رواية نصيب مؤجل الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم مهرائيل اشرف

 

 

 


  رواية نصيب مؤجل الفصل الثامن والعشرون بقلم مهرائيل اشرف


في أوضة العناية المركزة...
الأجهزة كانت بتصفر بصوت متواصل يخرق الأذن، وكراميلا واقفة في زاوية الأوضة كافّة إيدها على بوقها والدموع نازلة زي المطر.
الممرضات ب يجروا، والدكتور ماسك جهاز الصدمات الكهربائية وبيصرخ:
— ارفع لـ 200... اجهزوا!

جسم مصطفى اتنفض على السرير نفظة قوية... الشاشة جابت خط شبه مستقيم، والدكتور نزل إيده بأسف وهو بيعدل قناع الأكسجين. مصطفى في حالة غيبوبة حرجة جداً، والتنفس الصناعي هو اللي مسكه بالحياة بالكامل.

في نفس اللحظة... في مكتب الممر.

ميادة كانت مساكة القلم بتمضي على ورقة استلام الشحنة، وفجأة القلم اتكسر في إيدها ونقطة حبر أسود كبيرة نزلت على الورق.

قلبها انقبض كأن حد عصره بإيده.

تليفونها رن... ردت بلهفة، فسمعت صوت كراميلا المكسور والمنهار:
— الحقيني يا ميادة... مصطفى قلبه وقف ورجعوه بالأجهزة بالعافية، بس الدكتور بيقول الغيبوبة عمقت وممكن يدخل في شلل كامل أو موت دماغي في أي لحظة!

ميادة قامت ببطء شديد، الوش اتمسح منه كل ملمح حياة، اتحول لتمثال من ثلج. سحبت شنطتها ومشيت بخطوات ثقيلة كأنها ماشية على جمر.

...

قدام المستشفى...

التجار والعمال اتجمعوا والخبر اتسرب إن مصطفى انتهى إكلينيكياً.

الصدمة الحقيقية مكانتش حالة مصطفى بس... الصدمة نزلت لما عمران ظهر بنفسه قدام باب المستشفى!

عمران... اللي كان مفروض مقبوض عليه، كان واقف على الناحية التانية من الشارع! المحامي بتاعه استغل ثغرة في أمر ضبطه وثيقة كفالة مالية وطلعه في نفس الليلة!

كان واقف ساند على عربيتة، لابس نضارة شمس سودا، وعلى وشه ابتسامة شامتة ومريضة.

أول ما شاف ميادة طالعة من الباب، قرب منها بخطوات ثقيلة، شال النضارة وميل عليها وبص في عينيها بصوت واطي ومسموم:
— السبع بقى حتة خشبة على السرير يا بنت سالم... والظهر اللي كنتِ بتتفردي بيه انكسر ميت حتة. وريني بقا هتلاقيه فين القانون ولا التوكيل اللي هينفعك دلوقتي؟

ميادة مبصتلوش أساساً... كانت عينيها ثابتة على الفراغ.

لكن الكارثة الحقيقية نزلت لما شاحنة شرطة وقفت، ونزل منها ضابط بمعية محضرين من المحكمة، وقربوا من ميادة وكراميلا وسط ذهول الشارع كله.

الضابط بص لميادة وقال بقسوة:
— ميادة سالم؟

ميادة هزت رأسها بجمود من غير ما تنطق.

الضابط طلع أوراق رسمية بختم النسر وقال:
— مطلوب القبض عليكِ فوراً بناءً على أمر النيابة العامة.

كراميلا صرخت:
— تقبضوا عليها ليه؟! أخوها بين الحياة والموت جوه!

الضابط كمل ببرود:
— بلاغ عاجل مقدم من شريك المحلات السيد عمران... بيتهمك فيه بتزوير التوكيل الرسمي العام واستغلال حالة مصطفى الصحية لسحب أموال الممر لحسابك الشخصي والتسبب في الأزمة الصحية اللي وصلته للغيبوبة! وبناءً عليه صدر قرار بتحفظ مؤقت على الممر وشمع جميع المحلات لحين انتهاء التحقيق.

التجار صرخوا، والشارع اتكهرب.

عمران ابتسم ابتسامة النصر المريضة وقال:
— قلتلك الشغل مبيعرفش عواطف يا حلوة... المحلات هتتشمع، وأنتِ هتترمي في الحجز لحد ما مصطفى ينتهي خالص ونستلم الممر بالقانون.

الكلبشات اتقفلت في إيد ميادة قدام الناس كلها... والممر اتجمع عليه ظباط عشان يتشمع بالكامل.

مفيش أي رد فعل ظهر على وش ميادة... مفيش دمعة واحدة نزلت.

بصت لعمران نظرة واحدة طويلة... نظرة فارغة تماماً من أي رحمة، مفيش فيها لا كلام ولا شعارات. نظرة واحدة خلّت عمران نفسه يترعب ويرجع خطوة لورا من هدوءها المرعب.

العربية قفلت بابها على ميادة... والممر ات شمع بالسلاسل... ومصطفى متثبت على أجهزة التنفس في العناية، والممر كله اتقلب

مرت ساعات الليل على الممر زي الدهر... الشمع الأحمر قافل الأبواب، وميادة محبوسة في التخشيبة، ومصطفى راقد بين الحياة والموت.

الساعة كانت ثلاثة بعد نص الليل...

في مستشفى السلام... الهدوء كان مرعب في دور العناية المركزة.

واحد لابس بالطو أبيض وكمامة دخل بخطوات بطيئة وساكتة. مشي في الممر لحد ما وصل لأوضة مصطفى.

بص يمين وشمال... الممرضة كانت غايبة تجيب أدوية.

دخل الأوضة وقفل الباب وراه بالراحة. قرب من السرير... عينيه كانت مليانة غل.

شال من جيبه سرنجة كبيرة فيها مادة شفافة، ومسك الخرطوم الموصل للمغذي بتاع مصطفى عشان يحقنها فيه وينهي حياته بالسكتة الدماغية وتتبان كأنها وفاة طبيعية!

رفع إيده بالسرنجة وقربها من المحلول...

وفجأة!

إيد ناشفة زي الحديد مسكت معصمه بقوة وحصرياً وقفت حركته!

الراجل اتخض وبص وراه بذهول...

كان "حسين"... أجدع راجل في الممر وأقرب صبي لمصطفى، كان يستخبى ورا الستارة من أول الليل بحراسة خاصة نبهته ليها ميادة قبل ما تتقبض عليها!

حسين زق الراجل في الحيطة وكتفه، والسرنجة وقعت فاتكسرت على الأرض.

الراجل حاول يهرب، بس كراميلا دخلت بسرعة ووراها أمن المستشفى وضباط المباحث اللي كانوا مراقبين الأوضة في السر!

الظابط ثبت الراجل وشال الكمامة من على وشه... اتكشف إنه الممرض الخاص بعمران!

الظابط بص للممرض بقسوة:
— اعترف فوراً! مين اللي زقك تعمل كده؟!

الممرض وهو بيبكي ومرعوب صرخ:
— عمران بيه! هو اللي أدافلوس وقال لي أخلص من مصطفى قبل ما يفوق عشان البلاغ يتم والمحلات تصفى له!

...

في نفس اللحظة... في النيابة.

الباب اتفتح بعنف على الأوضة اللي قاعدة فيها ميادة.

دخل وكيل النيابة ومعه المحامي بتاع ميادة، وبصوا لميادة وقال وكيل النيابة:
— ميادة سالم... صدر قرار فوراً بإخلاء سبيلك، وبأمر ضبط وإحضار مستعجل للسيد عمران بتهمة الشروع في القتل والتزوير والبلاغ الكاذب!

ميادة وقفت... مفيش على وشها أي إبتسامة ولا اندهاش، عدلت ياقة بالطوها وقالت بثبات:
— والتفتيش على مخازن عمران؟

المحامي ابتسم وقال:
— النيابة أصدرت إذن بتفتيش مخازن عمران الخلفية حالا، والشرطة نازلة الممر تقبض عليه.

...

في قلب الممر... الساعة خمسة الصبح.

عمران كان واقف قدام المحلات المتشمعة، ماسك التليفون ومستني مكالمة الممرض بشر، وفاكر إن الممر خلاص بقى في جيبه.

وفجأة... النور المقطوع في الممر اتفتح كله!

عربيات الشرطة حاصرت الشارع من الناحيتين، والسرينات ضربت بصوت يزلزل المكان.

عمران اتسمر مكانه والتليفون وقع من إيده.

نزلت ميادة من عربية الشرطة، ومعاها القوة التنفيذية وكراميلا والحاج النعماني كبير التجار.

قربت ميادة من عمران بخطوات هادية، والظابط بيتقدم بقرار الضبط والإحضار.

عمران بص لميادة بذهول ورعب وهو بيتراجع لورا:
— أنتِ... أنتِ خرجتي إزاي؟! ومصطفى...؟

ميادة وقفت قدامه مباشرة، وبصت له بعيون أبرد من التلج، وقالت بنبرة قطعت الخوف في قلبه:
— الممرض اعترف يا عمران... ومصطفى مش بس عايش، مصطفى فاق ونطق اسمك في المحضر بنفسه.

عمران ركبه خبطت في بعضها، وجاء يهرب... بس رجالة الممر كلهم وقفوا وراه وقفلوا عليه السكة بالسلاسل والشوم!

الظابط حط الكلبشات في إيد عمران بعنف.

عمران بص لميادة والدموع طارت من عينيه من كثرة العجز والغل، وصرخ بصوت مخنوق وهستيري:
— ضيعتيني يا بنت سالم! ضيعتي اسمي وشقا عمري كله في ليلة واحدة!

ميادة قربت منه خطوة واحدة، وبصت في عينيه بكل برود وقسوة:
— أنت اللي ضيعت نفسك لما فكرت إن الممر مالوش كبير... وأنك تقدر تمد إيدك على مال غيره وتقتل عشان تاخده. الممر اتطهر منك يا عمران... والحساب اتقفل للأبد.

الشرطة سحبت عمران وسط صرخات وتصفيق التجار والعمال اللي الممر ارتاح من ظلمه، وميادة وقفت في نص الشارع، رفعت رأسها للسما وتنهدت تنهيدة طويلة... بعد ما رجعت حق أخوها وحمت الممر بالكامل.

الشرطة سحبت عمران في الكلبشات، والعمال والتجار زغرطوا وهللوا في الممر، وكأن كابوس ثقيل وانزاح عن صدرهم.

ميادة كانت واقفة وسط الهيصة دي كلها هادية... هدوء مايطمنش خالص.

وفجأة... اتفتحت ثغرة في زحمة الممر، وظهرت منها ست لافة وشها بطرحة سودا وبتتمشى بخطوات مرعوبة ومترددة.

الست دي قربت من ميادة، وشالت الطرحة عن وشها... كانت "فادية"... أخت عمران الكبيرة!

كراميلا شهقت بصدمة، ورجالة الممر اتكهربوا وقربوا يزقوها، بس ميادة رفعت إيدها ووقفتهم بجمود:
— سيبوها... جاية ليه يا فادية؟ جاية تترجي علشان أخوكي المجرم؟

فادية دموعها نزلت بانهيار، وطلعت من شنطتها ظرف أسود مقفول بختم غريب، ومسكت إيد ميادة وهي بترتعش:
— لا يا ميادة! أنا مش جاية علشان عمران... عمران أخد جزاؤه! أنا جاية ألحقك من الكارثة اللي عمران نفسه كان مجرد كبش فداء ليها!

ميادة حواجبها اتعقدت:
— كارثة إيه؟

فادية بصت حواليها برعب وهمست بصوت مكسور:
— الورق اللي النيابة مشيت بيه ده مش هو الحقيقة... عمران مكانش عاوز الممر علشان الشغل ولا الفلوس، عمران كان بينفذ أوامر "النعماني"! والسرنجة اللي الممرض دخل بيها لمصطفى في العناية... مكانتش علشان تموته يا ميادة!

ميادة مسكت فادية من دراعها بقوة وصوت مشدود:
— أومال كانت إيه؟! أخلصي!

فادية صرخت بالدموع:
— المادة دي مخدر شلل مؤقت... النعماني وعمران كانوا متفقين يهربوا مصطفى من المستشفى وهو غايب عن الوعي في عربية إسعاف تبعهم ليلة إمبارح، والنعماني كان ممثل إنه واقف معاكي علشان يطمنك وتسلميه عقود الممر بإيدك!

في نفس اللحظة بالضبط... تليفون ميادة رن!

ردت ميادة والدم اتجمد في عروقها، فجاءها صوت كراميلا من المستشفى وهي بتصرخ بصوت يقطع القلب:
— ميادة! الحقيني يا ميادة! السرائر فاضية! مصطفى مش في العناية! الأجهزة متقطعة والأوضة مليانة دم ومصطفى اختفى!

ميادة التليفون وقع من إيدها فاتكسر ميت حتة على أراضية الممر!

بصت للحاج النعماني اللي كان واقف بعيد في أول الشارع بيبتسم لها ببرود... وفجأة ركب عربية سوداء فخمة ومشي بسرعة بروق!

الشارع كله اتخرس... الزغاريد تحولت لذهول ورعب، والتجار بصوا لبعض مش فاهمين حاجة.

ميادة وقفت في نص الممر، وشها أبيض زي الجثة، عينيها مثبتة على المكان اللي اختفت فيه عربية النعماني.

سحبت نفس طويل جداً، وقفت بطولها، وعدلت بالطوها الأسود بكل قسوة وثبات مرعب... وقالت بصوت هادي أبرد من الثلج سمع الممر كله:
— اللعبة كانت عمران... بس الحرب الحقيقية لسه بتبدأ حالا.


تعليقات