رواية الداهية وسلالة الاوغاد الفصل التاسع عشر 19 بقلم امل نصر


 رواية الداهية وسلالة الاوغاد الفصل التاسع عشر 

تجمد أدهم أمام النظرات المصوبة نحوه، تترقب إجابة السؤال الذي أردف به عزام، والذي كان متحفزًا في جلسته. أما أحلام فقد أشفق عليها بملامح وجهها المصدومة، وزوج التوأم أمجد وأريج كانا يتابعانه بأعين تقدح شررًا صامتين. في حين كان نيازي يحدجه بنظرات كارهة، منتظرًا فرصة الخطأ منه للانقضاض عليه. ولكنه أبى أن يظهر أمامه بمظهر الضعف، فرد يجيبهم بقوة:
أدهم: "أنا مسرقتش حاجة، ومكنتش في يوم من الأيام حرامي، وبالنسبة للأسورة، فدي كانت أمانة وأنا رجعتها لصاحبتها، وعشان كده ماليش دعوة بأوهام نيازي اللي بناها في خياله".
نيازي مستنكرًا : "أوهام في خيالي أنا؟ أنا اللي بتوهم، ولا أنت اللي بتكذب عشان تخرج من ورطتك؟ بعد ما كشفت حقيقتك المخزية والزبالة قدام الكل، المفروض تتكسف من نفسك، مش تقف تناظرنا وتتبجح كده".

اقترب أدهم يتطلع بعيناه بتحدٍ، وخرجت كلماته بثقة مشددًا:

أدهم: "اللي يتكسف هو اللي يغلط، وأنا مغلطتش، وعشان كده مش حاسس بذرة خجل. ولو هنتكلم عن الخجل، يبقى الأولى إنك تراجع نفسك أنت، بعد ما عملت فتنة وحاولت تسيء لسمعة البت اللي بتدعي إنك بتحبها".
كانت كلمات أدهم كصفعة مدوية تلقاها نيازي، فبرقت عيناه وتعقد لسانه؛ إذ ذكره هذا الملعون بحماقة فعله بعد أن تهور وتناسى كرامة لينا وعزة نفسها التي لا تقبل التلميح أو التجريح، ليقف أمام الآخر يدعي الثقة في موقفه بعد أن أخذته العزة بالإثم.
التف عنه أدهم، موجهًا الحديث نحو عزام وأسرته يتابع بعد أن أوصل رسالته القوية نحو الآخر:

أدهم: "أنا قلتلك يا سيد عزام الحقيقة، وأنا مش مطالب إني أبرر، لأن سمعتي ومعرفتكم بيا هي الشهادة. أما لو كنتم مصدقين اتهام ابنكم ليا، فأنا طبعاً هعذركم، ومش هعترض على أي قرار تاخدوه ضدي. حتى لو كان القرار إني أطرد من بيتكم، لأني مش هقبل إني أتوصف بالتهمة دي، ولا حتى بالتلميح. وكمان مش هتكلم في موضوع الأسورة تاني. أنا وضحت إنها أمانة ورجعت لأصحابها، لكن لو هتسألوني عن تفاصيل تانية، فاعذروني لأني مش هرد. ده آخر كلام عندي، هروح دلوقتي الأوضة اللي بقعد فيها مع أمجد، ومستني قراركم.. عن إذنكم".

بصق كلماته وانصرف تاركًا إياهم كأن على رؤوسهم الطير، بعد أن ألجمهم بحزمه وكلماته المقتضبة المختصرة. خيم الصمت على الجميع لعدة لحظات، وكأنه سرق من ألسنتهم الكلمات وشتت تفكيرهم بصرامته، حتى خرج صوت أحلام أخيرًا من بينهم:

أحلام: "هو ده بجد سعيد ابن أخويا، ولا إحنا كنا قاعدين في جلسة لنائب مخضرم في مجلس الشعب؟!"
★★★
هتفت أريج بالكلمات التالية مذهولة بداخل غرفتها، بعد انتهاء الجلسة وعودة كل شيء إلى نفس الوضع القائم، إثر تمكن أدهم بثقته الكبيرة بنفسه من إسكات الأصوات المنددة به، وإقناع الآخرين بوجوده بينهم طالما لم يثبت ما يدينه:

أريج: "شفت اللي عمله جدك يا أمجد؟ أقسم بالله، أنا لحد دلوقتي مش مصدقة."

أما شقيقها أمجد، فكان يقطع المساحة الصغيرة بالغرفة ذهابًا وإيابًا دون هوادة، بتفكير متواصل، وقال ردًا عليها:

أمجد: "الراجل ده بقى خطر علينا، ولازم نخلص منه بسرعة فورًا."
أريج: "أيوه يا أمجد، أخلص عليه بسرعة، ما دام خلاص عرفنا مكان الجوهرة، ومبقاش لينا فايدة فيه، كفاية المدة اللي قضاها وسطنا، وكفاية تأخير."
أمجد: "تأخير بس؟ والخسارة اللي خسرناها بسببه، كام خاتم وقلادة والساعة الأصيلة، بعد ما راحوا للتقسيم على العيلة كلها، وبعدين الأسورة.. الأسورة يا أريج، إنتي مش شايفاها يا حبيبتي عشان كده مش حاسة بالنار اللي قايدة جوايا."

ضرب بكف يده على الحائط بغيظ يتابع:

أمجد: "أسورة بآلاف الجنيهات ومطعمة بفصوص ألماظ، يديها كده بكل سهولة للمدعوة لينا؟ الراجل ده هيشلني ، بيوهمنا إنه هيدي الجوهرة للأصلح، وهو أبعد ما يكون عن الإصلاح."
أريج: "طب ما تقوم تعمل التعويذة دي بسرعة يا أمجد، عشان نأخد إحنا جوهرتنا، ويرجع سعيد ابن خالي لحياته الطبيعية."

اقترب منها يعض على قبضة يده هاتفًا:

أمجد: " ما هي دي المشكلة، التعويذة مش هتنفع غير برضاه هو، وأنا متأكد إنه مش هيوافق، والأكيد إنه هيعقد الموضوع."

شحب وجه أريج وتسرب الخوف داخلها لتردف سائلة بفزع:
أريج: "أمال إيه الحل؟ هو معقول الراجل ده يفضل جاثم على قلوبنا، محتل جسد سعيد المسكين، ويمنع عنا الفلوس والحصول على الجوهرة، أو يمكن يحرمنا منها ويديها للمدعوة لينا، أو... دا يبقى نهار اسود يا أمجد! لو كان جدك وقع في عشق البنت دي، وقرر يتجوزها بحياة تانية وبجسد الشباب ده عشان يعيش ويتمتع معاها بالثراء اللي يقدر بكل سهولة يوصله، هتبقى مصيبة.. مصيبة يا مجد."
تجهم وجه أمجد وانتفخت أوداجه مع فكرتها، ليهتف بخشونة غاضبًا:

أمجد: "ومين هيسمح له بالهبل ده؟ أقسم بالله لأبوظ له كل خططه، وهجيب الجوهرة وأرجعه قريب، قريب جداً، أقرب ما تتخيلي!

التمعت عينا أريج بغشاء رقيق ينذر بسقوط الدموع، فابتلعت ريقها لتردف بصوت متأثر:
أريج: "بس إحنا هننجح في ده إزاي؟ أنا بدأت أترعب يا أمجد، خايفة الراجل ده ينجح في خطته ويعيش زي ما هو عايز، ويبقى حكم على سعيد ابن خالي بالموت فعلاً..!"

قطعت كلماتها لتذرف الدمعات بتأثر حقيقي وندم لما كان يصدر منها سابقًا في حق ابن خالها البريء بعشقه الفطري لها. جلس أمجد بجوارها على طرف التخت الجالسة عليه، ليضم رأسها إلى صدره، مربتًا عليها وهو يردد بحنان:

أمجد: "اطمني يا بنت، خليكي واثقة إنه هيرجع، وإحنا هنحقق أحلامنا وناخد الجوهرة."
أريج (بصوت ضعيف من بين بكائها): "بجد يا أمجد؟ هتقدر تعمل كده؟"

تنهد شقيقها بثقل يشدد بذراعه التي تضمها، ويردد بقوة وتصميم:

أمجد: "خليكي متأكدة يا أريج، كوني على ثقة إني لا هنام ولا هيهنأ لي بال لحد ما ألاقي حل سريع يخليني أقدر أعمل ده في أقرب وقت، وأقرب مما تتخيلي، وتكوني متأكدة من ده."
★★★
وبداخل غرفة الوالدين كان عزام لا يزال حتى الآن، لا يستوعب ما حدث وما لمسه من تغير جذري بشخصية سعيد، والذي أضحى لا يشعر على الإطلاق بأنه هو نفس الولد ابن شقيق زوجته منذ هذه الحادثة التي أخبره بها أمجد والحالة الغريبة التي أصابته. ورغم استغرابه الدائم منه، إلا أن فعلته اليوم في الدفاع عن نفسه بهذه الثقة غير العادية، والهيبة بتعالٍ حتى عن قول السبب الحقيقي أو إثبات العكس في اتهام نيازي له، كان هذا أكبر من الصدمة أو أي شيء آخر يراه في سنوات عمره التي تعدت الخمس وخمسين عامًا؛ فشخصية بهذه القوة لا يمكن أن تكون تأثرًا أو تغيرًا بسبب الإصابة.
كان يشعر بصداع يكاد يشطر رأسه لنصفين، وشلل أصاب عقله في التفكير السليم أو المنطقي. أحلام، والتي كانت لا تقل عن زوجها حيرة، تكلمت تخاطبه بتساؤل قوي رغم ما يدور برأسها هي الأخرى:

أحلام: "كنت عايزة أسألك عن موضوع سعيد ابن أخويا.. هو أنت صدقت حجته؟ واقتنعت باللي بيقوله فعلاً؟"
عزام (مضيقًا عينيه): "وهو ده فعلاً ابن أخوكي؟"

تجمدت أحلام تناظره بصفحة مغلفة على وجهها، قبل أن تسدل أهدابها عنه، متهربة من إجابة لا تعلمها.
★★★

وعند نيازي فقد كان في حالة يرثى لها بعد أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، واستعاد بعقله ما فعله في حق نفسه وحق لينا حينما أساء لها بحماقته؛ فهي لم تفعل شيئًا يستحق كل هذه الجلبة التي فعلها هو، حينما تسبب بما يشبه الفضيحة لها كفتاة تشاجر بسببها شابين.
لعن نفسه وسبها آلاف المرات على هذا الفعل الصبياني الأحمق. ورغم عدم تصديقه لهذا الملعون سعيد، إلا أنه مقتنع تمام الاقتناع بأنه يوجد شيء قوي خلف تقبل لينا له ولهديته والدفاع باستماتة عنه. سبب الخراب والدمار في حياته استطاع كسب ثقة لينا واحترامها له، ولا يعتقد على الإطلاق أن السبب مادي، فـ "لينا" أبعد ما يكون عن ذلك لمعرفته الطويلة بها. وهذا ما يجعله في حيرة شديدة لما حدث معه بسبب هذا الولد، والذي استطاع إفحامه بالرد القوي أمام أسرته حينما اتهمه بالسرقة، ورد بقوة تمنى أن يملكها هو في يوم ما، ليثبت عدم أحقية أي أحد في سؤاله.
وكان موقعه هو في المعركتين الهزيمة النكراء، والإحساس بالندم الشديد بأنه لا يمكنه استرضاء لينا أو الاعتذار عما بدر منه، بعد أن أغلقت كل وسائل الاتصال معه ورفضت الوساطة من أي شخص قريب أو صديق لهما. ويزيد على همه مظهره أمام عائلته، إذ بدا وكأنه متخلف مراهق يلقي مسؤولية خطئه على غيره بحجة ضعيفة لا تدخل برأس طفل.
★★★

وعن أدهم والذي كان بالغرفة وحده بسبب تأخر أمجد في الدخول، وهو يعلم تمام العلم ودون أن يخبره أحد، أن المذكور مع شقيقته أريج، ولابد أن جنوح أفكارهما الآن قد وصل لآخره بعد سماعهم لاتهام المدعو نيازي له بالسرقة ونعته باللص. كان أدهم يحدّث نفسه بضيق وهو شارد في نقطة ما في الفراغ، يريد ترتيب أفكاره والإتيان بحل يرضي جميع الأطراف ويريحه، فهو الآن لا يبتغي شيئاً أكثر من الراحة، ولكن كيف يتم ذلك؟

أدهم (مع نفسه): "ده أمجد اتأخر قوي، أكيد دلوقتي قاعد مع أريج وبيفكروا في كلام نيازي، ولسه فاكرني أنا اللي سرقت!"
★★★
عودة إلى أمجد الذي آثر ألا يبيت ليلته مشاركًا الغرفة مع أدهم، وظل فوق السطح جالسًا بأريحية على كرسيه، يمد بقدميه إلى الأمام بوضعية نصف جالس ونصف نائم. فكان يبحث في هاتفه عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن شيء ما قد يدله إلى الحل الحاسم؛ فهو مهما كان ذكاؤه، إلا أنه صغير السن وخبرته في الحكم على الأشخاص قليلة وهو في عجالة من أمره، ويريد التوصل إلى شخص ثقة يمكنه من بيع الجوهرة في السر ودون معرفة أحد من العائلة الغبية. لن يقبل بتوزيع ثمرة جهده وتعبه على أشخاص كسالى لمجرد انتمائهم لأدهم الفيومي، هذا الرجل الداهية والذي سيتمكن قريبًا من التخلص منه بعد أن انتهت مهمته الآن بمعرفة مكان الجوهرة والعثور عليها.
كان أمجد يهمس لنفسه وهو يقلب في هاتفه:

أمجد (مع نفسه): "مش هعرف أنام مع أدهم في نفس الأوضة، خليني هنا أحسن.. لازم ألاقي حل وأعرف مين الشخص الثقة اللي ممكن يشتري مني الجوهرة دي من غير ما حد من العيلة المغفلة دي يعرف."
ظل يبحث ويقارن ويفند أوجه التشابه التي بين جوهرته وما نُشر عن قطع المجوهرات المشهورة والتي أقيمت على شرفها أعرق المزادات العالمية، ليصعق بالأرقام الخيالية التي دُفعت ثمنًا لها، وهو يقسم ويجزم أن جوهرته تفوقهم جمالاً وروعة بل وتستحق أيضاً مبلغاً من النقود يساوي أضعافهم، ولكن كيف يتم هذا؟ فكان يبحث عن الأشخاص التي يمكنها فعل ذلك أو تمتلك الوساطة مع أناس لهم علاقة بهذه الأشياء. تعددت أمامه عدة أسماء وضعها بعقله حتى وجد الأقرب من بينهم، وكان يفكر بحماس:

أمجد (مع نفسه): "دي الجوهرة بتاعتي أحسن من كل اللي شفتهم في المزادات دول، المفروض تجيب مبلغ أكبر بكتير.. بس أجيب مين اللي يعرف يخلص الموضوع ده؟"

أخذ يقلب في الأسماء التي يعرفها حتى استقر على شخص بعينه، وهو والد أحد أصدقائه القدامى؛ رجل أعمال وسمسار عقارات مخضرم وله علاقات بأشخاص في السلطة العليا، أي يستطيع فعل ما يريد، بالإضافة إلى عشقه للمظاهر والذي يبدو من شرائه لأرقى السيارات واليخوت والمنازل، ثم زواجه بالنجمة الفنانة التي تصغره بعشرين عامًا على الأقل والتي تزوجته من أجل المال. ولكن كيف سيتوصل إلى الرجل ويتمكن من إقناعه بجدية الموضوع؟ ولو تم الأمر، كيف سيحفظ حقوقه دون أن يجور عليه هذا الرجل في ثمنها؟
تنهد بثقل يضرب على طرف الكرسي، فمهمته هذه أصعب مما سبق على الإطلاق. استمر بتفكيره وبحثه حتى غلبه النعاس في جلسته فوق السطح، ولم يستيقظ سوى في الصباح على لمسة خشنة من أصابع غليظة، ليفتح أجفانه فيرى وجه أدهم يطل عليه.

أدهم: "صباح الخير."
رفرف أمجد بأهدابه قليلاً يتطلع إليه حتى استعاد وعيه، فانتفض على الفور يعتدل بجذعه ويطالع هاتفه الذي بات معه على حجره، فتناوله سريعاً ليتأكد أنه مغلق ولم يعبث به أدهم، والذي انتبه على ارتباكه، فخاطبه سائلاً:

أدهم: "مالك خايف كده يا حبيبي، هو أنت شفت عفريت؟"
أمجد (بتهكم صريح): " على اساس انك بني ادم عادي يعني، ولا يكونش الجسم البشري اللي انت لبسته نساك انت ايه؟ 
أدهم (يومئ بضحكة ساخرة ويتناول مقعدًا): "آها.. شايفك صاحي من بدري، ومزاجك رايق، بيخليك ترد عليا بثقة."
أمجد (بحدة يفرغ مكتوم صدره): "وهل المطلوب إني أتهز قدامك؟ أو أكون ضعيف الشخصية وساذج زي أخويا نيازي اللي استغفلته، وخليته مسخرة بعد ما خسر بسببك حبيبته، اللي كان خلاص هيتجوزها."

تغضن وجه أدهم وذهب عن ملامحه المرح، فقال بصوت خشن:

أدهم: "وهل كان أخوك ناوي يتجوزها بجد، من غير ما يتأكد من مشاعرها؟"
أمجد (متحفزًا): " يعني انت اللي عارف بمشاعرها ولا  هي حاسة بإيه؟"

انتبه أدهم على الهيئة المتحفزة من حفيده، فقال ملطفًا كي يمتص غضبه:
أدهم: "لا يا أمجد، أنا معرفش هي حاسة بإيه، ومش قصدي اللي بيدور في دماغك دلوقتي بعد اتهام أخوك الظالم ليا امبارح. وبخصوص الجوهرة، أقسم لك إني مش بكدب فهي بالحق كانت أمانة في عهدتي وسلمتها."
أمجد (بإستهزاء وسخط): "أمانة في عهدتك، يا راااجل!"

خرجت الكلمة من أمجد ساخرة بنظرات متشكلة نحو أدهم لتزيد من سخطه على هذا الأحمق نيازي بعد فعلته وكشفه لهذا الأمر أمام الجميع بالأمس ليصير محل شبهة أمامهم، حتى برغم حسمه بصرامة لعدم التصديق بذلك ومرت المشكلة على خير بأن بلعها المعظم. إلا أنه متأكد وعلى يقين تام أن هذا النحيف لن يمرها بعقله الشيطاني، فهو ليس بالشخص الهين أبدًا بل هو نسخة منه كما قال له سابقًا؛ الوغد الصغير هو بالفعل داهية مثله ويستحق الحرص والحذر.
قال أمجد يفيقه من شروده:

أمجد: "مبرق فيّا ليه يا جدي العزيز ؟ ايه؟ بتدبّر لي مصيبة؟"
أدهم (يتبسم بإعجاب حتى ظهرت أسنانه): "لا، ده أنا بتأملك عن قرب يا عزيزي، انبهاري بذكائك بيزيد يوم ورا يوم، أنت خليفتي يا أمجد، لذا أتمنى من كل قلبي إنك تنال حظي مع رجاحة التفكير عشان ما تنولش مصيري السيء؛ فميزة الذكاء يا عزيزي ما نفعتنيش ولا نجتني من القتل لما واحد من الدائنين اتجرأ وغرز سكينه في قلبي، لأرحل قبل ما أحقق مرادي أو أتمتع بالجوهرة اللي خسرت فيها الغالي والنافيس."
أمجد (بلهجة ساخرة): "الجوهرة؟ أشكرك يا جدي بجد لأنك فكرتني بيها، بعد ما تاه عقلي في غمرة المشاكل اللي بنمر بيها عن السبب الأساسي اللي جمع ما بيننا.. مش هتقولي مكان الجوهرة فين يا جدي؟ ولا لسه عند عهدك في الاتفاق لاختيار الأصلح؟"

تنهد أدهم بعمق وعيناه الضيقتان تتأملان أمجد بتمعن ليقول:

أدهم: "أيوه يا أمجد، ما زلت عند عهدي، بس أبشرك إن الأمر هيكون قريب، قريب جداً، لحد ما الأوضاع تستقر للجميع."

أومأ أمجد برأسه مدعيًا التفهم وبداخله نيران تنهش؛ فقد وصل بعقله أن أدهم سوف يحسم الأمر عن قريب ليضرب كل فرد منهم رأسه بالجدار بعد أن ينفذ هو ما برأسه.
ضرب أدهم بكفيه على ركبتيه لينهض عن مقعده وهو يخاطب حفيده بتحفيز:

أدهم: "أنا هروح الجامعة النهاردة، عشان أثبت حضوري، مش هتيجي معايا وترافقني؟"
أمجد (ملوحًا بكفه بنبرة عادية): "روح أنت واسبقني، مفيش خوف عليك بعد ما عرفت الطريق لوحدك، لأني بصراحة مشغول جداً النهاردة وعندي زيارة لواحدة من أصحابي القدام لأنه عيان وفي المستشفى."
أدهم (مستديرًا عنه): "الله يشفيه ويعافيه، ماشي هستناك هناك."

غادر أدهم حتى تقابل مع أريج التي كانت صاعدة لشقيقها بالصدفة في نصف الدرج، ليتبادر شقيقها بالقول فور أن وصلت والتقت عيناها بخاصتيه:

أمجد: "أنا قابلت أدهم الفيومي في طريقي ليك، هو جه عشان يتكلم معاك؟"

بشبه ابتسامة ظهرت على وجهه الساخر أجابها:

أمجد: "أيوه يا حبيبتي هو ده، جدك العزيز حدد وقرر وجه يبشرني إن موضوع الجوهرة هيكون قريب، قريب جداً."

عقدت حاجبيها بتساؤل أجاب عنه بظنه السيء:

أمجد: "ده بعد ما يحطنا قدام الأمر الواقع، وينسق أموره مع السنيورة لينا."
ختم قوله بغمزة استفزت أريج لتهدر ساخطة:

أريج: "يروح في داهية العجوز الأحمق ده، وهتخليه يا أمجد يعمل اللي في دماغه؟"
أمجد (بشراسة وهو يتناول هاتفه): "على جثتي!"
أريج (بفضول وهي تجلس على المقعد): "بتكلم مين؟"
أومأ لها بكفه لتصمت، قبل أن يجيب على محدثه من الناحية الأخرى:

أمجد: "ميرال، إزيك يا قمر؟...  اه انا كويس الحمد لله... أريج كمان بخير وبتتقولك إنها بتمنى نرجع نكلم بعض في أقرب وقت، لا ده هي ندمانة على كل اللي عملته معاكي."

(شهقت أريج مع ذكر الاسم في نية للاعتراض، ولكنه هددها بنظرة مخيفة جعلتها تبتلع غيظها وتتروى حتى تفهم). ختم ليلقي نظرة متسلية نحو شقيقته التي كانت تهدر بصوت مكتوم وتتوعد بالنظرات المشتعلة، غير متقبلة لكلماته عنها، وتابع هو بحماس للإجابة عن سؤال جاء منها في الجهة الأخرى:

أمجد: "أيوه، سعيد بخير وبيمنى يشوفك هو كمان...  هو راح الجامعة النهاردة، ما شوفتيهوش لحد دلوقتي؟"

قهقه بصوت مكتوم على احتقان وجه شقيقته التي ضربته بقبضتها على كتف ذراعه المقابل لها، وقال مخاطبًا الأخرى عبر الهاتف ببعض التماسك:

أمجد: "أيوة أيوة، عارف إن أخلاقك كويسة يا ميرال، فمفيش داعي للتبرير، أنتِ مش محتاجة تعملي كدة، وحتى أختي عارفة ده بس هي كانت في لحظة غضب منها، لذلك أنا بتصل بيكي..  بالطبع يهمني أنك تتصالحي معاها، ولكن معلش يعني قبل كل شيء ، نفسي في خدمة سريعة بعد إذنك.. بارك الله فيكِ يا ميرال، بالطبع دا عشُمي فيكِ.

توقفت أريج عن أفعالها الطفولية تراقب بتركيز قول شقيقها لميرال وهو يتابع:

أمجد: "عايزك متزعليش ولا تضايقي من جلافة سعيد في الرد عليكي أو تجاهله ليكي، أصل ده بسبب شوية مشاكل عائلية بيواجهها الأيام دي..  ودا اللي مخليني أقدر حالته، النفور والغضب ده أصبح رد فعله الطبيعي مع أقرب الناس حتى أريج التي كانت صديقته، وأنتِ ياللي اسمك حبيبته آسف.."

قالها مقاطعًا بخبث أثار غضب شقيقته، حتى كادت أن تتركه لولا أنه أمسك برسغها يوقفها قبل أن يجيب على الأخرى التي كانت تثرثر في الهاتف بعدم تصديق، ليضيف من ناحيته بتمثيل، ليرسخ الفكرة بعقلها:
أمجد: "أنا آسف يا ميرال سامحيني، مكنش قصدي.. أرجو المعذرة، لأني عايز أنهي المكالمة دلوقتي، عن إذنك."

بمجرد أن أنهى المكالمة، ثارت به أريج صائحة بغضب:

أريج: "ليه الكدب ده؟ وإيه قصدك من المكالمة مع البت دي؟ ليه توهمها بحاجة خطيرة زي دي وتزود الأمور تعقيد معانا؟"
هزها أمجد يهدر بقوة:

أمجد: "عشان المصلحة، إنتي عايزة سعيد يرجع، وأنا عايز أحصل على الجوهرة وأرجع جدك لمقره الطبيعي في العالم التاني، يبقى متسألنيش."
أريج (معترضة): "إزاي مسألكش؟ والبنت دي فارضة نفسها على سعيد فعلاً، ما بالك بقى بعد ما سمعت الاعتراف الغبي ده منك دلوقتي؟"
أمجد (مبتسمًا بخبث): "وده اللي إحنا محتاجينه دلوقتي، وافتكري يا حبيبتي إنها مش بتشاغل سعيد فعلاً، لأ، دي هي بتشاغل جدك، عشان تلهيه عننا، وتأخده شوية عن التعلق بالبنت لينا، دي هي الخطر الحقيقي علينا."

استدركت أخيرًا ووصل إليها المعنى، لتنقلب حالتها وترتخي أعصابها المتشنجة، ولتعتلي ملامحها ابتسامة متوسعة تردف له بإعجاب:
أريج: "يخرب بيتك، إنت بجد شيطان."

سمع منها وابتهج لتفهمها، ورد يعقب على قولها بزهو:

أمجد: " لا يا قلبي أنا حفيد أدهم الفيومي الداهية."
★★★
وفي شقة العائلة في الأسفل، كان عزام على وشك إنهاء مكالمته في الهاتف، حينما خرجت إليه أحلام تحمل اشياءه تأهبًا لخروجه كعلاقة المفاتيح وحافظة النقود، فتوقفت تنتظره قليلاً حتى ينتهي من مكالمته:

 "أيوه فهمت يا سيدي.. بارك الله فيك وجزاك خير على كل اللي عملته.. طبعاً موافق وأنا على أتم الاستعداد.. تمام، حدد الموعد مع باقي أفراد العيلة المسؤولين، وأنا معاكم على الاتصال لحد ما أحضر وأمضي أنا كمان.. لا داعي للشكر يا أخويا، ده واجبنا.. في رعاية الله".

أنهى المكالمة ليلتفت نحو زوجته وصغيرته "بتول" الواقفة بملابس المدرسة بالقرب منه، ليخاطبهن بلهجة مبتهجة:
عزام: "عندي خبر يفرح، وبشرى سعيدة هتنعش القلب من بكرة الصبح".

تبسمت أحلام إليه تناظره بتساؤل جعله يضحك بتسلية وهو ينهض عن مقعده، يتناول منها السترة وباقي الأشياء، ثم هتف بفرح نحوها ونحو صغيرته التي تتابع صامتة:

عزام: "المحامي بتاع العيلة قدر يبيع الحاجات اللي لقيناها من ميراث جدنا 'أدهم الفيومي'، لراجل ثري بيعشق الحاجات القديمة وبيقدر قيمتها، فدفع فيها رقم خيالي، أكتر بكتير من الثمن اللي كان مقدره الخبير اللي جابه المحامي".

شهقت أحلام بفرح هي وابنتها، ليضيف عزام بحماس:

عزام: "والفلوس هتتوزع على أفراد العيلة في خلال أيام بسيطة، أو ممكن بكرة، ولو حصل نصيب حتى النهاردة، ده لو المحامي عرف يصرف الفلوس من البنك".

هللت أحلام بفرحة تردد بالحمد مع زوجها الذي كان يقبل كفه، يشعر بالامتنان لخالقه الذي أرضاه وكان كريماً معه، حينها خرج صوت "بتول" الصغيرة بينهما لتذكر أباها:

بتول: "يعني يا بابا هتشتري لي جهاز الكمبيوتر اللي وعدتني بيه؟ وهتجيب لي لبس جديد وجزمة غير دي اللي لابساه دلوقتي؟".

قهقه عزام يرفعها عن الأرض ويقبلها على وجنتيها المكتنزتين مردداً:

عزام: "كل اللي تطلبيه يا حبيبة قلبي يا 'تولا'، شجرة العسل تأمر بس، وأمرها مطاع".
أحلام (ضاحكة): "هنيالك يا 'تولا' هانم، بعد ما نلتي رضا أبوكي، بقيتي أميرة وأمرك مطاع".

أنزل عزام ابنته ليلتفت إلى زوجته يقول بغزل صريح:

عزام: "هي الأميرة، وإنتي يا 'حلم عمري' أنتي.. أيوه 'حلم عمري' وجميلة الجميلات كمان، ومش بقول الكلام ده مجاملة، ده هو عين الصدق واللي حاسس بيه دايماً ناحيتك، مهما قابلنا صعوبات في حياتنا اليومية، ومشاكل الأولاد اللي مش بتخلص، وفقر العيش طول السنين اللي فاتت، لكنك دايما كنتِ زي النسمة الباردة اللي بتلطف على قلبي، ربنا يخليكي ليا ."
أحلام (تمسح على ذراعه بحنان): "ربنا يبارك في عمرك وصحتك يا سندي وضهري، أنا من غيرك ما أساويش حاجة، أنت بتعطي من قلبك وأنا مش بعمل أكتر من واجبي، والحياة بتستمر."
عزام (يهم للمغادرة): "فعلاً الحياة بتستمر، بس عشان تبقى عارفة أنا ما نسيتش وعدي ليكي، كل اللي هييجي من شغلي هحطه في حجرك تعملي بيه اللي إنتِ عايزاه.. ما تقوليش لحد من الولاد لحد ما الأمور تتم."
أحلام (ضاحكة وهي تغمز لبتول): "متأكد من طلبك ده؟ مش عايز الولاد يعرفوا فعلاً، ها؟"

نزل عزام بأنظاره نحو الصغيرة قائلاً بمرح:

عزام: "أنا قلت الولاد يا ست، وما جبتش سيرة شجرة العسل، ودي وضعها خاص لأنها هتحفظ السر ومش هتقول لحد، مش كدة يا شجرة؟"
بتول (ضاحكة): "أيوه، فعلاً يا بابا، حبيبة بابا ما تفشيش السر ابدا."
ـ يسلملي حبيبة بابا.
اردف بها عزام قبل أن يخطف من وجنتها قبلة أخيرة، ثم استدار للخروج والمغادرة، تتابعهم أعين أحلام، التي كانت تتمتم بالأدعية الحافظة لهما ولكل أفراد أسرته

تعليقات