي تشوفي نفسك من منظور تاني أنت شخص مش وحش بس شخص مش عارف قيمة نفسه ومستسلم لكلام اللس حواليه
قالت بصوت مبحوح:
- طب أعمل إيه...
أصدق مين
كل اللي سمعته طول عمري
ولا اللي حضرتك بتقوله
ابتسم سراج ابتسامة هادئة
وقال:
- ولا ده
ولا ده
افتحي المصحف
وعيشي مع كلام الله تدبري قصص الأنبياء
الإنسان هو محور الخطاب القرآني
شوفي نفسك مع ربنا ونعمته عليكي شوفي انتي ايه عند ربنا
سكتت طويلًا
وشعرت لأول مرة...
أنها كانت بتبحث عن قيمتها عند الناس
ولم تبحث عنها يومًا عند الله
وقف سراج وهو يقول:
- العلاج مش هيخلي الماضي يختفي
ومش هيمنع الناس تغلط
لكن هيخليكي تبصي لنفسك بعين أرحم
ولما تعرفي قيمتك عند ربنا وتقوي علاقتك بيه وتسمعي عنه كتير عن صفاته سبحانه وتعالى
كلام الناس هيبقى مجرد كلام
وقبل ما يخرج من الغرفة وقف عند الباب وقال:
- افتكري حاجة واحدة بس
الإنسان مش بيتقاس بعدد المرات اللي وقع فيها
الإنسان بيتقاس بعدد المرات اللي قام فيها وهو مستعين بربه
وخرج بهدوء
------------------------------------------------------
عند مصعب
مر أسبوع
وفي الأسبوع ده، حياة مصعب كانت مختلفة لأول مرة من سنين
يمكن مش اختلاف كبير بس خطوات واضحة
بقى ينزل كل صلاة يقدر عليها في المسجد
يقعد مع والده بعد العشاء حتى لو عشر دقايق
يشرب الشاي مع والدته من غير ما يبص كل شوية في الموبايل
ولما يقين تناديه.
يرد من أول مرة
مكنش بيعمل حاجات كبيرة
لكن لأول مرة...
كان حاضر
وفي ليلة، بعد ما خلص صلاة العشاء، وقف قدام أوضة والده
خبط
ولما والده سمحله يدخل، قرب منه وقعد جنبه.
وقال بهدوء:
- سامحني يا بابا
أنا كنت فاكر إني ببني مستقبلي
ونسيت أبني نفسي
ابتسم والده، وربت على كتفه، وقال:
- اللي يرجع لربنا... عمره ما يتأخر
خرج مصعب من الأوضة، ووقف قدام الشباك
طلع من جيبه علبة صغيرة
فتحها
كانت دبلة بيان
فضل يبصلها ثواني
وبعدين قفل العلبة تاني
وقال لنفسه بهدوء:
- مش هرجع أخبط على بابها
غير لما أبقى الراجل اللي تستحقه بجد
ابتسم لأول مرة
لأن المرة دي
مكانش بيجري ورا نجاح في شغل
كان بيجري...
وراء رضا الله
وعرف
إن كل حاجة تانية، هتيجي في وقتها
------------------------------------------------------
مرت الأيام
كانت نُسيبة بتتكلم أكتر
ولو قليل
ابتسامتها بقت تطلع من غير مجاملة
رجعت تمسك كتابها
وترجع تقرأ القرآن كل يوم
وتقعد مع والدة سراج في المطبخ تساعدها
وفي كل مرة كانت تغلط في حاجة
كانت تلقائيًا تستعد تسمع اللوم
لكنها كانت تتفاجئ بابتسامة هادئة تقول:
- عادي يا بنتي
كلنا بنتعلم
وفي كل مرة كانت تسمع الجملة دي
كان جواها بيتصلح جزء صغير
لحد ما جه اليوم اللي وقفت فيه قدام المراية
بصت لنفسها
ولأول مرة
مقالتش
"أنا فاشلة"
ولا
"أنا ضعيفة"
كل اللي قالته وهي تبتسم ابتسامة خفيفة
"أنا لسه بتعلم"
وكانت دي
أول مرة تسمع صوتها
من غير صوت الخوف
بعد يومين ....
كانت نُسيبة واقفة في جنينة البيت، بتتأمل الشجر وهو بيتحرك مع الهوا
وقف سراج جنبها من غير ما يقطع صمتها
وبعد لحظات قال بهدوء:
- عاملة إيه النهارده
ابتسمت ابتسامة خفيفة
يمكن لأول مرة كانت ابتسامة طالعة من قلبها
وقالت:
- أحسن
بس لسه الطريق طويل
هز رأسه وقال:
- وكل طريق طويل بيبدأ بخطوة
سكتوا شوية
ولما اتحركوا ناحية البيت، وقف سراج قدام الباب
كان الباب مفتوحًا فتحة صغيرة
لا هو مقفول
ولا مفتوح بالكامل
ابتسم وقال:
- عارفة
أوقات كتير الأبواب مبتبقاش مفتوحه
ببتبق متسابه مواربة
علشان نمشي إحنا الخطوة الأولى
بصت نُسيبة للباب طويلًا
ثم أخدت نفسًا عميقًا
وتقدمت بخطوة هادئة
وزقت الباب بإيدها
فاتفتح ببطء
ابتسمت
ولأول مرة
مكانتش خايفة من اللي مستنيها ورا الباب
لأنها أخيرًا
عرفت إن أقسى الأبواب
مكنتش أبواب البيوت
كانت الأبواب اللي اتقفلت جوا قلبها
والنهارده
بدأ أول باب منهم يتفتح من غير خوف
بدأت تعرف نسيبة بعيد عن كلام مامتها بعيد عن كلام الناس
تعرف نسيبة وبس
------------------------------------------------------
بعد مرور شهور
كانت نسيبة رجعت بعد آخر نقاش بينها وبين سراج بيتها اللي أول ما دخلت حست بإحساس مختلف وأن ممكن تخلي بيتها جنة بايديها عملت نفسها زعلانه من عبدالرحمن بعد ما عرفت من سراج انه مكنش يقصد بس صالحته على طول
وحذيفة اللي بقت تقعد معاه اطول وتعلمه عن الرسول والصحابة عشان يطلع شاب صالح
أما باباها بق احن وألين في التعامل بعد كلام سراج معاه
أمها كانت لسه شايفة إنها كانت بتربي
وإن شدتها كانت خوفًا على بنتها
وإنها ما أخطأتش
وكانت نُسيبة بتزعل لأن مش بسهوله تنسى اللي فات
لكن كانت كل مرة تذكر نفسها بقول الله تعالى:
﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾
فعرفت أن برها لأمها عبادة
حتى لو متفهاهموش ولا مرة
لأن هي أخيراً
مبقتش تدور على قيمة نفسها من كلام الناس
بعد ما لقت نفسها أخيرا مع ربنا ولقت علاجها في كلامه ...
------------------------------------------------------
وبكده نقدر نقول تم بفضل الله الجزء الاول من رواية
" باب موارب "
أتمنى تكون عجبتكم واستفدتهم منها
وحقيقي شكرا للبنات اللي كانوا متابعين وبيشجعوني إني اكملها
وكل بنوتة شافت نفسها في نسيبة انتي شخص جميل ويتحب متبصيش لكلام حد حتى لو أهلك مادام الكلام دا بيأثر عليكي بالسلب بريهم وعامليهم بالحسنى بس بلاش تيجي على نفسك لنفسك عليكي حق حبيها مش لازم حد يحبك يكفي أنك تحبي نفسك هتبقي أسعد إنسانة قوي علاقتك بربنا هتلاقي التيسير والراحة إحنا مخلوقين لنرحم بلاش تحملي نفسك فوق طاقتها طول الوقت هيجي أوقات وتقعي وتنتكسي بس ارجعي تاني جاهدي نفسك
الدنيا مش طول الوقت هتبق حلوة هيجي اوقات وهتحسي انك بتتنفسي من خرم إبرة بس انتي قدها مادام اتحطيتي في ابتلاء انتي قده
الله يرضى عنكم وعني يارب ويرزقنا جميعا راحة البال
اخيرا...
متنساش تصلي على النبي 🎀
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
