رواية حب بين نارين الفصل الثاني بقلم ايمان احمد
= إنتي مين.. وبتعملي إيه في أوضتي؟!
ندى حاولت تفلت من بين إيديه، بس هو مسك فيها أكتر، فهزت راسها برعب وهي بتحاول تشاور على إيده اللي كاتمة نفسها. حس بمقاومتها المذعورة ودموعها السخنة اللي بلت كف إيده، فراح مرخي إيده شوية عن بقها، بس ساب جسمه محاصرها وزعق بحدة:
* انطقي.. مين اللي زقك عليا؟
ندى قالت بصوت متحشرج والدموع مغرقة وشها:
= أنا.. أنا بشتغل هنا والله لسة لسة مستلمة الشغل النهاردة.
وفى لحظه كان شال ايده وزقها ، قدامه وأشعل النور فالأوضة كلها نورت فجأة. ندى رجعت لورا وهي بترتعش، وحطت إيدها على صدرها بتحاول تاخد نفسها اللي هرب منها، ورفعت عيونها شافت شاب في أواخر العشرين، طول بعرض، ملامحه حادة وقاسية، وعيونه زي الصقر بتطلع شرار.
ياسين بص لها من فوق لتحت، وهو بيتأمل هدومها البسيطة المبهدلة وشنطتها القماش القديمة المرمية عند الباب، رفع حواجبه باستغراب وقال بنبرة جافة :
* شغالة؟ بس أنا أول مرة أشوف وشك هنا.. الشغالين في البيت ده أنا عارفهم واحد واحد.
وقبل ما ندى تفتح بقها عشان تدافع عن نفسها وتتكلم عيونها وسعت بصدمة شلت لسانها من المنظر ال شافته
على السرير الكبير اللي في نص الأوضة، كانت قاعدة بنت بكل برود وبجاحة، لافة نفسها بملاية وبتبص لندى بنظرات كلها قرف وضيق، كأن ندى هي اللي دخلت وقاطعتها مش هي اللي في وضع مخل!
ندى حست الدم هرب من عروقها، ونزلت راسها في الأرض فوراً من الخجل والصدمة.. عمرها ما شافت منظر زى ده فى حياتها
ياسين لاحظ نظرات ندى وصدمتها، فلف ليها تاني وضيق عيونه بقسوة، غير مهتم تماما بوجود البنت الاخرى ، وسألها بخشونة:
* اخلصي.. إيه اللي طلعك أوضتي أنا بالذات؟ وفي وقت زي ده؟
ندى رجعت خطوة لورا وقالت بخوف شديد:
= أنا.. أنا تقريبا اتلخبطت في الأوض.. مدام هدى.. مدام هدى هي اللي قالت لي أطلع الدور الثاني، وقالت لي أنظف تالت أوضة على الشمال لا اليمين عشان مجدي بيه زمانه جاي هو ومراته كمان ساعة.. أنا من التعب مخدتش بالي.. والله العظيم غصب عني
أول ما لسانها نطق باسم "مجدي بيه"، جسم ياسين اتنفض، وملامحه اتقلبت لـ غضب أعمى يخوف، وعروق رقبته برزت . لف فجأة للبنت اللي على السرير وقال بصوت غاضب ارعب ندى
* غوري من وشي.. دقيقة واحدة والاقيكي برة الفيلا كلها.. يلاااا!
البنت اتعصبت ولوت بوزها وقالت باعتراض وجفاء:
= جرى إيه ياياسو بتطردني عشان حتة خدامة؟ ما تولع! إحنا كـ...
قاطعها بصوت أعلى وعيون حمرا وعروق بارزة:
* قولت غوووري! مش عايز أسمع صوتك! مش خدتى حسابك! يلا فى داهي-ة
البنت اتخضت من شكله ومنظره المرعب، ولمت هدومها بسرعه جريت على الحمام غيرت هدومها وطلعت وهي بتبرطم وأول ما وصلت عند الباب راحت زاقة ندى بكتفها جامد وهي خارجة ورزعت الباب وراها بعنف
أول ما البنت طلعت، ندى لفت بسرعة وجت تفتح الباب وتجري هي كمان، لكن ياسين مسبهاش.. في ثانية كان واصل عندها، ومسكها من دراعها بقوة وزقها على الحيطة جامد وحاصرها بجسمه.
ندى اتخبطت في الحيطة وشهقت برعب، وعيونها وسعت وهي شايفة وشه القريب منها وعيونه اللي بتطلع نار.
ياسين ثبتها بإيديه وهو دايس على سنانه، وانحنى على وشها وهمس بفحيح يرعب:
اسمعي يا بت إنتي.. اللي شفتيه هنا لو طلع برة الأوضة دي.. أو نطق بيه لسانك قدام اى حد وخصوصا مجدي بيه بالذات.. اعتبري نفسك ميتة! كلامي واضح؟ اللي شفتيه يتنسي، ولو حسيت بس انك بتفكرى تقولى هتبقى برقبتك ياشاطرة فاهمه
ندى هزت راسها زي المجنونة وهي بتعيط ودموعها نازلة شلالات، ومش قادرة تنطق بكلمة واحدة من كتر الخوف.
ياسين بعد عنها خطوة وشاورلها على الباب بغضب مكتوم:
* غوري من وشي.. برة!
ندى مكدبتش خبر، وفي ثانية كانت لامة شنطتها القماش من الأرض، وفتحت الباب وجريت في الممر وهي مش شايفة قدامها ونفسها مقطوع، بتهرب من الكابوس والورطة اللي رمت نفسها فيها في أول يوم ليها في الفيلا.
باسم إيمان أحمد
********************************************
حد يتصل على اخوكم يشوفوا فين بقاله ساعتين بيدور على المحروسة
ولا واحدة فيهم ردت فقالت بغيظ وهيا على وشك الانفجار
= انا مش بكلمك منك ليها
شيماء سابت ورق العنب ال كانت بتحشيه وقالت بضيق:
هو مش هيرجع من غير ندى فريحى دماغك
سعاد لوت بوزها وقالت: مش عارفة الواد ده شاغل دماغه بال ماتتسمى ليه هيا مش مشيت برضاها ومن غير حتى ماتعرف حد فينا ولا عملتلنا اى اعتبار... ايه يابت بتبصيلى كدة ليه؟
شيماء بشك: انا مش مصدقة انها تطفش وتسيب البيت من غير سبب الواضح ان حد ضايقها او يمكن طردها
سعاد بسخرية: ومين بقى ياختي الحد ده تكونيش قصدك عليا يابت؟
شيماء: بصراحه اه ياأمى مين غيرك هنا مش بيط-يقها اصلا معاملتك ليها كانت كافية انها تسيب البيت من زمان البت كتر خيرها انها استحملت كل الوقت ده
سعاد بغضب: وايه تانى ياام 28 ماهو متبقاش غيرك يتكلم يالل هتفضلى قاعدالى كدة زى خيبتك
شيماء الدموع اتجمعت فى عينها وقالت: من فضلك كفاية تذلى فيا وتكلمينى بالطريقة دى هو ذنبى ان محدش عدل اتقدملى
منه ادخلت اما شافت ان كلامهم هيتحول لخناقة زى كل مرة: خلاص ياماما مينفعش تكلمى شيماء كدة وتزعليها وانتى ياشوشو ازاى تتهمى امك اتهام زى ده بقى امك الست الغلبانة المغلوب على امرها دى تزعل حد وتطرده دى ماما دى منبع الحنان فى البيت ده
كملت بابتسامة بلهاء: ده انا لما سقطت لا كلمتنى ولا زعقتلى ولا طردتنى عند ستك قعدت اسبوع مش بقولك منبع الحنان كله
سعاد بغيظ: بس يابت ياتافهه وروحى اتني-لى ذاكرى عشان لو سقطتى السنادى كمان مش بس هطردك عند ستك ده انا هخلى ابوكي يطعلك من المدرسة ويجوزك
كملت بتلميح : واهى تبقى واحدة اسمها اتجوزت
قامت شيماء على الفور اما فهمت تلميحات والدتها
منه: اخس عليكى اخس تزعلى البت كدة ياسعاد
سعاد وهيا بتقلع الشبب: بتقوليلى انا كدة ياقليلة الادب والله لوريكى
لكن منة كانت جريت بسرعة البرق
باسم إيمان أحمد
********************************************
كانت بتجري في الممر الطويل وهي حاسة إن الموت نفسه بيجري وراها، دموعها كانت نازلة بتحرق وشها، ونفسها المقطوع طالع بصوت عالى مكنتش شايفة قدامها، وكل اللي بتتمناه إن الأرض تنشق وتبلعها عشان تختفي من المكان المرعب ده.
وفجأة.. خبطت في جسم صلب رجعها لورا وصرخت صرخة مكتومة من الخضة.
"في إيه يا بت.. مالك بتجري كدة ليه؟!"
ندى رفعت عيونها المذعورة وشافت هدى مديرة المنزل وهي ماسكاها من كتافها وبتبص لها باستغراب وضيق.
ندى اتكلمت بنبرة مرعوبة وصوت متقطع من كتر العياط، وعيونها عمالة تروح وتيجي في الممر كأنها مستنية الوحش ده يظهر في أي لحظة:
= أنا.. أنا عايزة أمشي.. مش عايزة أقعد هنا ثانية واحدة.. أرجوكي خلينى أمشى
هدى قطبت حواجبها بضيق وقالت بصوت واطي وحاد:
= تمشي فين في وقت زي ده يا مجنونة؟ انتى عارفة الساعة كام! هتترمي في الشوارع؟ الصباح رباح.. تعالي معايا نامي مع البنات في سكن الشغالين، وبكرة الصبح يحلها ألف حلال.
ندى مكنش فيها حيل تجادل أو ترفض، فاستسلمت وراحت معاها وهي بترتعش وبتدعي إن الليل الطويل ده يعدي على خير.
---
صحييت ندى الصبح بدري على صوت حركة ودوشة حواليها، وضحكات وهمس بنات. فتحت عيونها ببطء وبصت للأوضة المشتركة الصغيرة، وشافت البنات الشغالين واقفين بيلبسوا ويجهزوا.
واحدة اسمها "رباب" كانت واقفة بتبص لزميلتها "نسمة" اللي كانت بتسرح شعرها قدام المراية، فقالت رباب بفضول وتمهيد:
= بقولك إيه يا نسمة.. هي الجيبة القديمة بتاعتك اللي كنتي بتلبسيها الصيف اللي فات لسة موجودة عندك؟
نسمة لفت ليها واستغربت السؤال وقالت بلامبالاة:
= آه يا ختي موجودة في الدولاب جوة.. بتسألي عليها ليه؟
رباب قربت منها بابتسامة طمع ومسكنة:
= طب هو أنتي يعني محتاجاها في حاجة؟ ما تديهالي ألبسها بدل ركنتها دى
نسمة لوت بوزها وبصت لجسم رباب المليان مقارنة بجسمها وقالت بسخرية واستغراب:
= نعم يا ختي؟ تاخديها تلبسيها إزاي؟ ده انا بطلت ألبسها عشان ضيقة عليا وانتى جسمك ما شاء الله قدى مرتين
رباب بتصميم:
= مالكيش دعوة بس، هعرف أتصرف فيها وأقفله.. هاتيها ومتبقيش بخيلة بقى!
في اللحظة دي، دخلت بنت تالتة اسمها "نرمين" كانت بتعدل طرحتها، وبصت لرباب بضحكة صفرا وغمزت لها بخبث وهي بتقول:
= سيبك منها يا نسمة دي مش هتحرم.. ما أنتي عارفة رباب بتموت في المحزق والملزق اليومين دول! تلاقي عينيها زاغت على حد من ضيوف مجدي بيه اللي جايين النهاردة، ولا يمكن بتسخن على حد من رجالة القصر وحابة تورينا مهاراتها
رباب وشها جاب ألوان واتعصبت وقالت بتوتر:
= جرى إيه يا بت يا نرمين؟ لمي لسانك ده بدل ما ألمهولك! أنا بس مستخسرة ركنتها
نرمين ضحكت بسخرية ولفت وشها وهي بتبرطم:
= علينا برضه يا رباب؟ ده إحنا دافنينه سوا ومقاساتك دي مابتتلبسش لله وللوطن كدة
قطع كلامهم دخول هدى الصارم الأوضة، وأول ما عيونها جت على ندى اللي لسة صاحية، رمت لها يونيفورم وقالت بجفاء:
= اخلصي البسي ده عشان تنزلي تشتغلي.. مفيش وقت للدلع والكسل.
ندى مسكت اليونيفورم وبصت له بضيق وخنقة؛ كان ضيق وقصير بشكل مريحهاش خالص ومستحيل تقبل تلبسه. فضلت تدور في الدولاب المشترك بخوف، لحد ما لقت يونيفورم قديم واسع جداً ومبهدل، بس على الأقل كان ساتر. لبسته بسرعة فبدا شكلها فيه مضحك كان واسع زيادة عن اللازم بس هي ارتاحت وحست بالأمان فيه.
طول اليوم، ندى كانت بتحاول تلاقى أي فرصة عشان تهرب وتخرج من الفيلا دي، بس الحركة كانت كتيرة والعيون كلها عليها. وقبل ما تلاقي ثغرة تفلت منها، دخلت هدى المطبخ زي الإعصار وزعقت بتوتر:
= بسرعة يا بنات.. الضيوف وصلوا وقاعدين في الصالون الكبير، ومجدي بيه والست إلهام مستعجلين.. ندى! شيلي صينية الكاسات دي واطلعي قدميها حالاً!
ندى بصدمة: أنا!
هدى باستعجال: ايوا انتى لسة هتستوعبى بسرعه
---
وقفت ندى قدام باب الصالون الكبير، وقلبها كان بيدق بخوف. شالت الصينية الفضية التقيلة اللي مليانة كاسات كريستال غالية، ودخلت بخطوات مرعوبة ومهزوزة.
الصالون كان مليان ناس وضحكاتهم واصلة لآخر الممر. ندى حاولت باستماتة متبصش لوشوش حد، وبدأت تقدم الحاجه الساقعة وإيدها بترتجف بطريقة واضحة جداً. لكن فجأة.. عيونها جت عليه!
كان "ياسين" قاعد في الركن، حاطط رجل على رجل، وعيونه الصقرية كانت مراقباها من أول ما دخلت الأوضة. عيونهم اتقابلت، ونظرته الحادة كانت مليانة تهديد وعلى الفور افتكرت تهديده
«اسمعي يا بت إنتي.. اللي شفتيه هنا لو طلع برة الأوضة دي.. أو نطق بيه لسانك قدام اى حد وخصوصا مجدي بيه بالذات.. اعتبري نفسك ميتة! كلامي واضح؟ اللي شفتيه يتنسي، ولو حسيت بس انك بتفكرى تقولى هتبقى برقبتك ياشاطرة فاهمه»
في اللحظة دي، الرعب شل أطراف ندى تماماً. إيدها اتهزت بعنف، وفقدت توازنها..
والصينية وقعت من ايدها الصالون كله سكت فجأة، والضحكات اختفت.
صاحت "إلهام" والدة ياسين بغضب هز الصالون كله:
= إيه القر-ف ده؟! مين المتخلفة الغب-ية دي اللي مش عارفة تشيل صينية؟
ندى، من كتر الرعب من نظرات ياسين وخوفها من صوت هدى نزلت فوراً على ركبها وبدأت تلم الإزاز المكسور بإيدها من كتر توترها مأخدتش بالها من الإزاز الحامي وهو بيجرح كف إيدها، والدم الأحمر بدأ يسيل ويلوث السجادة الغالية.
ياسين همس: غبية
كملت لم بوجع رهيب ودموعها مغرقة وشها، وقامت بسرعة وهي بتترعش عشان تمشي لكن رجلها اتكعبلت في طرف السجادة بسبب طول اليونيفورم الواسع والمبهدل اللي لابساه..
وفي ثانية.. وقعت ندى بكامل جسمها على الأرض تاني، والمرادي وقعت بكل الكاسات والصينية اللي عملت صوت رزع رهيب.
الصالون كله انفجر ضحك وتريقة على منظرها المبهدل باللبس الواسع وهي واقعة وسط الإزاز . ندى حست بكسرة نفس ومهانة عمرها ما عاشتها قبل كدة، وتمنت لو تموت في اللحظة دي ولا إنها ترفع راسها وتشوف نظرات السخرية
فضلت حاطة وشها في الأرض، وبتعيط بشهقات مكتومة وهي ضامة إيدها اللي بتنزف وبتموت من الوجع..
وفجأة.. الضحك بدأ يقل ويهدى بالتدريج.
وحست بـ ظل حد واقف قدامها بيحجب عنها الرؤية
رفعت عيونها ببطء من بين دموعها، وشافت إيد ممدودة ليها وسط والإزاز.. بتدعوها عشان تقوم.
