رواية عذبة النخيل الفصل الثاني بقلم حنان أحمد ماهر
تحرك القطار يشق طريقه بين الحقول والمدن، بينما كانت الفتاة تجلس بجوار النافذة تحدق في الفراغ، كأن عقلها ما زال عالقًا في الإسكندرية.
كانت تقبض على الحقيبة بقوة، حتى ابيضت أصابعها.
لاحظت السيدة المسنة ذلك، فقالت بحنان:
ـ فكّي إيدك يا بنتي... كأنك شايلة الدنيا كلها فوق كتفك.
ابتسمت الفتاة ابتسامة شاحبة.
ـ يمكن... هي فعلًا الدنيا كلها.
لم تسألها العجوز عن شيء آخر، فقد فهمت أن بعض الجراح لا تُفتح بالكلام.
بعد دقائق، أخرجت من حقيبتها زجاجة ماء وقدمتها إليها.
ـ اشربي... وشك لونه أصفر.
ـ ربنا يخليكِ يا حجة.
اخذت منها السيدة المسنه واللى إسمها الحاجة خديجه الازازه وهى ترسم على شفتيها ابتسامة يشوبها حنان .
وانتى يابنتى منين من الصعيد
ردت عليها الفتاه ووجها يكسوها الحزن. انا معرفش حد فى
الصعيد ياحجه
بصت الحاجة خديجه باستغراب وحست أن وراها اسرار .
قوليلي يابنتى انتى هربانه من حد ورايه تدالى فى الصعيد
نزلت الفتاه رأسها بانكسار علامه تأكيد
سكتت الحاجة خديجة وهى بتبصلها بتماعن وحست أن الزمن جه عليها . انتى أسمك إيه يابتى
بصتلها الفتاه وردت بتردد . همس أسمى همس يالحجة
اتكلمت الحجة خديجة بابتسامة. أسمك جميل يابتى بقولك متشيلى الطرحة من وشك ده خلينى أشوف ملمحك عدل
بعدت همس الطرحة من على وجهها وظهرت ملامحها البريئه ووجهها شديد البياض ومتغطى بحمره خدودها
وعيونها الزرقوتان مثل مياه البحر
بصتلها الحاجة خديجة بإعجاب والقت عليها بعض الكلمات
لتبعد عنها الحسد . بسم الله مشاء الله يابتى ربنا يصونك ويحفظك من الناس وعيونهم أشربى يابتى سبيها على الله
شربت قليلًا، ثم أغمضت عينيها، لكن النوم رفض أن يزورها.
كلما أغمضت عينيها، تذكرت ذلك الصوت...
"امسكوها... متخلوهاش تهرب هتروحى منى فين ."
فتحت عينيها مذعورة، وأخذت تنظر حولها.
لم يكن أحد يطاردها.
لكن الخوف كان يجلس بجوارها.
وفي قرية عذبة النخيل...
كان حمزة يقف أمام بيت الحاج عبد الرحيم.
تنفس بعمق، ثم طرق الباب.
فتح له رجل في الخمسين من عمره، بملامح صارمة.
ـ خير؟
قال حمزة بثبات:
ـ السلام عليكم يا حاج عبد الرحيم... انا حمزه ابن الشيخ
طه
تغيرت ملامح الرجل في لحظة.نظر إليه طويلًا، ثم قال بحدة:
ـ إنت؟
ـ أيوه يا حاج. كنت حابب اشرب معاك الشاى واتكلم معاك فى موضوع كده
وسع الحاج عبد الرحيم الباب وأذن له بالدخول وبعد ما قدم ليه الضيافة. خير يابنى ايه الموضوع اللي عايزة فيه
بدأ حمزه يتكلم والحروف خرجه بتوتر . والله ياحاج عبد الرحيم أنا كنت جاى اطلب ايد كريمتكم على سنه الله ورسوله
بصله الحاج عبد الرحيم بتمعن . وانت تعرف بتى منين يا ولدى وياريت تكلم بصدق
تنحنح حمزة وهو يحاول أن يبدو ثابتًا، لكن توتره كان واضحًا في نبرة صوته.
ـ وبدأ يحكى له ازى عرفها وختم كلامه. والله ياحج أنا كنت بخاف زى اختى وحفظ عليها ورعيت ربنا فيها وعمرى
ما تجوزت حدودى معاها وربنا اعلم
ظل الحاج عبد الرحيم يحدق فيه دون أن يرمش.
ـبس اللى سمعته عنك غير أكده بعد ؟!
قال حمزة بسرعة:
ـ والله العظيم كله كذب... وعمري ما غلطت في بنتك ولا حتى كلمتها كلمة حرام.
وقف الحاج عبد الرحيم وتكلم بحده وسبات . شرب شايك
ياولدى
هز حمزه رأسه بقلق
اتكلم الحاج عبد الرحمن بحزم . يبقى تاخد بعضك من اهنه
معنديش بنات للجواز
بعد أن أنهى الحاج عبد الرحيم كلماته، ساد صمت ثقيل داخل المجلس.
ظل حمزة ممسكًا بكوب الشاي، لكنه لم يرفع عينيه عن الأرض.
ثم قال بهدوء امتزج بالألم:
ـ يعنى... ده آخر كلامك يا حاج؟
رد الرجل بلهجة لا تقبل النقاش:
ـ آخر كلامى... وبابى اتفتحلك احترامًا لأبوك الشيخ طه الله يرحمه، غير إكده مكنتش هسمع منك أصلًا.
رفع حمزة رأسه، وقد بدت في عينيه خيبة كبيرة.
ـ طب قولى... رفضك ليا عشان اللى الناس بتقوله؟
زفر الحاج عبد الرحيم وهو يشبك يديه خلف ظهره.
ـ يا ولدى... إحنا فى بلد صغيرة، والسمعة فيها رأس مال البنى آدم. الناس كلها كانت بتتكلم... وأنا معرفش الحقيقة فين. وبنتى مهينفعش اجازف بسمعتها والله اعلم إذا كنت صادق ولا كداب انى مش عايز أكد الكلام اللى وصالى.
قال حمزة بألم:
ـ يعنى حكمت عليا بكلام الناس؟
نظر إليه الحاج عبد الرحيم نظرة طويلة، ثم قال:
ـ يمكن ظلمتك... ويمكن لأ. لكن الأب بيختار الأمان لبته.
وقف حمزة ببطء.
ارتجفت أنفاسه، لكنه حاول أن يحافظ على كرامته.
ـ والله يا حاج... هييجى يوم تعرف فيه إنك ظلمتنى.
لم يرد الرجل.
فاكتفى حمزة بأن قال:
ـ السلام عليكم.
ـ وعليكم السلام.
خرج من البيت بخطوات ثقيلة.
كان يشعر وكأن الجدران تضيق عليه.
رفع رأسه إلى السماء وهمس:
ـ حسبى الله ونعم الوكيل... يا رب أنت أعلم باللى فى قلبى.
وفي تلك اللحظة...
كان القطار يقترب من محطة قنا.
بدأ الركاب يجمعون حقائبهم، بينما نظرت همس من النافذة إلى الأراضي الممتدة وأشجار النخيل التي بدأت تزداد كثافة.
همست لنفسها:
ـ يارب انا مليش غيرك
ربتت الحاجة خديجة على يدها بحنان.
ـ متخافيش يا بتى... الصعيد فيه ناس قلوبها أطيب من اللبن.
ابتسمت همس ابتسامة باهتة.
ـ يارب يكون كلامك صح.
ثم سألتها الحاجة خديجة فجأة:
ـ بعد ما ننزل... رايحة فين؟
ساد الصمت.
لم تجد همس إجابة.
فهي بالفعل...
لا تعرف إلى أين ستذهب.
تنهدت الحاجة خديجة، وكأنها اتخذت قرارًا في تلك اللحظة.
ـ خلاص... هتيجى معايا عذبة النخيل.
رفعت همس رأسها بسرعة.
ـ لا يا حجة... مينفعش أتعبك.
ابتسمت الحاجة خديجة.
ـ تعب إيه يا بتى؟ أنا ست كبيرة، وبيتى كبير، والرزق اللى ربنا كاتبه ليا لازم يشارك فيه غيرى أنا شغاله عند بيت الحاج عبد المجيد هخدك تشتغلى معايا ورزقى ورزقك على الله .
ترددت همس.
ـ بس... لو حد سأل عنى؟
أجابت الحاجة خديجة بثقة:
ـ محدش ليه عندى سؤال. واللى هيسأل هقوله دى بنت من قرايبى جاية تقعد معايا .
امتلأت عينا همس بالدموع.
ولأول مرة منذ أيام...
شعرت أن هناك يدًا تمتد إليها دون مقابل.
أمسكت يد الحاجة خديجة وهمست بصوت مبحوح:
ـ ربنا يجازيكى خير يا حجة.
ابتسمت الحجة خديجة وربتت على كفها.
ـ متعيطيش... اللى ليه رب كريم، عمره ما يضيع.
وفي الخارج...
أطلق القطار صفارته الأخيرة، معلنًا وصوله إلى محطة قنا.
كان حمزة قاعد تحت شجرة الجميز الكبيرة، في طرف الغيط، مستند بضهره على جذعها العتيق.
كان ماسك عودًا صغيرًا من الخشب، يرسم به خطوطًا عشوائية في التراب، كأنه بيحاول يدفن وجعه مع كل خط.
ملامحه كانت ساكنة...
لكن عينيه كانت مليانة انكسار بعد كلام الحاج عبد الرحيم.
وفى وسط سرحانه رن تليفونه برقم "آيات"
تنهد، ثم رد وهو يحاول يخفي حزنه.
ـ السلام عليكم يا آيات يانبض القلب.
وعليكم السلام يا حمزة...
سكت لحظة، ولما حس إنها مش قادرة تتكلم، قال بقلق:
ـ مالِك يا آيات؟ صوتك بيقطع القلب.
انفجرت آيات في البكاء وهي بتحاول تسيطر على نفسها.
ـ أنا... أنا سمعت كل حاجة يا حمزة... كنت واقفة ورا باب الأوضة... وسمعت كلامك مع أبويا.
حمزه اوى تبعد عن أنا مقدرش
قبل أن تنهي آيات كلامها، قال حمزة بصوت ثابت رغم الألم الذي يعتصر قلبه:
ـ ابعد عنك؟... مستحيل يا آيات. طول ما فيا نفس، عمري ما هبعد عنك بإرادتي.
شهقت آيات وهي تمسح دموعها.
ـ بجد يا حمزة؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال بحنان:
ـ والله بجد. إنتِ أغلى حد في حياتي، وأنا ما طلبتش إيدك إلا وأنا ناوي أصونك وأكرمك العمر كله. لكن برضه مستحيل أخلي حبنا يكون سبب في زعل أبوكي أو إنك تعملي حاجة تغضب ربنا.
سكتت آيات لحظة، ثم قالت بصوت مبحوح:
ـ أمال هنعمل إيه دلوقتي هتصرف ازاي مع ابوى؟
أخذ حمزة نفسًا عميقًا وقال بعزيمة:
ـ هحاول مرة تانية... ومش هرفع الراية البيضا. هروح لأبوكي تاني، ولو لزم الأمر هجيب معايا حد كبير من البلد يشهد بأخلاقي ويقنعه إن كل اللي اتقال عني كان ظلم وافتراء.
شعرت آيات بشيء من الأمل يتسلل إلى قلبها . انى بحبك
اوى يا حمزه
ـ وانا كمان يانبض قلب حمزه متقلقيش يا آيات إن شاء الله . هعمل كل اللي أقدر عليه على شان تكونى حلالى ، وهفضل أدعي ربنا لحد ما يكتب لنا الخير.
ابتسمت آيات وسط دموعها لأول مرة منذ بدأت المكالمة.
ـ ربنا يجبر بخاطرك يا حمزة... أنا واثقة إن ربنا مش هيبعدنا عن بعض
ابتسم حمزة ابتسامة هادئة وقال:
ـ اصبري، وإن شاء الله ربنا يكتب لنا النصيب .
- طيب ياحمزه هسيبك دلوكيت على شان شكل أبويا رجع
وفي الإسكندرية...
كانت تجلس امرأه في منتصف الأربعينيات من عمرها، ودموعها تنساب على خديها في صمت، بينما تحتضن صوره همس بنتها بين يديها، تمرر أصابعها المرتعشة فوق ملامحها .
همست وهي تبكي:
ـ يا رب... احفظها وردها ليا سالمة.
وفجأة...
دخل الرجل بخطوات غاضبة، وأغلق الباب خلفه بقوة حتى اهتزت جدران الغرفة.
رفع عينيه إليها وقال بحدة:
ـ لسه ماسكة صورتها؟!
انتفضت المرأة من مكانها، وهي تخفي الصورة خلفها بغريزة الأم.
اقترب منها بسرعة، ثم أمسك معصمها بقوة حتى تأوهت من الألم.
حاولت أن تفلت من قبضته وهي تقول بصوت مرتجف:
ـ سيب إيدي... بالله عليك سبنى وبعد عنى بقى أنا بكرهك.
ارتسمت على وجهه ابتسامة قاسية، وقال بنبرة تحمل تهديدًا:
ـ بتكرهيني؟ فاكرة إنك هتعرفي تخبيها عني؟ هعرف أوصل لها مهما استخبت... وساعتها هتندمي إنك وقفتي في وشي.
دفعها بقسوة، فسقطت على السرير، لكن يدها لم تترك صورة همس، بل ضمتها إلى صدرها وكأنها تحمي ابنتها من بعيد.
رفعت عينيها إليه، وقد امتزجت الدموع بالغضب، وقالت بصوت مخنوق:
ـ منك لله يا عز... ربنا ينتقم منك. ظلمتني وضيعت عمري، لكن أقسم بالله مش هسيبك .... ربنا هو هيجيبلي حقي وحق بنتي.و........
