رواية لولا الغرام الفصل السابع عشر
«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.»
«قاسيةٌ هي تلك اللحظاتُ التي تشعرُ فيها بأن إرادتكَ مكبّلةٌ بحبلٍ يضيقُ على عنقكَ كلّما حاولتَ التنفّس، لكن الأشدُّ إيلاماً، هو أن تلتفتَ باحثاً عن خلاصٍ، فتجدَ طرفَ الحبلِ الآخرِ مغروساً في صدرِ مَن تحب، لم يعد خياري الآنَ بينَ طاعةٍ وعصيانٍ، بل بينَ أيِّ الموتتينِ أقلُّ وجعاً، هل أموتُ بذنبي إن تبعتُ قلبي وآذيتكَ؟ أم أتركُ الحبلَ يلتفُ حول عنقي وحدي، وأدفعُ روحي ثمناً لحمايتكَ؟، الكلُ ينتظرُ خطوتي المقبلةَ، ولا أحدَ يرى نزيفَ روحي، انظرُ إلى نفسي وأسألُها، كيفَ أتحولُ في لمحِ البصرِ من موطنِ أمانكَ إلى جلادٍ يحملُ سوطَ أذيّتكَ؟ يا للمهزلةِ، أن يصبحَ دمي ثمناً لربيعكَ، أو تصيرَ طاعتي خنجراً يغرسُ الخريفَ في قلبكَ.
سأبقى عالقةً هنا، في منتصفِ الاختيارِ، أستجيرُ بالصبرِ، وأبحثُ في عتمةِ الحيرةِ عن مخرجٍ ثالثٍ، مخرجٍ يحميكَ يا سببَ نبضي، حتّى لو كانَ الثمنُ أن أحترقَ أنا وحدي.»
"نهلة الخولي"
بقلمي «روز أمين»
________*________
«قبل القراءة وجب الاعتذار عن التأخير، الفصل كان هينزل الساعة 12 لكن للاسف، الواتباد حذف لي نصه وعدت كتابته من جديد، لو لقيتوا اي اخطاء، اعذروني، كنت مستعجلة ونشرته علشان متزعلوش، هراجعه حالا واعدل لو فيه اخطاء»
-إحنا لازم نتجوز النهاردة وبأسرع وقت يا رشيد.
انطلقت تلك الجملة من بين شفتيها كقنبلة موقوتة، غافلةً عن ذلك الظل الذي وقف متصلباً خلف دكتهما الخشبية، كان شقيقها "سامح" وقد قد حضر للتو، لتتسع عيناه بصدمة جمدت الدماء في عروقه.
فلاش بااااااااك.
قبل ساعاتٍ من تلك اللحظةِ العاصفة، بمجرد أن أنهت مايسة مكالمتها الهاتفية مع نهلة، شعرت برعب يجتاح أوصالها، هرولت إلى الهاتف الأرضي، لتطلب على الفور صديقتها المقربة "صفاء"، بئر أسرارها الوحيد، انفجرت مايسة بدموع حارة حارقة، وصرخت بنبرة يملؤها الانهيار وهي تقول مستنحدة:
-قولي لي يا صافي أعمل إيه واتصرف إزاي؟ أنا هموت من الخوف.
تابعت وهي تشهق بوجع غرس مخالبه في قلبها لسنوات، ذلك الحب الذي خبأته بين أضلعها خشية أن تخسر صديقة عمرها:
-انا مش ممكن أسيب رشيد يضيع مستقبله، ويمكن حياته كمان، عشان واحدة أنانية وما بتفكرش غير في نفسها.
صمتت صفاء لثوانٍ، زفرت خلالها بقلة حيلة وهي تفكر في مخرج، ثم قالت بهدوء محاولةً تهدئتها:
-طب ما تتكلمي مع رشيد نفسه وتحذريه يا مايسة، روحي له بكرة الجامعة قبل ميعاده مع نهلة وقولي له على كل حاجة.
قاطعتها بصياحٍ يمتزج بالدموع والعجز:
-مش هيسمعني.
وتابعت بقهرٍ:
-رشيد مش شايف ولا سامع حد يا صافي، حبه لنهلة عامي عيونه عن الحقيقة ومخليه مش واعي للي بيحصل حواليه.
ثم انخفض صوتها، وتسلل إليها رعبًا هائلاً وهي تتابع مسترسلة:
-وبعدين ما أقدرش أقول له كده دلوقتي بالذات، رشيد لو شاف لهفتي ورعبي عليه، هيفهم كل حاجة، وهيتأكد إني بحبه.
عقدت صفاء حاجبيها باستغراب، وسألتها بنبرة لائمة:
-وإيه يعني لو عرف إنك بتحبيه؟ انتِ هتفضلي مخبية لحد إمتى يا مايسة؟ رشيد من حقه يعرف إنتِ قد إيه بتحبيه وبتخافي عليه.
قاطعتها بضعف شديد وانكسار، والدموع تغشي عينيها:
-إنتِ بتقولي إيه يا صافي، رشيد لو حس مني بمجرد شعور بسيط ناحيته، هيشوفني إنسانة خاينة، خونت أقرب صديقة ليا وحطيت عيني على حبيبها.
زفرت صفاء بضيق وقالت بنبرة جادة:
-خيانة إيه بس انتِ كمان، دي قصة محكوم عليها بالإعدام من قبل ما تبدأ أصلاً، وكلنا عارفين وشايفين النهاية دي من بدري أوي.
علقت مايسة بغصة مريرة شرخت صوتها:
-الكل عارف وشايف إلا هما يا صافي.
كانت مايسة قد باحت لصفاء من قبل بكل تفاصيل هذا الحب العاصف الصامت، كانت خطتها أن تنتظر في الظل حتى تنتهي قصة رشيد ونهلة الحتمية، لتتقدم هي وتسانده، تضمد جراحه وتواسيه، حتى يبرأ من حبه القديم ويتعلق بها، ليبدأ معاً حياة جديدة مبنية على التكافؤ، خاصة وأن ظروفهما الاجتماعية والمادية متقاربة إلى حدٍ كبير.
استطردت مايسة تبرر موقفها لصديقتها، وكأنها تبرئ نفسها أمام قاضٍ:
-أنا مش وحشة، ولا عمري كنت خاينة يا صافي، أنا حبيته غصب عني، والله غصب عني.
ثم أردفت بصدق وقلبٍ نازف:
-أنا لو كنت شايفة أمل، ولو بنسبة خمسة في المية بس إنهم يتجوزوا، عمر ما كان قلبي هيتجرأ ويتعلق بيه.
وتابعت مؤكدة تبريرها:
- أنا دخلت بيت نهلة، وشوفت أهلها وطريقة عيشتهم وتفكيرهم، وقتها اتأكدت وعرفت إنهم مستحيل يوافقوا بواحد زي رشيد وظروفه.
أخرجت صفاء تنهيدة طويلة، وسألتها بترقب:
-طب والعمل؟ ناوية تعملي إيه دلوقتي؟
ساد الصمت لبرهة، لم يكن يُسمع فيها سوى دقات قلب مايسة المتسارعة، وفجأة، لمعت عيناها ببريق أمل ظهر من رحم الظلام، وقالت بثقة:
-أنا عرفت أنا هروح لمين.
مع ظهور أول خيطٍ من خيوط الشمس، كانت مايسة قد حسمت أمرها وانطلقت نحو وجهتها، وبعد نصف ساعة من القلق والترقب، وجدت نفسها تقف أمام مكتب المستشار "سامح منير الخولي".
تقدمت من الحارس الواقف على الباب بخطوات مرتجفة، وقالت بنبرة متحشرجة:
-لو سمحت، بلغ سيادة المستشار إن مايسة، صاحبة نهلة أخته، محتاجاه في أمر ضروري ومستعجل جداً.
لم تمض دقائق حتى عاد الحارس ليفسح لها الطريق آمراً إياها بالدخول، خطت إلى الداخل تتقدم قدمًا وتؤخر أخرى، والخوف ينهش صدرها، لكن طيش نهلة وأنانيتها لم يتركا لها خياراً آخر سوى هذه المواجهة.
كان سامح يستند بظهره إلى المقعد الجلدي الوثير، وعيناه الصارمتان تترصدان حركاتها باستغراب، حاولت لملمة شتات نفسها، وبادرت بتوتر وهي تفرك كفيها ببعضهما:
-صباح الخير يا سيادة المستشار، أنا مايسة، صاحبة نهلة أخت حضرتك.
وتابعت بارتباك أشد وهي تحاول تذكيره:
-أنا جيت الفيلا عندكم قبل كده أكتر من مرة مع نهلة.
هز رأسه بهدوء ورزانة قاضٍ يزن الأمور، وقال بصوت رخيم:
-فاكرك، اتفضلي اقعدي.
جلست وبلعت ريقها وهي تقول:
-أنا جاية أكلم حضرتك في موضوع خطير، ويخص نهلة.
اتسعت عيناه، واستيقظ حسه الأمني والاستخباراتي ليتيقن بأن هناك كارثة قد حلت، أو على وشك الحدوث.
لمحت هي هذا التحول، فأردفت بسرعة كمن يستجدي الأمان:
-بس قبل ما أحكي أي حاجة، عاوزاك توعدني الأول.
عقد حاجبيه بحدة وسألها بنبرة جافة:
-أوعدك بإيه؟ وإيه اللي إنتِ تعرفيه عن نهلة يستدعي إنك تيجي لي لحد هنا؟!
قالت بهلع وقد أشرفت على البكاء:
-هحكي لحضرتك كل حاجة، بس اسمعني.
وبالفعل، انسكبت الكلمات من فمها غصباً، وراحت تروي له المؤامرة التي تحيكها شقيقته، ومع كل تفصيلة كانت تقصها، كان جنونه يزداد، والدماء تغلي في شرايينه كالحمم البركانية.
نارٌ عارمة بدأت تلتهم هدوءه الوقور وهو يتخيل المأزق الذي تضعهم فيه شقيقته، بعد أن أنهت روايتها، نظرت إليه بأعين تفيض بالاستعطاف والرجاء:
-بس أنا عاوزاك توعدني ما تأذيش رشيد، والله العظيم هو ملوش أي ذنب، رشيد حد محترم جداً وابن ناس،وطول عمره في حاله، حضرتك روح خُد نهلة وبس، وكده الموضوع هينتهي من غير شوشرة.
نظر إليها بعينين كصقر يوشك أن ينقض على فريسته، وبصوت جهوري هز كيانها وجعل الرعدة تسري في أوصالها، قال:
-إنتِ مش قولتي اللي جاية علشانه؟ الباقي ده بقى بتاعي أنا.
ثم أشار بيده نحو الباب مكملاً بصرامة:
-هبعت معاكِ عربية بسواق يوصلك لحد الجامعة عشان متتأخريش على محاضراتك.
وتحركت عيناه بدهاء وهو يتابع:
-وعاوزك تفضلي معاها طول اليوم لحد الميعاد المنتظر، متغيبش عن عينك لحظة.
مد يده إلى مكتبه، والتقط كارتاً شخصياً وناوله إياها بجمود:
-ده الكارت بتاعي، فيه أرقامي الشخصية، يا ريت لو حصل أي تغيير في خطتها أو في المواعيد، تبلغيني فوراً.
أخذت الكارت وهي ترتجف، وسألته برعب لم تستطع إخفاءه:
-طب، هو حضرتك هتعمل إيه مع رشيد؟
رمقها بنظرة ثاقبة مليئة بالدهاء، وسألها فجأة سؤالاً ألجم لسانها:
-إنتِ بتحبيه؟
تجمدت الدماء في عروقها، وظهر الهلع واضحاً في عينيها واكتفت بالصمت المذعور، ابتسم سامح بسخرية لاذعة وأردف:
-لو طلع محترم وبعد عنها بالذوق، هعدي غلطه الكبير في حق أسياده.
ثم لمعت عيناه بشر مستطير وهو يكمل بوعيد:
-إنما بقى لو صمم يستمر في خطته، يبقى أنصحك تنسيه خالص، لأني مش هخليه يتمنى يشوف نور الشمس من تاني،ومش هيلمحه.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ولثوانٍ شعرت بندم قاتل،يبدوا أنها اختارت المكان الخطأ، وسلمت حبيبها إلى يد الجلاد.
شعر بتبدل ملامحها وقرأ نظرة الندم في عينيها، خشي أن تتراجع أو تذهب لتحذير نهلة ورشيد، فقرر مجاراتها وخداعها لكي يهدأ بالها، قال بنبرة مصطنعة الهدوء:
-خلاص ما تقلقيش، مش هعمل له حاجة، عشان خاطر اللي عملتيه معايا وانك جيتي لحد هنا.
تنفست الصعداء ظناً منها أنها حمت حبيبها، وغادرت المكتب برفقة السائق نحو الجامعة، وقبل الميعاد المنتظر بقليل.ط، كان سامح قد تحرك بالفعل بسيارته ووصل إلى المكان المحدد، ترجل بهدوء يسبق العاصفة، وخطا بخطوات مدروسة حتى وقف خلفهما تماماً.
كانت دماء وجهه تغلي، وتملكه دافع وحشي بأن يهجم على ذلك الشاب ويبرحه ضرباً، ثم يسحب شقيقته من يدها مغادراً، ليتفرغ بعدها لمحو هذا النكرة ومعاقبته بما يستحق، لكنه، وللحظة خاطفة، كبح جماح غضبه وقرر أن يتريث، وقف متصلباً يستمع، منتظراً ليرى إلى أين سينتهي هذا العبث.
____________
العودة إلى الحاضر.
سقطت جملة نهلة على مسامع رشيد كالصاعقة، زلزلت كيانه وهزت الأرض تحت قدميه، اتسعت عيناه بذهولٍ شلّ أطرافه، وبصوت مخنوق خرج من جوفه بصعوبة بالغة، قال:
-إنتي اتجننتي يا نهلة؟! إيه التخاريف اللي بتقوليها دي؟!
نظرت إليه بعينين تفيضان بالاستسلام واليأس، وقالت بنبرة باكية:
-ليه يا رشيد؟ عشان بحاول أنقذ حبنا وأحافظ عليك أبقى اتجننت؟!
جاء صوته حاداً يجلدها باللوم، على أمل أن تفيق من غيبوبة طيشها:
-مش بالطريقة دي يا نهلة، الغلط عمره ما بيتصلح بغلط أكبر منه.
انهمرت دموعها بغزارة، وتابعت بقلة حيلة وقهر:
-طب عاوزني أعمل إيه؟! بابا خلاص حدد ميعاد للعريس اللي مقتدم لي عشان يزورنا يوم الخميس الجاي.
شعر بوجع مرير يقتحم حصون قلبه ويمزق أضلعه، فسألها بعدم تصديق:
-حدد له ميعاد إزاي وإنتِ أصلاً مش موافقة؟!
أجابته بحدة يغلفها الانهيار:
-أهو ده اللي حصل يا رشيد، أمال أنا أخدت القرار ده ليه؟!، ما هو من رعبي وخوفي من اللي جاي.
سألها لعله يجد بارقة أمل واحدة يتمسك بها:
-إنتِ متكلمتيش معاه؟ مقولتليش ليه على كل اللي اتفقنا عليه؟!
أجابت بيأس قاتل وهي تهز رأسها:
-قولت له كل حاجة، واقترحت عليه كل الحلول الممكنة، بس بابا خلاص، أخد قراره وقرر مصيري ومبقاش قابل يسمعني.
ساد صمت ثقيل بالمكان، قطعه صوت نهلة وهي تترجاه بنبرة لاهثة:
-يلا بينا يا رشيد، يلا نروح لأي مكتب مأذون دلوقتي ونتجوز، وبكده هنحطهم كلهم قدام الأمر الواقع.
غلت الدماء في عروق ذلك الذي يستمع لشقيقته من الخلف، يراها وهي تضع اسم عائلتها تحت قدمي هذا الصعلوك من وجهة نظره، كاد أن ينفجر بركان غضبه، لكنه ضغط على قبضتيه بقوة مميتة ليكبح جماح نفسه من التهور والفتك بهما معاً.
تابعت نهلة كلامها وهي تشير بلهفة لشنطة يدها:
-أنا عملت حسابي وجبت معايا فلوس كفاية، عشان أجرة المأذون والمصاريف اللي ممكن نحتاجها.
في تلك اللحظة، شعر رشيد بنار الكرامة تشتعل في جسده، واعتراه خجل شديد وهوان لم يستطع تحمله،ثقيلةٍ حقًا تلك الجملة على رجولته، صاح فيها بنبرة هزت كيانها:
-كفاية يا نهلة، كفاية لو سمحتي.
كانت تعلم جيداً أن كلماتها الأخيرة قد نهشت كرامته،فرغم ضيق الحال، لم يسمح لها يوماً بأن تدفع قرشاً واحداً في أي لقاءٍ جمع بينهما.
كان يفضل دائماً أن يختار الحدائق العامة والأماكن شبه المجانية ليلتقيا، محتفظاً بعزة نفسه فوق كل شيء، حاولت أن تطبطب على قلبه المكلوم، فاقتربت وقالت بنبرة حانية مستعطفة:
-أنا عارفة إن كرامتك أغلى شيء عندك يا رشيد، بس إحنا في ظروف استثنائية، ولازم نكسر فيها كل القواعد عشان ننقذ حبنا.
همت بالوقوف، وعدلت حقيبتها وهي تتابع بإلحاح:
-يلا بينا على المأذون، وبعدين نبقى نتكلم ونشوف هنعمل إيه.
كان شقيقها سامح يهم بالتحرك والاندفاع نحوهما، لكن خطاه تجمدت بغتة حين هدر صوت رشيد الحاد كالعاصفة، قاطعاً إياها بحسم:
-مافيهاش بعدين يا نهلة.
وقف هو الآخر مواجهاً إياها، وتابع بنبرة آمرة:
-انسي الجنان اللي بتقوليه ده كله وفوقي لنفسك.
نظرت إليه بصدمة ألجمتها لثوانٍ، ثم سألته بنبرة يملؤها عدم الاستيعاب:
-أنت بترفض جوازك مني يا رشيد؟!، رجعت في كلامك وبتتخلى عني؟!
أجابها بصوت حاسم تهتز له الجبال، لكن عينيه كانت تشي بوجع دفين:
-أنا زي ما أنا يا نهلة، ولسه جوازي منك هو أكبر أمنياتي .
هزت رأسها بدهشة واستنكار وهتفت تسأله:
-أومال تسمي رفضك ده إيه ؟!
أجابها بعزة نفس تفيض من بين حروفه:
-ممكن تسميه إني متربي على طبلية أبويا، أبويا الراجل الغلبان اللي مدخلش جوفنا لقمة واحدة حرام، واللي علمني إن اللي مرضهوش على أختي، مرضهوش على بنات الناس.
انهمرت دموعها بغزارة وهزت رأسها بيأس قاتل، فتابع هو بكبرياء جريح يجلد به نفسه قبلها:
-عاوزاني أتجوزك من ورا أهلك وأبقى أنا السبب في كسرة وذل أبوكي وإخواتك يا نهلة؟!، ده أنا حتى لو اتجننت وعقلي طار ووافقتك، معييش ثمن المأذون، ولو دوست على كرامتي ورجولتي وفعصتهم تحت جزمتك وخليتك تدفعي إنتِ
صمت لبرهة، ونظر في عينيها مباشرة يسألها بواقعية مريرة:
-لما باباكي يعرف ويطردك من البيت، أكيد هاخدك بيتنا لأن مينفعش أسيب مراتي مرمية في الشارع، بس هقدمك لأبويا وأمي إزاي؟! هقول لهم إيه؟!
وأكمل بغصة مرة:
-وهحط عيني في عين أبويا بعد كده إزاي، وأهلي هيبصوا لك إزاي وإنتِ بيعتي أهلك واتجوزتي من وراهم؟!
صمتت، وحدها الدموع تجري على وجنتيها، فاستطرد رشيد بكلمات كانت كالسياط التي تدمي القلوب:
-ولو حصلت المعجزة وأهلي اتقبلوا جوازنا، هتقدري تعيشي معايا في أوضتي اللي مفيهاش غير سرير؟!
وتابع بنفس الواقعية المريرة:
- هتقدري تاكلي كل يوم عدس وبصارة ومسقعة، وتكتفي بيومين بس لحمة في الأسبوع؟! هتقدري تغرفي الماية بالكوز من الطشت وتستحمي بيه؟!
نظرت إليه، وبصدقٍ جارف يشع من عينيها العاشقتين، امتدت يداها لتتمسك بكفيه بقوة وقالت بنبرة يقفز الغرام من بين حروفها:
-هعيش معاك تحت أي ظروف، حتى لو أصعب من دي بكتير، المهم نكون مع بعض يا رشيد، المهم نكون سوا.
شعر بغصة تقف في حنجرته، وسحب يديه من بين كفيها ببطء، وقال بنبرة يملؤها الانكسار:
-أنا آسف يا نهلة.
تجمدت ملامحها بصدمة مروعة، فتابع هو بقلبٍ يتمزق:
-قومي روحي، واقعدي مع باباكي وحاولي تقنعيه تاني وتالت.
صرخت بدموعٍ يملؤها القهر والانهيار، بعدما نفذ كل ما تملكه من صبر:
-إنتِ مش سامعني؟! بقولك رفض، الحل الوحيد هو إنك تقوم معايا حالا ونروح للمأذون.
هزّ رأسه برفضٍ قاطع، وعيناه تفيضان بأسفٍ مرير وعجزٍ يمزق أحشاءه،فقد كان هذا أصعب موقف يمر به في حياته، أن يرفض من يحب ليحميها من نفسها.
تملك نهلة شعورٌ مميت بالخيبة والخذلان، فانتفضت واقفة، وصرخت برفضٍ عارم لواقعها، مهددة إياه بنبرة يائسة:
-لو ما اتحركتش معايا حالا نروح للمأذون، يبقى تنسى إنك تشوفني تاني في حياتك يا رشيد.
وقبل أن يفتح فمه ليجيبها، خرج سامح من خلف الشجرة العتيقة بخطوات ثابتة، ترنحت نهلة إلى الخلف بجسدٍ يرتعد، واحتل الذعر ملامحها بالكامل، فخرج صوتها متحشرجاً كأن روحها تفر من جسدها:
-سـ، سامح؟!
اندفع بخطوات سريعة ونظرات قاتلة نحو رشيد، الذي وقف على الفور محاولاً استجماع شجاعته رغم ارتباكه المفاجئ، كانت دماء سامح تغلي، وكان يتوق بكل جوارحه أن يهجم عليه ويبرحه ضرباً يداوي به غليان صدره، لكن هيبته كــ وكيلاً للنائب العام، وموقعه القانوني كانا العائق الوحيد الذي كبح جماحه.
تملّك غضبه لأبعد حد، ونظر إلى رشيد باحتقار شديد، ثم أشار بإصبعه مهدداً:
-من حظك الحلو إننا في مكان عام وحوالينا ناس.
شعرت نهلة ببرودة تسري في أوصالها، وانتفض جسدها بقوة من شدة الخوف، بينما تابع سامح وعيده لرشيد بفحيح مرعب:
-لولا كده، قسماً بربي، لكنت فعصتك تحت جزمتي زي الصرصار.
لم يتحمل الإهانة، فرغم فقره، إلا أن كرامته كانت خطاً أحمر لا يقبل المساس به، نظر في عيني سامح بتحدٍ وعزة نفس، وقال بصوت جهوري:
-يا ريت نتكلم مع بعض بطريقة متحضرة، وتسيبك من أسلوب التهديد والاحتقار ده.
بكل تعالي وغرور تفحصه من أسفله لأعلاه بنظرة ساخرة، وقال محقراً من شأنه:
-الطريقة المناسبة لأمثالك من المتسلقين والطامعين في ثروة أسيادهم، هعرفها لك كويس، بس لما رجالتي يجيبوك لحد مكتبي وأنت زاحف على بطنك.
ثم قبض على كف يده بقوة وعصرها أمام وجه رشيد، كتمثيلٍ حي للوعيد الذي ينتظره، وتابع بأعين تشتعل قسوة:
-وساعتها، هحطك في المكان اللي يستاهله أمثالك، وهفعصك تحت جزمتي.
ارتعبت نهلة من نبرة شقيقها، فالتمعت عيناها بالدموع والرجاء، واندفعت لتمسك بذراعه تتوسل إليه وهي تقول:
-رشيد ملوش علاقة بأي حاجة يا سامح، هو ملوش ذنب، لو عاوز تحاسب حد، يبقى أنا اللي لازم أتحاسب.
وتابعت بدموعٍ صارخة:
- لأن أنا اللي جيت لحد عنده، وأنا اللي ورطته معايا في كل ده.
التفت إليها ونظر في عينيها بنظرات يتدفق منها الشرار، نظراتٍ لو خرجت لأحرقتها وحولتها إلى رمادٍ في الحال، خرجت كلماته بصوت منخفض يحمل وعيداً تهتز له الجبال:
-إنتِ كمان حسابك معايا هيبقى عسير، ومفيش مخلوق المرة دي هيقدر يرحمك من بين إيديا يا نهلة، ولا حتى الباشا بذات نفسه.
ثم أحكم قبضته الحديدية على ذراعها، وسحبها خلفه بقسوة وتحرك مغادراً المكان.
لم يستطع رشيد الوقوف مكبلاً ، اندفع للأمام بخطوات لاهثة وقذف بجسده قاطعاً طريقهما، نظر إلى سامح وتحدث بنظراتٍ يقفز منها الرجاء:
- أرجوك بلاش تأذيها، أنا مستعد لأي عقاب أو انتقام يبرد نارك ويرضيك، بس بلاش نهلة.
هز رأسه مكملاً بدفاع انهزامي، والوجع يعتصر نبرته:
-صدقني إحنا معملناش أي حاجة غلط، كل اللي عملناه إننا صدقنا قلوبنا وحبينا، ودي كل جريمتنا.
ارتسمت على شفتي الآخر ابتسامة ساخرة باردة، ونظر إليه باحتقار قائلاً:
-جريمتك الأكبر إنك طمعت يا شاطر، قدرت تضحك على الساذجة دي، وزي الصياد الشاطر وبمنتهى الدناءة، قدرت توقع فريستك في مصيدتك.
واستطرد بصدرٍ مشتعل:
- للدرجة اللي تخليها تجيلك لحد عندك وتطلب منك الجواز.
ثم ضحك باستهزاء وتابع:
-لا وكمان متبرعة لك بثمن المأذون، ده الجبروت ده؟
اقترب منه خطوة، وبصق كلماته بازدراء أشد:
-بس عشان أنت حقير وتافه، غباؤك صور لك إنك ممكن تخدعنا وتخلينا نتنازل ونجوزك بنتنا.
وتابع متهكمًا:
- وتيجي بقى تعيش معانا في قصر "منير الخولي"، وتغرف من خيره وتصرف على أهلك.
انتفض رشيد، وصرخ بعزة نفس وكبرياء جريح يرفض الدوس عليهما:
-محصلش، فكرتك عني كلها غلط يا سيادة المستشار.
ثم صمت لثوانٍ، وتابع مستشهدًا بوعي كامل:
-أظن إنك واقف هنا من بدري، وعلى حسب كلامك فإنت سمعت كل حرف دار بيني وبين نهلة، أنا موافقتش وعمري ما كنت هرضى بكده.
وتابع مسترسلاً بصدقٍ تجلى بنظراته:
- أنا بحترم نهلة لأبعد مما تتصور، وعمري ما هقبل عليها الإهانة لا مني ولا من غيري.
أطلق سامح ضحكة ساخرة رنت في أرجاء المكان، والتفت إليه قائلاً باتهام:
-الكلام اللي قلته والفيلم الهابط اللي حصل من شوية ده، كله اتفاق، ملعوب بينك وبين البنت اللي اسمها مايسة.
عقدت نهلة حاجبيها بذهول وعدم فهم، بينما التفت إليها سامح وقال باستنكار مشيراً إلى رشيد:
-البيه عاملي فيلم هابط من بطولته هو والزبالة التانية اللي عاملة فيها صاحبتك، هي تجيلي المكتب الصبح وتعمل فيها خايفة عليكِ، وتحكي لي على اللي ناوية تعمليه وتديني عنوان الجنينة.
ثم اشار إلى رشيد واسترسل:
-والباشا كان عارف إني واقف ورا الشجرة، فعمل مشهد الراجل الشريف العفيف، صاحب القيم، اللي شفناه من شوية.
تراجعت خطوة، وهزت رأسها بغير تصديق، لتسأله بصوت مهزوز:
-معقولة؟! مايسة؟، مايسة تعمل كده فيا؟!
اندفع رشيد نحوها بسرعة، وقاطعهما بنظراتٍ مترجية، وتحدث مدافعًا عن حاله:
-اللي بيقوله ده محصلش يا نهلة، والله العظيم ما أعرف أي حاجة عن الكلام ده.
انهمرت دموعها بضعف شديد، لم تكن تلك الدموع بسبب اتهام شقيقها لرشيد، فهي تثق في نبل حبيبها وتعرف معدنه جيداً، إنما كانت دموعها تنزف قهراً على طعنة الغدر وخيانة صديقة عمرها التي باعت سرها لأخيها.
قبض على رسغها بقسوة وراح يجرها خلفه، فلم تجد قوة للمقاومة، كانت تسير متخبطة الخطى، بعقل تائه تماماً، تشبه ذبيحة منساقة نحو قدرها المحتوم، وعيناها معلقتان بالفراغ.
أما رشيد، فكان يقف متسمراً في مكانه، يرمق ابتعادها بنظرات نازفة، وقلبه يصرخ من شدة الألم عليها، في تلك اللحظة، اجتاحه شعور جارف ومميت بالعجز، عجزٌ جعله يحتقر نفسه وجسده الواقف دون حراك. تنهد من أعماق أطلال روحه، ولسان حاله يهمس بقهر:
-ألا لعنة الله على الفقر وضيق الحال.
فهما الوحيدان اللذان وقفا حائلاً كالجدار بينه وبين حمايتها، وهما من نزعا منه حق الدفاع عن حبيبته.
ظل يتابع طيفها بعينين مجهدتين حتى عبرت سياج الحديقة، وشاهد أخاها يدفعها داخل السيارة بغلظة، قبل أن تنطلق السيارة بسرعة وتختفي تماماً عن الأنظار، حينها فقط، انهارت قواه، ارتمى باستسلام تام فوق المقعد الخشبي ، وكأن جبال الدنيا قد هبطت فوق كتفيه، رفع كفيه المرتجفتين وفرك وجهه بقوة، محاولاً محو ملامح تلك الهزيمة الذي تعرض لها، جلس وحيداً بلا حول ولا قوة، يبتلعه الصمت، ولا يسمع سوى صدى دقات قلبه المهشم.
________*_______
داخل مسكن علي و داليا، عاد الزوجان من عملهما بإرهاق شديد، وبمجرد دخول داليا إلى المطبخ، وجدت أن والدتها قد طهت لهما طعاماً طازجاً تركته في الأواني فوق الموقد.
قامت بتسخين الطعام بجسدٍ مرهق للغاية، وغرفته ثم رصت الأطباق بعناية فوق طاولة المطبخ الصغيرة، في هذه الأثناء، كان علي قد أنهى صلاته، فحضر وجلس إلى الطاولة، نظر إلى الأطباق ، ثم رفع عينيه نحوها وقال باستغراب لم يخلُ من نبرة جافة:
-هي طنط عملت أكل ليه يا داليا؟ هو مش في أكل من بتاع ماما في الفريزر؟!
وضعت داليا آخر طبق في يدها، وجلست على مقعدها قبالته وهي تجيب ببساطة:
-ما هو مش كل يوم هناكل من الأكل البايت يا علي، هي حبت تجدد لنا، كتر خيرها.
تبدلت ملامحه، ثم قطب جبينه بضيق تجلى بملامحه وهو يقول:
-وهو أكل ماما مفهوش تجديد يا داليا؟! الست كتر خيرها، تعبت وعملت لنا أكتر من سبع أصناف عشان ما نزهقش وننوع بينهم كل يوم.
ثم تابع بحدة واستنكار بدا واضحاً في نبرته:
-وبعدين تجديد إيه؟! هو إحنا لحقنا نزهق عشان تجدد؟! ده الأكل يا دوب أكلنا منه يومين اتنين مفيش غيرهم.
زفرت بزهق وتبرم بدا واضحاً في صوتها، وقالت وهي تلوح بضيق:
-خلاص يا علي، محصلش حاجة لكل ده يعني.
كانت هذه الجملة بمثابة القشة التي قصمت ظهر صبره، إذ شعر أنها فرصة مناسبة ليفجر ذلك البركان الصامت ويخرج ما يغلي في صدره منذ فترة.
تخلى عن هدوئه تماماً، وصاح بها بحدة:
-بصراحة كده يا داليا أنا مش عاجبني تدخل مامتك في حياتنا بالطريقة دي
وتابع متبرمًا:
-باكل الخضار والأصناف اللي تيجي على مزاجها، وأشرب اللي على كيفها، ده حتى الدكتور اللي هيتابع حملك هي اللي اختارته وفرضته علينا.
ثم أردف بسخرية لاذعة وقهر:
-مش ناقص كمان إلا إنها تحدد لنا ننام إمتى ونصحى إمتى.
كانت تستمع إلى كلماته المندفعة بذهولٍ شل تفكيرها، واتسعت عيناها بعدم تصديق وهي ترى جانباً حاداً من زوجها لم تعهده من قبل.
تجمعت الدموع في عينيها، وقالت بنبرة يغلفها الحزن الشديد:
-كل ده شايله في قلبك من ناحية ماما يا علي؟! بقى ده جزاتها إنها بتحاول تساعدنا في تنظيم حياتنا وبتخفف عنا؟!
لم يتراجع أمام دموعها، بل اندفع مكملاً بأسلوب أكثر حدة وجفاءًا:
- اللي بتعمله مامتك ده مش مساعدة يا داليا، ده فرض أمر واقع، وبالقوة كمان.
انهارت ونظرت إليه بذهول جرح أنوثتها وكبرياءها، فصرخت بنبرة لاهثة مستنكرة:
-لو سمحت يا علي، بلاش تتكلم عن ماما بالطريقة دي، ولو مساعدتها ليا مضايقاك أوي كدا، خلاص يا سيدي.
انتفضت واقفة ، ودفعت مقعدها للخلف وهي تتابع بنبرة تقطر قهرًا:
-أنا هكلمها وهخليها متجيش هنا تاني خالص، يارب تكون مبسوط كدا ومرتاح.
تركت الطعام وهرولت نحو غرفتهما، ثم أغلقت الباب بقوة ودفنت وجهها بين الوسائد لتنفجر في بكاء مرير وانهيار تام.
زفر بحنق، وشعر بالغضب من نفسه ومن رد فعله المندفع، لم يحتمل سماع شهقاتها المكتومة، فتحرك وراءها بضعف، ودلف إلى الغرفة بخطى متباطئة.
وجدها قاطنة فوق السرير، جسدها ينتفض بقوة من شدة البكاء، تقدم وجلس بجوارها على طرف الفراش، ثم مد يده على استحياء وأمسك بكفيها المرتجفتين، وقال بنبرة هادئة تملأها الحيرة:
-هو إيه اللي حصل لكل ده بس يا داليا؟!، كل ده عشان كلمتين قولتهم في وقت غضب؟!
سحبت يديها منه بحدة، ونظرت إليه بعينين حمراوين من أثر البكاء، وقالت بنبرة عاتبة:
-اللي حصل إنك أناني يا علي، ومش شايف غير نفسك وبس، شايفني حامل في شهور الوحم وتعبانة، وفوق كل ده بشتغل طول اليوم وبرجع مهدودة.
وتابعت متسائلة:
- المفروض ماما تعمل إيه وهي شايفاني بنهار قدامها؟! تقف تتفرج عليا، ولا تساعدني وتحاول تخفف عني؟!
انهمرت دموعها بغزارة أكبر، وتابعت والصوت ينقطع في حنجرتها من شدة البكاء:
-أنا تعبانة يا علي، تعبانة أوي، وماما شايلة عني كتير جداً، وده أكتر وقت أنا محتاجة لها فيه، محتاجة لنصايحها ووقفتها جنبي،محتاجة لوجودها اللي بيطمني طول الوقت.
تابعت كلماتها والدموع تخنق حنجرتها، وهي ترمقه بنظرات عاتبة:
-وأنت بدل ما تفكر فيا وفي راحتي، قاعد تفكر في الخضار اللي ماما بتأكله لنا على مزاجها، والعصير اللي كتر خيرها بتعمله لنا كل يوم فريش، علشان ما نشتريش حاجة تضرنا.
انفجرت في البكاء مجدداً، وهزت رأسها بقلة حيلة وقهر وهي تضيف:
-أنا مكنتش فاكرة إنك أناني كدا يا علي، كنت فاكراك بتحبني وبتخاف عليا أكتر من كدا.
سقطت كلماتها الأخيرة على قلبه كالجمر، شعر بضيق شديد من نفسه، واجتاحه ندم عارم،وشعر بأنه قد تسرع وزاد من أعبائها النفسية وهي في أضعف حالاتها .
حتى وإن كانت والدتها تفرط في التدخل في بعض الأمور وهو يشعر بالضيق من ذلك، فإنه أدرك يقيناً أن هذا ليس الوقت المناسب لإثارة تلك الخلافات، فزوجته حامل وبحاجة ماسة لكل دعم، لاسيما وقوف والدتها إلى جانبها.
لم يحتمل رؤية انكسارها، فمد ذراعيه واحتواها داخل صدره بدفء، وراح يطبطب على ظهرها برفق وهي تشهق بالبكاء، ثم قال بنبرة نادمة يملأها الحنان:
-أنا أسف يا حبيبتي، أنا فعلاً زودتها وغلطت في حقك، أنا ما قصدتش أزعلك أبداً، ولا قصدت أتكلم عن طنط بالشكل اللي وصلك ده.
صمت لبرهة يستنشق عبير شعرها، ثم تابع مبرراً ما أصابه من ضيق:
-أنا مضغوط في الشغل أوي الفترة دي، وزعلان وموجوع عشان سفر أشرف قرب، وقهر أبويا وأمي عليه وعلى سفره كاسراني.
وتابع موضحًا:
- شايل هم إنهم هيقعدوا في البيت لوحدهم بعد ما يسافر، ومفيش حد مننا هيكون معاهم أو يونسهم.
هدأت شهقاتها قليلاً وهي في أحضانه، ورفعت عينيها لتنظر إليه بملامح يغلفها التفهم والتأثر، فقالت بصوت هادئ ومواسي:
-محدش مرتاح في الدنيا دي يا علي، كل بيت وفيه مشاكله وهمومه، والحمد لله طنط وعمو صحتهم كويسة، ومش محتاجين لحد معاهم.
تأمل وجهها الشاحب بفعل الحمل والتعب، وشعر بالامتنان لعقلها ورقتها، وقال:
-عندك حق يا حبيبتي.
طبع قبلة حانية دافئة فوق رأسها، وأردف برقة:
-حقك عليا وماتزعليش مني.
ثم نهض من فوق الفراش ممسكاً بكفيها، وابتسم وهو يمسح بقايا دموعها بإبهاميه وراح يقول :
-يلا عشان نتغدى سوا، وتلحقي تاخدي الفيتامينات بتاعتك في ميعادها.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة وتشابكت أصابعهما معاً وهي تسير بجانبه في طريقهما نحو المطبخ.
_______*_______
أوقف سامح سيارته بغضب عارم في فناء حديقة القصر، ترجل من مقعده وعلامات القسوة ترتسم على ملامحه، ثم اندفع نحو الباب الآخر ليجذبها من يدها بقوة.
كانت تقاومه بكل ما أوتيت من ضعف، تحاول جاهدة الإفلات من قبضته الحديدية وهي تبكي بنحيب مرير:
-سيب إيدي يا سامح وبطل الهمجية اللي أنت فيها دي.
جذبها بقسوة أكبر، واقترب من وجهها قائلاً بنبرة فحيح تملؤها التهديد والوعيد:
-إنتِ لسه شوفتي همجية؟ اصبري بس لما ندخل جوه.
اندفع بها نحو المدخل وضغط على جرس الباب بعنف، فتحت إحدى العاملات، فسألها بحدة وصوت جهوري:
-منير باشا فين؟
تراجعت العاملة للخلف وتلعثمت من هول منظرهما:
-العيلة كلها موجودة في الليفنج مستنيين حضراتكم.
لم ينتظر سماع بقية كلماتها، بل جر تلك المسكينة خلفه بعنف وانطلق كالعاصفة، سألته العاملة بارتباك:
-أجهز الغدا يا سيادة المستشار؟
أهمل سؤالها واقتحم غرفة المعيشة بجنون، انتفض الجميع واقفين في ذعر، وتحولت الأبصار نحو ذلك المشهد، سامح يقبض على ذراع شقيقته كأنها متهمة يخشى هروبها، ونهلة التي تحول وجهها إلى لوحة من الانكسار، عيناها متفختان، وأنفها شديد الحمرة بفضل البكاء المرير، دموعها تجري بلا انقطاع.
بدون أي مقدمات، دفعها سامح بقوة كادت تطيح بها أرضًا، ثم التفت نحو أبيه، رامقًا إياه بنظرات عتاب حادة امتزجت بغضب بركاني، ليلقي قنبلته:
-بنت سعادتك جايبها من جنينة عامة من بتاعت مواعيد العيال الحبيبة، كانت بتعرض الجواز على الجربوع بتاعها.
شهقت راندا بصدمة، وهرعت بخطوات متخبطة نحو الباب لتغلقه بإحكام، خوفًا من أن تخرج فضيحتهم إلى مسامع الخدم، كانت تقف بجسد يرتعش كأوراق الشجر في مهب الريح، لم تتحمل مايا رؤيتها هكذا، فأسرعت نحوها تسندها وتشد من أزرها، بينما ظلت نهلة مائلة برأسها نحو الأرض، عاجزة عن رفع عينيها في أعين أي منهم.
اتسعت عينا منير بذهول جنوني، وصرخ في ابنه مكذبًا:
-أنت اتجننت يا سامح؟! إيه التخاريف اللي بتقولها دي؟!
ثم تابع بنبرة حاول أن يغلفها بالثقة والمكابرة:
-أنا بنتي مستحيل ترخص نفسها وترخصني بالشكل ده.
صاح سامح بحدة، وفرد ذراعيه باحتجاج غاضب وهو يهتف بيقين:
-للأسف حصل يا باشا، وقالت له بالحرف إنهم لازم يتجوزوا النهارده عشان يحطونا قدام الأمر الواقع.
ثم صمت للحظة قبل أن يوجه الطعنة التي أدمت قلب أبيه:
-لا وإيه؟ متطوعة له كمان بأجرة المأذون.
تحركت راندا و وقفت أمام ابنتها مباشرة، وسألتها بصوت يرتجف من هول الصدمة:
-اللي بيقوله أخوكِ ده حصل؟
عجزت عن النطق، ولم تقو حتى على النظر إلى وجه والدتها، كان صمتها اعترافًا كافي لتفقد راندا صوابها، لتهوي على وجهها بصفعة قوية، ومع ضعف نهلة وهزالها، سقطت على الأرض، لتطلق مايا شهقة رعب وهي تهبط لمستواها، راحت تزيح خصلات شعرها المبعثرة وراء أذنها، وقالت بملامح متألمة:
-إنتِ كويسة؟
لم تكد تُنهي جملتها حتى زلزل صوت سامح حوائط الغرفة وهو يصرخ بصرامة:
-مايا،إطلعي على أوضتك.
نظرت إليه بعينين ترجوان الرحمة، لكنه كرر أمره بلهجة قاطعة لا تقبل النقاش:
-قولت على أوضتك.
تنهدت بقلب يعتصره الألم والخجل، وانسحبت ببطء، شاعرة بذنب مرير لأنها تركت نهلة وحيدة تواجه ذلك الطوفان بمفردها، التفت منير نحو ابنه، وبصوت خافت انكسرت فيه كل معالم الكبرياء، قال لسامح:
-احكي لي اللي حصل وبالتفصيل.
بدأ يسرد تفاصيل ما حدث بنبرات مشتعلة، بينما ظلت نهلة على الأرض، ساندة بكفيها المرتعشتين، ورأسها منحني للأسفل، غارقة في انهيارٍ صامت ودموعها الساخنة منهمرة فوق وجنتيها.
تحرك رائد بقسوة، وجذب نهلة من الأرض عنوة، وقفت أمامه بجسد يترنح، بينما اقترب منها وعيناه تشتعلان بغضب مكتوم، وسألها بفحيح كالأفعى:
-الكلام اللي بيقوله سامح ده حصل؟ انطقي.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ولم تقو على رفع عينيها، بل ظلت كتائهة وعبراتها تنساب في صمت مرير، لم يمهلها فرصة لالتقاط أنفاسها، بل هوي على وجهها بصفعة قوية، وصرخ بها باحتقار:
-ليه؟ وازاي قدرتي ترخصي نفسك وترخصينا بالشكل ده؟
إلى هنا وقد انفجر البركان الكامن في صدرها، وصرخت بعدما فاض بها الكيل من ظلمهم:
-أنا معملتش حاجة غلط، أنا كنت بستعمل حقي في الحياة، كنت هتجوز الإنسان الوحيد اللي دق له قلبي.
نظر إليها رائد باشمئزاز شديد، وقال بنبرة مليئة بالنفور:
-انتي مريضة يا نهلة ومش طبيعية.
كانت راندا تهز رأسها بجنون، وقد تملكها الرعب من الفضيحة، لتصيح قائلة والذهول يسيطر عليها:
-يا دي المصيبة، يا دي المصيبة.
ثم التفتت إلى زوجها تلومه بنبرة حادة:
-شوفت آخرة دلعك يا منير؟ بنتك كانت هتفضحنا وتخلي سيرتنا على كل لسان.
أسرع تامر نحو نهلة، ووقف إلى جوارها في محاولة منه لتهدئة الأجواء المشتعلة، وقال موجهًا حديثه للجميع:
-اهدوا يا جماعة، والحمد لله إن سامح لحقها قبل المصيبة ما تحصل.
تحدث سامح بحدة ونبرة غاضبة التمعت في عينيه:
-طب المرة دي لحقتها بسبب الخطة التافهة اللي عملها الحقير، وخلى البنت اللي اسمها مايسة جت لي المكتب وحكت لي كل حاجة.
بدأ سامح يقص عليهم تفاصيل ما حدث، ساردًا شكوكه التي تحولت إلى يقين بالنسبة له، ولم تكد كلماته تنتهي حتى انطلقت صرخة نهلة الممتزجة بالدموع، فارتمت نحو والدها قائلة بنبرة مستعطفة باكية:
-رشيد مظلوم يا بابا، هو معملش اللي سامح بيقول عليه ده والله.
تجاهل منير توسلاتها،ثم التفت نحو سامح، وعيناه مثبتتان بصرامة شديدة تفرضان هيبة لا تقبل النقاش، وقال بنبرة حاسمة:
-الولد ده كفاية عليه لحد كده يا سامح، لازم تشوفوا له صرفة، مش عاوز اسمع اسمه مرة تانية.
رد سامح بثقة مطلقة وجدية شديدة انعكست على ملامحه الباردة:
-اعتبره حصل يا باشا، وأنا فكرت خلاص ولقيت الحل.
وتابع بآلية:
-هظبط له تهمة سياسية وتتفصل على مقاسه مظبوط، يتقدم فيها لامحاكمة العسكرية.
وتابع بوعيدٍ:
-ووعد مني، مش هيشوف الشمس مرة تانية.
تدخل رائد مؤكدًا على كلام سامح بجدية مطلقة:
-وملف التهمة جاهز وفي الانتظار يا باشا، هنظبطها أنا وسامح، يومين بالكتير وإسمه هيتخفي من الوجود خالص.
هزت رأسها بجنون، وقد تملكها الرعب والخوف على حبيبها، انهارت حصونها تمامًا، فانطلقت صارخة بقلب ممزق، وارتمت تحت قدمي والدها تتوسل إليه بإذلالٍ:
-أبوس رجلك بلاش يا بابا، هو ملوش ذنب في أي حاجة والله العظيم
وتابعت بتلعثم وهي تشير إلى حالها بهيستيريا:
-انا، أنا اللي رحت له وطلبت منه نتجوز، وهو رفض،وسامح بنفسه شاهد على كدا، علشان خاطر ربنا بلاش تأذيه.
في تلك اللحظة، علم منير أنه قد أدار اللعبة بذكاء شديد، ووصل إلى غايته المنشودة من كسر كبريائها، تراجع بخطوته إلى الخلف، ساحبًا حذاءه من تحت يديها بعنف كأنها حشرة توشك أن تلوثه، ثم رفع رأسه بشموخ متغطرس ونظر إليها وهي منبطحة على الأرض،وتحدث:
-مفيش غير حل واحد بس هو اللي ممكن يخليني أتراجع.
رفعت رأسها بلهفة بالغة، وعيناها الدامعتان تعلقت بملامحه الصارمة، وراحت تسأله كغريق يتشبث بقشة:
-وأنا مستعدة أنفذ لك أي حاجة، المهم ما تأذيهوش.
تطلع الاولاد إلى أبيهم باستغراب، وظلت راندا تترقب في صمتٍ منتظر، ليطلق منير حكمه الأخير ببرودِ:
-تقابلي العريس، وبعد أسبوعين يتكتب كتابك عليه،
هزت رأسها بجنون ورفض قاطع، وتراجعت خطوة إلى الخلف،لتنطق وهي تنظر إليه بذهول واستنكار شديدين:
-أكيد مش هتعمل فيا كده.
نهضت من رقدتها، ووقفت بملامح يكسوها الذهول والإحباط، تتطلع ببصرها نحو منير الذي كان يقف بقامة ممشوقة، رافعًا رأسه بغطرسة.
تابعت بنبرة مختنقة بالبكاء والاستعطاف:
-أنا بنتك، نانا حبيبتك،أكيد مش ههون عليك ترميني لواحد مفيش أي شيء في الدنيا يربطني بيه.
رد عليها بجفاء وعيناه لا تحملان أي ذرة من الشفقة:
-وهو فيه رابط أكتر من إنه هيبقى جوزك؟
فتحت فمها لترد وتدافع عن ما تبقى لها من حرية، لكنه رفع يده بحسم قاطع أخرس الكلمات في حلقها:
-انتهى وقت النقاش خلاص، أنا دلوقتي مستني قرارك، اللي هنتحرك بناءً عليه.
نظرت إليه بعينين دامعتين، تتوسل فيهما ذلك الأب الحنون الذي كان يدللها، لكنه سحب نظراته منها بحدة وقسوة، استدارت بجسدها المنهك وتحركت خطوتين نحو الباب فرارًا من هذا الحصار، ليأتي صوته الجهوري الذي هز اركان الغرفة ويستوقفها:
-رايحة فين؟ أنتِ مش هتتحركي من هنا قبل ما أسمع قرارك.
التفتت إليه، وتحدثت بصوت خافت يكاد يخرج من حنجرتها بوهن شديد:
-أنا تعبانة، خليني أطلع آخد شاور وأرتاح عشان أقدر أفكر.
خطت خطوة أخرى نحو الخروج، همّ سامح أن يتدخل وقد بدا على ملامحه الغضب الشديد، إلا أن منير أشار إليه بيده ليصمت،ثم تحدث إليه بجدية وصرامة بالغة:
-سامح، ابدأ في تنفيذ اللي اتفقنا عليه حالاً.
التفتت برأسها بسرعة هائلة، وحدجت والدها بنظرات مليئة بالذهول والهلع، لم يبالِ بنظراتها، بل التفت إلى زوجته وأكمل أوامره الصارمة:
-وإنتِ يا راندا، خدي منها التليفون، وخلي رائد يقطع لها سلك الأرضي اللي واصل لأوضتها.
تقدمت راندا بحدة، وجذبت الحقيبة من يد الفتاة بعنف وانتزعت منها هاتفها المحمول، شعرت بأن العالم يضيق عليها، وأن الحصار يشتد حول عنقها، فاندفعت نحو أبيها تستنجد بآخر أمل لديها:
-أرجوك ترحمني وترحمه.
رد عليها بثبات مخيف وهدوء جليدي:
-الرحمة في قرارك أنتِ، أنتِ اللي في إيدك ترحميه وتخليه يعيش حياته حر كبني آدم، وبإيدك برضه تحكمي عليه بالإعدام.
أخذت تهز رأسها بجنون، رافضة هذا الواقع المرير الذي فُرض عليها ككابوس مظلم، أعاد تخييرها بنبرة آمرة حاسمة:
-قولتي إيه؟ انطقي.
تسمرت في مكانها، ونظرت إليه بحيرة قاتلة شلت أطرافها وتفكيرها، وبلحظة، انفصلت عن كل ما حولها، مرت أيامها مع رشيد أمام عينيها كفيلم سينمائي دافئ، تذكرت ضحكاتها الصادقة التي لم تعرفها إلا معه، وعينيه الساحرتين اللتين كانتا تنسيانها كل أحزان العالم.
في حضرته وحده تذوقت طعم الحياة،وعرفت معنى الحب ،لمست معه الدفء الذي لم تشعر به يوماً داخل هذا القصر البارد، لكن الواقع صدمها بقسوة، كيف تضحي بكل هذا العشق والمشاعر الجياشة، لتعيش ما تبقى من عمرها في سجنٍ مع رجل لا تعرفه؟ لكن الاختيار الآخر كان مرعباً، فإن رفضت، ستكون هي من ينهي حياة حبيبها، تهمة سياسية ملفقة، محاكمة عسكرية، وسجن مظلم لن يخرج منه إلى الآبد.
لقد وجدت نفسها بين خيارين أحلاهما مُر ومصيرهما الموت، إما أن تنحر قلبها لتعيش جسدًا بلا روح، أو تفتدي نفسها بالتضحية بحبيبها.
"لم يعد الخيار الآن بين طاعةٍ وعصيانٍ، بل بينَ أي الموتتينِ أقلُ وجعًا."
_______*_______
أما عند رشيد، فقد كان عقله يكاد ينفجرُ، يذرع المكان جيئة وذهاباً كالمجنون، التهم الخوف والقلق قلبه على نهلة، ماذا يمكن أن يفعل بها أهلها الآن؟ وفي الوقت نفسه، كانت هناك نار تغلي في صدره، نار أشعلتها "مايسة"تلك الصديقة التي وثقوا بها وفي المقابل غدرت بهما.
وقف طويلاً أمام تلك الحديقة العامة، تائهًا، عاجزًا، لا يدري أين يذهب أو ماذا عليه أن يفعل، لمعت في رأسه فكرة الذهاب إلى بيتها ليقف بجانبها، لكنه سرعان ما اصطدم بالواقع البائس، فلن ييسمح له أحدًا بالدخول، سيأمرون الخدم بطرده وإهانته، وربما يلفقون له تهمة تهجم وسرقة ليزجوا به في السجن، تمامًا كما توعده المدعو سامح.
تحت وطأة العجز وقلة الحيلة عاد إلى بيته منكس الرأس، أغلق باب غرفته، مستسلمًا لظلامه الداخلي، أخرج تلك المفكرة الصغيرة، وبحث عن رقم مايسة، ذلك الرقم الذي كان مسجلاً لديه لأنها كانت دائمة الاتصال به بحجة الاطمئنان عليه، ونقل أخبار نهلة إليه حين تعجز الأخيرة عن محادثته.
طلب الرقم، فجاءه صوت والدتها، أخبرها بوقار أنه صديق مايسة ويريد التحدث إليها، ثوانٍ وجاءه صوت مايسة عبر الهاتف:
-ألو، مين معايا؟
أجابها بحدة ممتزجة بنبرة حزن منكسر:
-أنا رشيد المسيري يا مايسة.
تلبكت، وسحبت الهاتف بلهفة، ودخلت غرفتها وأغلقت الباب بإحكام لتبتعد عن الأنظار، كانت على أحر من الجمر وتريد معرفة الأخبار بأي ثمن، لذا سألته بأنفاس متلاحقة:
-أنت كويس؟
أجابها بغلٍّ مكظوم:
-عاوزة تطمني إذا كنت لسه حر، ولا اتسجنت بعد عملتكِ السودة؟
ارتجف جسدها بالكامل، وسألته بارتباك تحلى بنبىاتها:
-قصدك إيه؟ انتَ بتكلمني كده ليه يا رشيد؟
دخل في صلب الموضوع مباشرة دون مقدمات،وتحدث صارخًا بلوم مرير:
-ليه يا مايسة؟ ليه عملتي كده في صاحبتك؟ طب أنا في داهية، طظ فيا، وأكيد ما اخصكيش في حاجة ولا هتخافي عليا ولا على مستقبلي.
واستطرد بسخطٍ محملاً لها كامل الذنب:
-طب ما فكرتيش في صاحبتك؟ ما خوفتيش عليها من جبروت أمها وإخواتها اللي أنتِ عارفاهم كويس وحكيتي لي عنهم بنفسك؟ جالك قلب إزاي تروحي تبلغي أخوها بالجنان اللي كانت ناوية تعمله؟
انهارت وانفجرت في البكاء بعدما أدركت أن سرها قد انكشف ، وقالت بنشيج متقطع:
- أنا كنت خايفة عليك يا رشيد، خوفت لنهلة تورطك وأنت مش قد إخواتها.
رد عليها بغضب أعمى:
-طب كنتي قولي لي أنا.
انهمرت دموعها بألم يمزق صدرها، وقالت مبررةً:
- كنت خايفة ترفض نصيحتي وتوافق على جوازك منها.
صرخ بها عبر الهاتف بقهر:
-ليه؟ للدرجة دي شايفاني خسيس وندل عشان أستغل ضعفها وانهيارها واروح اتجوزها من ورا أهلها ؟
سألته بدموعٍ ورعبٍ عليه:
-هو إيه اللي حصل؟ وأنت عرفت منين إن أنا اللي قولت لسامح؟
صاح بغضب واشمئزازٍ من تصرفها:
-سامح بيه اللي أنتِ روحتي له، شاكك إنها خطة بيني وبينك يا أستاذة! وهددني إنه هيسجنني.
وتابع لائمًا:
-يارب تكوني مبسوطة يا مايسة؟
بكت بانهيار بصوت يقطع نياط القلب، وقالت بصدق نابع من أعماقها:
-أنا كل اللي فكرت فيه هو حمايتك، كنت مرعوبة وخايفة عليك.
قاطعها بصراخ حاد:
-وأنا يا ستي مش عاوزك تخافي عليا، ولا عاوز أعرفك تاني أصلاً.
وتابع بنبرة يملأها الإشمئزاز:
-أنتِ ويحيى وجهين لعملة واحدة، نفس الخسة والندالة، ونفس الحقد والسواد اللي مالي قلوبكم.
وتابع بسخرية مريرة:
-ونفس المبررات السخيفة.
صرخت بجنون دفاعًا عن نفسها:
-أنا مش خاينة يا رشيد، أنا اكتر حد بيحبك وبيخاف عليك.
رد عليها بنبرة تهديد :
-ابعدي عن طريقي أحسن لك يا مايسة، وإياكِ تخليني أشوف وشك تاني.
أغلق الخط في وجهها بعنف، لتسقط على الأرض في حالة انهيارٍ تلم، وراحت تستسلم لبكاءٍ هستيريٍ مرير.
______*______
العودة إلى منزل منير الخولي مرةً آخرى.
كان الجميع يقفون كالتماثيل، يتأهبون بانتظار تلك الكلمة التي ستنطق بها تلك المنهارة، كلمة واحدة تملك القوة لإنقاذ عُمر ومستقبل من استطاع إمتلاك قلبها، لكنها في الوقت ذاته، ستكون كالمعول الذي تحفر به قبر قلب كلاهما للأبد.
أما الجانب الآخر من الاختيار فكان الرفض، رفض العريس المنتظر والزيجة بأكملها، لتلقي بيدها بالحبيب في ظلمات السجون وغياهبها التي لا ترحم.
كان الهواء في الغرفة ثقيلاً على الجميع، والوقت يمر كأنه دهرًا، لم يدم هذا السكون طويلاً، إذ هتف سامح بنفاد صبر استعجلها فيه قائلاً بحدة:
-ما تنطقي يا بنتي، خلصينا، محدش فاضي لك.
وقعت الكلمات عليها لتهز كيانها، انهمرت دموعها الساخنة على وجنتيها، وشعرت في تلك اللحظة كأن روحها تُسحب من جسدها ببطء شديد، استجمعت بقايا قوتها، وضغطت على شفتيها المرتجفتين، ثم قالت بنبرة يقطرُ منها الإستسلام والألم:
-..............
