رواية الأمواج السوداء الفصل الخامس عشر بقلم مصطفى محسن
فى اللحظة دى، موج أسود عالى جدًا بدأ يضرب المركب من كل اتجاه، والمركب كانت بتتمايل جامد كأنها هتغرق، لكن عوض فضل واقف مكانه، مكمل فى الكلام الغريب اللى بيقوله على حميدو، وكأن اللى بيحصل حواليه ميهموش. وفجأة، حميدو وهدى وقعوا على الأرض فى المركب، وبعد لحظات قام حميدو وهو بيحاول يستوعب اللى حصل. بص حواليه، فلقى عوض واقف قدامه، لكن المرة دى حميدو مكنش نفس الشخص، لأن عوض كان سيطر عليه بالكامل. حميدو وقف قصاد عوض، ومد إيده ومسك إيد عوض وباسها وقاله: أنا جندى من أجنادك، أمرنى يا سيدى عوض. وقتها عوض ابتسم ابتسامة كلها انتصار، لأنه عرف إن العهد اكتمل، وإنه أخيرًا سيطر على حميدو بالكامل.
-
عوض قاله: اسمع الكلام اللى هقولك عليه يا حميدو ونفذه بالحرف الواحد. حميدو قاله: أمرك يا سيدى. عوض قاله: فيه معاد بينك وبين أيوب النهارده بعد المغرب، وخالد هيجيلك. مش عاوز يظهر عليك أى تغييرات، عاوزك تكون طبيعى، ولما ترجع من عند أيوب تحكيلى حصل إيه، وتقولى أيوب قالك إيه بالحرف الواحد. حميدو قاله: أمرك يا سيدى، هنفذ كل اللى قولتهولى. عوض طبطب على كتف حميدو، وبعدها اختفى، وكأن وجوده فى المكان مكنش غير كابوس. حميدو كان باين عليه الإرهاق الشديد، ومكنش قادر يسند نفسه، فرمى جسمه على السرير، ونام نومًا عميقًا. وفجأة سمع الباب بيخبط جامد، خبطات متتالية خلت حميدو يقوم وهو مفزوع، وجرى ناحية الباب وفتحه، فلقى خالد واقف قدامه وهو بيبصله بقلق. حميدو قاله: إيه يا خالد، اللى بتعمله ده؟ فى حد يخبط على حد بالشكل ده؟
-
خالد قاله: العشا أذن، وإنت نايم لحد دلوقتى، وإنت عارف إن فيه مقابلة بينا وبين جدى أيوب. حميدو قاله: أنا نمت ومحستش بنفسى، حقك عليا يا خالد. ادخل عشان أغير هدومى ونروح لجدك أيوب. خالد قاله: بسرعة بس عشان متأخرين. حميدو قاله: حاضر. حميدو دخل يغير هدومه، وخالد قعد فى الصالة، وهو بيبص على الأرض. بالصدفة لقى اللوحة النحاسية اللى كانت مع عوض. خالد قرب منها، ومد إيده ومسَكها، وفجأة صرخ بصوت عالى، صرخة خلت حميدو يجرى من الأوضة وهو مرعوب. أول ما خرج، لقى خالد واقع على الأرض، ووشه كله ألم. حميدو جرى عليه وقاله: فيك إيه يا خالد؟ إنت كويس؟ خالد قاله وهو بيتنفس بالعافية: أنا لقيت اللوحة دى. خالد رجع يبص على اللوحة، لكن اختفت، كأنها عمرها ما كانت موجودة. رجع بص لحميدو وقاله: اللوحة كانت هنا. حميدو قاله باستغراب: لوحة إيه؟ خالد قاله: لوحة نحاسية، وكانت هنا، ولما جيت أمسكها لسعتنى فى إيدى.
-
حميدو اتصدم من كلام خالد، لكنه عمل نفسه مش فاهم حاجة وقاله: أكيد تخيلات. خالد قاله: لا، مش تخيلات يا حميدو، أنا متأكد، أنا مسكتها بإيدى ولسعتنى جامد. حميدو غير الكلام بسرعة وقاله: يلا عشان منتأخرش على جدك أيوب. خالد قام من على الأرض، لكنه كان حاسس إن فيه حاجة غلط، حاجة مش طبيعية بتحصل، وحاسس إن حميدو مخبى عنه حاجة. خرجوا هما الاتنين، وفى الطريق شافوا بركة، لكن المرة دى كان بالشكل الصغير اللى متعودين عليه، مش بالشكل الكبير اللى ظهرلهم آخر مرة. خالد قرب منه وقاله: إنت كنت فين يا بركة؟ أنا كنت قلقان عليك. بركة شاور بإيده ناحية حميدو، وبص لخالد بنظرة كلها تحذير وقاله: خلى بالك منه. خالد بص لحميدو باستغراب، ولما رجع بص ناحية بركة، ملقهوش، كان اختفى، كأنه مكنش موجود من الأساس.
-
خالد بص لحميدو وقاله: بركة اختفى. حميدو قاله: إحنا اتعودنا على كده من زمان، إنت عارف بركة بيظهر وقت ما يكون عاوز، ويختفى برضه وقت ما يكون عاوز. خالد بص لحميدو بنظرات كلها شك، وحس إن حميدو مخبى سر كبير ومش عاوز يقوله. فضل طول الطريق يبصله من وقت للتانى، لكن حميدو كان بيتجنب يبص فى عينيه، وكأنه خايف ينكشف اللى جواه. خالد وحميدو كملوا طريقهم لحد ما وصلوا قدام بيت أيوب. خالد خبط على الباب، وبعد ثوانى الباب اتفتح. أيوب بص لخالد وحميدو وقالهم: اتأخرتوا ليه؟ الراجل كان هيمشى. خالد وحميدو بصوا لبعض باستغراب، وقالوا فى صوت واحد: مين الراجل ده؟
-
أيوب ابتسم وقالهم: ادخلوا وأنا هعرفكم عليه. أول ما دخلوا شافوا راجل فى حوالى خمسة وسبعين سنة، دقنه بيضا، ووشه فيه راحة وهدوء بشكل غريب. أيوب قالهم: أحب أعرفكم بعم برعى، واحد من الصيادين اللى كانوا شاهدين على اللى كان بيحصل فى البحر أيام ناصر، وهو الوحيد اللى لسه عايش، وعارف سر ممكن ينقذكم من لعنة المركب. خالد قرب منه وسلم عليه وقال: أنا اسمى خالد يا عم برعى، وده جدى أيوب. برعى ابتسم وسلم عليه، لكن أول ما حميدو قرب منه ومد إيده يسلم عليه، برعى بصله بنظرة تقيلة كلها تركيز، وكأنها كانت بتقرا اللى جواه، وسكت لحظات قصيرة قبل ما يتكلم. بعدها سأله سؤال خلى الدم يتجمد فى عروق حميدو، وحس إن رجليه مش قادرة تشيله من شدة الخوف.
-
يا ترى برعى سأل حميدو قاله إيه؟ وهل هيكتشف العهد اللى بين حميدو وعوض؟ ولا فيه سر أكبر؟
