رواية النغم الحزين الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم فاطيما يوسف


 رواية النغم الحزين الفصل الثامن والعشرون 


بسم الله الرحمن الرحيم 
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
 
شد لها حجابها وهي مغيبة في دنيا جديدة عليها خليط من زبد الجنة مشاعر أول مرة تشعر بها، مشاعر لأول تختبرها وهو قائد ملحمتها يعرف كل الطرق لسلب أغوارها،

أما هو البوسة أخذت منحنى تاني منحنى خطر وحجابها بس اللي منكشفش،

وراحوا الاتنين لدنيا تانية خالص، "يونس" كأنه بينتقم منها في قربه واشتياقه ليها من بعده عنها طول المدة دي، وهي كل لما تحاول تبعد عنه هو يقربها أكتر، كل لما تحاول تفلت من حصاره ليها وفرض عاطفته ومشاعره القوية عليها هو يقتحمها أكتر، مشهد حبس أنفاس من شدة لهفته عليها وهي لا تفقه شيء في قوانين القرب، واحدة عاشت طول عمرها مخزنة عواطفها ومشاعرها وحتى مراهقتها معاشتهاش، كانت طول عمرها شايلاهم لحبيب العمر اللي يقدرهم، غصب عنها ضعفت وكل لما تحاول تقاومه وتصده يسحبها أكتر، اتغيب من جمالها وسحرها وعشقها ولهفته عليها، عشقه وحب عمره اللي هو كمان كان شايل لها في قلبه كل الحب والشوق واللهفة وعمره ما بادر ناحية أي بنت بأي مشاعر وعند "مهرة" بالذات كانت هي لهيبه اللي بيحرك قلبه ومشاعره، وصلوا الاتنين لأوضة نومها وعلى سريرها وكل ده وهو القائد، لحد ما خلاص قرب يدق ناقوس الخطر وهنا عقل "مهرة" كلمها على لسان أمها:

ـ حافظي على نفسك يا بتي... حافظي على نفسك يا بتي... إنتي متربية وجدعة وأصيلة وطول عمرك سيف...

رد قلبها عليها:

ـ إنتي معشتيش حياتك وده جوزك مبتعمليش حاجة حرام، إنتي تستاهلي تعيشي، ده جوزك... ده جوزك يا "مهرة"... ده حلالك متحرميش نفسك...

هاجمها عقلها تاني وبقوة وهي بتفتكر كلام "سند":

ـ خلى بالك من روحك يا "مهرة" إنتي تستحقي إنك تكوني ست البنات يوم فرحك، تستحقي تتزفي على عريسك هانم براس مرفوعة، حافظي على عاداتنا اوعاكي والغلط، إنتي متضمنيش الحياة من الموت، متضمنيش هتكملي وياه ولا لااااه، نفسك وعرضك أمانة في رقبتك وإنتي قدها وقدود وأني عارف.

لحد النقطة دي وانتفضت "مهرة" القوية تحت إيدين عاشقها وجوزها المكبل ليها بمشاعر من هيام وغرام ووله ورغبة جامحة في قربها وحاربت قربه وقبل ما تخسر أعز ماليها فاقت "مهرة" الأبية وزقته بعيد عنها بكل قوتها قبل ما تضيع ويضيعها معاه، وصرخت بانهيار وهي بتلملم بجامتها على جسمها:

ـ بعد عنيييي، حراااااام عليك يا "يونس"، حرام عليك كنت هتضيعني، آاااااااه منك يا "يونس" آاااااه.

"يونس" في الوقت ده كان حاسس بنـ.ــار محاوطاه، مشاعر، لهفة، رغبة، خوف، ضعف، احتياج، قرب منها تاني وهو بيتنفس بصعوبة كأنه كان في سباق وسند جبينه على جبينها واعتذر بندم حقيقي وهو بينهج:

ـ حقك عليا والله العظيم ما أقصد، كنتي وحشاني بطريقة لا توصف، كنت هموت على قربك وعلى أنفاسك تكون أنفاسي، حقك عليا يا "مهرة".

جريت من قدامه وسحبت إسدالها ودخلت الحمام وغسلت وشها واتوضت وفضلت تستغفر ربنا وتشكره على إنه أنقذها في الوقت الضايع وبتبكي بكا شديد، كان واقف على باب الحمام بعد ما لبس هدومه وخبط عليها بقلق حقيقي:

ـ افتحي يا "مهرة" والله العظيم غصب عني، كنت خايف تكون أخر مرة أشوفك فيها، خايف أرجع لك ميت.

خرجت من الحمام وظهرت بـ"مهرة" القوية وشدته برة أوضة نومها وعاتبته بقهر ودموع:

ـ يااااااه يا "يونس" هو أني في نظرك جسم ورغبة نفسك تدوق طعمهم علشان خايف تموت قبل ما تنفذ رغبتك، ولو لا قدر الله حُصل وإنت وقتها هتُبقى بين أيادي الله وأني في مكاني ضعت وضاع وياي شقى السنين والمرمطة والنوم على الأرصفة علشان أريح جسمي نص ساعة بس من لف الشوارع؟!

إنت متخيل إنت كنت هتعمل فيا إيه علشان حاجة في علم الغيب وفي أوهامك وفي خيالك؟!

وقربت من الحيطة وخبطت دماغها فيها لدرجة إنها اتعورت ونزلت دم:

ـ إنت مطلعتش أمين علي يا "يونس"، استغليت خوفي وقلقي عليك، استغليت إني مهفهمش حاجة في قربك مني ولا عندي أي خبرة في المشاعر، استغليت لهفتي عليك وكنت هتضيعني، كنت هتخليني أعر خواتي اللي شافوا الذل والمرمطة هما كمان وميستحقوش مني اكده، كنت هتخليني أموت أمي بحسرتها علي من تهورك، مش مسامحاك يا "يونس".

كان واقف قدامها هيتجنن على منظرها والدم بيسيل من دماغها وعلى دموعها وقهرتها، وكل ما يحاول يقرب منها علشان يمسح لها جرحها تبعد عنه بخوف، لحد ما مسكها بالعافية وهو بيحاول يطهر لها جرحها بخوف حقيقي عليها وهي كل اللي على لسانها 'بعد عني متلمسنيش' لكن حاول يقنعها باللي حاسس بيه وباللي مقتنع بيه:

ـ ليه بتقولي كده إنتي مراتي على سنة الله ورسوله، كاتب كتابك قدام أهل بلدك وكبارك كلهم، والله احنا معملناش حاجة حرام، أنا جوزك يا "مهرة" شرعاً وقانوناً.

خبطته في كتفه وهي بتبعده عنها وبتحاول تلقط أنفاسها بصعوبة:

ـ بس بقى بطل الكلمة داي عاد، بطلها متقولهاش تاني، إنت آه جوزي بس كاتب كتابي بس وكتب الكتاب دي ميحللكش المصيبة اللي كنت هتوقعنا فيها، كتب الكتاب في العرف والتقاليد زيه زي الخطوبة.

لسه هتكمل كلامها لقت جرس الباب بيرن، بصت له برعب وخوف لأول مرة المهرة تحس بيه في حياتها وكأنها عاملة عاملة، عيونها زاغت وهي بتبص له بتركيز وملامحها بهتت، فطمنها:

ـ ممكن تهدي بقى أبوس إيدك كفاية عياط، دي "مريم" أختي متقلقيش أنا كلمتها وقلت لها إني جاي لك وإنها تسبقني على هنا بس هي اتأخرت والمفروض إنها كانت توصل قبلي، أرجوكي مش عايزك تبيني حاجة قدامها يا "مهرة" وأنا والله عرفت غلطي واقتنعت والله وهحاول أمسك نفسي وأهدي مشاعري تجاهك بقدر الإمكان.

وقرب منها وباس جبينها باعتذار وندم حقيقيين وراح يفتح الباب لأخته اللي أول ما شافته ارتمت لحضنه:

ـ ياه يا "يونس" واحشني قوي يا جدع، إيه يابني الشغلانة الهباب بتاعتكم دي، عامل إيه يا حبيبي طمني عنك، دي ماما هتموت عليك.

بادلها حضنها بوحشة ودخلها وقفل الباب وهو بيطمنها:

ـ متقلقيش يا "مريم" أنا بخير.

وشاور على "مهرة" وهي مديالهم ضهرها وهو بيوشوش أخته:

ـ اتأخرتي ليه يا زفتة إنتي، منك لله يا شيخة.

استغربت من طريقته وكلامه ووشوشته وكمان "مهرة" اللي قاعدة ومسألتش فيها:

ـ إيه يابني جالي حالة ولادة مفاجأة وأنا خارجة من المستشفى وجيالها، في إيه و"مهرة" مالها انتو متخانقين؟

شدها من إيديها ووشوشها تاني:

ـ تعالي بس حاولي تهديها شوية علشان هي منهارة.

غمزت لأخوها بمرح:

ـ يا نهار أبيض ياض يا "يونس" ده إنت طلعت جمودة موت، بقى "مهرة" المعروف عنها يا جبل ما يهزك ريح منهارة من العياط علشان وحشتها، لاااا بجد إنت كسرت القواعد يا باشا.

زقها قدامه وهو بيرد على هزارها الغير في محله وهو أعصابه شايطة وجز على أسنانه بغضب:

ـ بالله تبطلي لوك لوك على الفاضي مش وقته خالص أحسن أنا على آخري يا "مريم" وهظرفك كومية دلوقتي أنسيكي اسمك.

مشيت خطوات سريعة وهي بتبص له باستنكار:

ـ ما براحة يابني ماتبقاش رخم وغتت كده أبو شكلك وأنا اللي كنت هموت من القلق عليك.

قربت من "مهرة" وأول ما شافتها شهقت بصوت عالي وهي بتحط إيديها على بقها ورمت شنطتها وقربت منها وهي بتسألها بقلق:

ـ مالك يا حبيبتي، مالك يا عمري بتعيطي ليه، إيه اللي حصل بس احكي لي، وإيه اللي في وشك ده؟ وايه العلامات اللي في رقبتك دي ؟

ارتمت في حضنها وكانت بتبكي بشدة وبتشهق بشدة وهي لأول مرة تشوفها بالضعف ده، لأول مرة تشوفها بالانهيار الشديد ده، كانت مرمية على كتفها ومن شدة شهقاتها مش قادرة تاخد نفسها ولا تتكلم، مش قادرة غير إنها تبكي وبس،

بصت على أخوها كان واقف وراها عمال يشد في إيديه ويحاول يهديها لكن مفيش فايدة غير البكا وسألته بشك وحدة:

ـ إنت عملت فيها إيه وصلتها لمرحلة الانهيار دي، انطق يا بني آدم؟ وإيه العلامات اللي في وشها ورقبتها دي؟

يارب ما يطلع اللي في بالي صح يارب، أصل إنت طول عمرك أناني ومتملك وراسك ناشفة.

اتعصب وهو بيرد عليها وعيونه على روحه اللي منهارة وبتبكي، مبتعملش حاجة غير إنها تبكي:

ـ بقول لك إيه متغلطيش وبدل ما تقولي كلمتين عدلين متولعيش الدنيا أكتر يا إما تسكتي خالص.

بصت له بحدة وهي بتجز على أسنانها بغضب من رده، وأخيراً اتكلمت "مهرة" ونطقت من بين شهقاتها وهي بتطلع الوجع اللي جواها ومتمسكة بحضن "مريم" جامد:

ـ كنت هضيع يا "مريم"، كنت هضيع وهتقهر وهخسر الحاجة الوحيدة الحلوة اللي عشت عمري كلاته هحافظ عليها، آاااه يا "مريم"، آاااه قلبي موجوع قوي.

بلعت "مريم" أنفاسها بصعوبة وهي مش مصدقة اللي بتسمعه وعيونها شافته واستنتجت اللي حصل وحطت ايديها على بقها تكتم صدمتها وعيونها الاتنين مبرقين بصدمة لأخوها وسألتها بقلق حقيقي:

ـ أهم حاجة إنتي كويسة يا "مهرة" طمنيني.

"مهرة" فهمتها وحركت راسها لقدام وهي مش قادرة تنطقها لأنها حاسة بالخزي من نفسها، شددت "مريم" على حضنها جامد وهي بتحاول تهديها بقدر الإمكان وتطمنها وفي الوقت ده "مهرة" كأنها لقت الأمان في حضنها ووجودها وماتت من العياط أكتر وأكتر:

ـ خلاص يا حبيبتي اهدي، عدت على خير الحمد لله، اهدي يا عمري إنتي أحسن بنت في الدنيا والله العظيم، وأجدع وأشرف بنت في الدنيا كلها.

وحاولت تهديها وقت طويل لحد ما استكانت وهديت وقالت لها إنها هتدخل تعمل لها عصير يروق أعصابها وسندت راسها على الكنبة وشاورت بعينيها لأخوها يجي وراها المطبخ وأول ما دخلوا خبطته على كتفه بعـ.ــنف وقالت له وهي بتجز على أسنانها بغضب:

ـ آه يا وقح يا بجح يا سافل، إنت من إمته وإنت مش بتقدر تتحكم في مشاعرك ولا عواطفك، من إمتى وإنت كده يا "يونس" رد عليا؟

مسح على وشه بإرهاق شديد وندم ورد على أخته باللي حاسس بيه من جواه:

ـ والله العظيم ما كنت جاي لها في نيتي حاجة بدليل إني كلمتك قبل ما اجي لها وطلبت منك تسبقني، أقسم بالله ما كان في نيتي أأذيها ولا أضيعها زي ما هي فاكرة.

وكمل باعتراف حقيقي وعيونه بتنطق بعشق وغرام المهرة وهو بيأكد لأخته:

ـ بحبها حب جنون يا "مريم"، بحبها لدرجة إني بشوفها قدامي ببقى عايز أسكنها ضلوعي وأسلمها روحي وهي كمان تسلمني روحها، بحبها لدرجة إني أول ما شفتها بعد شهرين شفت فيهم الموت والمرمطة والتعب اللي ميتحملهوش إنسان عادي واترميت في حضنها حسيت إني اتزلزلت، حسيت إني محتاجها قوي تطبطب عليا، كانت وحشاني لدرجة إني وكأني كنت عايز أتملكها وأقول لها إنتي بتاعتي، والله غصب عني ما كان في نيتي أي حاجة من دي تحصل.

حضنت أخته وشه بين إيديها وواجهته بحقيقة قاسية رغم إنها اتعاطفت مع وجعه وندمه الحقيقي:

ـ شوف يا "يونس" إنت واحد شغلك بيخليك ماشي وشايل روحك على كفك ده بعد الشر عنك يا اخويا طبعاً، افرض كنت دمرتها بالشكل ده ورحت ومرجعتش يا "يونس"؟
تصور وروح بعقلك كده كانت ممكن يحصل لها إيه؟
أهلها كانو هيحسوا بإيه وكمان دول مش أي أهل دول صعايدة يا "يونس" صعايدة؟
هي ذات نفسها بشخصيتها كانت هتقدر تعيش وتكمل حياتها ازاي؟

وكملت باللي خلاه كره نفسه وكره مشاعره الضعيفة اللي حركته ومقدرش يمسك نفسه:

ـ طيب افرض كان نتج عن ده كله حمل ورحت ولا قدر الله مرجعتش، إنت متخيل حجم المصيبة إنك في لحظة عشتها وياها سعيدة هتخليها أتعس إنسانة في الدنيا وكنت هتخليها توطي راسها في الأرض، "مهرة" اللي طول حياتها بتحارب الفقر والجوع والقهر اللي عاشته ده يبقى جزائها منك؟

كان بيتنفس بسرعة شديدة وهو بيتخيل كلام أخته كأنها في سباق، وشافت في عيونه الندم الحقيقي والأسف:

ـ آخر الكلام يا "يونس" البنت مننا زي ما أهالينا عودونا وربونا من وإحنا بنات صغيرة بتعتبر كتب الكتاب زي الخطوبة بالظبط مينفعش نفرط في نفسنا تحت مسمى العقد، علشان ده العرف والعادات والتقاليد اللي الشرع أيدها، وكل بنت لازمن تاخد بالها من نفسها قوي قوي ومتتساهلش ومتضمنش العمر والظروف لأنها لو خسرت أهم حاجة في حياتها زي دي هتخسر حياتها كلها، كل بنت لازم تحافظ على نفسها علشان لما تلبس فستان فرحها وتيجي ليلة العمر تعيشها وهي مرفوعة الراس للأسف مفيش حاجة مضمونة والعمر أكتر حاجة مش مضمونة.

وكملت نصايحها لأخوها المتهور:

ـ واحفظ الجملة دي يا سيادة الرائد كويس
ما بين رمشة عين وانتباهتها يبدل الله من حال إلى حال.

هز راسه بأسى وسألها بوجع:

ـ تفتكري هتسامحني على اللي حصل مني من غير قصد وهتقبل اعتذاري ولا بدماغ "مهرة" هتنهي كل اللي بينا؟

كانت خلصت العصير وناولته الكباية اللي في إيديها وجاوبته:

ـ تخرج زي الشاطر تديها العصير بحنان كده، وما تقلقش اللي يحب بجد ويعشق زي "مهرة" لدرجة إنها تنسى نفسها وهي معاك عمرها ما تقدر تفارق اخرج اعتذر لها وقول لها إنك غلطان وندمان واوعدها إنك عمرك ما هتكرر الموضوع ده تاني والاعتذار ما يبقاش مرة واحدة ده اتنين وتلاتة وعشرة.

حرك راسه بموافقة وأخذ منها العصير وخرج لقاها لسه بتعيط، "مريم" مسكت التليفون وقررت إنها تنشغل شوية بعيد عنهم علشان تدي لأخوها مساحة إنه يعتذر لها ويتكلم معاها قبل ما يمشوا فقرب منها وحط الكباية على الترابيزة وقعد قدامها ومسك إيديها بالعافية وهو بيعتذر بندم:

ـ حبيبي حقك عليا والله أنا بجد زعلان من نفسي قوي إني زعلتك كده وضايقتك غصب عني، كفاية عياط بقى وأنا والله العظيم أوعدك إن اللي حصل ده عمره ما هيتكرر تاني بس أرجوكي كفاية يا "مهرة" بقى.

مع كل كلمة بيقولها كانت بتحاول تهدى وخصوصاً إن المشهد بيتعاد في دماغها وتوصل لنقطة إنها خسرت نفسها وبعد محايلات كتير جداً من "يونس" بطلت بكا وناولها العصير وهو بيداعبها بخفة علشان يخفف جو التوتر:

ـ طب ممكن بقى تشربي العصير اللي تعبت قوي وعملته لك بنفسي؛ سامحني يارب؛ علشان خاطر تروقي على أعصابك يا مهرتي.

أخدت منه الكوباية من غير ما تبص لعيونه وبتحاول تتجنبه وده أزعجه جداً فجه يقرب إيده من وشها علشان يخلي عينيها تواجه عيونه فبسرعة بعدت إيديه عنها بحدة ضايقته لكن حاول يكون هادي لأن اللي حصل منه هو السبب في خوفها فقام من قدامها وقعد جنبها وهو بيطلب منها بصدق:

ـ ما تخافيش مني يا "مهرة" أنا عمري ما أفكر أأذيكي تاني، صدقيني كل اللي حصل كان غصب عني علشان إنتِ كنتِ وحشاني قوي ويا عالم لما أمشي بكرة هتشوفيني تاني ولا لأ، ويمكن دي تكون آخر مرة نتقابل فيها.

قلبها دق بوجع من كلامه وما قدرش تتحمل إنه ممكن ما يرجعش تاني وما يكونش في حياتها فقالت له بصوت خارج منها بالعافية:

ـ هدعي لك ربنا تروح وترجع لي بالسلامة.

ابتسمت العيون أخيراً وغازلها:

ـ ربنا ما يحرمني منك ولا من وجودك في حياتي ولا من ابتسامة القمر اللي بشوفها في وشك، ممكن بقى تيجي تتغدي معانا بكرة أنا وماما و"مريم" وأودعك من هناك وإن شاء الله أول ما أرجع نتمم جوازنا على طول.

سألته بخوف:

ـ هتقعد كتير هناك؟

طمنها بأمل:

ـ شهرين بالكتير وإن شاء الله ممكن ربنا يسهلها وأرجع قبل كده متقلقيش أنا جيت استمد قوتي وطاقتي اللي أقدر أحارب بيهم الكون كله من عيون فتاة القمر.

وقدر "يونس" في لحظة يبدل مشاعر الخوف والحزن اللي جواها الابتسامة اترسمت على وش المهرة الأبية مرة تانية، مش لازمن كل إنسان قوي وطول حياته عايش قوي ما يضعفش بس القوة اللي جواه وقت الخطر هتتحداده وهتنقذه، بس مع المشاعر القوة بتختلف، أصل المشاعر بتشاور مكان ما بتشاور من غير ما تستأذن من غير ما تدي فرصة للتفكير فأوقات تأذينا المشاعر،

خرجت "مريم" لقيتهم بيبتسموا فارتاحت إنهم قدروا يتخطوا الموقف اللي حصل وقربت منهم وشدت أخوها ووقفته إجباراً عنه وهي بترخم عليه:

ـ خلاص يا حبيبي شطبنا النهاردة يلا روح لمامتك اللي ميتة من العياط عليك والقلق روح طمنها كفاية عليك كده النهاردة وأنا هبات مع "مهرة" أنا استأذنت من ماما وطبعاً قعدت أتحايل شوية على الباشا خطيبي على ما أوافق أصلاً هو ما يقدرش يرفض علشان أنا مسيطرة.

ضيق جبينه وشاكسها كعادتهم:

ـ والله! مش على بابا، ده إنتِ بتسمعي صوته بتترعبي.

رفعت شفايفها باستنكار:

ـ أه ما انتوا رجالة رخمين وأسباب النكد اللي في الدنيا كلها بسببكم.

قام من مكانه وهو بيبص لها بلا مبالاة ودور وشه لـ"مهرة" وبعت لها بوسة في الهوا على كف إيديه فابتسمت وهو بيقول لأخته:

ـ أنا همشي قبل ما تفتحي في اللوك لوك بتاعك أروح أشوف أمي حبيبتي.

وبص على "مهرة" وقال لها:

ـ هعدي عليكِ بكرة عشان تيجي تتغدي معانا تمام؟

بسرعة رفضت وهي بتبص لـ"مريم":

ـ لأ إني هاجي مع "مريم" ما تتعبش روحك.

"مريم" بصت لأخوها وهي بتقول له بهزار:

ـ يا كسفتك يا حازم... لو أنا منك أخبط دماغي في الحيط.

كلهم ضحكوا على "مريم" وعلى استغلالها للظروف أما هو كور إيده على إنه هيديها بوكس في الهوا وعـ.ــض على شفايفه من استغلالها للمواقف دايماً وهي بتمسك على عناده وسابهم ومشي فجريت على "مهرة" وأخدتها في حضنها وطبطبت عليها وفي الليلة دي بالذات ما كانش ينفع تسيبها تبات لوحدها وقررت إنها تفضل معاها تطبطب عليها طول الليل.

                 ********

كانت قاعدة زهقانة وتعبانة نفسياً بسبب بعد "سند" عنها وتجاهله ليها، خصامه صعب جداً، مكانتش متخيلة إنه هيقدر يبعد عنها كل ده وإن شوقه مش هجيبه لعندها مستسلم، فقررت إنها تتحداه النهاردة ولازمن تصالحه بس من غير ما تبين له إنها عايزة تصالحه لأنه بيعند أكتر، قررت إنها هتعمل له الأكل اللي بيحبه جداً والحلويات كمان اللي بيحبها، ووقفت طول النهار تعمل طاجن ورق عنب بالكوارع اللي بيعشقه وفتة وممبار ده أكتر أكل هو بيحبه، وعملت كمان كيكة بالشوكولاتة وكريم كراميل، وفضلت طول النهار تعمل الأكل وظبطته على الآخر لحد ما ميعاده قرب إنه يجي دخلت أخدت شاور ولبست بيجامة ستان باللون الأبيض وفردت شعرها وحطت برفان من اللي بيحبه منها جداً، وبعض لمسات تجميل هادية جداً وكانت في الوقت ده تقول للقمر أنا أجمل منك، وكمان كانت بعتت لـ"شيماء" أخدت ولادها يقضوا الليلة هناك معاهم هي مصممة إنهم يتصالحوا النهاردة وطالما هو مش قابل اعتذارها ولسه مكمل في عقابها هتخليه يصالحها بنفسه وهو مجبر، قررت تستخدم معاه مكرها وأنوثتها ودلالها اللي هتخليه يخضع لأمر هواها بدون إرادة منه،

أخيراً سمعت صوت طلوعه على السلم فبصت في المراية على نفسها كأنها مراهقة مستنية حبيبها اللي غايب عنها ووحشها،
أول ما فتح الباب ودخل كانت هي بتخرج من أوضة نومهم وبتقفل الباب وراها لقيته بينطق السلام بملامح عابسة:
ـ امممم... السلام عليكم.

وبص حواليه من غير ما يبص عليها وهو بيسأل على الأولاد اللي أول ما بيسمعوا صوته بيجروا عليه وسألها وهو بيخلع عبايته ومديها ضهرها:

ـ أمال فين العيال ماسمعش صوتهم عاد نامو بدري اكده دي يدوب المغرب لسه مأذن؟

قربت منه ووقفت وراه ومدت إيديها أخدت منه العباية علشان تعلقها مكانها وأول ما قربت منه وشم ريحتها اللي بيعشقها وكانت قالبة المكان، مجرد ما قربت منه وحس بيها وهي وراه شعوره تجاهها كأنه محارب في العشق بيجاهد نفسه إنه ميلتفتش ليها ويسلم عليها بطريقته الخاصة وخصوصاً إنه بقى مدمن قربها، وجاوبته بمكر ودلال قاصداهم علشان تربكه:

ـ راحوا مع خالتهم "شيماء"، كانت عندي وصمموا إنهم يروحوا يباتوا وياها واني ممانعتش وقلت تستريح من دوشتهم يوم.

التفت لها بعد ما سمع كلامها وياريته ما التفت كانت مقربة منه جامد، شاف شكلها واللون الأبيض عليها وخصوصاً بطنها اللي الحمل بان عليها وزادها جمال على جمالها، وشعرها المصفوف على كتافها وشفايفها اللي بلون الورد اتهز من جواه وخصوصاً إنها وحشاه جداً بقاله ما يقرب من عشر أيام ماضمهاش لحضنه، ولا اتنعم بقربها الجميل، اتحمحم وهو بيحاول يكون متماسك قدامها ومشي ناحية الكنبة علشان يقعد:

ـ ومين قال لك إنهم هيدوشوني أني هحبهم وهحب لما أدخل البيت أشوفهم، كأنها أوهام في دماغك عاد؟

مطت شفايفها بدلال وكملت وهي بتمد إيديها ليه وشدته من إيديه قبل ما يقعد في حركة مفاجئة منها ليه وهي بتبتسم له برقتها اللي زلزلته:

ـ لااااه تعالى على السفرة علشان نتعشى سوا أني مرضيتش آكل حاجة خالص من الصبح غير حاجة بسيطة جداً ومستنياك نتغدى ونتعشى سوا، وكمان عملت لك بيدي كل الوكل اللي هتحبه.

سألها بقلق حقيقي:

ـ وه! وليه صابرة على حالك كل دي وانتي شايلة عيل في بطنك ومأكلتيش، مخيفاش يحصُل لكم حاجة عاد من قلة الوكل؟

قربت منه وهي بتحط الأطباق قدامه بنفس الدلال وسألته بهمس ناعم زلزله:

ـ إنت خايف علي ولا على ولدك اللي في بطني بقى وقول الحقيقة متكذبش علي؟

كانت قاصدة تجبره يبص في عينيها علشان تربكه وتفقد مقاومته في إنه يفضل مخاصمها، رفع حاجبه لما اكتشف مكرها وياه وإنها قررت تلاعب مشاعره واحتياجه ليها ولقربها وفهم قصدها وجاوبها:

ـ وانتي وهو إيه مش واحد؟
وبعدين هو جواكي هيستفيد منك وهيتغذى وهيُبقى تمام إنتي المضرورة وإحنا منرضالكيش الضرر عاد يابت الناس.

قربت منه ووطت بنص جسمها قدامه وهي بتناوله المعلقة وخصلات شعرها طايرة على وشه جننته وقالت برقة:

ـ انتوا مين بقى اللي مترضوليش الضرر بالظبط مفهماش؟

جواه كان بركان شغال، عروقه بتنفض بمقاومة وكل خلية فيه بتناديها، بس كبريائه لسه واقف له بالمرصاد، بلع ريقه وصوته طلع خشن وهو بيحاول يبعد نظراته عن عيونها اللي بتلمع بمكر، ورد وهو بياخد المعلقة من إيدها:

ـ أني وولدي عاد، إحنا التنين يهمنا إنك تكوني صاغ سليم، وبعدين إنتِ عاملة وكل كَتير وشكلك واقفة على رجلك طول النهار من غير ما تاكلي فطبيعي إنك تتضري وكمان معايزينش نتعبك ويانا.

ضحكت ضحكة ناعمة، رنت في ودنه زي النغم الساحر، ومقعدتش قصاده على السفرة زي ما هو كان متوقع، لأ دي قعدت على الكرسي اللي جنبه بالظبط، لدرجة إن كتفها بقى لامس كتفه بقصد منها، بدأت تغرف له من طاجن ورق العنب بالكوارع اللي بيعشقه، وتحط الممبار قدامه وهي بتتدلع في كل حركة، وقالت بصوت ناعم زي الحرير:

ـ وماله تعبك راحة يا أبو الواد، أني قولت أدام إنت لساتك زعلان وواخد على خاطرك مني، يُبقى ملوش صالح بالوكل والشرب برة الدار، لازمن تدوق وكل زين من يد مرتك وحبيبتك علشان تفكر قلبك زين إن ملوش مكان يروح فيه غير حضن "نغم".

"سند" حس إنه خلاص قرب يفقد السيطرة على أعصابه، كلامها ودلالها كانوا بيكسروا الحيطة اللي بناها بقاله عشر أيام بسبب الموقف اللي حصل بينهم، حاول يثبت ملامحه العابسة، وبدأ يأكل ببطء وهو باصص في الطبق، وقال بنبرة جافة بيحاول يصطنعها وعاجبه الحوار ده ما بينهم قوي وهو أصلاً كان جاي ناوي يصفي قلبه والزعل اللي بينهم من ناحيته :

ـ الأكل زين، تسلم يدك.. بس الوكل المليح ميمحيش الزعل يا "نغم"، الغلط غلط، وأني لساتني شايل في قلبي من عمايلك.

"نغم" مطت شفايفها بلطف، وقربت منه أكتر لدرجة إن ريحة برفانها اللي بيعشقه هجمت على أنفاسه وسلبت عقله، حطت إيدها الرقيقة على كتفه العريض، ومشت صوابعها بنعومة فوق كتفه، وقالت بنبرة فيها عتاب دايب في هواه:

ـ وه.. لساتك قاسي علي عاد؟ دي أني قولت إنك ما هتقدرش على بعد نغمك أكتر من اكده وهترجع لي وقلبك هيلين من ناحيتي؟

طب بص في عيني وقول لي إنك مشتاقش ليا واصل؟ عشر أيام يا "سند".. عشر أيام وأنت بتدخل الدار وتديني ضهرك، كأني بقيت غريبة عنك والله مهتحملش واصل؟

اتنهد تنهيدة طويلة، حارة، طلعت من جوه قلبه وزلزلت صدره، ساب المعلقة من إيده ولف وشه ليها، وعيونه اللي كانت مليانة قسوة مصطنعة، اتلاقت مع عيونها الواسعة المليانة دلال ووعود عشق، نظراته نزلت تلقائي على بطنها اللي بارزة شوية، وبعدين طلعت لشفايفها اللي بلون الورد، وحس إن المقاومة بتدوب زي الشمع قبال النار، اتحمحم وقال بصوت مبحوح من كتر الشوق:

ـ أني قاسي برضه؟ ومين اللي ابتدا يزعل التاني عاد؟ مين اللي عاند ومسمعش الحديت؟ أني كنت عأربيكي يا "نغم"، علشان توعي لحالك وإنتي هتتحدتي ويا جوزك، كنت هزرع جواكي ثقتك فيا وإني مهقولش كلام ووعود وخلاص، كنت رايد أبدل خوفك لأمان تستمديه من قوتك إنتي ومن جواكي إنتي مش اعتماد على أي حد واصل.

"نغم" قربت وشها منه أكتر، وخصلات شعرها الحرير نزلت على كتافه، وهمست جنب ودنه بصوت ناعم خلاه يتنفض:

ـ وأني وعيت لغلطي زين وتوبت من خوفي على يدك، بس العقاب الواعر دي كَتير على قلبي نغمك، متقساش أكتر من إكده، ده أني الليلة دي مشيت العيال مخصوص علشان أفضى لـ "سند" حبيبي وبس.

"سند" مقدرش يتحمل أكتر؛ مكرها وأنوثتها الطاغية الليلة دي كسروا كل حصونه وجردوه من كبريائه، مد إيده وبسرعة وخفة، حطها ورا رقبتها تحت شعرها المفرود، وسحبها ليه براحة بس بقوة، لحد ما بقت أنفاسهم واحدة، وقال وعيونه بتنطق عشق:

ـ يمين الله إنتي طلعتي مكارة، وعارفة كيف تلفي حبل هواكي على رقبتي وتجريني وراكِ وأني مغمض، عاملة لي الوكل الزين اللي هحبه وهيئتك وريحتك وتسريحة شعرك كمان اللي قالب كياني، عِملتيهم يا صغنن علشان تسلميني لقلبك بكل قوتك الليلة دي ومقدرش أنطُق عاد؟

"نغم" ابتسمت بدلال المنتصر، ورفعت إيديها الاتنين وحاوطت بيهم رقبته، وغمضت عيونها من الخجل ونظراته اللي بتقـ.ـتحمها وبدأت تتسلل ليها لما لقت عينيه بتلمع بالشوق الجارف، وقالت بصوت مرتعش:

ـ وإنت استسلمت يا ابن الناجي ولا لساتك هتكابر قصاد دلالي ومكري؟

"سند" ضحك ضحكة مكتومة، دافية، وطبع قبلة طويلة وحارة على خدها، ونزل بإيده التانية يحاوط وسطها ويضمها لصدره بكل قوته كأنه بيعوض أيام البعد، وهمس قصاد شفايفها:

ـ استسلمت عاد ورفعت الراية البيضا كمان قصاد الأبيض اللي هتلبسيه دي، ابن الناجي اللي بيتهزش بسهولة تاجي عيلة صغيرة متاجيش نص طوله زيك تزلزل كيانه، ويبقى قبال مكرك ودلالك كيف العيل اللصغير اللي ملوش صالح غير بحضن أمه.. تعالي اهنه بقى، سيبك من السفرة دي والوكل دي كلاته، أني جوعي ليكي أشد بكَتير من جوع البطن!

شالها بين إيديه براحة وخوف على اللي في بطنها، و"نغم" دفنت وشها في صدره وهي طايرة من الفرحة بعد ما مكرها ودلالها نجحوا وأخيراً رجع لها أمانها وسندها، ودخل بيها أوضتهم وهو بيقفل الباب برجليه، لتبدأ ليلتهم اللي كلها غرام وتشويق، ويمحي حضنه الدافي وجع سنينها اللي فاتت وأيام خصامه اللي كوت قلبها،

وبعد مدة مش كتيرة كانت واقفة قدام المراية بتنشف شعرها وبتسرحه فمسك منها المشط وبدأ يسرح لها بحنان وهو واقف وراها يغازلها:

ـ جميلة إنتي قوي يا "نغم"، جمالك مش في هيئتك ولا ملامحك بس لااااه، أصل فيه مليون ست جميلة لكن جمالهم بارد مفيهوش روح، أما إنتي جمالك فيه سحر شديد، جمالك ناعم لدرجة إنه بيسحبني ناحيتك كيف الشاب المراهق الملهوف على حضن حبيبته، بتعرفي كيف تخليني أحب دنيتي وياكي وأتمسك بيها أكتر وأحارب الدنيا بحالها علشان نظرة من عيونك بس.

التفت له وحاوطت رقبته بإيديها وهمست له:

ـ ولك بالمثل بطلي الشجاع، إنت بقيت كل حاجة محيت بيها كل الوجع، بس أمانة عليك متزعلش مني تاني كل المدة داي كلاتها، إني من غيرك كيف الغريق يا "سند".

باسها من جبينها ووعدها:

ـ من عيوني، هدخل آخد دش وانتي اعملي لي قهوة من يدك الحلوين دول.

بعد شوية كانوا قاعدين في البلكونة بيشربوا قهوتهم مع الكيكة اللي هي عاملاها وبتسأله بشغف:

ـ عملت لك قهوة عظمة على عظمة وكمان دوق الكيكة بالشوكولاتة اللي أني عاملاها مخصوص كيف ما بتحبها وقول لي إيه رأيك؟

أخد منها القهوة وشكرها بابتسامة:

ـ أكيد طبعاً حلوة كيف اللي عاملاها وطبعاً شكل الكيكة هيقول إنها رائعة تسلم يدك يا حبيبي.

وفضلوا يتكلموا شوية وهو مسك موبايله بيتكلم مكالمات شغل وهي مسكت كتاب كانت بتقرا فيه قصادهم كانت واقفة "سما" بتبص عليهم كانت خارجة بالصدفة للبلكونة وشافت المنظر ده وهم قاعدين مع بعض بيشربوا قهوة وبياكلوا كيكة وبيبتسموا عمرها ما شافت أمها وأبوها قاعدين القاعدة دي وخصوصاً بعد كلام ستها "رابحة" المشهد ده استفزها جداً وكأن قعدة أبوها مع مراته في البلكونة إجرام، خرجت لمامتها وهي متعصبة كانت قاعدة قدام التلفزيون بتتفرج على مسلسل وقعدت جنبها بزهق وهي بتقول لها:

ـ ممكن أسألك سؤال يا ماما إنتي كيف راضية على حالك إن أبوي متجوَز واحدة تانية غيرك وعادي اكده  ما زعلناش ولا فارق وياكي؟

"دعاء" ضيقت ملامحها بدهشة من سؤال بنتها الغريب واللي عمرها ما كانت تتوقعه أو إن "سما" تركز في حاجة زي دي وسألتها:

ـ إيه الكلام اللي هتقوليه دي يا "سما" وكيف تدخلي حالك في أمور زي كيف إنتِ لساتك صغيرة وداي أمور ما تتدخليش فيها واصل؟

اتعصبت "سما" وهي بتهز رجليها بغضب شديد وغيرة على أبوها من وجوده مع ست تانية غير أمها وده طبعاً الكلام اللي حفظته لها "رابحة":

ـ ما بقتش صغيرة يا ماما إني كبرت وفاهمة كل حاجة عاد وأعرف إن الست ما ينفعش تتنازل عن جوزها لست تانية وبنفس راضية كيف ما هشوفك، دي إنتي هتتعاملي ويا خالتي "نغم" كأنها أختك مش ضرتك هتجننيني والله يا ماما؟

وكملت وهي بتشاور بإيديها على البلكونة وبتشد إيدين أمها إنها تقوم معاها علشان تشوف اللي هي شافته:

ـ طب تعالي دلوك اخرجي للبلكونة اكده وشوفيهم وهما قاعدين مع بعض هيهزروا وهيضحكوا وياكلوا ويشربوا قدام القمر في الليل الهادي في مشهد عمري ما شفتك إنتِ وأبوي هتقعدوا القعدة داي، عمري ما شفت بينكم السلام النفسي اللي شفته ويا خالتي "نغم" وأبوي دلوك،  ليه يا ماما؟

"دعاء" حطت راسها بين إيديها وهي بترد على بنتها في سؤالها الغير متوقع لكن باختصار:

ـ عادي رجالة كَتير متجوَزين على ستاتهم وعايشين في هدوء، وبعدين اني وأبوكي الظروف اللي حطتنا قصاد الجوازة داي وطالما كبرتي أكيد واعية للظروف داي زين مش هنرجع نعيده في الموضوع اللي ما هيخصكيش دي تاني يا "سما".

ابتسمت "سما" بسخرية من جواب مامتها وقالت:

ـ أه يعني أني لما أبقى زوجة في يوم من الأيام أتقبل عادي إن جوزي يتجوز علي بحجة إن في ناس كَتير اكده؟ وممكن كمان يقول لي في يوم من الأيام إن أمك رضيت على نفسها اكده وإن هو عادي يتجوَز علي أمال إيه.

حزنت "دعاء" من طريقة بنتها معاها في الكلام وما بقيتش عارفة ترد عليها بإيه وسابتها وقامت دخلت أوضتها و"سما" اتأكدت إن الكلام مع أمها مش هيجيب نتيجة زي ما ستها وسوست لها في دماغها وقررت إنها تعمل اللي ستها قالت لها عليه وخرجت تاني للبلكونة علشان تشوفهم وهم قاعدين مع بعض والحقد بدأ يتزرع جواها ناحية "نغم" والغيرة على أبوها.

                       ****** 

ـ إنت هتفضل لحد ميتة قاعد في الشقة دي وما هتاجيش البيت يا "سمير" هو إنت مفكر إن إنت اكده لو قعدت اهنه طول عمرك يد "سند" ما هطولكش على العملة المهببة بهباب على راسك اللي عِملتها ويا أبوك؟!
إنت ما تعرِفش أخوك مستنيك لما تعاود ولو بعد عمر علشان يأدبك على عملتك داي قدام كل الموجودين والغفر والخدم كيف ما غلطت في حق أبوك قدامهم كلاتهم، كأنك ما هتوعاش لـ"سند" عاد ولساته هيستجد عليك؟

نفخ بضيق من كلام أمه وتعصب:

ـ جاية تخوفيني من ديك البرابر بتاعكم دي، طب اني ما هخافش يا حاجة ويُبقى يوريني ولدك هيعمل فيا إيه بكلامك اللي يعصب دي.

رمت شنطتها من إيديها وقعدت جنبه وهي بتفهمه غلطه بالراحة:

ـ يا ولدي إنت غلطت غلط كَبير في حق أبوك ولازمن تروح تبوس يده وتحب على راسه ورجله وتبدي ندمك وتحق نفسك تحت رجليه يا "سمير"، بعيد عن "سند" أو أي حاجة إنت غلطت غلط كبير ولازم تصلح غلطتك دي يا ولدي ومش عشان الورث ولا الكلام الفاضي دي، لاه علشان دي أبوك ما كانش ينفع تعمل اكده وكان لازمن ولابد تتحكَم في أعصابك وغضبك عمال على بطال.

ضـ.ــرب كف على كف وهو بيسخر من كلام أمه:

ـ هو بالنسبة لك ورثي ومالي بقى كلام فاضي! حقي اللي أخوي أخده مني وأبوي كتبه له بالإجبار وهما عايزين يطلعوني من الليلة من المولد بلا حمص بقى كلام فاضي بالنسبة لك يا حاجة؟

حاولت ما تتعصبش ولا تزهق من طريقته وكلامه:

ـ كأنك أهبل عاد ما تعرِفش أبوك ولا تعرِف أخوك،  أبوك مطبخها هو وأخوك علشان يخلوك تتنازَل عن القضية بالكلام الأهبل والورقة اللي ما لهاش لازمة داي عاد؟

أبوك راجل حقاني ويعرِف ربنا وكمان "سند" عمره ما يقبلها على نفسه إنه ياخد حقك وورثك الموضوع كلاته ضغط عليك علشان تتنازل عن القضية وتسيب لها عيالك، افهم يا أبو مخ تخين موضوع الورث والورقة دي اني بأكد لك إنه مستحيل يكون حقيقي أو يحصُل.

التفت لها "سمير" وهو بيبص لها بعدم تصديق لكلامها:

ـ واه يا حاجة هتقولي أي كلام وهتفتكريني عيل صغير عشان تضحكي على عقلي عاد؟!

كأنك ما شفتيش الورقة والعقد متوثق في الشهر العقاري، وشفتي كمان إمضاء الشهود عليه، عايزة تكدبي عيني اللي شافت ورثي اللي أخويا واكله في جيبه وأبوي اللي استحل يعمل العملة اللي ما ترضيش ربنا داي.

أكدت له وهي بتهز راسها بسخرية:

ـ ما بقاش "رابحة" وشعري دي على راسي أما كانت الورقة داي فيها حاجة غلط إحنا مش فاهمينها، أبوك عمره ما يعمل اكده ولا أخوك عمره هيطاوعه وبكرة نروح للمحامي اني وإنت وهخليك تسمع بودنك الكلام اللي هقوله لك عشان تعرف إني ما هخرفش، اني خابرة جوزي أبو ولادي زين وخابرة "سند" ولدي زين بس المهم دلوك واللي اني جاية لك علشانه هو إنك تروح تراضي أبوك وتحب على راسه وتتحمَل كمان غضب أخوك عشان اللي عِملته مش هين يا ولدي.

وفضلت جنبه لحد ما أقنعته إن هو يروح يعتذر لأبوه ويغلط نفسه وكمان يتحمل كلام "سند" ليه لأن اللي عمله كبير جداً وطبعاً هو بيسمع كلام أمه وبالنسبة له سمعاً وطاعة.

                    ****** 

ياه "ماهر البنان" بنفسه هيتصل بينا، يا هلا وغلا بالمتر اللي هيهز المحاكم بنظرة وخطوة بس جوة القاعة.

رد عليه "ماهر" وهو بيضحك بثبات:

ـ يا أهلا بيك يا عم "سند" بلاش والنبي تمجد فيا قوي أكده علشان بتغر قوي.

ضحك "سند" بهدوء نفس الضحكة بثبات وهو بيرد عليه:

ـ يا عم اتغر براحتك إنت خط المحاكم برضه ومشرفنا ومشرف قنا كلاتها ومفيش منك اتنين في مصر كلاتها.

رفع "ماهر" حاجبه ورد عليه:

ـ يوه لساته طبعك كيف ماهو يا "سند" من أيام ما كنا في ثانوي هتحب ترفع من روحنا المعنوية كلاتنا، إيه يا عم سيب لنا شوية جدعنة نعملها معاك ولا إنت واخد جدعنة الصعايدة كلاتها لحالك.

هز "سند" راسه وطلب منه وهو بيشاور لـ"نغم" تيجي جنبه وتسمع المكالمة:

ـ ماهو إني جيت لك إنت ليه يا باشا ماهو علشان عارف إني جيت المكان الصُح، من يومين بعت لك ملف القضية اللي كلمتك عنيها كلاته على الواتس كيف ما قلت لي يا ترى درستها ولا طنشتيني وبأكده مهتلحقلكش حبة جدعنة.

ضحك "ماهر" بشدة على كلامه:

ـ يا عم "سند" داي قضية تجيبها للخط برضه وتسأله علشان تطمَن؟

وكمل كلامه وهو بيطمنه:

ـ اطمن داي قضية تافهة جداً والحضانة هتروح لأم الأم بكل سهولة، بس القضية ذات نفسها هتاخد وقت طويل على ما يتحكم فيها وطول الوقت دي الأولاد بيكونوا مع أمهم، إنت خابر زين يوم المحاكم بسنة.

بص "سند" لـ"نغم" اللي قربت منه وهي بتتنفس أخيراً باطمئنان لأول مرة من خوفها على عيالها وابتسمت وهي بترمى نفسها في حضنه، وسابها وخرج يكمل مكالمته وهو بيسأل "ماهر" اللي حكى له طبعاً عن الموضوع كله من أوله لآخره وملابسات الجوازة من "نغم" لحد ما وصلوا للمرحلة دي وكمان اللي حصل ما بينه وما بين أمه وأخوه عشان يكون على دراية:

ـ هو إنت تقدر تخليه يتنازل عن القضية أو تعمل أي حاجة إن القضية ما تكملش، ما هحبش أقف قصاد أخوي في المحاكم خالص وما هبلعهوش الموضوع دي خالص يا "ماهر" وربنا الأعلم إني عملت إيه علشان يتنازل وبرضه اللي في دماغه في دماغه.

حرك "ماهر" القلم اللي في إيديه بثقة وفي الوقت ده كانت "رحمة" داخلة له بالقهوة فشاور لها إنها تدخل بابتسامة وتقعد وهو بيرد على "سند"...

تعليقات