رواية طلبية كتب الفصل الأول بقلم سيرين محمد
ــ منكم لله يا عيالي حسبي الله ونعم الوكيل فيكم دايما كدا رافعين ليا الضغط منكم لله
كنت اجلس داخل غرفتي ولكنني استمعت الى صوت امي وهي تصرخ بغضب تتحسر على حظها ، ثانيه اثنان والصوت يقترب إلى غرفتي !
وبالتأكيد ستوبخني على شيء فعلته ، نهضت من ذلك الكرسي الذي اجلس عليه وفررت هاربةً إلى الفراش كي اتظاهر بالنوم.
فُتح الباب على مصراعيه ودلفت امي وهي ما زالت تصيح:
ــ قومي قومي منك لله يا آخرة صبري كل اسبوع اوردرات اوردرات وياريتها على حاجه نافعه! لا
على شوية ورق منكم لله انا لو فضلت اكتر من كدا هيجرالي حاجه ، والله لاسيبلكم البيت وامشي وماحدش هيعرفلي طريق.
ماذا؟ "اوردر" ؟!
بالتأكيد وصلت الطلبية
نهضت والفرحة تلوح على وجهي ، وقفت على الفراش وبدأتُ بالتهليل كـ الصغار عند مشتريات الحلوى.
ــ ياااه واخيرا ده انا مستنيه الاوردر ده بقالي اسبوع ياست الكل متخيله؟!
ــ منك لله يا شيخه انتِ وأخوكي عايزين مني ايه ها؟؟ عايزين ايه؟ واحد كل شوية ياخد متين جنيه وينزل يصيع مع الصيع زمايله والتانيه كل يوم والتاني تروح تجيبلي اوردر ادفع فيه شيء وشويات على حبة ورق.
ــ ورق؟؟ انتِ بتسمي الكتب والروايات اللي بقرأها ورق؟ لا لا كدا كتير كدا كتير انا عايشه مع ناس يعني ... استغفر الله مش عايزه اغلط عشان انتِ امي بس.
انحنت وهي تخلع الخُفّ من قدميها وتلقيه في وجهي وتصيح:
ــ لا اغلطي والنبي اغلطي كدا و وريني عشان تشوفي هعمل فيكي ايه ، بس هنقول ايه؟ ما انا اللي ماعرفتش اربي.
ــ بقولك ايه بس كدا المندوب كلمك؟
نظرت لي ثم ألقت بهاتفها على الفراش وهي تستدير إلى خارج الغرفه:
ــ امسكي يا هانم اهو على الزفت التلفون اهو
ثم أغلقت الباب وراءها وهي ما زالت تصيح وتهتف بـ كلماتها الشهيرة:
منكم لله يا عيالي والله لاسيبلكم البيت وماحدش هيعرفلي طريق.
نظرت إلى الباب وانا
أتحدث:
ــ وفي الاخر بتروحي لخالتي مديحه لا حول ولا قوة الا بالله.
ثم وجهت نظري إلى الهاتف المُلقى على الفراش ولكن ... مهلاً ..
الهاتف يصدر صوتاً !
ماذا ؟ مكبر الصوت مفتوحاً ! هذا يُعني ان المندوب استمع الى ذلك الحوار الذي دار بيني انا وامي ...
أمسكت الهاتف بيدين مرتعشين من هذا الموقف اللعين الذي وضعتني امي به ولكني انتفضت حين استمعت إلى صوته:
ــ ماهي اكيد المرادي هتغير ماهو مش كل شوية خالتي مديحة يعني مره عند خالتك مديحة المره اللي بعدها عند خالتك فوزيه اللي بعدها عند سعديه واهي ماشيه.
ــ احم انت بتقول ايه يا جدع انت؟ انت كنت بتتسنط علينا؟؟
تحدث بـ انفعال طفيف:
ــ اتسنط ايه بس هو انتم خليتوا حد يتسنط عليكوا انتوا ما شاء الله مش محتاجين ده الشارع اللي انتوا فيه والشوارع المجاورة سمعوا خناقتكوا.
وهُنا تملك الاحراج مني تحدثت بـ توتر نتيجة هذا الموقف السيء:
ــ احم طب حضرتك فين دلوقتي عشان اجي استلم؟
ــ انا تحت البيت وياريت بسرعة عشان في ناس تانيه مستنيه.
ــ تمام.
هكذا تحدثت ثم أغلقت المكالمة ونهضت كي اتجهز.
بعد قليل ، خرجت من الغرفه ولكنني وانا اغلق الباب إذ بي أتلقي صفعةً قوية على رقبتي من الخلف وبحركة لا إرادية وضعت يدي عليها بـ الم ، التفت وانا ملامحي لا تُبشر بالخير و كـ العادة كان هذا اخي "سليم" تبسم بـ سماجةٍ وهو يتحدث:
ــ يلا يابت انجري اعمليلي شاي
ــ شاي في عينك يا حيوان ، اقسم بالله لـ قايله لبابا هه ما انا مش الفليبينيه اللي جيبهالك الست الوالده.
وفجأة تلقيت صفعةً أخرى ثم تبسم مجدداً:
ــ خلصتي؟ يلا يا بيبي روحي اعملي الشاي.
ثم ذهب من أمامي ، دققت الأرض بـ قدمي ثم توجهت إلى "المطبخ" لكي افعل ما يريده فـ إذا نطقت سيتحدث عن فضائحي الى
"امي"
وكـ عادتها لم اسلم من توبيخها وجملتها الشهيرة:
"منكم لله يا عيالي والله لاسيبلكم البيت وامشي وماحدش هيعرفلي طريق"
مر عدة دقائق وانا اقف امام ابريق الشاي انتظر غليان المياه ، قاطع الصمت صوت رنين الهاتف نظرت إليه وكان هو .. "المندوب"
ــ الو.
ــ ايوا يا آنسة حضرتك أتأخرتي وفي ناس كتير مستنيه
ــ خمس دقايق بالكتير والله واكون عندك ما تقلقش
أغلقت الهاتف ثم خرجت من المطبخ وتوجهت الى باب المنزل بدون ان يراني "سليم"
نزلت من على السُلم حتى خرجت من العمارة ، التفتت حولي حتى رأيت عربة سوداء وامامها يقف شاب في أواخر العشرينات ينظر إلى ساعة يده ثم رفع نظره من عليها ونظر حوله لعل وعسى يلتقى بي.
أشرتُ إليه ثم ذهبت له وانا اعبر الطريق ولكن فجأة ظهرت أمامي شاحنة كبيرة تمشي بسرعة فائقة ، وهُنا رسخت قدمي بالأرض لم اقوَ على التحرك .. فقط انظر إلى الشاحنة التي تأتي نحوي !
نظر نحوها بدهشة ، هرول نحوها حتى وصل إليها ثم امسكها من يديها وهو يسحبها له ويركض بها ، حتى وقع على الرصيف وهي بجانبه وامامهم تمر الشاحنة.
تلك الصدمة الجمت لِسانها لم تتحدث فقط تنظر أمامها بدهشة وذهول ، تحدث وهو ينهج:
ــ انتِ كويسة يا آنسة مش تاخدي بالك؟
كنت احدق امامي فقط وعيناي تكاد تخرج من مكانهما ، تحدث مجدداً:
ــ بعد كدا خدي بالك انا مش هطير يعني.
رفعت نظري إليه ثم تحدثت بـ همس:
ــ فين الاوردر؟.
ــ طب قومي.
جاوبني بهذا ثم نهض وذهب إلى العربه فـ نهضت انا أيضاً وذهبت معه ، أخرج كرتونة بحجم كبير ثم أخرج ورقة وبيده قلم وتحدث:
ــ امضي هنا
مضيت بيدين مرتعشتين قرأ الاسم بصوت مسموع:
ــ ورد احمد.
ثم رفع نظره لي وتبسم وهتف:
ــ اسمك جميل يا ورد خدي بالك بعد كدا.
ثم دلف إلى العربة وتحرك من أمامي وانا لا استوعب اي شيء يحدث ، نظرت أمامي بـ بلاهه وتحدثت:
ــ هو انا اتجننت ولا ايه؟ انا هاخد وضع الصامت ده كتير؟
ثم مشيت حتى بلغت العمارة وصعدت ، بعد قليل كنت افتح باب المنزل ولكنني استمعت إلى شجار عنيف بين امي وسليم كـ العادة ، لم اهتم كثيراً.
دلفت واستمعت إلى سليم وهو يخرج من المطبخ ويصيح:
ــ اهي الهانم شرفت اهي ، تعالي يا استاذه سايبه البراد على النار ونزلالي؟ والغاز ده يا هانم اللي بيروح على الفاضي؟!
ــ بس يالا انا مش طايقه خلقتك يلا مشي من قدامي.
اقترب مني وكـ عادته صفعني على رقبتي من الخلف ، وضعت يدي عليها بـ الم وانا اصرخ:
ــ يووه يا ماما تعالي شوفي البلوه اللي انتِ جيباهالنا دي الا هي ناقصه قرف؟
خرجت امي من الداخل وهي تصيح:
ــ يارب عوض عليا عوض الصابرين يارب، منكم لله يا عيالي والله لاسيبلكم البيت وامشي وماحدش هيعرفلي طريق.
تحدثت بـ انفعال طفيف:
ــ يارب صبرني انا ، اهو بكره هتجوز وانا اللي هسيبلكم البيت وامشي وهتبقوا هتموتوا كدا عشان تشوفوني.
هتف سليم بسخرية:
ــ الواحد هيرتاح اقسم بالله وهيشم نفسه، يلا يابت انجري من قدامي جتك القرف.
دققت الأرض بـ قدمي ثم توجهت إلى غرفتي وأغلقت الباب من خلفي وجلست وانا اتفحص الكرتون وداخلي حماسٌ شديد لاتفقد الكُتب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الليل كنت جالسه بـ غرفتي كعادتي اتفحص بعد مواقع التواصل الاجتماعي ولكن اتت لي رساله من تلك المكتبة التي اجلب منها الكُتب وكانت صاحبة تلك المكتبة صديقتي لقد تعرفت عليها عندما بدأت طلبياتي تزداد من المكتبة.
كان محتوى الرسالة:
ــ انتِ يابنتي عملتي ايه النهارده؟ ده حمزة اخويا من ساعة مادخل البيت وهو مش مبطل ضحك.
كانت تحتوي على بعض الملصقات المضحكة، قرأتها بغرابة شديده من هو حمزة؟ وماذا فعلت اليوم؟
كتبت لها:
ــ مين حمزه ده؟ وانا عملت ايه؟ انا مش فاهمه حاجه يا نور.
أتاني الرد منها بسرعة:
ــ يابنتي حمزة اخويا ، المندوب اللي وصلّك الاوردر النهارده ماهو انا مابقتش اتعامل مع الشركه بتاعت الشحن دي تاني عشان هما نصابين فـ استغليت ان حمزة اخويا عنده عربية ومكان شغله قريب من بيتك فـ بعته النهارده هو يوصلّك الاوردر لحد ما اشوف شركة شحن كويسه.
هكذا وضحت الرسالة، كتبت لها بـ انفعال طفيف:
ــ وهو أستاذ حمزة بيضحك عليا ليه؟ شايفني اراجوز؟.
سجلت لي رسالة صوتيه وبعد ثوانٍ وصلت لي فتحتها وانا استمع الى ضحكاتها العالية بشدة وتهتف بينها:
ــ يابنتي مش قادره امسك نفسي من الضحك والله! هو كان بيضحك على الاسبيكر لما مامتك سابته مفتوح وعلى التريلا اللي كانت هتخبطك النهارده وانتِ فضلتي واقفه ، هو في حد يبقا هيعمل حادثة ويفضل ثابت مكانه مش
بيتحرك؟
لا ومش كدا وبس ده كان بيقولي انا مستحيل اروح عند الناس المجانين دي تاني عشان هيطيروا برج من عقلي ، وقاعد من ساعتها بيضحك على طنط مديحة قال إنها خالتك باين.
همهمت وانا استحدث داخلي:
ــ لا والله؟ نازل ضحك اوي كدا عليا انا وامي؟ وبيقول عليا مجنونه وهطيرله برج من عقله! لا ورايح يحكي للهانم نور كمان؟! طب والله لاوريك وانا وانت والزمن طويل.
سجلت لها مقطع صوتي وأنا أتحدث:
ــ طب بقولك ايه يا نور فكك من اخوكي ده واعمليلي اوردر كمان عشان نسيت اطلب في الاوردر ده كتابين ف عوزاهم ، وآه خلي اخوكي هو اللي يوصلي الاوردر تمام.
ثم أغلقت الهاتف وانا انظر أمامي واتحدث:
ــ بقا واخدني اضحوكه؟ وبتقول اني مجنونه ! لا ومش كدا وبس ده انت بتتريق على خالتي مديحة؟!!
والله لاوريك النجوم في عز الضهر عشان تبقى تضحك عليا انا وعيلتي تاني.
