رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثالث والعشرون بقلم رشا رومية
«المحاولة الأولى»
مهما سقطت عليك النهوض، كما لو أنك خُلقت لتبقى، كن صبورًا، كن فخورًا بما تنجزه ولو كان صغيرًا، فقد تعني وقفتك الكثير، فقد أتت بعد حروب داخلية، وصراعات قوية ربما لم يعلم عنها أحد.
ورغم وصولك للهدف أو محاولتك للإقتراب منه، لا تنسى أنه كانت هناك أول محاولة.
ليس ضروريًا أن تكون المحاولات كلها في طريق الصواب، فهناك محاولات بطريق الشر أيضًا، وتبدأ كذلك بالمحاولة الأولى، ربما تنجح وربما يحالفها الفشل، فلا تكن ساذجًا وتظن أن من لا يُؤذي لا يُؤذىَ، فربما تنجح إحدى المحاولات لهلاكك رغم أنك نجوت من المحاولة الأولى.
رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مستشفى الهلال المركزي...
بلهفة وقلق إستطاع "سامح" اللحاق بـ"فرح"، تلك التي أسرعت بالذهاب لمستشفى الهلال المركزي بتعجل حين أخبرتها الممرضة بأمر قصاصة الورق.
لكن مع سؤالها العفوي حين وجدت "سامح" لاحقًا بها بالمستشفى وهي تسأله (بتعمل إيه هنا؟!)، كانت إجابة "سامح" تبدأ بضحكة بعثت الراحة بداخل نفسه للحظات، لا يعلم هل تلك الضحكة هي لشعوره بالراحة بعد أن وجدها، أم أن سؤالها بالفعل سبب له الضحك ليجيبها:
- بعمل إيه هنا؟؟ أنا بشتغل هنا، إنتِ نسيتِ، إنتِ إللي بتعملي إيه هنا؟!! روحت لك المستشفى هناك قالولي إنك جيتي هنا، جيتي هنا ليه؟!
- جيت أسأل عن حد هنا الظاهر كده اني كنت جياله أصلًا من السويس، قولت يمكن يكون يعرفني، أو حد من قرايبي، أول ما "ريم" قالت لي على الورقه دي، جيت على هنا على طول ما قدرتش أصبر.
مدت "فرح" بقصاصة الورق تجاه "سامح" الذي نظر بها بتمعن ليقرأ الإسم المدون بها وهو يرفع عيناه بذهول يناظر "فرح" وهو يهتف بعدم تصديق:
- معقول ده، إنتِ جايه عشان عم "عزت"، ده إيه الصدفه دي!!! عم "عزت" لسه مسافر النهارده ألمانيا، ده حالًا كنت وصلته المطار.
بقلم رشا روميه
لقد بائت محاولتها الأولى للبحث عن نفسها بالفشل، لتتهدل ملامحها بإحباط شديد، فقد كانت تأمل أن هذا الرجل ربما يعرفها من قبل:
- سافر!!!!
يالها من مصادفة غريبة، فللقدر ترتيبات أخرى، ففى ذات الوقت الذي أدركت به إسم الرجل الذي جاءت لمقابلته، هو نفسه وقت مغادرته طائرًا نحو ألمانيا، كما لو أن ليس مقدر لهم التلاقي.
حزنها لفقدانها تلك الفرصة جعل "سامح" يشعر بمدى تأثرها، ليدعوها برفق:
- طيب تعالي معايا على مكتبي الأول وأنا حفهمك.
تحركت "فرح" برضوخ لطلبه لكن ضيقها بفقدانها تلك الفرصة جعلها تستاء للغاية لتأخيرها، فلو كانت علمت بذلك منذ ساعات قليلة لكانت إلتقت به، لكن يبدو أن القدر كلمة أخرى.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
خلف كل شخص قوي قصة حياة لم تمنحه أي إختيار، وحين تأتيك بأحلامك على طبق من فضة تتشكك وقتها أنك تستحق ذلك، وأحيانًا لا يمكن التصديق متوجسًا من مجهول سيأتيك يفقدك تلك السعادة بتحقيق ما كنت تتمناه.
رشا روميه
بفرحة طفلة صغيرة أخذت "ليلى" تنظر من نافذة الطائرة بإنبهار شديد وهي تتابع تحليق الطائرة فوق السحاب.
قوة غريبة وإحساس بالسعادة لا يمكنها وصفه وهي تشاهد السماء من فوقها والسحب بهذا القرب، إنها كالطائر الحبيس الذي إنطلق من محبسه للتو يرفرف بأجنحته يتلمس الهواء ليشعر بالحرية بعد أغلال عاش بها سنوات حياته بأكملها.
هل بهذه السهولة تتحقق أحلامها؟! تضاربت دقات قلبه بتوجس فكيف يأتيها كل ما تحلم به دفعة واحدة، ستسافر وتحقق ذاتها، ويتم علاج والدها، وأيضًا قربها من "نور" الذي إستطاع بسهولة إختراق حصن قلبها المنيع ليتربع على عرشه دون عناء.
كلها أمور جعلتها تتخوف، إنها غير معتادة على حياة اليسر والسعادة بدون مقابل، نكست عينيها للحظات وهي تتمتم بصوت غير مسموع:
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
إنها تدرك تمامًا أن هذا هو مدخل الشيطان للنفوس، هو من يفسد الفرحة بتلك الأفكار، يدب التخوف وقت السعادة ليفسد لحظاتها علينا، فيجب عليها الإستعاذة منه وحمد الله وشكره على تلك الهبة التي منحها لها وسببت لها كل هذه السعادة.
بقلم رشا روميه
نظرت لوالدها الذي إستكمل نومته بهدوء بعد إرهاق إجراءات السفر حتى صعودهم للطائرة، ثم رفعت سوداوتيها بنظرة خاطفة لهذا الجالس على الجهة المقابلة لهم يتصفح احدى المجلات التي أمامه.
منمق أنيق ساحر، إستطاع رسم تلك الإبتسامة البسيطة فوق ثغرها للحظات وهي تنظر إليه، لكن سرعان ما عادت لثباتها وأسندت رأسها للمقعد من خلفها تستمتع ببعض لحظات الراحة، أغلقت جفنيها بهدوء فبداخلها إحساس بأنه بداية من اليوم ستتغير حياتها نهائيًا.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
يوم حافل بدأ منذ هذا الصباح لهذا الطبيب الهادئ الذي يستعد اليوم لمرحلة جديدة إختارها بنفسه هذه المرة، جلس "نور" يتصفح إحدى المجلات كنوع من أقضية الوقت لا أكثر، لكنه لم يجد بها ما يجذب إنتباهه ليغلقها بتملل ويضعها بموضعها مرة أخرى.
أمر لا إرادي جعله ينظر يساره نحو تلك مغمضة العينين ووالدها، فرصة لا تأتي كثيرًا ليتعمق بملامحها دون أن تناظره بقاتلتيها اللاتي تسببان الإرتباك له.
بسمة هادئة وقعت بلا تكلف فوق شفتيه وهو ينظر لوجهها المستدير الملتف بحجاب سماوي كهالة ضياء تنبعث من وجهها، ملامح ناعمة وقوية، بها شموخ وعزة نفس تستقر بالقلب، بتلك اللحظة صدح صوت ما بداخله يُحدثه بأمنية لم يتوقع أن يقولها لنفسه، لقد تمنى أن تبقى معه إلى الأبد.
تنهد "نور" بعمق محدثًا نفسه:
- (لخبطتِ كياني من يوم ما شوفتك، عملتِ فيا إيه؟!! بقيت شخص تاني غير إللي أعرفه، غيرتيني وملكتي قلبي من أول مره شوفتك فيها، ياااه، لولا مرض باباكِ لـ كنت أخدتك وطرت بيكِ لوحدنا، لكن قريب، أكيد قريب أوي حقدر أطلب إيدك من باباكِ، وساعتها مش حسيبك تبعدي عنى أبدًا، بس يقوم الأول بالسلامه)
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
تنطق العيون بما لا تتفوه به الألسن، لكننا نحتاج بالصوت برهانًا، نعم لغة العيون أفصح من ثمانية وعشرون حرفًا لكن حرف واحد من بين شفتيك يُسكر القلب.
رشا روميه
فتحت "ليلى" عينيها المغمضتين لتتلاقى بعيني "نور" الذي مازال يتمعن بها، لحظات مسروقة من الزمن كما لو كان الكون خلى من كل البشر وبقيا كلاهما فقط.
سقطت كل الحصون وتجلت نظرات ليس لها سوى معنى واحد لا يعترف به كلًا منهما، نظرة طويلة كهدنة من معارك حرب طويلة، إنتهت بإبتسامة كرسالة صفاء تبادلت بينهما.
أرغمت "ليلى" نفسها على تصفح إحدى المجلات لتبتعد بعينيها عن هذا المتعمق بنظراته لكنها كانت تهيم بسعادة وهي تلمح بطرف عينيها "نور" وهو مازال ينظر إليها بتلك النظرات التي تُشعرها بمشاعر لم ينطق بها بعد، ربما كانت أول محاولة لترك العنان لقلبها الذي إنتفض بدقات تشعره بأنه على قيد الحياة.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
ليس الرضا على الإبتلاء هو محبته، بل هو اليقين الذي يجعلك تتيقن بأن ما أصابك لهو رحمة من عندك الله، أن تثق بأن لله حكمة وعلينا الطاعة لتعلمها، تمامًا كطفل تشبث بوالده في الزحام لا يعرف أين يذهب، لكن بداخله يقين أنه لن يضيعه وأن كفه بكفه هي الأمان.
رشا روميه
مستشفى الهلال المركزي(مكتب سامح)...
جلست "فرح" بضيق ووجه متجهم فقد فقدت أمل كانت تتمنى أن يكتمل للنهاية، بينما جلس "سامح" بالمقعد المقابل لها بأعين متأثرة لحزنها:
- مالك يا "فرح"، حزينه اوي كده ليه؟
تنهدت "فرح" بحزن ثم أجابته:
- كان عندى أمل أنه ممكن يكون يعرفني ويعرف أنا مين، بس للأسف سافر، شكلي حعيش حياتي كلها كده، لا أعرف حد، ولا حد يعرفني!!!
حاول "سامح" ممازحتها رغم أن هذا ما يود قوله حقيقة من داخله بصدق وجدية، لكنه خشي من فرض نفسه عليها:
- أنا عارفك وإنتِ تعرفيني، مش كفايه ولا إيه؟!
طريقته جعلتها تبتسم رغم ضيقها، فكم هو لطيف طيب القلب، لتجيبه بصراحة دون إخفاء أو تجميل لما بداخلها:
- قصدك انت تعرفني، لكن أنا مش عارفه شكلك إيه، ولا عارفه أتخيلك.
أجابها بعفوية وبدون تفكير بشكل متسرع، لعلها تتقبل الأمر ويزول إحساسها بشكل تدريجي وتتقبل إبتلائها برضا، فلعل ما أصابها هو الخير دون أن تدري:
- بسيطه أوي، لو عايزه تعرفي شكلي أنا مستعد يا ستي، ممكن حتى نجرب اوصفلك شكلي، أو حتى تلمسي وشي عشان تتخيليه في دماغك.
لم يفكر سوى بأن يجعلها تشعر بالإرتياح، لم يظن أن الأمر سيكون له أي عواقب أخرى، فلعلها حين تحاول رسم ملامحه بمخيلتها لأول مرة ستشعر ببعض السكينة وإدراك أن هناك من ترى ملامحه ولو بالخيال.
تحمست "فرح" للأمر لتهتف بموافقة فورية:
- تصدق فكره.
دنا بمقعده قليلًا ثم مد رأسه نحو الأمام بينما رفعت أناملها الرقيقة تلامس وجهه لتحدد ملامحه، إرتجف جسده وهو يشعر بمرور رعشة قوية كتيار كهربائي أصابه فور ملامستها لوجهه، حتى أن دقات قلبه المختلجة كاد يجزم أنها إستطاعت سماعها.
بقلم رشا روميه
إبتلع ريقه بصعوبه وقد توهج وجهه بحمرة شديدة وتندى جبينه تعرقًا للمستها، ولم تكن هي بأفضل حال منه، ففور أن مررت أطراف أصابعها فوق وجهه شعرت بإرتباك شديد وإنتفض جسدها لتلملم أناملها وتسحب يديها سريعًا وتعقدهما ببعضهما البعض بتوتر بالغ.
بذات اللحظة إستقام "سامح" محاولًا السيطرة على هدوئه وتوتره ملتزم الصمت لبعض الوقت حتى تهدأ ضربات قلبه المنفعلة.
رغم تلك اللحظات التي زاد بها خجله وتوتره إلا أن شعور غريب قد مر به، إحساس جميل رغم قوة زعزعته له، في النهاية وبعد مرور بعض الوقت الصامت بينهما، حاول "سامح" الخروج من هذا الموقف المحرج لكلاهما، ليتنحنح قليلًا وهو بالكاد يخرج كلماته:
- إحم، اااا إيه رأيك لو يعني، نسافر السويس أنا و إنتِ ونشوف هناك، أكيد حنلاقي بقية أهلك أو إخواتك، قرايبك، يعني حاجه زي كده؟
عرض لطيف وليس غريبًا على هذا الشهم، لكنها تفاجئت للغاية منه، لتجيبه بإندهاش:
- بجد!!! هو ممكن نعمل كده؟
عاد "سامح" لطبيعته وكسر حاجز هذا الموقف المخجل منذ قليل ليؤكد على ذلك:
- و ليه لأ، معانا عنوانك اللي في البطاقه، وصاحبي "نور" سايب معايا العربيه، يعني ممكن نروح هناك ونسأل، ساعتها حنعرف فين بقية أهلك ونقابلهم، وأهي تجربه يمكن تنفع.
أومأت "فرح" رأسها بحماس عدة مرات لتهتف بإبتهاج شديد:
- فكره جميله أوي، بس!!!!
- بس إيه؟!
مطت "فرح" شفتيها رافضة تمامًا هذا الشعور بالشفقة الذي يبدو أن "سامح" مفعم به تجاهها، لتردف بإنكسار:
- مش عايزاك تسيب شغلك هنا، بس عشان تساعد العميا اللي مبتعرفش تتصرف لوحدها!!!
تحول "سامح" من شاب هادئ لطيف لشخص حازم للغاية بتلك اللحظة، فيكفي شعورها بالدونية والتقليل من قيمة نفسها:
- "فرح"!! لو إتكلمتي بالصوره دي تاني، والله مش حقعد ومش حخليكي تشوفيني تاني.
لم تفكر لوهلة بتهديده، بل رفضت ذلك بشكل قاطع لتهتف على الفور:
- لأ لأ خلاص، أوعدك مش حتكلم كده تاني، خلاص.
لاحت إبتسامة سعيدة للهفتها ورفضها الإبتعاد عنها، سرعان ما تبدلت لحديث لطيف بين كلاهما ليتفقا على السفر بعد يومين إلى مدينة السويس للبحث عن أهلها هناك، لكن بعد أن يرتب "سامح" عمله هنا بالمستشفى.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
قد نحتاج بحياتنا لبعض المحن التي تعيد ترتيب دنيانا وتقلبها رأسًا على عقب لنرى أشياء ما كانت لتتضح لنا ونحن بنسختنا القديمة، فلعلنا يتوجب علينا الشكر والحمد على تلك الإختبارات التي يمنحها لنا الله.
رشا روميه
ميونيخ _ ألمانيا...
بعد مرور عدة ساعات أعلنت الطائرة وصولها لمطار ميونخ، بدأ ركاب الطائرة بالخروج في إنتظام بشكل هادئ للغاية.
رفعت "ليلى" عينيها تحاول فهم ما يجب عليها فعله، فتبقى رهبة الغربة لها إرتجاف حقيقي مهما كانت قوة الشخص، خاصة حينما تكون تلك هي المحاولة الأولى للسفر.
ساعدت والدها المنهك بالحركة ليخرجا خلف بقية الركاب وعيناها تتبعان "نور" الذي يساعدهما بالتوجيه رغم أنها سفرته الأولى أيضًا.
بعد إنتهاء الإجراءات كبقية الركاب وحمل أغراضهم وحقائبهم لخارج المطار، توقف "نور" متقدمًا لبضع خطوات عن "ليلى" و"عزت" ينظر حوله باحثًا عن شئ ما.
بقلم رشا روميه
ضغطت "ليلى" على جفنيها بإرهاق ليسألها "عزت" مستفهمًا:
- إنتِ منمتيش برضه؟!
حركت "ليلى" رأسها بالنفي قائلة:
- معرفتش أبدًا يا بابا، ما إنت عارف إني مش بعرف أنام في المواصلات خالص، أنا إللي تاعبني كمان إني منمتش طول الليل من كتر ما أنا متحمسه عشان السفر.
أومئ "عزت" رأسه بخفة:
- عارف طبعًا، بس نوصل أي حته نبات فيها ونامي على طول.
- إن شاء الله، بس نشوف دكتور "نور" حيعمل إيه.
عقد "نور" حاجبيه بضيق وهو يغمغم بصوت منخفض:
- وده ينفع برضه، هو فين ده؟!
أخرج هاتفه من جيب سترته لينظر لشاشته لبعض الوقت قبل أن يتوجه لكابينة الهاتف العمومي الموجودة بباحة الإنتظار، دق الأرقام بدقة لينتظر إجابة بترقب، ليجيب "كريم" على الفور بأسف شديد:
- أسف والله يا "نور".
إمتعض وجه "نور" بملامة قائلًا:
- إيه يا"كريم"، إنت فين، أنا خلصت كل الإجراءات وطلعنا من المطار، مش قولت لي حتيجي تقابلنا!!
بنبرة جادة بغير المعتاد منه أجابه بتعجل:
- معلش يا "نور"، أنا فعلًا طلعت على الطريق راجع من المؤتمر بس فيه مشكله على الطريق هنا أخرتني أوي، المفروض كنت أوصل ميونخ النهارده الصبح، عشان كده قولت لك حقابلك، بس الطريق عطلني.
- طب والعمل، متنساش إن معايا راجل مريض مش حيقدر يستنى ده كله.
لوى "كريم" شفتيه قليلًا بتفكر ثم أجاب بحل إضطراري:
- ملهاش غير حل واحد، خد تاكسي لحد السكن، أنا مرتب لك كل حاجه هناك، حتى المفتاح مع الحارس، ساعه بالكتير إن شاء الله وأكون قدامك.
لم يجد "نور" حلًا آخر، ليتقبل الأمر مجبرًا وهو يستوضح:
- الأمر لله، إبعت لي العنوان، ويارب تليفوني يشتغل هنا.
- لا متقلقش، شبكة التليفون هنا حاجه كريز خالص، حيشتغل على طول.
إبتسم "نور" بتذكره لتلك الكلمة التي يرددها "كريم" كثيرًا حين يعجب بأمر ما فوق العادة، ليعقب بضحكة خفيفة:
- "كريز خالص"، إنت لسه بتقولها.
إتسعت إبتسامة "كريم" الشقية قائلًا:
- مبعرفش أقول غيرها، هو فيه أحلى ولا أطعم من الكريز، يلا يا دكتور، مسافة الطريق وأكون عندك.
- ماشي حبيبي في إنتظارك.
أنهى مكالمته بوصول رسالة بموقع السكن الذي جهزه لهم "كريم"، ليعود تجاه "ليلى" و"عزت" وهو يشرح لهم الأمر:
- أنا آسف والله، صاحبي إتعطل في السكه، إحنا مضطرين ناخد تاكسي للسكن.
بتقبل مريح أجابه "عزت" الذي تبدل تمامًا بفعل هذا الإختبار الشديد الذي وضع به، فأصبح ذو نفس هادئة وقلب عطوف:
- ولا آسف ولا حاجه يا إبني، ده إنت كتر خيرك والله على اللي بتعمله معانا.
- ده كلام يا عم "عزت" (ثم أشار نحو الطريق وهو يدعو "ليلى" لمرافقتهم بنظرات تحمل أكثر من مجرد دعوة ركوب) إتفضلوا نركب تاكسي على طول.
لم يكن السكن صعب الوصول إليه، فقد إختاره "كريم" بالفعل بحي هادئ وبناية حديثة قريبة من المستشفى التي سيعملان بها.
بقلم رشا روميه
ترجل "عزت" من السيارة وبعده "ليلى" التي تطلعت نحو البناية المكونة من أربع طوابق بإعجاب شديد، لتتم تلك المقارنة بعقلها بين بيتهم المتهالك وهذه البناية الحديثة، ولجوا إلى الداخل وهي تطالع بابها المصنوع من الأخشاب والزجاج يختلف تمامًا عن البوابة الصدئة التي أرهقت من دفعها المؤلم ليديها، وهذا السلم الرخامي النظيف، ليس به درجات مكسورة ولا جدار متهالك تخشي أن تتعثر به، مثل بيتهم القديم.
وقف "نور" بالدور الأول العلوى ليشير نحو درجات السلم قائلًا:
- أنا الشقه اللي حسكن فيها هنا، وإنتوا في الدور اللي فوق على طول، لأنها أكبر، إتفضلوا معايا أوصلكم الأول وبعد كده أنزل أنا لشقتي.
رافقاه للدور الثاني ليشكره "عزت" بإمتنان شديد قبل أن يلجا لداخل الشقة، فيما عاد "نور" لشقته بالدور الأول ليضع حقيبة سفره وينال قسطًا من الراحة لحين مجئ "كريم".
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
من قال أنني أقوى مما أُظهر؟! من أين أتى اليقين بأن لي قلب قوي وظهر صلد؟! من قال إنني لا أهد ولا ألين؟! من أخبركم أن روحي لا تنكسر كاذب، إن بداخلي ضعف وحاجة للإحتواء، أتتوق ليد عون تدلني بالظلام، كتف ألقي عليه آلامي وأحلامي، أريد أن أُظهر ضعفي ودموعي، لقد سئمت كوني أقوى مما ينبغي، ألم يأتي الوقت لأحيا ولو لمرة واحدة، حتى لو كانت محاولة أولى وأخيرة!!
رشا روميه
شقة ليلى ووالدها....
بذلك الوقت وبعد انبهار بالبناية والشقة وأثاثها الجديد، زال إنجذاب العين لترتخي النفس وتبحث عن بعض الراحة بعد عناء هذا السفر الطويل.
جلست "ليلى" إلى جوار والدها المتعب قائلة:
- يلا يا بابا، نام إنت شويه شكلك تعبان أوي.
تطلع بوجه إبنته المرهق ببعض الحنو:
- أنا فعلًا محتاج أنام شويه، أنا تعبت من الرحله دي أوي، وإنتِ كمان لازم تنامي وترتاحي، إنتِ منمتيش من إمبارح، بس اااا...
إنتبهت "ليلى" لحديث يتردد والدها بإخبارها به:
- بس إيه يا بابا، مالك؟ إنت تعبان؟؟
- لا يا بنتي، أنا كنت عايز أقولك إني مرضتش أعترض على موضوع السفر عشان أريحك لكن، كنت عايز أعرف حتعملي إيه في موضوع ورث ولاد عمك؟
لم تنسى ولن تنسى لقد أُثقل كاهلها بهذا الحمل ولم تتخلى عنه لتجيبه برضوخ لما وضعتها به الأقدار:
-الصراحه يا بابا، أنا دورت عليهم كتير أوي ومعرفتش طريقهم، بس إن شاء الله تقوم بالسلامه كده ونرجع، وساعتها مش حيبقى ورايا أي حاجه تانيه في الدنيا غير اني الآقيهم، بس أطمن عليك الأول.
جاوبها "عزت" بتمنى لكلا الأمنيتين:
- يا ريت يا بنتي ربنا ياخد بيدي وأقوم من مرضي ده، وساعتها ندور عليهم سوا.
- إن شاء الله يا بابا، يلا عشان ترتاح إنت شويه.
إستلقى "عزت" فوق تخته ليرتاح قليلًا، بينما إتجهت "ليلى" للغرفة المجاورة.
غرفة جميلة وبسيطة بها سرير مرتب وجميل، كم كانت تحلم بمثله تنعم عليه بالراحة، ألقت جسدها دفعة واحدة وقد إتسعت إبتسامتها لما تشعر به من لين ونعومة لم تحظى بمثلهما من قبل بفراشها القديم، رفعت عينيها تناظر السقف من فوقها قائلة:
- ياااااه، السرير ده مريح أوي، ده أنا عمري ما كان عندي سرير مريح كده، حاسه اني عايزة أنام نـــــــوم، أعوض عن الخشبة إللي كنت بنام عليها في بيتنا.
سرعان ما أُغمضت عيناها دون أن تدري لتغفو بفراشها الوثير الناعم براحة لم تتسنى لها من قبل.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
قلب من صخر ونوايا من رماد، تلك صفات ماكر الفكر خبيث النوايا، من ينسج خيوطه ببطء حول نقاط ضعفك ليضربك في غفلة بطعنة خادعة، سيحاول التربص حتى تحين فرصته للغدر، لكن كل المحاولات تبدأ بالمحاولة الأولى.
رشا روميه
بيت عائلة مكاوي(شقة زاهر)...
قيل من قبل إن رأيت أنياب الليث بارزة لا تظن أن الليث يبتسم، تمامًا كتلك الإبتسامة التي دلفت بها "جميلة" للتو بعد أن عادت مبكرًا من المخزن.
ساعات طوال وهي تدور بأفكارها تبحث عن مخرج لمشكلتها الجديدة (زهرة)، ولم لا، فبدون أي مجهود ستحصل تلك الوضيعة على كل مال "أنور" الذي يوضع بإسمه بحسابه الخاص بالبنك، فمنذ تولي "محمود" أعمال أسواق العلافة وحفاظًا على قسمة عادلة بينه وبين أخيه بأرباح المحلات الشهرية، قام "زاهر" بفتح حساب لـ"أنور" دون أن يعلمونه بذلك، فقط كانوا بإنتظار أن يُصلح حاله ويخبرونه بأمر هذا المال، وبالتأكيد الآن سيعطونه لـ"زهرة" كميراث شرعي لها، وأيضًا كتعويض عن زيجتها من ولدهم المدمن.
لكن هذا المال يجب أن يكون من حقها هي فقط، وليس لمتطفلة لم تلبث بضعة أشهر ببيتهم!!!!
بقلم رشا روميه
لم تجد سوى حل وحيد لحل تلك الأزمة التي لا حل لها، عليها بـ"زهرة" وإلا ستخسر الكثير.
بعودتها مبكرًا وبإبتسامتها المزيفة دلفت "جميلة" لشقة والدا زوجها بوجه بشوش لتجلس برفقة "فردوس" و"زهرة" التي قد جلست لتوها تلتقط أنفاسها بعد ركض لبعض الوقت خلف الصغيرة "لمى" لإطعامها بينما كانت "جميلة" بالخارج.
دارت عينا "جميلة" بالمحيط من حولها تبحث عن بداية لتنفيذ مخططها، محاولة عليها بالنجاح بأي صورة، وقعت مقلتيها الخضراوتين على تلك الحافظة الموضوعة فوق السجاد لتجد غايتها وتلمع عيونها الماكرة لوهلة قبل أن تهتف بإستياء مصطنع:
- إيه ده!!!! الحافظه دي متبهدله اوي وكمان ريحتها وحشه!!! إنتِ ليه سايباها كده يا مرات عمي بس!!!
لم تكترث "فردوس" لأمر تلك القطعة من المفروشات، فما مر بها أصعب من أن تنتبه لذلك، فهي بالكاد بدأت تمرر يومها دون غصة لإستكمال الحياة بعد فقدها ولدها، أجابتها "فردوس" بلا إهتمام:
- ما إنتِ عارفه يا "جميلة"، الناس داخله طالعه من يوم العزا، ومحدش كان فايق لغسيل وغيره، نروق شويه كده وبعدين نغسلهم كلهم.
أعادت "جميلة" رقبتها للخلف بإستغراب قبل أن تتطوع بطيبة زائفة وحنو مبالغ به لم تنتبها كلا الجالستين لمقصدها الذي يضمر بداخلها:
- لا برضه مينفعش يا مرات عمي، هو إنتِ هنا لوحدك ولا إيه، وأنا و"زهرة" روحنا فين، شاوري بس وإحنا نعمل على طول، عمومًا ولا تشغلي بالك، أنا حروح أنقعها في البانيو شويه وبعدين نغسلها، ساعتها حتنظف أكتر وتبقى زي الفل.
قد تسقطك سلامة نواياك بحفرة عميقة لصاحب المكر السئ وأنت لا تنتبه، فقد إعتدت الصدق ولم تتشكك بالنوايا، لكن تلك عند الخبثاء هي نقطة ضعف يمكنهم اللعب بها، أن يتم خداعك بصفاء قلبك وسلامة نيتك، أن يحيك من حولك شباك من الخديعة لتسقط بالبئر بمحض إرادتك.
وهذا ما دفعت به "جميلة" لتجعل "فردوس" تصدق نواياها، لتردف الأخيرة بلا إرتياب ولا شكوك:
- اللي تشوفيه يا بنتي لو مش حيتعبك.
ضغطت "جميلة" فوق شفتها بقوة حتى لا تُظهر إبتسامة النصر التي كادت تشق وجهها، ثم أردفت بمحبة:
- تعبك راحه يا مرات عمي، إنتِ تؤمري بس، مش كده ولا إيه يا "زهرة"؟
بأعين زائغة وإرهاق شديد أجابتها تلك الشاردة بصمت:
- اه طبعًا، ماما "فردوس" تؤمر.
أومأت "جميلة" بطريقة توحي بالسيطرة وفرض الرأي رغم ذلك القناع اللطيف الذي إعتلى وجهها، مدت يديها لتحمل (الحافظة) بنوع من التقزز لإتساخها كما تدعي، ثم توجهت نحو المرحاض لتضع قطعة المفروشات بحوض الإستحمام (البانيو) قبل أن تفتح الصنبور لتترك الماء ينساب عليها.
بقلم رشا روميه
طلت برأسها لخارج المرحاض تتأكد أولًا بأن لا أحد منهما بالقريب ثم عادت نحو الداخل لتنفيذ محاولتها الأولى التي تفكرت بها بتمعن ولم تجد سواها للتخلص من "زهرة".
جذبت أحد الأسلاك الكهربائية الموصلة بمرآة المغسلة وقامت بنزع إحدى طرفيها وقد إحتدت نظرات عينيها لتظهر الحقد الحقيقي بداخل عينيها التي تومض بخبث وشرور نفس، كما لو كانت ترى نتيجة نجاح محاولتها أمام عينيها بالفعل، وضعت السلك بداخل الحوض بحرص حتى لا تصعق من شدة التيار الكهربائي وتكون هي الضحية.
خرجت من المرحاض تتلذذ بفعلتها بسعادة ثم رسمت على ملامحها السكون والطيبة مرة أخرى كما لو أنها لم تفعل شيئًا بالمرة، جلست "جميلة" بهدوء رغم محاولتها لجذب أطراف الحديث بينها وبين "زهرة" و"فردوس"، لكن دائمًا ما تعودان للصمت الحزين الذي غلف هذا البيت.
بقلم رشا روميه
بعد مرور بعض الوقت الذي مر عليهم سريعًا، بينما لم تشعر "جميلة" بذلك فكل دقيقة تمر كـ ساعات وهي تنتظر إستكمال خطتها.
أعين مضطربة وجلسة متوترة جعلتها تهز ساقها بشدة وهي تنظر بين الحين والآخر تجاه "زهرة" تود لو تدفعها دفعًا تجاه حوض الإستحمام، لكن عليها الصبر حتى لا تُتهم بالأمر ويصبح خلاصها منها مجرد قدر وقضاء لا أكثر.
وقفت "زهرة" لتتعلق بها عينا "جميلة" على الفور، حين قالت "زهرة":
- أنا حقوم أطفي على الأكل وأدخل أوضتي شويه، عاوزين حاجه مني؟
تفحصت "فردوس" وجه "زهرة" الشاحب لتتسائل بقلق:
- مالك يا بنتي؟! وشك مصفر وهفتانه ليه كده!!! إنتِ تعبانه ولا إيه؟
رغم شعورها بأنها منهكة وليست على ما يرام إلا أنها أجابت بالنفي:
- لا يا ماما، متقلقيش، أنا كويسه خالص الحمد لله.
مطت "فردوس" شفتيها بضيق ثم قالت تلزم "زهرة" بذلك:
- طيب إدخلي إشربي لك كوباية لبن الأول، أهي تقويكِ شويه، وبعدين إدخلي إرتاحي، لحد ما "محمود" والحاج يرجعوا من بره ونبقى نتغدا كلنا سوا.
أومأت "زهرة" بخفة وإنصياع لطلب "فردوس":
- حاضر يا ماما.
رمقتها "جميلة" بغيظ دون أن تنتبها لها "زهرة" و"فردوس" قائلة بداخلها بسخط ساخر من طريقة "زهرة" بالحديث:
- (حاضر يا ماما!!! جاك موووو)
دلفت "زهرة" للمطبخ وقامت بشرب كوب من الحليب قبل أن تطفئ الموقد، بينما وجدتها "جميلة" الفرصة السانحة لخطوتها التالية التي تنتظرها منذ بعض الوقت، إدعت تذكرها المفاجئ لتشهق بإستياء:
-يوووه، ده أنا نسيت خالص، أنا عايزه أطلع شقتي ضروري أحط حاجه في الثلاجه، أحسن حتبوظ.
- طيب يا "جميلة"، إطلعي حطيها.
وقفت "جميلة" لترفع من صوتها حتى تستطيع "زهرة" سماعها:
- "زهرة"، بقولك إيه، معلش عشان لازم أطلع الشقه فوق ضروري، أنا غسلت الحافظه بتاعه السجاده، ممكن تروحي بس تطلعيها من المايه تتصفى عقبال ما أخلص فوق، مش حتأخر، حاجي على طول.
خرجت "زهرة" من المطبخ ومازالت ترى أن الأمر معتاد وليس به أي شئ غير طبيعي، إنها ستساعدهم وهذا دورها فلم الرفض وإفتعال المشاكل، اجابتها بلطفها المعتاد:
- حاضر يا "جميلة"، ثواني بس أخلص إللي في إيدي هنا وأروح على طول.
خرجت "جميلة" مسرعة نحو الدور العلوي لتبقى بشقتها لبعض الوقت تنتظر نجاح محاولتها للقضاء على غريمتها، فما بقى سوى دقائق قليلة ويعلن الخلاص من تلك الوضيعة نهائيًا، فقط عليها الترقب والإنتظار.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
هنالك أمور نعيشها دون أن تكترث لها، لكننا نستدعيها حين تقابل صديق، تفتح له أبواب قلبك ويأتي الحديث بما لا ترتب له، فليس الأصدقاء من يتصدروا القائمة الطويلة التي تضم الأسماء، بل هم ساكني الروح الذين لا تتأثر قلوبهم ببعد أو مسافات، يظلون دومًا على وهج أرواحهم التي ترمم مثيلاتها بوجودهم فقط.
رشا روميه
ألمانيا(شقة نور بركات)...
إبتسم "نور" بسعادة وهو يسمع تلك الطرقات بباب الشقة، إنها ذاتها نفس الطرقات المميزة لثلاثتهم، (نور- سامح- كريم)، طرقة إبتكروها بأنفسهم لتصبح علامة مميزة لهم، لكن ثلاثتهم يدركون تفاصيلها السعيدة التي يتشاركونها سويًا.
بقلم رشا روميه
أسرع "نور" بفتح الباب يستقبل صديقه "كريم" الذي إشتاق له بالفعل، تطلع نحو وجهه النحيل المشرق بإبتسامته العريضة، زادت لحيته المنمقة من وسامته بمزيج رائع مع لون بشرته البيضاء، هتف "نور" بإشتياق ومحبة:
- "كيموو"، وحشتني يا راجل.
بعناق أخوي قابله "كريم" وهو يردف بطريقته الساخرة المحببة:
- "أبو شُعله"، واحشني والله.
ضحكة صافية بين كلاهما ليدلفا بعد هذا الترحيب الحار لداخل الشقة، إلتف "كريم" ليغلق الباب من خلفه، لكنه لاحظ مرور إحدى الشابات الألمانيات التي تسكن بنفس البناية، ليعلي من صوته يغازل الفتاة بألمانية ضحلة:
- قمر بالفعل في وضح النهار.
نظرت له الشابة بنظرة تعجب وإستحسان من هذا الوسيم ليهتف "كريم" بلكنته المصرية التي لم تفهمها الفتاة هذه المرة:
- والنبي عسل، حاجه كريز خالص.
أسرع "نور" نحو باب الشقة يعتذر بإنجليزية طليقة:
- معذرة، إنه يمزح فقط، بعد إذنك.
أغلق "نور" الباب ينهر "كريم" عن طريقته التي لن تتغير:
- إنت لسه يا جدع إنت؟! مش ناوي تكبر وتعقل بقى، كده عيب وحرام، لم نفسك.
رفع "كريم" حاجباه بشقاوة لطيفة:
- خلاص، خلاص، هو أنا جبته لنفسي ولا إيه، حمد الله على السلامه يا سيدي.
قالها بطريقته التي بدلت إستياء "نور" لإبتسامة ضاحكة على طريقته، فيما سأل "كريم" بجدية تلك المرة:
- عجبتك الشقه؟
- حلوه أوي، بس ساقعه جدًا.
إنتبه "كريم" لذلك ليلتف حول نفسه قبل أن يعقب:
- اه فعلًا، بس بسيطه، حطلب من الحارس يشغل التدفئه الظاهر نسي يشغلها.
دفع "نور" برأسه يدعو "كريم" لمرافقته فقد إشتاق لحديث طويل يجمعهما:
- تعالى بقى أحكي لي عنك، وعملت إيه لوحدك هنا؟ ده إنت يتخاف منك ومن عمايلك!!!
قوس "كريم" شفتيه وهو يرفع ساقه يضعها فوق الأخرى رافعًا بكفيه بمعنى لا أدري، لييجيبه بتملل:
- ولا أي حـــــــاجه، شغل في شغل وبس.
إندهش "نور" من حياة "كريم"، فهو غير معتاد على ذلك، أو ربما يظن ذلك لأن "كريم" كان شقيًا ممازحًا، وأيضًا مغازل بشكل كبير أثناء دراستهم، ليردف "نور" بتعجب:
- معقول!!!! بقى "كريم" إللي مقطع السمكه وديلها يقعد القعده دي!!! ده إيه الزهق ده!!!
بطريقة درامية كاذبة عقب "كريم" بلطافة:
- حعمل إيه، حياتي بقى، المكتوب يا صاحبى، بس هانت، شويه وأخلص البعثه وأنزل مصر وأتجوز بقى.
إتسعت عينا "نور" بصدمة، فـ"كريم" آخر من يفكر بالزواج، فهو شاب متحرر، يود لو يطير كفراشة بين كل الأزهار، لا يسعى لإلتزام أو حياة تحف بالمسؤولية، ليهتف بتعجب شديد:
- إيه ده!!! موضوع الجواز ده جديد لانج، وتطلع مين بقى العروسه؟!
دفع "كريم" بجانب أنفه بإستنكار، أظهر طريقته الساخرة المحببة:
- وأنا إيش عرفني، أما عليك أسئله، غريب إنت يا "نور"!!! كل ما هنالك، إن أنا عايز أستقر وأتجوز وخلاص، مش هم بيقولوا كده، إللي عايز يستقر لازم يتجوز.
ضحك "نور" بخفة، فهذا هو "كريم" سيبقى هكذا ولن يتغير، ليعقب ببعض الضيق:
- وحشني كلامك وخفة دمك والله، يا ريت "سامح" كان جه معانا وإتجمعنا كلنا.
تقدم "كريم" بجذعه للأمام منتبهًا لذلك:
- صحيح، إيه اللي خلاه يغير رأيه كده؟!
- علمى علمك، بيقول متابع حالات ومش قادر يسيبها.
دار "كريم" بمقلتيه ساخرًا:
- نفسي يتغير شويه ويفك كده.
أشار "نور" يربت بخفة فوق معدته، فقد جال بفكره أن "عزت" و"ليلى" بالتأكيد يشعران بالجوع:
- سيبك من "سامح" بقى دلوقتِ، مش ناوى تأكلنا ولا إيه، أنا ميت من الجوع.
صيغة الجماعة أثارت فضول "كريم"، ليصحح له كلمته:
- أأكلك قصدك؟!!
- لأ، أنا والناس اللي معايا.
كثير المزاح متقد الذكاء، فلا يوجد ممازح غبي أو ثقيل الفهم، لهذا كان يشعر "كريم" بأن إصرار "نور" على إصطحاب تلك الممرضة التي لا يعرف من هي بعد ووالدها معه بالبعثة لأمر مثير للإهتمام، ليعود للجلوس بأريحية وهو يستفسر بفضول شديد:
- اااه، قولي بقى، أنا كنت عايز أسألك عنهم، إيه حكايتهم معاك الناس دي؟!! أنا حاسس إن الموضوع مش مجرد ممرضه وأبوها صح؟!!
- حقولك، من فترة قريبه "نسرين" طلبت مني أروح لبنت عمها وأحاول أخليها تقرب مني، عشان اضغط عليها في مسألة الورث، و.......
أخذ يستطرد "نور" بسرد ما حدث من "نسرين"، وكيف كُشفت مساوئها أمامه، وظلمها الكبير لهذا الرجل وإبنته، لكن أمر حقن الرجل بالفيروس للإنتقام كان أكثر بشاعة مما سرده "نور" بأكمله، تمامًا لو كان مشهد مسرحي أو درامي يشاهده وليس حقيقة مؤلمة، ورغم إندهاشه إلا أن "كريم" قد تعاطف مع هذا الرجل وإبنته، وأيضًا شعر بالغضب والسخط من "نسرين" وأفعالها ليعقب بالنهاية:
- والله إنت ربنا بيحبك، ده كفايه نجاك من العقربه إللي إسمها "نسرين" دى قبل ما تقع الفاس في الرأس.
-فعلا والله، الحمد لله.
لوي "كريم" شفتيه بإمتعاض، لكن سؤال هام كان يجب عليه طرحه بهذا الوقت:
- طيب والمسكينه دي هي وأبوها، حتعمل معاهم إيه؟!!
مجرد شفقة على غرباء لا أكثر ولا أقل، فحتى ظنه بـ"ليلى" لم يتعدى كونها ممرضه بسيطة وضعها القدر بطريق "نور".
تنهد "نور" برفق قائلًا:
- بالنسبه لعم "عزت"، معنديش حل إلا إني أدخله المستشفى تحت رعايتي طبعًا، لكن، أنا مش حسيبه أبدًا، وما أخبيش عليك الراجل حالته بتدهور كل يوم عن إللي قبله بصوره كبيره أوي، لأن أعراض الفيروس زادت حدتها لأنه كمان مريض سكر، وتليف الكبد زادت أعراضه بشكل سريع غير العادي في الحالات إللي زي دي، بس هو ده الكل الوحيد.
دون الإستفسار عن إسم "ليلى" أو أي شئ يخصها سأله "كريم" بوجه عام:
- طيب وبنته؟ ما كان كفايه إنك تعالج الراجل، بنته جبتها معانا البعثه ليه؟
صمت "نور" لوهلة لتتبدل ملامحه بشكل لاحظه "كريم"، فحين يمر العشق يترك علامات بالعيون قبل القلوب، فحتى نبرة حديثه عنها تبدلت بلحظات، حين أجابه "نور":
- بنته!!! بنته دي هي السبب إني أجيبهم معايا، مش عارف يا "كريم"، أنا حبيتها ولا جرى لي إيه، من أول لحظه شوفتها فيها لخبطتلي كياني، حسيت إني لازم أكون جنبها، مقدرتش أسيبها و أسافر، خصوصًا لو والدها جرى له حاجه، ساعتها حتبقى وحيده قدام الدنيا كلها.
يدرك المحب ونظراته، يفهم العشق وكلماته، رغم أنه لم يمر بمثل تلك التجربة من قبل، مشاعر طالما يسمع عنها من بعيد لكن لم تطاله، صمت "كريم" للحظات يتأمل صديقه العاشق بإبتسامه خفيفة، كم كان يود المرور بذات المشاعر لكن لم يقدر له ذلك بعد، لهذا سأله بدافع الفضول:
- طيب وهي، عارفه إنك بتحبها أوي كده؟
- لأ.
تفاجئ "كريم" بإجابة "نور"، فرغم أنه لم يمر بحالة عشق من قبل، إلا أنه يدرك تمامًا ما يجب أن يكون عليه الأمر، فليس "سامح" هو الساذج الوحيد هنا، ليهتف بـ"نور" مستنكرًا:
- ليه يا "نور"، محاولتش ليه تصارحها وتقولها مشاعرك ناحيتها؟ إنت غلطان، كان لازم تقولها وتفهمها قبل ما تشحططها من بلد لبلد، مش يمكن هي مرتبطه أساسًا يا أخي!! معقول أنا إللي حفهمك وإنت مخك يوزن بلد؟!!
كفيف مبصر!!! كيف كان ذلك، كيف مر عليه ألا ينتبه، ألم يظن من قبل أنه ربما بداخلها محبة لسواه، كيف تغاضى عن هذا الأمر ودعاها للسفر برفقته؟! ألم يتوجب عليه أولًا معرفة مشاعرها قبل أن يهوى هو دون أن يتدارك خطواته.
لكن قلبه يدله على غير ذلك، تلك الظنون تفسد الود، نعم كان يجب عليه التأكد أولًا، فربما يبصر من جديد، أجاب "نور" بتردد:
- الصراحه مش متأكد، بس أنا حاسس إن في إنجذاب شويه من ناحيتها.
- وده كفايه يا "نور"!!!! إنت فاهم كويس أن الأمور مبتمشيش كده.
خشي "نور" أن يكون "كريم" محقًا بظنونه، ليرفض عقله ذلك ويُرجئ تأكده من الأمر خشية خسارتها، فبعض اليقين المحسوم نتغاضى عنه تخوفًا من خسارة وشيكة ستؤلم القلوب، فنبقى نعيش بوهم صنعناه بأنفسنا عن أن نقطع الشك باليقين ونهيئ نفوسنا على تقبله.
- عمومًا يا "كريم"، خلي الكلام ده مع الأيام، لما يجي وقت مناسب بس( حاول "نور" تغيير الحديث بحنكة متهربًا من ظنونه) برضه ضحكت عليا فين الأكل يا أخي.
- خلاص أهو، حطلب الأكل ونأكل كلنا سوا، وأهي فرصه أتعرف على حبيبة القلب يا "أبو شُعله".
قالها "كريم" وهو يمازح "نور" يحاول إستفزازه، ليردف "نور" بذات الممازحة:
- سخيف.
❈-❈-❈ــ
المحاولة هي أول طريق النجاح، لكن فيما ستحاول؟! فبعض المحاولات فشلها نجاح.
رشا روميه
بيت عائلة مكاوي (شقة جميلة ومحمود)..
كدقات الناقوس أنصتت "جميلة" بآذانها كمستقبلات الإشارات منذ أن صعدت لشقتها تنتظر خبرًا واحدًا يعلن نجاح محاولتها الأولى بالقضاء على "زهرة".
عم السكون لفترة من الوقت ظلت بها "جميلة" تقضم أظافرها بحركة لا إرادية متوترة، كتلميذ ينتظر نتيجة الإمتحان.
فتحت باب شقتها حتى تستمع جيدًا لما يحدث بالأسفل لكن الهدوء القاتل يسيطر على الأجواء، تارة تضيق عينيها، وتارة أخرى تميل بأذنيها، ثم تدور حول نفسها وهي تضغط بكفيها فوق بعضهما البعض.
حتى جاء ما كانت تنتظره، صرخة عالية من "فردوس" تهتف بنبرة منصدمة غير مصدقة:
- إلحقونـــــــي، بنتـــــــــي, يا "زهـــــــرة"!!
أشرق وجه "جميلة" بسعادة فيبدو أنها حققت نجاحها من محاولتها الأولى.........
