رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل الاول
فى منزل فخم من تلك المنازل العريقة بالأسكندرية القريب من الشاطئ
بـ غرفة خاصة مُجهزة بكل المعدات والأجهزة الطبية التى يحتاجها ذلك العجوز... الراقد فوق فراش طبي...
نزع عنه قناع الأوكسجين نظر الى ذلك الجالس يتحدث بنهجان:
أنا متأكد إنها هتجي المرة دي قلبي حاسس هشوفها قبل ما أسلم أمانتي..يا "نصر".
إنحني ذلك الكهل على يده وقبلها بإحترام قائلًا:
ربنا يطول فى عمرك يا بابا... إنت كلمتها بنفسك وأنا كمان متأكد إنها هتجي لزيارتك، بلاش تجهد نفسك.
وضع قناع الأوكسچين على فمه سحب نفسًا ثم أزاحه قائلًا:
كانت غلطة اللى بطلبه من ربنا يطول عمري بس لحد ما أقابلها، الحق لازم يرجع لصاحب الحق.
تنهد نصر بآسف قائلًا:
عمرك ما كنت ظالم يا بابا، ومتأكد إنها مستحيل تشيل فى قلبها منك.
أومأ العجوز برأسه قائلًا:
كانت غلطة إنها تسافر أساسًا فكرتها مسألة وقت قليل وهتروق وترجع..لكن خمس سنين كتير،كتير أوي.
تنهد نصر بآسف موافقًا...بينما العجوز شرد فى صوت عصفور قريب من زجاج شُرفة تلك الغرفة..سحب جزءًا من الأوكسجين وتبسم بأمل..ثم أزاح القناع عن فمه سائلًا:
فين"أديم".
أجابه نصر:
مش عارف،بس أكيد بيتابع الشغل.
تفوه العجوز:
وصلني إنه بقي عصبي...وده غلط،المفروض يتعامل بهدوء.
تنهد نصر قائلًا:
للآسف فعلًا بقي عصبي أوي،رغم حذرته كتير إنه يهدى ويوازن بالعقل،لكن معرفش مكنش كده،إتغير من فترة،حتى خطيبته فسخ الخطوبة بدون سبب ولما سألته راوغ وقال ده الأفضل دلوقتي هو مش بيفكر فى الجواز.
أومأ العجوز قائلًا:
أحسن قرار خده فى حياته، مش دي اللى تكمل معاه، دي زي مامتها بتاع مظاهر.
أومأ نصر موافقًا يقول:
لا أنا ولا مامته إدخلنا، هو قال هخطب "كارلا" وهو اللى قال فسخت الخطوبة.
تنهد العجوز يشعر بأسي قائلًا:
أديم بيشبهني كتير حتى فى نفس الأخطاء اللى وقعت زمان فيها.. بس أنا حاولت أصلح أخطائي هو كمان لازم يعترف بأخطاؤه عشان يعرف يصلحها قبل فوات الآوان
❈-❈-❈
بأحد موانئ الاسكندرية
نفث دخان سيجارته ببطء، ثم ألقى بعقب السيجارة أرضًا ودهسه بحذائه الجلدي، قبل أن يرفع عينيه نحو ذلك الواقف إلى جواره، والذي كان يرتجف خوفًا..تحدث بصوت غاضب يحمل من البرود أكثر مما يحمل من الصراخ:
إيه اللى معطل الشغل هنا.
ابتلع العامل ريقه بصعوبة وأجاب بتلعثم:
يا... يا باشا، مفيش تعطيل، حتى العمال...
قاطعه بقبضةٍ هوت على الطاولة المعدنية المجاورة، فاهتزت بعنف، ثم اقترب منه حتى أصبح وجهه لا يفصله عنه سوى سنتيمترات.
العمال... العمال عاملين إضراب ولا إيه.
ارتجف العامل أكثر وهو يهمس:
لاء حضرتك اللى وصلك غلط..
تهكم قائلًا:
فهمني الصح.
أجابه بتوضيح:
حضرتك عارف إن الشركة كانت تابعة لشركة تانية، ولما سيادتك إشتريت الشركة العمال كان عندهم أمل تسمع مطالبهم، الشركة التانية كانت ظالمة فى مرتبات العمال كمان ساعات العمل فى الشحن والتفريغ كانت غير محدودة بدون أي تقدير مادي.
جذب سيجارة أخري وأشعلها، نفث أول نفس ثم تفوه بنزق:
والمطلوب إيه.
برجفة أجابه العامل:
مطالبهم بسيطة زيادة المرتبات وتخفيف...
نفث دخان السيجارة ببطء، ورسم على شفتيه بسمة باردة لا تحمل سوى السخرية، ثم قال بنبرة هادئة زادت الموقف رهبة:
وإيه كمان مش عاوزين أعمل لهم قهوة وأفرش لهم سجادة حمرا يمشوا عليها.
أطرق العامل رأسه وهو يتمتم بخوف:
يا "أديم" باشا... هما مطالبهم بسيطة.
ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح، ثم استدار ناظرًا إلى السفن الراسية بالميناء وقال:
اسمع... أنا بدفع علشان مفيش حاجة تقف في وشي... لو حد نسي دوره، فكره... ولو افتكر نفسه أكبر من شغله، يبقى يتشال من الطريق... اسمعني كويس... قدامك أربعة وعشرين ساعة،الكلام الفارغ بتاع العمال ده ينسوه... وإلا سُفن البحر اللي واقفه قدامك دي...هشغلها وقبلها هستبدلهم بعمال تانين.
-بس حضرتك...
قالها العامل بتوتر يحاول الوصول إلى حل يرضي العمال ..
لكن نظر له أديم نظرة تحذيرية كفيلة جعلته يصمُت مستسلمًا...تنحنح العامل قائلًا:
أوامرك يا باشا، هبلغهم بقرارك، واللى عاوز يكمل تمام، واللى معترض هصفي مستحقاته.
أومأ له برأسه دون رد، إنصرف العامل، بينما ظل هو واقفً ينظر نحو السُفن الراسية، للحظات قبل أن يقطع نظره صوت رنين هاتفه..
أخرجه من جيبه ثم نظر الى الشاشة، زفر نفسه ولم يُفكر بالرد، بل إكتفي بوضع الهاتف على خاصية عدم الإزعاج، ثم عاود وضعه بجيبه بلا مبالاة.
❈-❈-❈
على الجانب الآخر، بأحد مناطق الأسكندرية الراقية... بشقة ذات مساحة كبيرة...
ألقت الهاتف على طول ذارعها سقط فوق الفراش، ثم تفوهت بغضب:
حتى مش مستعني يقفل الاتصال.
بنفس الوقت دخلت عليها سيدة فى منتصف الخمسين من عمرها لاحظت غضبها وحديثها المتهجم تفوهت ببرود:
فى إيه يا كارلا... إيه اللى مضايقك أوي كده.
نظرت لها وتنهدت بغضب:
هو فى غيره هو اللى مضايقني...
أديم القصاص عنده برود وعدم إهتمام إنه حتى ميردش ولا يفكر يقفل الخط.
نظرت لها والدتها قائلة:
طب وإيه الجديد هو كده طول الوقت حتى لما كنتم مخطوبين رسمي.
هزّت كارلا رأسها بعصبية، ثم جلست على الفراش تهز ساقيها بعصبية تزفر نفسها بحرقة قائلة:
عارفة... بس وقتها كان على الأقل بيرد بعدها، أو يكلمني آخر اليوم.. دلوقتي بقى ولا كأني موجودة في حياته.
اقتربت والدتها بخطوات هادئة، وجلست على المقعد المقابل لها، ثم قالت بنبرة يغلفها شيء من الواقعية:
إنتِ عارفه أديم عمره ما كان راجل من النوعية اللى يجري ورا ست.
انعقد حاجبا كارلا وهي ترد بغضب :
أنا مش قادرة افهم شخصية أديم... هو اللى طلب فسخ الخطوبة... وقال إن كل همه شغله وسفنه، حتى وأنا خطيبته كنت باجي بعد الشغل في ترتيب أولوياته... مرضتش أعارضه وقولت مسألة وقت وهيرجع يطلب نرجع من تاني، لكن أهو مر شهور... وأنا بحاول مغبش من قدامه عشان يمكن أقدر أسيطر ونرجع تاني، لكن عنده برود.
ابتسمت والدتها ابتسامة خافتة، لكنها حملت شيئًا من السخرية:
وهو اللى خلق أديم مخلقش غيره، بيتقدملك شباب...
قاطعته كارلا بغضب:
كلهم مش نفس مستوى أديم... كمان اكتشفت إنه الوحيد اللي كنت حاسة معاه بالأمان... يمكن كان بارد بس له سطوة كبيرة.
تنهدت والدتها بعمق، ثم قالت بحزم:
الأمان وحده مش كفاية، كمان الحب وأديم دلوقتي هو المسؤول عن شغل العيلة،جده مريض وباباه مرافق له .. لو ذكية إدخلى من المنطقة دي، مرض جده، يمكن لما يلاقيكي مهتمه بيه، يرجع تاني.
رفعت كارلا رأسها بسرعة، وقد لمعت عيناها بإصرار قائلة بتأفُف:
ده اللى ناقص كمان اقعد جنب جده اللى بيينازع مع المرض.. مش عارفة متبت فى الدنيا.
نظرت لها والدتها قائلة:
إتنازلي شوية، عشان تكسبي بهعدين.. كمان تكسبي ثقة مامت أديم...
توقفت للحظة تشعر بحقد وعادت تتفوه:
زمان كان والد أديم وباباكِ أصحاب... بس باباكِ كان فقري كان تابع له عُمره ما فكر يعمل لنفسه كيان خاص بيه، يعلي من إسمه، كان راضي يبقي مجرد موظف عنده ينفذ أوامره، ولما مات سابنا بالمرتب اللى هما بيتفضلوا علينا بيه، لو بالحق، باباكِ كان ميقلش عنه سطوة ونفوذ، بس أقول إيه ياما نصحته... كمان مات فجأة كل اللى سابه لينا الشقة دي، عارفة أوقات بحس بضيق تنفس لما بكون فى النادي وأسمع أحاديث الزباين، أنا أجمل من "درية" بس هي اللى فازت بكل اللى كان من حقي لعبت على نصر بسهوكتها..
توقفت تنظر لـ كارلا ثم تفوهت بتحفيز وتحذير:
متبقيش زيي، اللى خلاكِ قدرتي تخلي أديم يخطبك مره سهل ترجعيه تاني، وإسمعي كلامي شوية تنازل فى سبيل الوصول لـ أديم متأكدة هيبقي لهم أثر كبير، من أنك تطارديه بمكالمات الموبايل، لازم تحاوطيه تبقي قدام عنيه وقريبة منه، يشوفك دايمًا قدامه.
تنهدت كارلا بنرفزة قائلة بإستسلام:
مع آني بكره الراجل العجوز ده، وبحس هو كمان بيبادلني نفس الشعور فاكرة يوم حفلة الخطوبة كان مكشر وحزين، زي اللى مات له عزيز بس مُضطرة أمثل وأتحمل، عندي مساچ فى النادي وبعدها هروح أتحجج بالزيارة يمكن يكون قديم رجع من الشغل وأقابله.
❈-❈-❈
بـ مطار بُرج العرب بالأسكندرية
كان صوت المذياع الداخلي يّعلن عن وصول تلك الرحلة القادمة من "روما"
بمدرج الطائرات.. بعد ان ترجلت من الطائرة وقفت قليلًا تستنشق الهواء...حتى تشبعت رئتيها، زفرت نفسها قائلة:
رجعت تاني يا إسكندرية، فعلًا هواكِ مش زي أي هوا... كل مكان هنا وحشني، بس في مكان لازم أروحه الأول.
بعد قليل بداخل المطار تبسمت وهي تُشير بيدها لتلك المرأة التى إستقبلتها بعاطفة جياشة،قائلة:
وحشتيني أوي يا حبيبتى.
تبسمت وهي تضمها قائلة:
دول هما شهرين يا ماما،إنتِ كنتِ عندي فى روما.
تبسمت والدتها وعادت تضمها بحنان..قطع ذلك صوت أجش يرحب بها...رفعت رأسها ونظرت له وتبسمت قائلة:
"فارس" مكنتش متوقعه أشوفك النهاردة.
تبسم وهو يمد يده لمصافحتها قائلًا:
عرفت صدفة من طنط وقولت لازم أستقبلك فى المطار.
تبسمت بهدوء وهي تشعر بغصة،ربما أرادت أن يستقبلها شخصًا آخر أكتر قُربً منه لكن بالتأكيد كعادته مشغول بملذاته التى لا تعرف الى أين وصل الآن،نفضت ذلك قائلة:
أنا أساسًا مش مطولة هنا فى إسكندرية وهرجع روما تاني، زيارة عالسريع كده.
إبتسم فارس قائلًا:
وإيه سبب الزيارة السريعة دي.
نظرت لوالدتها التي أجابت بدل عنها:
بلاش الوقفه كده فى المطار، المكان زحمة ودوشة.
تبسمت بهدوء قائلة:
فعلًا.
بينما عرض فارس:
عربييتي فى الجراچ بتاع المطار..
قاطعته:
كويس تاخد ماما والشنط وأنا عندي مشوار مهم لازم أروحه وهبقي أرجع بـتاكسي.
كاد يسأل لكن هي لم تُخبره..والتزمت الصمت إستسلم لذلك وغادر مع والدتها، بينما هي أخذت سيارة أجرة...
تسير بها بين أرقة الأسكندرية، تعود ذاكرتها تنتعش باحداث وأماكن مازالت تحتل مكانة فى قلبها .... الى أن وصلت أمام ذلك المنزل الفخم
ترجلت من السيارة وقفت أمام الباب الخارجي الذي سُرعان ما إنفتح لها...دلفت تبتسم تسير بالممر تنظر الى تلك الخديقة تتذكر حلوي ذلك العجوز الذي كان يُعطيها لها،شغبه معه حديثه المرح بأنه سيمنعها من الدخول،لكن هي تتشاقي عليه وتمرح حوله وهو سعيد بذلك،كأنها حفيدة حقيقية له.
دخلت الى الداخل إستقبلتها إحد الخادمات تبسمت لها قائلة:
جدو "نبيل".
إستغربت الخادمة من نُطقها قائلة:
إنتِ مين.
نظرت لها قائلة:
أوضة جدو نبيل اللى على التراس.
إستغربت الخادمة من ذاك...لم تهتم بها وصعدت رغم محاولة الخادمة معرفة من تكون،لكن صمتت الخادمة حين فتحت باب غرفة العجوز وتفوهت بمحبة وإشتياق:
جدو نبيل.
إستغربت أكثر من رد ذاك العجوز:
قلب جدو نبيل...
قال ذلك وهو ينزع ذاك القناع عن وجهه حتى أنه حاول النهوض لكن ضعف جسده منعه توجهت نحوه سريعًا...إنحنت تُقبل وجنتيه ثم رأسه...
ضعفه زاد ودموع سيل من عينيه ينظر لها بلوم ثم ثقة قائلًا:
كده خمس سنين مفكرتيش فى جِدك تقولى انزل أشوفه وأطمن عليه،لو مكنتش كلمتك مكنتيش هترجعي إسكندرية.
إنحنت على يده تُقبلها قائلة:
صدقني الشغل كان واخد كل وقتي هناك...إنت وحشتني أوي أوي،وكنت بطمن عليك من أونكل نصر و...
تبسم الذي دخل يتحدث بمرح قائلًا بمفاجأة:
ياااه أخيرًا إتقابلنا تاني.
تبسمت له،إقترب منها ونظر نحو العجوز قائلًا بمرح:
كده يا جدي مش كنت تقولى رفيقة الدراسة هنا فى الڤيلا.
تبسم الجد قائلًا:
دي مش رفيقة دراستك...دي رفيقة قلبي،أتولدت وإتربت على إيدي أنا اللى أختارت إسمها زمان...كنت عاوز أسميها " سراب "
على إسم جدتها المرحومة أختى، لكن منه لله سليم قالي إسم قديم... وجاب إسم غريب كده وقال بنفس المعني بس مودرن.
تبسمت له قائلة:
"ريان" كمان كان بيقولى أخبارك يا جدو.
نظر نحو ريان وتبسم بإمتنان، ثم نحوها، قائلًا بنهجان:
سيبنا لوحدنا يا ريان.
تبسم ريان وضع إحد يديه حول عنقه قائلًا بمرح:
توزيعه دي عشان تنفرد بالموزة، عالعموم هسيبك معاها بس بلاش تتشاقي... هروح أخد شاور..
ضحكت كذالك الجد، عاد ريان الحديث لها:
متمشيش هوصلك، أهو نتكلم مع بعض شوية زي زمان،وناكل دُرة عالكورنيش، زي أيام الصياعة.
ضحكت وامأت برأسها بغصة، لكن ليس وقتها.
غادر ريان وتركهما معًا لحوار من الذكريات والعتاب على أعوام مرت كانا بعيدين..
أجزم نبيل داخله بأن لن يدعها تغادر من هنا مرة أخري، بل هنالك فكرة برأسه ستربطها هنا.
..... ــــــــــــــ
بعد قليل
شعرت بإرهاق نبيل وإمتثالها لغفوة... نهضت من جواره، ذهبت نحو باب الغرفة، وقفت لحظة تُلقي عليه نظرة قبل أن تُغادر... أغلقت باب الغرفة، سارت بالممر بنفس الوقت صدح هاتفها.. أخرجته من حقيبتها... تبسمت حين قرأت الرساله، أخفضت وجهها كي تُعيد الهاتف الى حقيبتها وهي تستكمل سيرها، لم تنتبه أنها إقتربت من السلم ودون إنتباة منها كادت تضع قدمها على الهواء، لكن هنالك من جذبها من خصرها قبل ذلك...
إلتفت بوجهها بنفس الوقت إنفك ذلك المشجب التى كانت تجمع به شعرها فإنسدل بنعومه يلف معها...
إلتقطت أنفاسها، مع وضع يدها على صدره العاري...
لحظات غائبة، همست:
أديم.
هو الآخر نطق إسمها بهمس:
"ميراچ".
ثم ساد صمت حتى بجسديهما كأنهما تجمدا مكانهم...
فاق من ذلك حين تنحنح ريان وتفوه بمزاح:
أسيبك مع جدي، على ما أخد شاور، أجي الاقيكي عالسلم إنت وأديم ومشهد عاطفي، كده تكسري قلبي... بغرام على السلم.
قالها ريان بطريقة درامية مرحة وهو يضع يده على قلبه بتمثيل.. فى التو إبتعدت عن أديم الذي إستهزأ من طريقة ريان الدرامية... ثم كاد يتحدث لكن توقف حين إقتربت من كارلا التي رأت ما حدث، شعرت بغضب وبُغض شديد وهي تقترب وتقف جوار أديم، نظرت نحو ميراچ قائلة:
ميراچ إمتى رجعتي إسكندرية.
نظرت لها ميراچ بسخافة قائلة:
رجعت النهاردة ومش مطولة عن إذنكم.
قالت ذلك وتفادت السير من جوار أديم وكارلا... لحقها ريان... بينما نظر أديم نحوهما ثم نحو كارلا التى إقتربت وكادت تمسك يده لولا ان رفعها بعيد... تنهدت قائلة:
كنت جاية أطمن على صحة جدو نبيل.
نظر نحوها قائلًا:
أكيد نايم دلوقتي.. أنا كمان راجع من المينا مُرهق هروح أخد شاور.
شعرت بغضب من طريقته الجافة لكن تحملتها قائلة:
هشوف فين طنط درية أسلم عليها.
أومأ لها بصمت وغادر، شعرت بغضب سحيق وهى تتفوه:
إيه اللى رجع الغبيه دي دلوقتي.. طبعًا العجوز له هدف، ربنا ياخده.
بينما فى غرفة أديم خلف تلك الشُرفة الزجاجية وقف يُنفث دخان سيجارته ينظر الى صعود ميراچ الى سيارة ريان، ألقي السيجارة ارضًا ثم سحقها أسفل حذاؤه.
❈-❈-❈
بعد أيام
كانت نهاية ذلك العجوز الذي ترك حُزنً كبيرًا في قلب كُل من حوله... رغم لم تنهي أيام العزاء... لكن طلب المحامي الخاص بناءًا على وصية خاصة منه أن يتم فتح وصيته قبل نهاية أيام العزاء
بداخل مكتب بالمنزل
كان نصر يجلس مع المحامي يتحدثان إنتظارًا لحضور الباقين أطراف الوصية...
دلف ريان من خلفه أديم، جلسا بصمت الى أن دلفت ميراچ وخلفها والدها...
استغرب اديم وريان ذلك، لكن لم يُعقبا على ذلك...
حتي فتح المحامي مُغلفً كبير تفوه بتوضيح أولًا:
دي وصية الحج نبيل القصاص.. والوصية مُسجلة بالشهر العقاري وعليها شهود.. ومعروف إن الحج نبيل كان بكامل قواة العقلية.. يعني مفيش تشكيك
ساد الصمت أرجاء المكتب فور انتهاء المحامي من حديثه، وانعقدت الأنظار عليه...
أكمل المحامي بنبرة مهنية ثابتة:
وبناءً عليه... أي اعتراض على تنفيذ الوصية مش بيوقف تنفيذها طالما مستوفية كل الشروط القانونية.
أخرج عدة أوراق مختومة، ثم اعتدل في جلسته قائلًا:
وأبدأ بقراءة وصية المرحوم الحاج نبيل القصاص.
فتح الورقة الأولى، وقرأ بصوت واضح:
"أنا نبيل عبدالسلام القصاص... بكامل إرادتي وقواي العقلية، أوصي بما هو آت..."
تباينت ملامح الجميع، تعالت صوت الأنفاس...
عاود المحامي الحديث:
أولًا... تظل جميع شركات وممتلكات مجموعة القصاص تحت إدارة حفيدي أديم القصاص، باعتباره الرئيس التنفيذي الوحيد للمجموعة، ولا يحق لأي شخص التدخل في قراراته الإدارية... فى حال قبول بقية بنود الوصية.
عقد والد ميراچ حاجبيه بضيق... وتفوه:
ممكن أعرف سبب إنك طلبت حضورنا قراءة الوصية ليه.
أجابه المحامي:
ممكن تنتظر.
تنهد بصبر وإستمع
واصل المحامي:
ثانيًا... أوصي بتوزيع تركته وكل ما يمتلك بنسبة ثلاثية بين كل من
أديم القصاص...ريان القصاص...
و..... ميراچ سليم البحيري ..ىنسبة متساوية بشرط.
صُعق أديم من ذلك وكاد يعترض لكن منعه نصر وهو ينظر الى المحامي كي يستطرد بقية البند قائلًا:
أوصي بمنح ميراچ سليم البحيري نسبة ثلاثون بالمائة من أسهم شركة الشحن البحري التابعة لمجموعة القصاص...
وقبل أن يكمل...
نهض أديم بعنف، وارتفع صوته لأول مرة:
إيه
والتفت العيون نحو ميراچ التي شحب وجهها هي الأخرى، مذهوله مما سمعته...
أما والدها، فقد أخفى ابتسامة انتصار سريعة قبل أن يعيد ملامحه الجامدة...
رفع المحامي يده طالبًا الهدوء، وقال بحزم:
لو سمحت يا بشمهندس .. دي لسه مش نهاية البند.
حاول أديم السيطرة على غضبه وهو ينظر نحز ميراچ بغضب ساحف...
عاد الهدوء نسبيًا من جديد، فأكمل:
لكن لا تنتقل تلك الأسهم إلى الآنسة ميراچ إلا بعد تنفيذ الشرط الذي اشترطه المرحوم بنفسه...
انعقدت الأنفاس داخل الغرفة...
رفع المحامي عينيه عن الورقة، ثم قال ببطء:
وهو... زواج أديم نبيل القصاص من الآنسة ميراچ البحيري مع شرط بقاء مدة الزواج
" عام كامل" ... وفي حالة عدم إتمام الزواج ، أو رفض أحدهما لبند الوصية تنتقل نسبة الأسهم الخاصة بـه الى الطرف الآخر كاملة.
ساد ذهول
قبل أن ينفجر أديم بغضب عاصف:
مستحيل... أنا مستحيل أنفذ الوصية دي...إزاي هتجوز أكتر واحدة بكرهها.
