رواية جريمة المنصورة الفصل الأول بقلم محمود الأمين
الجريمة المرة دي مختلفة حبتين...
في المنصورة كانت الناس كلها في أشغالها، واللي فاتح محل في الشارع، وفجأة لقوا مسعد، وده واحد جارهم، نازل الشارع وفي إيده سكينة. السكينة كانت غرقانة د.م، وهدومه كمان كانت غرقانة د.م، وكان بيشاور على الشقة وبيقول: "قتلتهم".
الستات والبنات بدأوا يصرخوا من منظره اللي كان صعب، ولكن الناس لما بصت على الشقة لقيوها بتولع، والنار ماسكة فيها. وساعتها طلع مجموعة من الجيران عشان يلحقوا الناس اللي فوق، كانوا فاكرينهم لسه عايشين أو إن مسعد اتخانق معاهم وعورهم بس، ولكن النار كانت ماسكة في الشقة كلها.
حاول الجيران يطفوها، وبدأوا يحولوا جرادل الميه، وطبعًا جزء تاني منهم طلب المطافي. وعلى ما وصلت واطفت الحريقة، كانت جث.ة مراته سارة وعياله الاتنين، أمجد وليلى، اتفحموا. والناس مسكت مسعد واتصلوا بالشرطة، اللي جت وقبضت عليه، وبدأ التحقيق في القضية اللي اتعرفت باسم جريمة المنصورة.
...
#جريمة_المنصورة
#الجزء_الأول
أنا سعد عبد العزيز، رئيس المباحث. لما وصلنا البلاغ اتحركنا على طول على المكان، ولما وصلنا الدنيا كانت مقلوبة. الأهالي متجمعين وماسكين القاتل، اللي كان اسمه مسعد، وكانوا رابطينه بحبل، وجنبه على الأرض سكينة غرقانة د.م.
طلعت على فوق أنا والرائد محسن، ولقينا الشقة متفحمة خالص، وعلى الأرض 3 جث.ث متغطيين بملايات بيضا. لما كشفت الملايات شوفت منظر الجث.ث، اللي كان صعب أوي. الحروق اللي في جسمهم كانت خطيرة ووصلت لمرحلة التشوه.
اتمشيت في الشقة، اللي كان فيها أجزاء كتير اتدمرت بسبب الحريقة، وفي أجزاء كانت سليمة النار ما وصلتهاش. ولكن وأنا ماشي في الشقة، لقيت على ترابيزة جوه أوضة من الأوض كتاب مكتوب عليه شمس المعارف الكبرى.
الكتاب ده معروف، ومفيش حد يتوه عنه. بس يا ترى كان بيعمل إيه في بيت مسعد؟
في الوقت ده وصل وكيل النيابة سامح صقر، وفريق من الطب الشرعي والمعمل الجنائي، لفحص الجث.ث ومسرح الجريمة. وبعدها نزلت من الشقة عشان أتكلم مع المتهم اللي ماسكينه الناس، وقبل ما أنطق بأي حرف، لقينا واحد جاي، وكان في إيده سكينة، ورايح يضرب بيها مسعد. وطبعًا تدخلنا أنا والعساكر بسرعة عشان نمنعه، وعرفنا إن ده اسمه كريم الشاطر، أخو المجني عليها سارة الشاطر، اللي اتقتلت هي وعيالها على إيد جوزها مسعد.
كريم كان بيصرخ وبيقول:
- سيبوني أخلص عليه، قتل أختي اللي ماليش غيرها في الدنيا.
...
الرائد محسن قدر ياخده على جنب عشان متحصلش كارثة، وأنا قربت من مسعد وقلتله:
- قتلت مراتك وعيالك ليه؟!
= مش أنا... الجن هو اللي عمل كده فيهم.
- آه، هنبتدي شغل الجنان؟! أنا كنت عارف إنك هتقول كده من أول ما شوفت الكتاب اللي فوق عندك، وكنت هسألك عليه، وعاوز أعرف جبته منين؟
= اشتريته... كان بيتباع في سور الأزبكية في القاهرة.
- سور أزبكية إيه؟! الكتاب ده مفيش منه غير نسخة واحدة في العالم، وكل النسخ اللي بتتباع على الأرصفة دي مضروبة. فالأحسن ليك تسيبك من الكلام الفاضي اللي إنت بتقوله، وتحكي الحقيقة. قتلت مراتك وعيالك ليه يا مسعد؟
= مش أنا... الجن طلب مني إنها متشغلش قرآن. القرآن بيأذيهم، بس هي كانت مش بتسمع الكلام. لو سمعت كلامي كان زمانها عايشة.
- لو بتعمل كده وبتدعي الجنون عشان تفلت من الجريمة، أنا بقولك انسى، ومش هيحصل... العب غيرها.
...
وفي اللحظة اللي أنا بتكلم فيها، كانت رجالة الإسعاف بتنزل الـ3 جث.ث عشان يتنقلوا للمشرحة. في اللحظة دي مسعد انهار من العياط، وكان بيحاول يفك نفسه، وفضل يتنطط مكانه وهو بيصرخ وبينادي على مراته وعياله.
مش عارف ليه كنت مصدقه... حاسس إنه عمل كده وهو مجبر، ولكن الموضوع مش بسبب جن. الموضوع أكيد أكبر من كده.
وكان متوقع كلام دكتور الطب الشرعي، اللي من خلال الفحص المبدئي كان صعب يوضح أي حاجة، خصوصًا إن الجث.ث اتشوهت، ولكنه قال إنهم اتقتلوا الأول بسكينة قبل ما الشقة تولع بيهم.
أما بالنسبة لموضوع البصمات، فده كان شبه مستحيل. النار كانت محت كل حاجة في المكان.
ولكن في النهاية إحنا عندنا جاني ومجني عليهم، ولقيناه خرج قدام الناس كلها وهو ماسك سلاح الجريمة، وعليه بصماته، يعني الموضوع منتهي. وسواء اعترف هو عمل كده ليه أو لا، ففي النهاية القضية بتاعتنا متقفلة.
ولكن رغم كده، أكيد هنعمل تحرياتنا عن الجاني والمجني عليهم عشان نعرف الأسباب اللي مسعد قتل عيلته بسببها، وأكيد هنلاقي أسباب غير موضوع الجن ده، اللي أنا مكنتش مقتنع بيه، ووكيل النيابة سامح صقر كان موافقني الرأي.
وبعد ما الرجالة خلصت شغلها، اتحركنا على المكتب ومعانا المتهم، واتنقلت الجث.ث للمشرحة، واتقفلت الشقة واتشمعت بالشمع الأحمر.
...
ولكن وإحنا في الطريق اتكلم معايا الرائد محسن وقال:
- حضرتك مش بتقتنع بموضوع الجن، ولا عشان الكتاب ده مضروب؟!
= بص يا محسن، الجن مذكور في القرآن، وأكيد أنا مؤمن بوجوده، وأقدر أقولك إن ابن خالي معتصم قرا في كتاب من الكتب اللي ليها علاقة بالجن، بس الكتاب اللي قراه كان حقيقي، مش مزيف أو مضروب.
تعرف يا محسن ابن خالي ده فين دلوقتي؟
- فين يا باشا؟!
= في مستشفى الأمراض النفسية في العباسية. بيتعالج على إنه مريض نفسي، ولكن في الحقيقة هو اتلبس أو اتمس، وكان بيقول إنه بيشوف الأموات في سن الشباب، وكانوا بيجوا يقعدوا معاه ويتكلموا ويهزروا ويضحكوا. ولما الموضوع زاد عن حده، اترمى في المستشفى، ومن يومها مخرجش.
لكن كتاب شمس المعارف اللي كان موجود في بيت مسعد أكيد نسخة مضروبة. ده بيقول إنه جايبها من سور الأزبكية. تخيل إن كتاب بالقيمة دي هيتباع في سور الأزبكية؟! أكيد الموضوع حجة عشان يدعي بها الجنون ويقدر يفلت من حكم الإعدام اللي مستنيه، والتحريات هتوضح كل حاجة.
...
خلصت كلامي مع الرائد محسن، واللي شكله كان أول مرة يعرف الكلام ده، ووصلنا المكتب عشان نبدأ التحريات مع فريق البحث الجنائي.
وبعد 48 ساعة ظهرت التحريات، ولكن وقتها أنا كنت بره المكتب، كنت في المشرحة، وده بعد ما عرفت إن الدكتور اللي هيشرح الجث.ث هو الدكتور سليمان، صديق عمري، والصدفة إنه مؤمن أوي بموضوع الجن، وفي ناس من زمايله بيقولوا عليه مهووس.
دخلت المشرحة من غير ما أخبط، فلقيته رفع عينه وبص عليا واتكلم وقال:
- المرة الجاية يا ريت تخبط يا حضرة الظابط... احترم الأموات عشان يحترموك.
= والله واحشني جنانك، إنت فين يا عم؟!
- موجود، وعرفت إن إنت اللي ماسك القضية، وكنت لسه هكلمك، بس تقول إيه... سبقتني.
= لا، والصدفة إنك تكون المسؤول عن التشريح في قضية الجاني فيها بيقول إن الجن هو اللي عمل كده. شكل الموضوع مش صدفة؟
- إنت عمال تهزر كتير من ساعة ما دخلت، بس أنا عاوز أعرف إيه المانع؟ ما يمكن فعلًا اللي قتلهم هو الجن.
= آه... ما أنا لو هتناقش معاك في الموضوع ده مش هنخلص. إذا كنت إنت مقتنع إني لو مخبطتش على الباب الأموات هيقوموا ويأذوني، وإني لازم أستأذن، وكلام غريب كده. ده غير إن الجث.ث بتديك إشارات. مش عارف الأفلام أثرت على دماغك ولا إيه؟!
- سعد، إنت جاي عشان تنظر عليا؟! بعد إذنك ارجع على مكتبك وسيبني أشوف شغلي.
= حاضر، بس تنجز في التقرير شوية ها... عاوز آخد الإجازة بعد ما أخلص من أم القضية دي.
...
سبته وخرجت، ورجعت على المكتب. وفي الوقت ده لقيت الرائد محسن مستنيني بملف التحريات، واتكلم وقال:
- التحريات اللي موجودة غريبة شوية. مسعد كان بني آدم طبيعي جدًا، وشغال في مصنع ملابس. ده غير إنه كان بني آدم مثقف وبيحب القراية، ده كمان كان بيجهز رواية وعاوز ينزل بيها في معرض الكتاب، يعني بني آدم فاهم وواعي.
ولكن كل الكلام ده اتغير من شهر فبراير اللي فات، يعني من 6 شهور. الناس في الشغل قالت إن مسعد بيكلم ناس مش موجودة، وبيدخل الحمام وبيطول بالساعات، والناس بتسمعه بيصرخ.
وده اللي خلى المدير بتاعه يديله إجازة عشان يريح أعصابه، رغم إنه كان رافض.
أما عن حياته مع مراته وعياله، فتحولت 180 درجة، من شخص كان عايش حياة سعيدة، لشخص كاره لصوت القرآن والأذان، وبينبه على مراته باستمرار: "بلاش تشغل قرآن في البيت"، ولكن مراته كانت بتشغل.
وكانت بتلاحظ هي كمان إنه بيكلم ناس مش موجودة، وحكت كل الكلام ده لأخوها ووالدتها.
ولكن الموضوع مش بس كده... في عداوات أكيد، وفي مشاكل كبيرة في حياة مسعد.
...
وقفت الرائد محسن لما تليفوني رن برقم غريب. رديت، واللي كان على التليفون معايا عامل في المشرحة، كان صوته بيترعش، ومش عارف جاب رقمي منين. لكن الخبر اللي قاله في التليفون خلاني نزلت من المكتب جري على المشرحة، وأول ما وصلت هناك لقيت...
