رواية جحيم ال مارينتوس الفصل السادس عشر 16 بقلم سارة بركات


 رواية جحيم ال مارينتوس الفصل السادس عشر 


"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"


هبطت طائرة ديميتري في مطار نيو دِلهي، وبينما استقرت الطائلة على الإسفلت اعتدل ديميتري من مكانه بهدوء لتتقابل عينيه مع جوداء التي استيقظت للتو بسبب اهتزاز الطائرة أثناء الهبوط لقد غفت كثيرًأ حقًا يبدو أنها كانت مُتعبة، ذلك ماقاله ديميتري لنفسه وهو يُطالعها .. وقعت عينيها على الغطاء الموضوع عليها بتوتر لترمُق ديميتري من جديد ولكنه تصرف بلامبالاة، حيث أخذ حقيبته من خزانة الأمتعة العلوية؛ بينما اعتدلت جوداء بسرعة لتقوم هي الأخرى بأخذ حقيبتها .. وهمَّ ديميتري أن يخرج من الطائرة أردفت توقفه:

- سيد ديميتري.

التفت برأسه نحوها يرمُقها باستفهام، لتقول بتردد وهي تُشير نحو الغطاء:

- هل أنت من قُمتَ بتغطيتي؟

عقد ديميتري حاجبيه ثم أردف قائلاً:

- لقد كنتُ نائمًا لم أرى من فعلها حقًا.

ابتسم ابتسامة خافتة حينما زفرت بارتياح وهزت رأسها قائلة بهدوء:

- حسنًا، يبدو أنها المُضيفة الجوية.

سارت نحو باب الخروج من الطائرة ولكنها توقفت حينما وجدت ديميتري واقفًا أمامها يرمُقها بابتسامة، لتقول بحيرة:

- ماذا هُناك؟

ولكنه هز رأسه قائلاً:

- لا شيء.

ثم التفت يُعطيها ظهره لينزل من الطائرة؛ بينما تبعته هي الأخرى بهدوء وبمجرد أن خطت أقدامهما على الأرض رفعت جوداء هاتفها ترمقه بهدوء لتقول بالمصرية:

- هوصل لمالك ازاي بس؟!

زفرت بخفوت لتشعر أنها تائهة .. ولكنها التفتت حينما سمعت صوت رنين هاتف ديميتري خلفها .. ضيقت عينيها وهو يُجيب على هاتفه بهدوء:

- أجل.

صمت قليلاً ثم أردف:

- حسنًا سأخرج الآن.

ثم أغلق المكالمة الهاتفية لتتقابل عينيه مع خاصتي جوداء التي رمقته بحيرة، عقد حاجبيه في المُقابل ليقول:

- ماذا هُناك؟

تساءلت وهي تُضيق عينيها

- كيف يعمل هاتفك؟

صمت ديميتري قليلاً كأنه يحاول البحث عن إجابه يشعرً أنه سؤال صعب ولكنه أردف قائلاً:

- لقد قًمتُ بشراء رقمٍ يخص دولة الهند لذلك حينما وصلنا هُنا تم تفعيله تلقائيًا.

اقتربت جوداء نحوه برجاء لتقول:

- هل من الممكن أن أُجرِي مكالمةً هاتفية؟ من فضلك سيد ديميتري.

همهم وأعطاها هاتفه لتدون رقم مالك وأخذت تتصل به ليُجيبها بعد ثوانٍ قليلة:

- من معي؟

أردفت جوداء بسرعة:

- مالك، أين أنتم؟

زفر مالك بارتياح ليقول:

- جود! هذه أنتِ حقًا؟؟ لقد حاولنا الإتصال بكِ كثيرًا ولكنكِ لم تقومي بالإجابة، ثم لماذا تُهاتفينني من رقمٍ هِندي؟ هل أنتِ هُنا؟ ماذا حدث؟ وكيف اتيتي؟

زفرت بهدوء لتقول بتوتر:

- هذا أمرٌ يطول شرحُه، كيف أذهب إلى منزل الضيافة؟ لا أعلم أي شيءٍ هُنا.

عقد ديميتري حاجبيه بضيق ولا يدري لماذا ..

- يا الله، حسنًا خُذي ..............

لم يُكمل إذ ابتعد صوته عن أذنها لتتفاجأ جوداء بأن ديميتري قد انتشل الهاتف من فوق أذنها، ليقول وهو يزمجر بضيق:

- حسنًا، هذا يكفي.

رمقته جوداء للحظات بعدم فهم ولكنها أردفت باعتذار ..

- أعتذر سيد ديميتري إذا كنتُ قد أطَلتُ الحديث، أعلم أن باقتك أكيدٌ تكفيك لفترة قليلةٍ ولكنني تائهة هُنا.

رمقها ديميتري بذهولٍ لوهلة ولكنه حمحم ليقول بهدوء:

- آنسة جوداء لقد أخبرتكِ من قبل أننا ذاهبين إلى المكان ذاته.

رمقته لثوانٍ ثم أردفت:

- أعلم هذا، إن كلانا تائهين؛ فأنا أحاول الوصول إلى طريقة لنذهب بها حيث وجهتنا.

زفر ديميتري بخفوت قائلاً:

- لا لسنا تائهين، لانه توجد سيارة في انتظارنا بالخارج لكي تُقِلَّنا حيث وُجهَتِنا.

رمشت بسرعة وهي ترمقه باستيعاب لتقول:

- وكيف لم تُخبرني بذلك منذ البداية؟

صمت قليلاً يريد أن يخبرها أنها لم تترك له فرصة الحديث من الأساس .. ليقول باعتذار:

- أعتذر، أنتِ مُحقة .. هيا بنا نذهب من فضلك؟

أومأت بهدوء وتبعته ليخرجا من المطار .. كانت هُناك سيارة سوداء ضخمة تنتظرهما بالخارج ليصعد ديميتري بها ولكن جوداء توقفت بتشتت خارجها .. أردف ديميتري بهدوء:

- آنسة جوداء، من فضلك اصعدي.

رمقته بتوتر لثوانٍ ولكنها في النهاية امتثلت لأمره وركبت بجانبه ولكن بمسافات واسعة بينهما، ليرمق ديميتري تلك المسافة بينهما ولكنه تحدث بالإنجليزية للسائق:

- هيا تحرك.

تحرك السائق بالسيارة حيث وجهتهما ..

أما في روسيا، وقفت سيلفانا بجانب سايلِس بالفندق الذي سيبقيان به ليستلم كُلاً مفتاح غرفته وخلفهما بعض العاملين في الفندق يحملون عنهما حقائبهما، وحينما توقف كلاً منهما أمام غرفته والمجاورتان لبعضهما .. رمقته سيلفانا بطرف عينيها؛ فتقابلت عينيهما لتحيد ببصرها عنه بسرعة .. ابتسم سايلِس ابتسامةً خافتة وهو يرمُقها بهدوء، بينهما تنهدت سيلفانا لتفتح باب غرفتها ولكنها توقف فجأة في منتصف طريقها حينما جذبها سايلِس من معصمها نحوه لترتطم بصدره العريض:

- ماذا هُناك سيلفانا؟

أردفت بهدوء:

- لا شيء، أنا فقط بحاجةٍ للراحة قليلاً.

همهم سايلِس قائلاً:

- ما رأيكِ بأن نتناول طعام العشاء سويًا، لقد قمتُ بحجز مطعمٍ لنا لكي نبقى على راحتنا قليلاً.

أومأت بهدوء قائلة:

- حسنًا سيد سايلِس.

التفتت من جديد ولكنه أوقفها دون أن يجعلها تلتفت إليه مُجددًا حين استقر كفه على بطنها لتتوقف أنفاسها للحظة شعرت به يضيق المسافة بينهما واقترب برأسه من شعرها يستنشق رائحته للحظات ثم أردف بصوتٍ خشن:

- إنه سايلِس فقط، ثم يجب عليكِ أن ترتاحي قليلاً فعلاً يبدو أنكِ منهكة.

أومأت بهدوء لتقول:

- حسنًا.

أكملت سيلفانا طريقها داخل غرفتها بينما ظل هو واقفًا عند باب غرفتها يرمقها بهدوء ثم خرج من غرفتها ليُغلق الباب خلفه، وثوانٍ قليلة مرة لتسمع سيلفانا صوت إغلاقه باب غرفته التي بجانبها .. جلست سيلفانا بهدوء على فراشها وزفرت بخفوت لتنتبه بعد ذلك على طرقاتٍ خفيفة على بابها .. اقتربت نحو الباب وتساءلت بهدوء:

- من الطارق؟

- خدمة الغرف سيدتي.

فتحت الباب لتدخل الفتاة الخاصة بخدمة الغرف لتقوم بترتيب ثياب سيلفانا داخل خزانة الملابس .. لتذهب إلى الحمام لتحمل ثيابًا جديدة ترتديها بعد الاستحمام مُباشرة.

وصلت سيارة ديميتري في طريقٍ ضيق قليلاً لترمُق جوداء المكان حولها من خلف الزجاج .. لتبتسم حينما رأت الزينة المُعلقة بالمنطقة بأكملها .. ذكرها ذلك المظهر بمصر! .. في أي احتفال أو مناسبة حتى في موسم الصيام وهو شهر رمضان المُبارك .. كانوا يقومون بتعليق الزينة أيضًا كما أنه كانت هناك طقوسًا غريبة للأطفال يفعلونها! .. كان ديميتري يراقبها طوال الطريق بهدوء .. ويراقب ابتسامتها التي ظهرت فجأة أمامه ليشعر بدقات قلبه تزداد بشكلٍ غريبٍ حقًا، وحينما وصلت السيارة حيث الوُجهة نزل ديميتري من السيارة بهدوء وتبعته جوداء لتبتسم بتلقائية حينما رأت الأطفال يلعبون بين المنازل .. بينما تحدث السائق الهندي لديميتري بالانجليزية:

- سيدي هذا هو المنزل، هل تُريدني أن أنتظر بالسيارة أم أرحل وأترك لك السيارة؟

أردف ديميتري بهدوء:

- لا بأس يمكنك أن ترحل أنت.

أومأ السائق ليأخذ سيارة أجرة بعدما أعطى ديميتري مفتاح السيارة .. كان مالك يسير بجوار خطيبته تُدعى عائشة كانت قصيرة القامة قليلاً ترتدي بنطالاً وفوقه ساريًا طويلاً طويل الأكمام ويعلوهما حجابٌ أضاف جمالاً لملامحها الهادئة .. هرول مالك نحوهم بسُرعة ليُرحب بهم ..

- سيد ديميتري مرحبًا بك.

التفت ديميتري ليرمق مالك بابتسامة هادئة بينما أشار مالك لجود أن تقترب من عائشة وتتحدث معها، لتقول بابتسامة طيبة وهي تحييها باللغة الإنجليزية:

- مرحبًا، مباركٌ لكما الزواج، أنا أُدعى جوداء يمكنكِ أن تلقبينني بجود.

ابتسمت عائشة بابتسامة لطيفة:

- اهلا بكِ جود، أشكركِ كثيرًا على قدومكِ هُنا.

ثم التفتت عائشة نحو جود قائلة وهي تشير نحو ديميتري..

- ألن تُعرفينني بزوجكِ؟

لم تستوعب جوداء ماتقوله تلك الفتاة لتتشنج ملامحها قليلاً بينما ظل ديميتري واقفًا يرمُق جوداء بهدوء لا يدري هل من المفترض أن يتدخل الآن؟؟ أم يصمت؟ احمرت وجنتا وجود ورفعت كفي يدها بسرعة لتقول بتوضيح:

- زوجي؟ لا .. إنه ديميتري وأنا جوداء كيف نجتمع سويًا حُبًا في الله.

ثم صمتت جوداء قليلاً تستوعب ما قالته لتحمر وجنتيها أكثر ولم تستطع أن تُزِد .. كادت عائشة أن تتحدث ولكن مالك من تدخل:

- السيد ديميتري يكون صاحب مبنى الإذاعة الذي نعمل به أنا وجود.

همهمت عائشة بابتسامة لتقول:

- أعتذر اعتقدتكما متزوجان أنا آسفة.

ثم التفتت عائشة نحو جوداء قائلةً:

- هيا بنا جود دعيني أريكِ أين ستنامين.

ابتسمت جوداء بهدوء لتَجُر حقيبتها خلفها بينما تابعها ديميتري بعينيه حتى اختفت من مرأى بصره ولكنه استفاق عندما تحدث مالك:

- هيا سيدي دعني أُدلك على الوصول لمنزل الرجال.

أومأ ديميتري بهدوء ليذهب خلف مالك .. وما أن خطت جود بقدماها داخل المنزل انبهرت كثيرًا بالزينة الضخمة الموجودة أمامها .. لتقول بالانجليزية:

- يا الله ماهذا الجمال يا آنسة عائشة.

قهقهت عائشة بخفة على لقبها ذلك لتقول بتوضيح:

- جود من فضلك لا تناديني بأي لقبٍ هُنا، أنتِ ورفيقاتك لا تتركن الألقاب أبدًا.

ابتسمت جوداء بهدوء لتقول:

- لا أدري ربما لأننا اعتدنا على الرسمية في العمل.

أردفت عائشة:

- لا داعي لذلك، ثم كلها يومين وسأكون زوجة مالك .. ولا أريد أي ألقابٍ بيننا ثم إنني أتوق للتعرف بكِ كثيرًا.

ابتسمت جوداء بلُطف:

- وأنا أيضًا.

دلتها عائشة إلى غرفةٍ جميلة وانبهرت بها جوداء تمام .. حسنًا هي أول مرة تأتي إلى الهند دائمًا تراها بالتلفاز ولكنها على أرض الواقع جميلةٌ حقًا ..

- ارتاحي قليلاً فنحن لدينا سهرةٌ غاية الجمال قبل مُنتصف الليل.

رمقتها جوداء بحيرة لتقول:

- ماذا؟

أردفت عائشة بتوضيح:

- ليلة فتيات .. سنرقص ونغني سويًأ .. هل جئتِ بساري معكِ؟

رمقتها جوداء بحيرة:

- ماذا تقصدين بليلة فتيات، قم أجل بالطبع جئت بالساري الذي سأرتديه في الزفاف.

ابتسمت عائشة لتقول:

- لا تقلقي، سآتي لكِ بساري تستطيعين ارتداءه في سهرة الليلة.

عقدت جوداء حاجبيها بحيرة منها لتقول عائشة بتوضيح:

- يا فتاة .. ليلة فتيات أقصد بها أن نكون على راحتنا قليلاَ.

أومأت جوداء بهدوء لتتركها عائشة لترتاح قليلاً .. بينما أخذت جوداء تنظر ترمق الغرقة حولها من جديد حيث كانت الغرفة هادئة وواسعة، يغلب عليها الطابع الهندي الأنيق؛ جدرانها بلونٍ دافئ تتخلله زخارف هندسية دقيقة، بينما امتدت على الأرض سجادة شرقية ذات نقوشٍ غنية بألوانٍ عميقة وفي منتصف الغرفة استقر سرير كبير بإطار خشبي داكن، تعلوه وسائد مرتبة بعناية وغطاء بلونٍ عاجي تتخلله تطريزات هندية بسيطة. وعلى أحد الجانبين وُضعت طاولة خشبية صغيرة فوقها مصباح ذو غطاء مزخرف، يلقي ضوءًا أصفر هادئًا يضفي على المكان شيئًا من الدفء، وبالقرب من النافذة الكبيرة وُضع مقعد خشبي مبطن، وكانت الستائر الثقيلة مفتوحة جزئيًا، تسمح برؤية أضواء المكان من الخارج .. وفي أحد الأركان وُضع صندوق خشبي صغير للنقوش الهندية، إلى جواره مزهرية تحتوي على أزهار الياسمين، فانتشرت رائحتها الخفيفة في أرجاء الغرفة، أغمضت جوداء عينيها بابتسامة جميلة وألقت بنفسها فوق الفراش الوثير .. لتغلق عينيها بابتسامة جميلة وبعد ثوانٍ اعتدلت لكي تقوم بتبديل ثيابها؛ أما بالنسبة لديميتري وصل غرفته وأخذ ينظر حوله بحيرة .. ليقول مالك:

- ألم تُعجيك الغرفة سيدي؟

نفى برأسه قائلاً بابتسامة هادئة:

- لا لقد أعجبتني حقًا.

ابتسم مالك ليقول:

- حسنًا سيدي .. يمكنك أن ترتاح قليلاً .. فهناك حفلٌ رجالِيِ بالليل سنسهر به حتى الصباح.

أومأ ديميتري بابتسامة هادئة ثم استأذن مالك بالرحيل .. جلس ديميتري على الفراش بتلك الغرفة الجميلة وأخذ يُطالعها بهدوء .. كانت حقًا رائعة وجذابة.

وفي المساء في روسيا:

كانت سيلفانا قد ارتدت ثوبًا أزرق أنيق يليق تمامًا بجسدها المُتناسق، رفعت شعرها الأسود الطويل إلى الأعلى وثبتته بعناية تاركة بعض الخصلات الناعمة تنساب بجوار وجهها وعنقها فأبرز ذلك ملامحها الهادئة وعينيها الواسعتين بصورة أكثر سحرًا .. واكتفت بمكياجٍ ناعم زاد من جمالها الطبيعي وحين خرجت من غرفتها كان سايِلس ينتظرها في الخارج، كان مُرتديًا قميصًا أسود أنيث وقد رفع أكمامه حتى ساعديه تاركًا ازاراه العلوية مفتوحه قليلاً .. بينما صفف شعره الأسود بعناية، وبقيت خصلات شعره البيضاء المميزة على أحد جانبي رأسه واضحة كما اعتادت أن تراها .. ظل سايلِس ينظر إليها لقوانٍ أطول مما ينبغي ولكنه اقترب منها بخطواتٍ بطيئة ليقف امامها مباشرة ليطبع قبلةً هادئة على وجنتها، ازدردت ريقها بهدوء والتفتت برأسها نحوه لم تنتبه إلى مده قُربه منها . فتلاقت أعينهما وتقاربت المسافة بينهما حتى سعرت بأنفاسه الدافئة تختلط بأنفاسها .. ساد صمت قصير حيث ظلت عينيهما متعلقتان ببعضهما بينما ارتجفت أنفاسها قليلاً ولم تجد ماتقوله سوى أن تهمس باسمه:

- سايلِس.

ابتسم ابتسامة خافتة ثم تراجع خطوة للخلف قبل أن يمد يده لها قائلاً ..

- هيا بنا لنذهب.

نظرت إلي يده ثم إليه قبل ان تضع كفها في يده ليقبض عليها برفق ويقودها معه إلى الخارج، ليجعلها تصعد السيارة أولا وهو صعد بجانبها ليقلهما السائق .. بمرور الوقت .. ما أن توقفت السيارة ترجل سايلِس منها أولا ليمد يده لتمسكها سيلفانا بهدوء وتخرج منها بمساعدته وحينما استقرت قدماها على الأرض رفعت رأسها لترى مطعمًا في غاية الجمال فهو ذو واجهة جاجية تعكس اضواء المدينة المتلألئة في الخارج بينما تتدلى عند المدخل مصابيح نحاسية قديمة تُلقي ضوءًا خافتًا على أرضية المطعم . وفي الداخل كان هُناك طاولةٌ واحدة بالمنتصف .. وليست مجرد طاولة بل كانت أنيقة للغاية .. وكانت الإضاءة خافته ودافئة تأتي من مصابيح صغيرة مُعلقة فوق الطاولة ومن شموعٍ موضوعة داخل أوعية زجاجية .. أما في الخلفية فقد وصل إليها صوت الموسيقى الناعمة المُنسابة من مكانٍ غير ظاهر لها ... استفاقت من شرودها حينما أمسك سايلِس بيدها ليسيرا نحو الطاولة بهدوء .. جذب الكُرسي للخارج قليلاً لتجلس عليه بينما جلس هو أمامها .. ليرمُقها بهدوء لعدة ثوانٍ بينما هي بقيت ساكنة لا تتحدث ..

- مابكِ سيلفانا؟

ولكن سيلفانا ابتسمت بهدوء محاولةً أن لا تتطرق في الحديث لأمر يخصه ..

- أنا بخير، ماذا بي أنا؟ .. إن المطعم حقًا رائع سايلِس شكرًا لك.

ظل ينظر إليها بهدوء ثم أردفك:

- منذ أن أتينا وأنت تبتسمين قليلاً .. لا تتحدثين كثيرًا.

رمقته بهدوء ثم أردفت:

- بصراحة سايلس أنا لا أعرف من يجلس معي الآن.

ذلك ماقالته بهدوء ودون وعيٍ منها.. عقد سايلِس حاجبيه ليقول بنبرة جافةٍ قليلاً:

- ماذا تقصدين؟

فرت بخفوت ثم أردفت:

- أنت تعلم جيدًا ما الذي أقصده .. إنك بحالتين دائمًا .. أحيانًا أشعر أنك جيد ثم بعد ذلك أشعر أنك شخصٌ يمقته العالم حتى أنا.

برز فك سايلِس كأنه كان يضغط عليه بقوة ليتحكم في غضبه .. بقي صامتًا لثوانٍ وعيناه معلقتان بها .. ولكن سايلِس أردف ببرودٍ تلك المرة:

- أنتِ تعلمين جيدًا أنني أُظهر الجانب الجيد واللطيف لكِ .. لكن إذ فعلتي غير ذلك سترين الجانب الآخر.

ازدردت ريقها بهدوء ليقترب منهم النادل ويضع المشروب على الطاولة .. لتقول سيلفانا بسرعة:

- من فضلك أريدُ استبداله بعير المانجو.

أومأ النادل بهدوء ليحمل كأسها بينما رمقها سايلِس بحيرة:

- أنتِ لا تشربين؟

نفت سيلفانا برأسها قائلة:

- إن معدتي تتحسس من الكحول، فحينما أتناوله تظل يؤلمني كثيرًا لمدة يومين.

همهم سايلِس بهدوء ليضع النادل الآخر الطعام أمامهما .. ليقول سايلِس بهدوء:

- حسنًا يمكننا تناول الطعام الآن.

اومأت بهدوء وأخذت تتناول الطعام بينما ظل سؤالها عالقًا بعقلها فهو لم يُعطها إجابة مقنعة .. هي حقًا تخافه كثيرًا .. خلف هذا الوجه اللطيف والهادئ يكمُن رجلٌ حقير قد رأته كثيرًا في الآونة الأخيرة .. رجلٌ يجعلها غير سعيدة مُطلقًا.

في الهند في المساء:

كانت جوداء تقف أمام المرآة في غرفة عائشة ترمق هيئتها تلك بذهول .. فقد كانت ترتدي ساري هندي بأكمامٍ قصيرة بينما الساري التف حول جسدها بانسيابيه وانسدل طرفه الحر على كتفها في طياتٍ مُرتبة زادتها رقة وجمالاً كان القماش بلونٍ زهري عتيق يلمع كلما انعكس عليه الضوء .. بينما زين معصمها بالعديد من الأساور الهندية الرفيعة التي أصدرت رينيًا خافتًا مع كل حركة .. أما شعرها فقد تركته منسدلاً على ظهرها مع حضلات ناعمة تُحيطُ وجهها بينما اكتفت عائشة بوضع مكياجٍ هادئ لها .. رفعت جوداء يديها إلى طرف الساري تتفقده للمرة الأخيرة ثم دارت أمام المرآة قبل أن تبتسم بخجل:

- يا الله، أشعر أنني فتاةٌ مُختلفة .. ولكنني خائفة أن يراني أحدٌ هكذا.

ابتسمت عائشة قائلة:

- لقد قلت لكِ إنها ليلة فتيات فقط .. لذلك تركت لنفسي مُطلق الحرية بأن ترتدي على زوقي قليلاً.

همهمت جوداء بابتسامة وهي ترمق نفسها في المرآة لمرة أخيرة .. لتستفيق على صوت عائشة ..

- هيا .. فأنا العروس وقد تأخرت يا جود.

أومأت جوداء بهدوء لتخرج خلف عائشة والتي كانت أيضًا جميلة للغاية حيث كانت هيئتها مثل هيئة جوداءً ولكن الساري الخاص بها كان ذو لونٍ أبيضٍ ناصع البياض .. تجمعت الفتيات سويًا في قاعة الرقص في مبنى الضيافة الخاص بالنساء .. وقد بدت القاعة في تلك الأمسية مختلفة تمامًا حيث الأضواء الذهبية التي تنعكس على الأرضية اللامعة وزينات هندية ملونة تتدلى من السقف والجدران بينما كانت الموسيقى الهندية المرحة تنساب في المكان فتملأة بالبهجة والحيوية، كانت جميع الفتيات يرتدين الساري الهندي بألوان وتصاميم مختلفة واحدة اختارت الأحمر القاني وأخرى ارتدت الأزرق بيتما تألقت ثالثة بساري أخضر مزين بتطريز ذهبي وأخرياتٌ تنزعت أزياؤهن .. كانت تقف جوداء بينهن إلى جوار عائشة حيث كانت تحاول مجاراة الفتيات في رقصهن ولكنها كانت تُخطئ لا تستطيع أن تركض.

- جود .. افعلي مثلي.

راقيتها جوداء بحيرة وهي ترقص تلك الرقصات الخاصة بفنانات الهند كما ترى في التلفاز سابقًا .. حاولت أن تفعل مثل عائشة وكانت تضحك بخجل على رقصاتها تلك .. لتمسكها عائشة من يدها وتسحبها في منتصف القاعة .. فتعالت الضحكات وتمايلت أطراف الساري مع حركاتهن أما الأساور فقد كانت تُصدر رنينًا خافتًا متناغمًا مع الموسيقى؛ وللحظات نسيت جوداء أنها غريبة عن هذا المكان تمامًا فقد ذابت وسط الفتيات وضحكت معهن بعفوية حقًا كانت تحتاج لتلك الأجازة! .. أما في الجهة الأخرى من مبنى الضيافة الخاص بالرجال كانت الموسيقى الهندية الصاخبة مُنتشرة بأرجاء المبنى تختلط بأصوات الضحكات والهتافات التي يُطلقها الرجال كلما اشتدت وتيرة الرقص؛ أما ديميتري فقد كان يقف بعيدًا عن ذلك كله مستندًا بكفيه إلى أحد الأعمدة بهدوء يرمُق الرجال وهم يرقصون بصخب، بينما كانت ملامحه جامدة وهادئة في نفس الوقت .. لينتبه مالك على انعزاله هذا .. ليترك أصدقاءه ويقترب من ديميتري قائلاً باحترام:

- سيدي، ما رأيك بأن تنضم لنا؟

رمقه ديميتري بهدوء ليقول بابتسامة هادئة:

- أنا بخير هُنا لا تقلق.

ليقول مالك بإصرار:

- من فضلك سيدي، جرب قليلاً سيُعجبك الأمر.

كاد ديميتري أن يتحدث ولكنه انتبه على مراقبة بعض الأشخاص له حيث لم تكن نظراتهم عابرة كما ظن في البداية؛ فقد لاحظ أن أحدهم يرمقه بين الحين والآخر بينما يتظاهر الآخر بالإندماج أما الثالث فقد كان يقف في مكان يسمح له رؤيته بوضوح، ثبت ديميتري عينيه عليهم للحظات وظل واقفًا هادئًا كعادته وكأنه لم يلحظ شيئًا .. إلا أن عينيه كانت تحركان بدقة بين الوجوه .. ليستفيق على صوت مالك من جديد:

- سيدي.

ولكن ديميتري أردف بهدوء وهو لم يحد بعينيه عنهم:

- اذهب وأكمل رقصاتك معاهم.

امتثل لأمره .. بينما ظل ديميتري بمكانه يراقب هؤلاء الثلاثة لثوانٍ قليلة .. اعتدل ديميتري في وقفته بهدوء وألقى نظرة أخيرة عليهم قبل أن يستدير مُغادرًا القاعة .. سار بهدوء وهو يعلم جيدًا أنهم سيكونون خلفه بعد ثوانٍ قليلة، ولم يكد يبتعد عن القاعة حتى سمع وقع خطواتٍ مُتسارعة خلفه، واصل سيره في الممر الطويل المؤدي إلى خارج المبنى .. وما أن وصل إلى أحد الممرات الجانبيه اندفع أحدهم نحوه فجأة وفي يده نصلٌ لامع محاولاً غرسه في ظهره ليستدير ديميتري في اللحظة الأخيرة ليمر النصل بجانبه مباشرة .. ثم أمسك معصم الرجل بقبضة قوية وأدار جسده معه ليفقد المهاجم توازنه ويسقط على ركبته .. اندفع الثاني نحوه بسرعة فتراجع ديميتري خطوة ثم صد هجومه بينما استغل الثالث انشغاله ليهاجمه من الجانب ولكن ديميتري استدار بسرعة ليتلقى الضربة على ساعدة ثم دفع الرجل بعيدًا .. أخذ القتال يتنقل عبر الممرات من قاعة الرجال إلى الساحة الفاصلة بين المبنيين لم يكونوا رجالاً عاديين بل كانوا مهرة في الفنون القتالية، من أين أتوا؟؟؟ اقترب القتال تدريجيًا من مبنى الضيافة الخاص بالنساء .. حيث كان ديميتري يُقاتلهم بقوة وكان يتراجع في خطواته أيضًا لأنه كان يتفادى ضرباتهم له، ولكنه انتبه على ظهور العديد من الرجال أيضًا قد انضموا لهم في قتاله يبدو أنهم كانوا ينتظرون بالخارج!! .. تشتت وبسبب تشتته ذلك باغته أحدهم بضربة قوية أخبرته على التراجع حتى اصطدم بباب القاعة وانفتح الباب بعنف ..

في قاعة السيدات ..

كانت الموسيقى لا تزال تصدح في الداخل والفتيات منشغلات بالرقص والحديث ولم ينتبهن في البداية إلى مايحدث عند المدخل .. اندفع أحد الرجال إلى الداخل خلف ديميتري ثم تبعه باقي الرجال .. ليتحول الإحتفال الهادئ في القاعة إلى فوضى مُفاجئة .. تعالت صرخات الفتيات وتراجعن بسرعة عن طريقهم بينما أخذت بعضهم يبحثن عن مكانٍ للإختباء به .. وفي الجهة الأُخرى من القاعة كانت جوداء قد خرجت من الممر المؤدي إلى الحمام وهي تعدل طرف ساريها فوق كتفها قبل أن تتوقف فجأة على صوت الصراخ رفعت عينيها نحو مصدر الضجيج وتجمدت في مكانها حينما رأت ديميتري بملابسه الهندية السوداء وملامحه القاسية يخوض اشتباكًا عنيفًا مع الكثير من الرجال أمام أعين الجميع! تناست تمامًا أنها بدون حجابها لأنها لم تستوعب مايحدث معه أما ديميتري فحين لمحها وسط الفتيات توقف مُتجمدًا للحظة قصيرة جدًا .. لم تكن ترتدي حجابها!! وشعرها الرائع مُنسدل حول وجهها .. لقد بدت مختلفة تمامًا عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها .. ولكنه استفاق بسرعة ثم قبض على يده بغضب حينما استوعب أن هؤلاء الرجال سوف يرون شعرها الرائع هذا ، ليقول بصوتٍ حادٍ وعالٍ للغاية:

- جوداء اختبئي.

.................................


تعليقات