رواية نوح التربي الفصل الثاني بقلم محمود الأمين
اتكلمت نوسة وقالت:
_ مالك يا راجل متنح كده ليه؟
= ها.. لا لا مفيش.
_ طيب ها انت قولت إيه؟
= قولت إيه في إيه؟
_ يادي النيلة، قولت إيه في الكلام اللي قولتهولك دلوقتي، هنقسم بالنص في المصلحة دي ولا إيه؟
= ربنا يسهل يا نوسة، ربنا يسهل.
...
خرج نوح من الأوضة، وهو مش فاهم اللي شافه ده إيه بالظبط؟!
طلع تليفونه واتصل بالراجل الدجال ده عشان يفهم منه، بس الرقم كان خارج الخدمة، حاول مرة واتنين، لكن النتيجة كانت واحدة، لسه برضو خارج الخدمة.
كان هيتجنن، طلع علبة السجاير وولع سيجارة يحرق بيها أعصابه اللي هتنفجر، ووقتها نوسة فتحت باب الأوضة.
...
_ مالك يا راجل واقف مش على بعضك كده ليه؟
= خصيمك النبي سبيني في حالي يا نوسة، أنا فيا اللي مكفيني.
_ وأنا كنت عملتلك إيه؟.. أنا بطمن عليك دي غلطتي يعني؟
= يِسْتي على راسي من فوق، بس ادخلي انتي وسبيني في حالي.
_ كل ده عشان قولتلك نقسم، عاوز تكسب لوحدك يا نوح؟
= أكسب إيه اسكتي اسكتي، وبعدين الجو ليل والصوت بيسري، يعني ممكن حد يسمع الكلام ده يقول إيه؟
_ وهو في مخلوق عايش في المكان ده غيرنا، إحنا بس اللي غاويين فقر.
= طيب خلصتي كلام؟ ادخلي جوه، ادخلي ربنا يهديكي.
....
دخلت نوسة وهي عمالة تبرطم بالكلام، ونوح لسه سرحان في اللي شافه.. ووقتها تليفونه رن، وكان الدجال بيرن، رد بسرعة وهو متعصب وقال:
_ اسمع يا جدع انت، أنا مش هعمل حاجة تاني.. أنا شوفت في الأوضة عندي جثة، هي نفس الجثة اللي حطيت في بوقها القماشة.
= نعم يا أخويا انت هتشتغلني؟.. جثة إيه اللي شوفتها دي؟
_ على فكرة أنا مش بهزر، أنا شوفت الجثة بجد.
= وأنا مش فاضي للعب العيال ده، انت اتفقت والموضوع خلاص خلص.
_ يعني إيه يعني؟
= يعني مفيش رجوع في الاتفاق، انت لسه مشوفتش وشي التاني.
_ وإذا كان أنا مش عايز ده؟
= نوح أنا مجتش الترب وقابلتك صدفة، أنا كنت مخطط لمقابلتك دي كويس أوي.. وانت واقع عليك الاختيار من بدري.
...
قفل نوح المكالمة اللي فهم منها إن الدجال ده مجرد شخص في مجموعة مجهولة، وإنه وقع نفسه في حفرة مش هيطلع منها أبداً، وعشان كده مكنش عنده اختيار غير إنه لازم يكمل، لازم.
رجع نوح أوضته من تاني، لقى نوسة نامت، فرد جسمه هو كمان على السرير وحاول ينام، بس بمجرد ما غمض عينه شاف نفسه جوه القبر، وكانت الجثة قاعدة وبيطلع منها أصوات صعبة، كأنها لسه فيها الروح وبتتعذب.
فتح نوح عينيه وأخد قرار مجنون إنه هيروح التربة اللي دفن فيها العمل، عاوز يشوف شكل الجثة إيه؟
قام من مكانه وأخد المفاتيح، واتحرك على الترب، كان بيقدم رجل ويأخر رجل لحد ما وصل قدام التربة وفتحها.. نزل جوه التربة ووقتها شاف منظر الجثة اللي ما يقدرش يتحمله وبسببه خرج يجري من القبر من غير ما يقفل بابه، واللي شافه جوه هو شكل الجثة اللي كان الكفن متقطع من عليها وفاتحة بقها كأنها بتصرخ.. مش كده وبس الجثة كانت قاعدة مش نايمة، كان الحلم اللي كان بيحلمه نوح كان حقيقة.
...
رجع نوح على بيته وكان بيترعش من الخوف، وتاني يوم الصبح قام من بدري وراح على التربة وقفلها، وبعدها بدأ يشوف شغله الطبيعي بتاع كل يوم، لحد ما المغرب أذن عليه بره، وقتها لقى تليفونه بيرن، واللي كان بيتصل الدجال اللي لحد دلوقتي ده ماكانش عرف اسمه إيه؟
_ الو... بعد ساعتين هتخرج الجثة اللي انت دفنتها النهارده في الناحية القبلية، وهتلاقي اتنين جايينلك بعربية، هياخدوا منك الجثة، وهتاخد منهم الفلوس.
= هو انت مش كان اتفاقك معايا على دفن أعمال بس، كمان هتاخد جثث من الترب؟
_ انت تنفذ اللي بقولك عليه من غير كلام، وبعدين الاتفاق ساري في أي طلب أطلبه منك في حدود شغلك، مفهوم؟
....
والخط اتقفل بعدها، نوح كان عاوز يخرج من اللعبة دي، بس ماكانش عارف ازاي؟!... ولكنه نفذ الكلام اللي اتقاله عليه من الراجل ده، وفعلاً راح على التربة اللي اتدفنت فيها الجثة، وأول ما خرجها لقى العربية واقفة قدامه، وأخدوا الجثة وادوله الفلوس.
ورجع نوح على بيته مش عارف اللي في إيده دول كام، بس كانوا كتير، وأول ما دخل أوضته وفتح الدولاب لقى نوسة بتقوله:
_ بالنص هنقسم بالنص؟
= صحيتي امتى يا وليه انتي؟.. ده أنا داخل من الباب وسامعك بتشخري.
_ كان لازم أعمل نفسي نايمة عشان أشوفك وأشوف العز اللي معاك.
...
قامت نوسة من مكانها وقربت منه، وأول ما شافت الفلوس قالت:
_ يلا أنا عاوزه نصيبي، أنا ماليش دعوه.
...
نوح كان خايف ما يديهاش الفلوس، تبلغ عنه، وعشان كده قسم معاها الفلوس فعلاً، وأقدر أقولك إن المصالح استمرت، لحد ما نوح قدر يعمل خميرة من الشغل ده وقرر بعدها يتوب، ومش بس هيتوب، لا ده هيسيب شغلانة التربي دي خالص، وهيفتح مشروع، وهيعزل من المكان ده كله.
بس أول ما الراجل الدجال عرف اتعصب على نوح وقال:
_ تعتزل؟ هو انت فاكر نفسك لعيب كورة مثلًا؟، اعقل كده وفكك من الحوارات دي.
= حوارات إيه؟ أنا فعلاً مش هينفع أكمل.
_ طب شوف، الظاهر إن انت شبعت، وهتدخلي في موضوع التوبة، بس أنا عارف الصنف بتاعك علاجه إيه.
= هو انت بتهددني ولا إيه؟
_ لا يا حبيبي أنا مش بهدد، ولو ما رجعتش عن قرارك ده، قابل اللي جاي.
...
رجع نوح البيت، وهو لسه مقرر نفس القرار، بس كان محتاج الفلوس اللي مع مراته كمان عشان يقدر يفتح المشروع ويجيب الشقة اللي بره، بس أول ما رجع وفتح معاها الموضوع.. رفضت وقالت:
_ بقى تسيب المكان اللي مأكلك الشهد ده، وتروح تفتح مشروع تكسب منه ملاليم؟
= على الأقل هتبقى عيشة حلال بعيدة عن القرف ده.
_ وانت بتحلل الحرام على مزاجك، ما انت هتعمل المشروع بفلوس حرام، وهتشتري الشقة بفلوس حرام، يبقى ازاي حلال؟
= أنا زهقت من اللي بعمله، وواخد قراري النهائي، وانتي مراتي ولازم تقفي جنبي.
_ لا، انسى أنا مش هديك ولا مليم، وده آخر كلام عندي.
....
ودي كانت أول مرة يتعصب فيها نوح على نوسة، وحاول يفتح الدولاب عشان ياخد الفلوس بالعافية، مسكت إيد الهون عشان تضربه على دماغه، لكن هو مسك منها إيد الهون، وفي لحظة عصبية ضربها على دماغها أكتر من مرة، ووقعت على الأرض قاطعة النفس، نوسة ماتت.
نزل نوح جنبها على الأرض وهو بيعيط، وفضل يقولها: مكنش قصدي والله ما كان قصدي.
بس اتحول العياط ده، لسكات وتفكير، هو هيعمل إيه دلوقتي؟، وكان الموضوع مش مستاهل تفكير كتير، استنى لما الدنيا هديت خالص، والساعة كسرت نص الليل، ولف مراته في مشمع، وأخدها عشان يدفنها، لحد ما وصل للتربة ونزلها فيها.
خلص نوح دفن الجثة ورجع على البيت، بس المرة دي كان عارف إنه هيرجع مش هيلاقيها، مش هتقوله كسبت كام النهارده وخسرت كام؟
خلاص، المكسب كله ليه، كان بيفكر هيعمل إيه بكل الفلوس اللي معاه دي؟، يسيب شغلانة التربي ويبعد عن المكان خالص، ولا يكمل ويكسب أكتر؟
دخل نوح البيت ورمى جسمه على السرير وراح في سابع نومة، لكن فجأة صحي على صوت هو عارفه كويس، ده صوت مراته، وكانت بتقوله:
_ بقى كده يا نوح، تنام من غير ما نقسم؟
فتح نوح عينيه وهو مش مصدق نفسه، ولما بص على شكلها صرخ، من البشاعة وشها كان مليان نمل بياكل في كل حتة في جسمها، حاول يتحرك، بس جسمه كان لازق في السرير، وفي اللحظة دي سمع نوح صوت جاي من بره، كان آخر صوت متوقع إنه يسمعه.. كان صوت...
