رواية النغم الحزين الفصل الثلاثون
ـ الله يرحب بيكي يا ست الكل مش كل الناس هتفهم في الأصول عاد زيك وإنت دخلتي قلبي من أول سلام وكلام.
وبدأت الحكاية تغزل خيوطها وبدأت "رحمة سلطان المهدي" تنسجها بمهارة لما "رابحة" بصت لـ"نغم" بكبرياء و "رحمة" بتمدح فيها :
ـ تسلمي يا بتي يا أم لسان بينقط عسل، إلا قولي لي اسمك ايه يا قمرة؟
قربت منها "رحمة" وهي بتطبطب على ايديها وبتقول لها :
ـ اسمي "رحمة" وجوزي صاحب أبو "مازن" ، تعرِفي يا ماما الحاجة "رابحة" فيكي شبه كَبير من أمي الحاجة "زينب" وأول ما شفتك ارتحت لك قوي.
كل ده و"نغم" قاعدة مبرقة لها بصدمة من طريقة كلامها مع "رابحة" اللي كانت قاعدة تقويها عليها وتشد من أزرها وتعلمها متخافش منها وتكون قوية قدامها، لحد ما "رابحة" فوقت "نغم" وهي بتبص لها بنظرات حادة:
ـ ايه هتفضلي متنحة اكده كَتير، قومي وجبي مع الضيفة وادخلي الدوار هاتي من جميع خيراته، رز معمر، وفاكهة وهاتي من كل حاجة جوة .
قامت "نغم" وهي مندهشة وغمزت لها "رحمة" إنها تتأخر وهي بتشاور بايديها انها تيجي براحتها واول ما "نغم" اتحركت من قدامهم استغلت "رحمة" نظرات "رابحة" المقززة لـ"نغم" وقامت من على الكرسي وقعدت جمب "رابحة" وهي بتقرب من ودانها وبتسألها وهي بتصطنع العشم بزيادة :
ـ ـ شكلِك اكده يا ماما الحاجة ما هتحبيهاش أو شكلها هي اللي مزعلاكي بالجامد قوي وجاية عليكِ، حكم أُني خابرة زين بنات اليومين دول تو لما يتجوزوا الواد عايزين ياخدوه من أمه بمفتاح شقته يعني من الآخر عايزين واحد قالع راسه وعدمان ناسه، احكي لي واخرجي اللي في قلبك أصل اني أول مرة أقعد معاها النهاردة وحسيتها متكبرة اكده في الكلام شوي.
"رابحة" شكل ما يكون حد داس لها على الجرح وأخيراً لقت اللي مش مستريح لـ"نغم" زيها بالظبط ولا بيحبها واتفتحت في الكلام وهم الاتنين قاعدين قعدة ستات معروفة جداً في النميمة:
ـ الحمد لله يا ناس ظهر الحق والله يا بتي استريحت لحديتك الزين دي قوي، دي البت دي هتكرهني وفرقت بين ولادي، أصلك ما تعرِفيش إنها كانت متجوَزة أخوه الأصغر منه الأول واطلقت منه واتجوَزت "سند" ولدي الكبير ومن وقتها وهي قالباه على أخوه وعلي ومطايقش يسمع مننا كلمة وهيمشي وراها يقول أمين وفي بينهم قواضي وبلاوي وولادي هيضيعوا مني بسبب الحرباية داي، وأديكي أها ما استريحتيش ليها كيف ماني تعبانة منيها وعايزة أخلص من وجودها عشان ولادي يعيشوا في أمان ويفضلوا خوات العمر كلاته، وكل دي علشان عايز يضم ولاده لحضنه لأنها اتجوَزت ومبقلهاش حق فيهم عاد.
وشوشتها "رحمة" في ودانها وهي بتبص حواليها وسبكت الدور على "رابحة" إنها مشفقة عليها قلباً وقالباً:
ـ وه وه عاد يا ناس! هي الدنيا جرى فيها إيه يا ريتني كان لي حماة زيك كنت شلتها في عيني والله يا ماما الحاجة، قلتي لي بقى هي داي القضية اللي كان ولدك بيتحدت فيها ويا جوزي وهيقول له إنه جايب محامي كَبير قوي وما هيخسرش أي قضية.
وحطت إيديها على بقها وهي بتصطنع إنها بتفتكر:
ـ وإن أخوه ممكن ينضر بسبب إنه هيعتمد على إن له ملف عند الحكومة، وكمان المحامي دي قال له إن فيها خطر على أخوه اللي هو ولدك الصغير يا ماما الحاجة إني دلوك فهمت.
وبذكاء "رحمة" وببساطتها قدرت إنها تسيطر على عقل "رابحة" اللي معالم الخوف بانت على وشها وهي بتسأل "رحمة" برهبة:
ـ وه حديتك دي صُح يا بتي ولا كانوا هيتحدتوا عن حد تاني عاد؟
هزت "رحمة" راسها بتأكيد وهي بتلف شباكها بذكاء على "رابحة":
ـ صُح الصُح يا ماما الحاجة صدقيني وكمان عرفت اسم المحامي وهو بيقول له اسمه "ماهر البنان" وهيقولوا عليه محامي كَبير قوي المحاكم هتتهزلوا ومفيش قاضي بيعرف يطلع ثغرة وغلطة من وراه، يعني احتمال كَبير ولدك يخسر الحضانة لولاده وكمان ممكن المحامي الواصل دي يسجنه.
برقت "رابحة" عيونها بخوف لأول مرة وسألتها وهي بتبلع أنفاسها بصعوبة وخوف على ابنها لايتسجن فعلاً وخصوصاً إن له ملف عند الحكومة من الإجرام:
ـ طيب فطميني يا بت شكلِك متعلمَة ودماغِك هتوزن بلد وهتفهميها بسرعة، اني ممكن أروح للمحامي دي وأقول له إن ولادي هيقاتلوا بعضهم وإن "سمير" ولدي لو خسر القضية ممكن يعمل حاجة في أخوه ولادي هيضيعوا مني.
عضـ.ــت "رحمة" على شفايفها وهي بتبص لـ"رابحة" بصعبانية وحطت صباعها في بقها كأنها بتفكر وبعدين طلعت موبايلها وجاوبتها:
ـ معرفاش إذا كان المحامي دي هيوافق إنه ما يترافعش في القضية ولا لأ يا ماما الحاجة، ما هما مش كل المحامين هياخدوها باعتبار الصعبانيات داي، اصبري هدخل على جوجل وهسأل عن المحامي اللي هيتحدتوا عنه دي وهرد عليكِ.
ومسكت الموبايل وكتبت على جوجل ما هو المحامي "ماهر البنان" وأول ما كتبت سؤالها جوجل رد عليها وقرأت بصوت مسموع:
ـ المحامي "ماهر البنان" إنه يعرف بزلزال المحاكم ولا يمكن لأي خصم يقف ضده أن يفوز مهما كان لأنه لا يقبل إلا القضايا الشائكة والمضمونة في مكسبها، كما أنه محنك بشدة ولا يقبل أي تنازل أو مقابلة خصم الضد مهما فعل ومهما عرض فهو محامي نزيه للغاية.
وبعد ما قرأت الكلام ده قدام "رابحة" كملت بذكاء:
ـ شوفي يا ماما الحاجة اني رأيي إن ابنك يتنازَل عن القضية وخصوصاً إن المحامي دي هيكسبها يعني هيكسبها، ومنها ما يكسبش عداوة أخوه ولا يخسر عمره لو المحامي دي دخله الحبس ابنك ما هيخرجش منيها إلا بعد عمر طويل.
ضـ.ــربت "رابحة" على رجلها بحسرة وخصوصاً إن "سند" كان قايل لها كل الحاجات دي وهي بتردد بقهر:
ـ هقنعه كيف إنه يتنازل عن حقه في ولاده دي غير ورثه اللي ضاع وأبوه كتب الورث كلاته لأخوه علشان مراضيش يتنازل؟!
استغلت "رحمة" النقطة دي وشجعتها:
ـ طب يا حاجة شيل دي من دي يرتاح دي عن دي؛ ولدك يتنازَل عن القضية والعيال مع أمهم وعمهم مش مع حد غريب وياخد ورثه ولو رايد ياخد فلوس زيادة كمان ممكن يستغل النقطة دي ويتنازل عن ولاده لأمهم قانوناً ويستفاد بالفلوس ويتجوز ويبني حياة جَديدة وأهو الجواز قسمة ونصيب وهي الخسرانة ولدك دي طالما هتقولي قلبه طيب.
فكرت "رابحة" وهي بتوزن كلام "رحمة" وقالت بصوت قلقان:
ـ يعني بعد دي كلاته بت "حناوي" الخمورجي تنتصر علي وتحط عينها في عيني كأنها بتقول لي إني ما بقاش ليا عازة، وكمان ولدي يتنازل عن ولاده؟
سألتها "رحمة" بذكاء:
ـ ما تزعليش مني يا حاجة طالما ولدك فيه داء الشقاوة العيال ملهمش ذنب في اللي بيحصل وإنتِ جَدتهم و المفروض إنك تخافي عليهم ووقتها هيسيبهم لك يطلعوا عينك الأطفال شقية وهيهدوا الحيل والصحة، وإذا كان على حوار الانتصار دي إنتِ ما زلتي حماتها وهي ما زالت مرت ولدك والأيام خبازة، بس اني شايفه بتمسك ولدك في القضية إنتِ هتخسريهم هما التنين وهتعيشي بحسرتهم طول عمرك، وشايفة برضه إنك هتقدري على ولدك إنه يتنازَل وتهديه كمان من ناحية أخوه والجواز في الآخر قسمة ونصيب ربنا مقدره.
بصت لها "رابحة" وهي بتسألها:
ـ إنتِ شايفه اكده يا بتي أني ارتحت لك قوي وهحس إنك خايفة علي وقلبك على ولادي وهتفهميني اللي ما شايفاهوش وهتشوفي من بَعيد اللي عيني ما تقدرش تُندره.
رجعت "رحمة" لورا بارتياح وهي شايفه نتيجة كلامها مع "رابحة" وربعت إيديها حوالين صدرها:
ـ علشان اني مش جوه الموضوع وشايفاه من منظور تاني خالص غير اللي إنتي شايفاه، ابنك يتجوَز واحدة غيرها تاجي تحت طوعك وجناحك وسيبك من "نغم" وعيالها ووجع الراس اللي هيفرق بين ولادك دي نهائي، ولو هي ظالمة ربنا هينتقم منها ويجيب لك حقك، اني شايفه إنك تتصلي بولدك دلوك وتاخديه وتروحي للمحامي بتاعكم تجهزي أوراق التنازل وقت الجلسة يتنازل عن الحضانة لأم العيال ولو رايدة موضوع الورث دي ينتهي سيبيه علي هتحدت ويا جوزي وهخليه يخلص الموضوع مع ولدك الكبير ويدي له حقَه وزيادة كمان.
وكملت وهي بتحط صورة وضع مأساوي لأولادها قدامها بكل براعة وعيونها بترسم الحزن بإقناع شديد:
ـ ولو مقتنعتيش بكلامي أكده تُبقي عايزاهم يشبكوا في بعض هما التنين ولاقدر الله تشوفيهم جثتين قدامك ووقتها هتقولي يا رتني كنت اتنازلْت، فأني جيا لك من المستقبل وهنصحك اخلصي منيه الموضوع دي.
شهقت "رابحة" برعب:
ـ يا حزني، لاااااه ولادي يموتوا بعضهم لااااه، ملعون الحريم على "نغم" على "دعاء" على الكل كليلة.
قربت منها "رحمة" وهي بتوشوشها في ودانها تاني بهدوء قاتل وبتعرفها اللي صدمها أكتر:
ـ ومش بس اكده يا ماما الحاجة "رابحة"، إنتي كمان هينوبك من الأذى جانب وإنتي ست كَبيرة وأني خايفة عليكِ.
ضـ.ــربت "رابحة" على صدرها وهي بتسألها باستنكار:
ـ وه وأني كمان هتعمل فيا إيه بت "حناوي" الخمورجي داي، طب تُبقى تقرب مني اكده وأني هعرفها مقامها.
شددت "رحمة" على احتضانها وكملت مسرحيتها اللي ألفت حبكتها بامتياز:
ـ بس يا ماما الحاجة بس إنتي شكلِك طيبة وعلى نياتك، أني شفت معاها فيديو وإنتي باعتة ناس يضـ.ــربوا أختها والستات في الفيديو اعترفوا إن إنتي اللي بعتاهم، وكمان أختها صورتك وإنتي هتعترفي إنك اللي باعتاهم وهي قالت لي الكلام دي ووريتني الفيديو بس ما كنتش عايزة أقول لك وأزعلك، ولو الفيديو دي وقع في يد الحكومة إنتِ كمان هتتحبسي والمحامي بتاعها هيلبسك قضية مُكن، وغير اكده هتقول إنها هتفرج الفيديو للبلد كلاتها طول ما إنتِ حاطة ولادها في دماغك وعايزة تاخديهم منها ما هتفوتكيش في حالك، فمن الآخر التنازل عن القضية وعن الحضانة أسلم حل والكل هيرتاح وإنتِ بيدك تبعدي ولدك عن طليقته هو يستاهل أحسن منها.
وقدرت "رحمة" إنها تقنع "رابحة" إن ابنها يتنازل عن القضية وعن حضانة الولاد لـ"نغم" بعد ما زرعت الخوف جواها إن ولادها هيقاتلوا بعض وهتخسرهم هما الاتنين وإن ما فيش مفر غير إنه يتنازل عن القضية ومسكت تليفونها وكلمت "سمير" وهي بتدي له أمر قاطع لا رجعة فيه:
ـ أيوه يا "سمير" يا ولدي تعالى دلوك علشان هنروح للمحامي هتتنازل عن القضية والحضانة للزفتة اللي اسمها "نغم" داي، ومن غير ما تعترض ولا تعلي صوتك ولا تزعق أني بعمل اللي فيه الصُح ليك يا ولدي وبعد اكده هنشوفوا هنعمل إيه عاد.
و قد كان فعلتها "رحمة" "سلطان" "المهدي" وهي قاعدة ساندة ضهرها على الكرسي وملامح الثقة والشموخ في قعدتها تحكي حكاوي، وغمزت لـ"نغم" من بعيد إنها ترجع وأول ما وصلت بتقدم لها الصينية اللي في إيديها وأول ما حطيتها ناولتها طبق الرز في إيديها فبدأت تاكل بتلذذ وهي بتبص لـ"رابحة" وبتقول لها بخبث:
ـ الله الرز المعمر طعمه قمر تسلم يدك يا ماما الحاجة، أول مرة أدوق رز معمر بالطعامة دي تسلم يدك.
وتجاهلت "نغم" خالص وفضلت تاكل "رابحة" بالكلام لحد ما خلصت قعدتها ومشيت بخطواتها الواثقة وانتهت قعدتهم وركبت العربية هي و"ماهر" ومشيوا من غير ما يعرف تفاصيل المقابلة لحد ما قال لها هو بإعجاب:
ـ شطور الصغنن بت "سلطان" عملتيها وقدرتِ تقنعيهم إنهم يتنازلوا مش سهلة إنتي برضه.
بصيت له باستغراب وهي بتسأله:
ـ وه وعرفت كيف إني قدرت أقنعها تتنازل وأني ما قلتش لحد واصل غير "نغم" بس؟
ضحك بصوت عالي وهو بيسوق العربية وبص لها وهو بيغمز لها بشقاوة وبيجاوبها:
ـ عيب دي أني البابا وأفهمها وهي طايرة وكنت واثق إنك هتقدري تعمليها دي إنتِ تربية "ماهر البنان" كيف ما هتعمليهاش؟
ابتسمت بكبرياء وشموخ وهي بترد عليه:
ـ دي إنت داهية يا بابا، ما بيخفاش عليك حاجة واصل وبتلقطها وهي طايرة، وطبعاً عايز تعرِف تفاصيل قدرت أقنعها كيف.
ابتسم نفس بسمتها بكبرياء وشموخ وقال لها:
ـ لعبتِ على الوتر الحساس لأي أم ناحية ولادها وإنها هتخسرهم وطبعاً زودتِ حبة تحابيش من عِندك كركبتِ بيهم بطنها وخليتيها توافق على التنازل.
برقت عينيها بصدمة وخبطته بكتفه وهي بتجز على أسنانها بغيظ:
ـ يووووه، نفسي مرة واحدة في حياتي أغلبك وأحيرك وأخليك نفسك تعرف حاجة وألففك وراي على ما تعرِفها مني، إنت بجد قادر قادر مفيش كلام.
رفع حاجبه بمكر ورودها:
ـ مش بقول لك أنا البابا يا بابا، وبعدين عيب على الشعر الأبيض اللي على راسي دي لما تكون واحدة صغنونة إسمها بت "سلطان" تجيبني يمين وشمال حتى لو كانت الواحدة داي قلبي.
قالت له بغزل وهي بتتسند على كتفه:
ـ تعرِف أهو الشعرتين البيض دول مخلينك جان قوي وهيبة وقلبي هيحبك أكتر من الأول يا بن "البنان".
رفع كف إيديها وباسه بحب وشاغبها:
ـ طب بعدي عني علشان أني ضعيف قدام دلالك اللي مبشوفهوش إلا قليل وممكن نتمسك بفعل فاضح في الطريق العام بسببك ونتاخد من أي لجنة يا ماما.
اتمسكت بحضنه أكتر وهي نايمة على كتفه:
ـ وماله نتمسك ونلبسهم هما قضية إزعاج حبيبين وإنت الخط وأني الديفا نلاعبهم جيم رايق وأهو نتسلى يا روحي.
ـ اممممم... شكلِك وحشك اللعب مع المحاكم والقضاة يا بت "سلطان".
ـ قوووي، واحشني قوووي وعندي شغف إني أدخل أي قاعة أهز جدرانها بمرافعة.
ـ قوي قوي معنديش مانع وياي قضية معتبرة لو كسبتيها أوعدك نسافر أسبوعين رواق اكده ونسيب العيال للحاجة "زينب" ونرجع الحلو اللي كان و ليالي زمان يا رحمتي.
*******
استلمت مكتبها ودخلت وقلبها بيدق بسعادة وهي مش مصدقة إن حلمها اتحقق وبقت معيدة في الجامعة وبتلبس أحسن لبس وعايشة في أحسن بيت ووالدتها بتتعالج أحسن علاج، أول حاجة عملتها قعدت على مكتبها وطلعت تليفونها واتصلت على أخواتها فيديو كول والسعادة منورة وشها، "نغم" مفتحتش و"مهرة" فتحت المكالمة و"شيماء" موجهة الكاميرا الخلفية على المكتب واسمها منور فيه وابتسمت لها وهي بتبارك لها بفرحة حقيقية:
ـ مليون مبروك عليكِ يا نور عيوني، ربنا يحميكِ ويحفظك من العين يارب.
وجهت "شيماء" الكاميرا عليها وأمنت على دعائها وهي بتبص على المكان حواليها وكأنه حلم خايفة تصحى منه:
ـ آمين يارب العالمين، ويبارك لي فيكِ يا أجدع أخت في الدنيا كلاتها، أني قلت لازمن أول مكالمة أعملها من مكتبي تكون لأخواتي حبايبي بس الظاهر "نغم" مشغولة علشان اكده مدخلتش معانا.
سندت "مهرة" ضهرها على السرير وقالت لها:
ـ تمام يا حضرة الدكتورة القمر، نشوف شغلنا بقى ونركز في الماجستير علشان إحنا لساتنا طريقنا طويل قوي يا "شوشو".
وكملت وهي بتغمز لها بمرح:
ـ بس قولي لي إيه الطقماية الجامدة داي هتتحسدي وإنتِ لابسة اللون الأسمر والله، ما شاء الله الطقم حلو قوي عليكِ.
عدلت البليزر الأسود اللي لابساه وهي بتبص على نفسها في الكاميرا وبتقيم نفسها:
ـ شفتي كيف قمر وشياكة، دي ذوق "نغومة" حبيبتي، نزلت وياي اشترينا لبس جميل قوي وكله على ذوقها وعلى حسابها كمان.
شهقت "مهرة" برفض:
ـ طب ليه بقى يا "شيماء" هو إنتِ مش معاكِ فلوس ليه تخليها تدفع لك من فلوس "سند"؟
جاوبتها وهي بتشوح بإيديها في الهوا:
ـ يا ختي غُلبت معاها يا "مهرة"، وهي صممت إنها هي اللي تدفع وتقول لي حلاوة التعيين، ومقدرتش أعمل حاجة قبال تصميمها والله.
حكمت عليها "مهرة" وطلبت منها:
ـ تمام، هي لو كانت هتشتغل زيينا اكده كنت عديتها، اسمعيني زين واعملي اللي هقول لك عليه، تروحي النهاردة أول حاجة تعمليها تروحي عند مول "الخولي" وتجيبي زيارة من خيرات الله، زيارة تملى عشر أسبات متغطيين ببشاكير بيضة وفي عربية نص نقل وتوديهم على بيت "نغم" وترفعي بيها وخلي حماتها العقربة داي تشوف الزيارة علشان تبطل ترفع مناخيرها في السما على الفاضي وتعرِف إن بنات "الحناوي" كبروا وبقوا بميت راجل.
قطبت "شيماء" جبينها وهي بتعترض على كلام "مهرة":
ـ أباي عليكِ يا بت أبوي مهعرفش أعمل أني الحاجات داي ولا هعرف أشتري حاجة واصل، دي أني هغرق في شبر مية واصل.
بصت لها "مهرة" بحدة وصممت إنها تعمل اللي طلبته منها:
ـ وه عليكِ إنتِ يا "شيماء"، لساتك فاكرة نفسك العيلة الصغيرة اللي مهتعرفش تعمل حبة حاجات هبلة كيف داي؟
انشفي اكده يا بت أبوي أني ماشية من البلد وسايبة وراي بت بميت راجل وإن مكنتيش تعملي اللي هقول لك عليه دي هطين عيشتك يا "شيماء".
زمت "شيماء" بزهق:
ـ يوه يا "مهرة" هتخليني أعمل حاجات ممتعوداش عليها عاد، حاضر أمري إلى الله، اكتبي لي كل حاجة هجيبها في ورقة وقولي لي آخد فلوس كد إيه وأني هجيب اللي هتقولي عليه كلاته.
حركت "مهرة" راسها باستحسان:
ـ أيوه اكده اتعدلي، هبعت لك كل حاجة تجيبيها كلاتها، ويالا روحي شوفي شغلك بزيادانا كلام، وأني هروح أنام كان عندي نبطشية بالليل وهلكانة تعب.
وقفلت معاها وهي رجعت تبص على مكتبها وحلمها بشغف لحد ما لقت اللي بيخبط على باب المكتب ودخل وكان "علي"، الضحكة اللي كانت منورة وشها اتجمدت في لحظة، واقف على الباب وساند عليه بهيئته اللي خطـ.ــفت أنفاسها،
في الثانية دي بالذات، "شيماء" حسّت إن ضلوعها اتعصرت، ودقات قلبها بقت بتضـ.ــرب في صدرها بعـ.ــنف زي طبول حرب شغالة برتم مجنون، والرعشة اللي كانت من الفرحة تحولت فوراً لرعشة توتر وخوف، بصت له بعيون متسعة، ، استجمعت كل القوة اللي فاضلة جواها، ووقفت ورفعت راسها لفوق، بتحاول تخفي ورا ملامحها الهادية جبال من الانهيار الداخلي وبتحاول متضعفش في وجوده وهي بتقاوم مشاعرها،
"علي" واقف مكان خطوته، لابس قميصه الأزرق الهادي، عيونه كانت بتلمع ببريق غريب، حنين على لهفة على رجاء، وكأنه بيشوف ملاك طالع له من بين الرماد، قرب منها بخطوات بطيئة ومترددة، حاطت إيده في جيبه وبيحاول يضبط نفسه هو كمان عشان ما يخوفهاش:
ـ ألف مبروك يا دكتورة "شيماء" الخطوة دي كانت مستنياكِ من زمان، وأني أكتر واحد عارف إنتِ تعبتِ كد إيه عشان توصلي لللحظة داي، وقعدتك في المكان دي تستاهليه وبجدارة.
صوته كان حنين بزيادة، فيه نبرة دفا بتدوبها، بس النهاردة، النبرة دي بالذات كانت بتخوفها زي الصوت اللي بيسبق العاصفة، بلعت ريقها بالعافية، ورسمت ابتسامة رسمية باردة على وشها، وحركت راسها بحركة خفيفة:
ـ الله يبارك فيك يا دكتور "علي"، شكراً إنك جيت تبارك، بس أني حالياً بجهز أوراقي ومشغولة شوية عشان المحاضرة الأولى بكرة.
طريقتها المباشرة في التقفيل كانت زي حيطة سد اتبنت بين لحظة والتانية، بس "علي" ما يأسش، أخد نفس طويل وقرب خطوة كمان، عيونه مش مفارقة وشها اللي حاول يهرب منه:
ـ أمممم... مشغولة؟ تمام مهعطلكيش كَتير، بس حسيت إن مفيش حد في الدنيا داي كلاتها يفهم معنى يوم زي دي غيري، ولعلمك بقى أني اللي جهزت لك كل حاجة في المكتب وكل حاجة على ذوقي كمان، والورد دي هَدية مني ليكِ، يا ترى عجبك ذوقي كيف ما كان هيعجبك وقت ما اتعرفنا على بعض.
الكلمات دي نزلت على قلب "شيماء" زي الجمر، افتكرت الأيام دي، افتكرت لما كان هو أمانها الوحيد وحلمها الموازي، والذكريات دي بالذات هي اللي كانت بترعبها، الخوف من إنها تتضعف قدام حنيته وترجع لنفس الدوامة، حطت الأوراق اللي في إيدها على المكتب بحدة خفيفة وربعت إيديها:
ـ الكلام دي كان زمان يا "علي" وقت ما أمنت لك وانت خذلتني، والأيام داي عدت وخلاص كل واحد فينا بقى في طريق، معلش بقى دلوك الكلية ليها نظام وشغل، وما يصحش وقفتنا داي اهنه أصلًا ومهحبش حد يجيب في سيرتي أبداً.
"علي" ابتسم ابتسامة مكسورة فيها وجع واضح، خطى كمان خطوة وبقى يفصله عنها متر واحد بس، المسافة كانت قريبة لدرجة إنها قادرة تشم ريحة العطر بتاعه اللي حافظاه، نفس العطر اللي قربه منها زمان خوفها منه:
ـ خايفة مني يا "شيماء"؟ ولا خايفة من الشوق اللي حاسس بيه في صوتك رغم كل البرود اللي بتحاولي تظهري بيه دي؟ انتِ فاكرة إني مشايفش يدك اللي بترتعش؟ فاكرة إني مهحسس بدقات قلبك اللي سامعها من مكاني دي؟
ولا نظرات عيونك اللي بتحاولي تجبريها إنها تقاوم وجودي بالعافية.
"شيماء" لفت وشها الناحية التانية بسرعة، وغمضت عيونها لثانية بتستجمع شتات نفسها، حسّت إنها محتاجة لوجوده وانها مش قادرة تطلعه من قلبها، محتاجة تقول له؛ انها تعبت ومشتاقة له، الاحتياج كان بياكل في عقلها وقلبها، بس الخوف كان أكبر، خوفها إنه يرجع يكسرها تاني بعد ما صدقت لمت شتات نفسها، بصت له وعيونها فيها لمعة دموع حبستها بالعافية:
ـ أني مخيفاش منك يا "علي"، أني خايفة على نفسي، خايفة من الدخول في نفس المتاهة اللي خرجت منها بروحي بالعافية، لو سمحت، احترم المكان واحترم إني ببدأ صفحة جديدة ومعيزاش أرجع لأي حاجة تفكرني باللي فات، سيبني أتنفس وأشوفني مع أمل جديد، أرجوك يا "علي" بَعد عني خلي قلبي عيونه تفتح ويختار اللي يستحقه بدون خوف.
"علي" رفع إيده بالراحة، كان نفسه يلمس إيدها يطمنها، بس وقف إيده في الهوا ورجعها جيبه لما شاف الخوف القاتل في عينيها، صوته واطي وهمس لها:
ـ صدقيني أني مش متاهة يا "شيماء"، أني كنت أعمى وبقيت بشوف، كنت ضايع وعرفت إن طريقي الوحيد هو إنتِ، أني مش جاي أعطلك ولا أرجعك لورا، أني جاي أكون سندك في الطريق الجديد من غير ما تخافي مني، محدش هيحبك في الدنيا داي كلاتها كدي، أني مستعد أقدم لك كل الضمانات اللي تخليكي ترتاحي.
"شيماء" انسحبت لورا خطوة، مسكت قلم كان مرمي على المكتب وضغطت عليه بقوة عشان تفرغ الطاقة والتوتر اللي جوة جسمها:
ـ مستعد؟ بس أني مش مستعدة يا "علي"! الفكرة إن الجرح لما بيبصم في القلب العهود والضمانات وقتها بتفقد معناها.
"علي" بص لها برجاء وهز راسه برفض قاطع:
ـ صدقيني كلنا هنحتاج لفرص نديها لبعض، إنتِ اتعلمتِ تهربي من نفسك بالخوف! بصي في عيني يا "شيماء" وقولي لي إنك مش محتاجة وجودي جنبك دلوك، قولي لي إن الفرحة داي كاملة من غير ما أكون أني اللي بمسك يدك وأقولك شاطرة يا دكتورتي! قوليها لو قدرتِ!
"شيماء" بصت في عينيه، واللحظة دي كانت أشبه بضـ.ـــرب نار صامت بين قلبها وعقلها، عينيه كانت نابعة بحب وحنين حقيقي، حب كان نفسها تشوفه زمان، بس الخوف جواها كان زي الغول، بيصـ.ــــرخ فيها وبينبهها إنها متصدقش، الوجع اللي عاشته هيرجع تاني لو فتحتي الباب ده، أخدت نفس طويل وعميق، وخرجته ببطء شديد، وكلماتها طلعت تقيلة ومرتبة:
ـ أني متعودَة من زمان إني أقوي نفسي بنفسي، متعودة على الوحدة، مش محتاجة يد تمسكني وهي كانت السبب في إني أنجرح وأفقد الثقة في نفسي، لو عايز تبارك لي على نجاحي صُح، سيبني في حالي، سيبني أفرح بالخطوة دي من غير ما تشدني لتفكير أني قفلت بابه بالضبة والمفتاح.
"علي" وقف مذهول من صلابتها الظاهرية، بس هو عارفها أكتر من نفسها، عارف إن الجدار الحديدي ده من برة بس، لكن من جوة هي بتترعش ومحتاجة تتسند، قرب منها خطوة واحدة أخيرًا، وقال بلهجة فيها حسم متغلف بحنان غريب:
ـ أني أصلًا مجيتش عشان أضايقك ولا أهد اللي بنيتيه يا "شيماء"، أني جيت عشان أقولك إن الخطوة دي أمل ليا أني كمان، أمل إن لسة في فرصة، وإن زي ما النجاح دي فتح لك بابه، قلبك ممكن يفتحه لي تاني، أني مش مستعجل، وهستنى ومهضغطش عليكِ، بس مهمشيش ولا هسيبك لوحدك لحد آخر يوم في عمري.
"شيماء" لفت للمكتب ومسكت ملف الأوراق، وبقت بتقلب فيه بعشوائية ومش شايفه الكلمات أصلًا من غشاوة الدموع اللي حبستها:
ـ الباب مقفول يا "علي"، ومفيش فرصة للي راح لو سمحت، أستأذنك عشان وراي حاجات كَتيرة، والمكتب دي مش مكان للكلام دي علشان متستغلش فرصة إني هبقى موجودة اهنه كل يوم والتاني ألقاك قدامي، اللي هيتمنوك بنات كَتيرة بص حواليك وطلعني من قوقعتك، اللي في دماغك حب موهوم وأني خلاص طلعت من الأوهام.
"علي" بص لها لفترة، تنفس بعمق وهو بيشوف التناقض الرهيب بين قسوة كلامها ورعشة إيدها وهي بتقلب الأوراق، أدرك إن معركته معاها مش معركة رفض، دي معركة مع الخوف اللي زرعه جواها، ابتسم ابتسامة خفيفة فيها أمل وتصميم، ورجع خطوتين لورا وهو بيبص لها بعيون مشبعة بالحنين:
ـ ماشي يا دكتورة، هسيبك لشغلك النهاردة، بس افتكري دايماً "علي" مهيستسلمش بسهولة، وكيف ما وثقت في ربنا إنه هيخرجني من ضلمتي، هخليكي تثقي فيا تاني بنفس الطريقة.
انسحب بالراحة وقفل الباب وراه بهدوء وساب ريحته وصوت كلماته متعلقين جوة عيونها وقلبها، أول ما سمعت صوت الباب بيتقفل، إيد "شيماء" سابت الملفات، وقعدت على الكرسي وجسمها كله بيتنفض، حطت إيديها على وشها وتنفست ببطء، دقات قلبها كانت لسة بتضـ.ــرب في ضلوعها بجنون، كانت بين نارين؛ نار الشوق اللي بيشدها له بحنين ملوش حدود، ونار الخوف اللي بيصـ.ـــرخ فيها ويقولها إن السلامة في البعاد، بصت حواليها ودمعة واحدة نزلت من عينها مسحتها بسرعة بضهر إيدها، وهي بتقول لنفسها بكبرياء أنثى مكسورة:
ـ مهضعفش تاني يا "علي".. مهضعفش أبداً.
********
ـ استريحتي ياما اكده بعد ما خليتي بت الجزم داي تنتصر علي وعملت اللي في راسها وما بقاش في حاجة أذلها بيها وأكسر نفسها علشان ترجع لي غصباً عنها.
بصت له أمه بحزم لأول مرة لأنها بقت خايفة عليه من تهوره وكمان كلام "رحمة" معلم في دماغها:
ـ شوف يا واد إنت جوازك الشهر الجاي على عروستك اللي رحنا خطبناها من أهلها وإنت كل اللي شاغل بالك المنيلة على عينيها داي؟! طلعها من راسك لأن عمرها ما هتبص لك تاني، الست لما هتنفر راجل ولما تصدق إنها طلعت من قبضة يده ما هتعاودلوش تاني، بزياداك عداوة مع أخوك وحرقة قلبي عليكم أنتم التنين وافتح صفحة جَديدة ويا أخوك اني ماليش غيركم يا "سمير".
اتعصب من كلامها وكأن عقله رافض يصدق إن ده كلام أمه:
ـ واه يا حاجة أخوي قدر يسيطر عليكِ وعلى دماغك وخلاكي نسيتي إن دي كانت مرتي وعيالي وهو خدهم مني غصبانية؟!
دلوك حنيتي لولدك وهتاجي علي علشان خاطره ما هو الكبير الحلو واللي ما بيعملش الغلط أبداً وأني الشيطان اللي الكل ما طايقهوش.
زقته بحدة على كتفه وهي بتزعق له وبتطلع كل اللي في قلبها:
ـ لأول مرة أقولها لك يا "سمير" محدش تعبني في حياتي كدك، طول عمري هحاوط عليك وهقف قصاد أخوك في الصُح والغلط علشان خاطرك وأقول هو كبير وعاقل وأكيد هيعذرني، اني هحافظ عليكم انتم التنين من تهورك، اني عرفت إنهم كانوا هيعملوا لك تحليل مخدرات وإن المحامي كان هيوديك في داهية وهيستغل القواضي اللي كانت عليك وكنت هتلبس في السجن عشر سنين على الأقل، علشان تعرِف كل اللي أنا عملته وخليتك تتنازل عن القضية وعن الحضانة علشان خاطر أحافظ عليك يا ولدي، اعقل يا "سمير" وأخوك إداك حقك وورثك وفي الآخر طلعت الورقة اللي وراها لنا معمولة بالسخام الجَديد دي اللي هيقولوا عليه الذكاء الصناعي، وأخوك إداك فوق حقك مليون حق، وهو عمل اكده هو وأبوك علشان يكسروا شوكة الإجرام اللي جواك اللي هتضيع بيها حالك، بزيادك يا ولدي اني عايزة أفرح بيك وأشوفك مستقر ويا عروستك.
وكملت وهي ماسكاه من كتافه وبتهزه عشان تفوقه من دوامة الانتـ.ــقام:
ـ بالك إنت لو "نغم" داي كانت رايدة ترجع لك وأخوك هو اللي طمع فيها وما رايدهاش كنت رجعتها لك غصباً عنه، وهو كمان ما كانش هيقبلها على حاله، لكن هو راضي وهي راضية سيبهم للزمن والأيام لو غدروا بيك ربنا هينـ.ــتقم منها أخوك ملوش صالح.
زم على شفايفه بغضب ولأول مرة عيونه تدمع وهو مسهم في عيون أمه وحاطط إيده على قلبه اللي بيدق ولأول مرة يعترف بضعف:
ـ هعشقها ياما هحبها وما هشوفش في الدنيا ست غيرها، كل يوم هحلم بيها وهي في حضني وأصحى على كابوس إنها في حضن أخوي وأحس بالوجع والقهر جواي، كل ليلة والتانية أفضل أشرب علشان أقدر أنسى وبرضه ما هتطلعش من قلبي شكل ما يكون عشقها مرض سكن ضلوعي وما هيطلعش منيه غير بموتي، يا رب أموت علشان أريح الكل مني، مقادرش ياما مقادرش.
سحبته أمه لحضنها وهي بتطبطب عليه وحست بالوجع اللي جواه أول مرة تشوفه بيعيط علشان واحدة وما كانتش متخيلة إنه بيعشقها للدرجة دي وحاولت تهديه:
ـ إنت هتوهم نفسك يا ولدي علشان معامكش ست تاخدها في حضنك كل ليلة تنسيك "نغم" واللي جابوها، إنساها يا ولدي ربنا سبحانه وتعالى خلعها من نصيبك علشان هي ما كانتش نصيبك من الأول، ولو رجعت بعقلك للزمن القديم هتلاقي نفسك إنت اللي غصبتها عليك وعلى جوازتها منك وربنا سبحانه وتعالى ما بيرضاش بالحرام لأنك اتجوزتها غصبانية والجواز بالغصب حرام، وياما قلت لك بلاش يا ولدي وإنت ركبت راسك، صدِقني يا "سمير" اسمع كلام أمك اللي خايفة عليك وهتتقهر على قهرتك، اتجوز يا ولدي اللي اخترتها لك وسيبها لحالها الله يسترك.
كان بيبكي في حضن أمه زي العيل الصغير وصورة "نغم" وهي في حضنه ليالي ما بتبعدش بعيد عن عينيه، وأمه كانت بتطبطب عليه وهو صعبان عليها لحد ما هدي جوه حضنها واضطر إن هو يرضى بالأمر الواقع:
ـ حاضر ياما ادعي لي ربنا يهديني، ادعي لي أشفى من عشقها وأشيله من قلبي.
شدته أمه من إيديه ومشيوا ناحية العربية:
ـ ربنا يهدي قلبك يا ولدي وعقلك وتعرف راسك من خلاصك، ربنا يهديك يا "سمير" يا ولدي.
*******
ـ هي اللي ماشية تتمخطر وعلى رجليها نقش الحنة داي تُبقى "نغم" بت "حناوي" الخمورجي و"هدى" اللي كانت هتخدم في بيوت البلد كلاتها؟
ردت التانية وهي بتمط شفايفها بسخرية:
ـ صدق لسانك يا بت وجايبة كمان خدامة ماشية وراها تشيل التسويقة بتاعتها كيف ولاد الذوات، عشنا وشفنا بقت هانم بعد ما كانت مساحة سلالم.
الاتنين كانوا بيبصوا لها وبيحسدوها عيني عينك وهي واقفة مدياهم ضهرها بتركيز في اللي بتشتريه لكن سامعة كل كلمة بيقولوها لحد ما قالوا الكلمة اللي رشقت في صدرها وخلت دقات قلبها تتسارع جوه ضلوعها وهما طبعاً الجلالة واخداهم في الكلام ومفكرين إنها مش سامعاهم:
ـ يا ريتها جت على اكده؛ داي كمان اتجوَزت أخو جوزها وعاشرته وحبلت منيه ولا همها إنها هتبدل بين الأخوات شكل ما يكونوا جلابية ما عجبتهاش واحدة لبست التانية...
الكلام رشق في صدرها زي السهام والدموع نزلت من عيونها لحد ما سمعت رنة تليفونها وكان "سند" كتمت صوت الموبايل وعملته صامت والتفتت بحدة للستات دي ونبضات قلبها بتدق جواها بتسارع رهيب، وصاحت فيهم بوجع:
ـ طب وأنتم قاعدين على المصاطب هتجيبوا في سيرتي وكأني حق مكتسب ليكم وسيرتي اللي هتجيبوها بالباطل وكأني واحدة ماشية على حل شعري مش متجوَزة وعلى ذمة راجل مش عيب ؟
حسبي الله ونعم الوكيل فيكم انتم التنين، ربنا ينتـ.ــــقم منكم ويقـ.ــطع لسانكم اللي هتجيبوا فيه سيرتي يا زبالة منك ليها.
واحدة فيهم لوت شفايفها بسخرية وهي بتبص لـ"نغم" من فوقها لتحتها بكبر وردت عليها:
ـ جرى إيه يا اختي حاسبي على روحك وانتِ واقفة هتتفردي وتتني علينا كأنك نسيتِ حالك إنتِ مين يا بت وهتقفي قدام أسيادك هتشتمي وهتحسبني، ومين قال لك إن إحنا هنتحدت عن ست الحسن والجمال إن شاء الله ولا تكونيش فاكرة حالك محور الكون؟
ردت اللي واقفة جنبها بنفس الجبروت:
ـ وانتِ إيش تكوني علشان نجيب سيرتك ولا نتكلم عنك، الله صحيح القوالب نامت والأنصاص قامت وما بقاش إلا بت "حناوي" الخمورجي و"هدى" اللي كانت هتمسح سلالم البلد كلاتها ومن ضمنهم سلمي، اقفي عوج واتكلمي عدل يا بت.
ردت "جليلة" بغضب شديد وهي بتقف قدام "نغم" كأنها حامي الحمى وهي بتزعق لهم بغـ.ــضب شديد:
ـ واه عليكِ يا مرة لسانك زفر منك ليها ما هتعرفوش هتتحدتوا ويا مين يا واكلة ناسك منك ليها؟! داي مرت سي "سند" بيه الناجي اللي لو عرف اللي عِملتوه في مرته أم ولده اللي حملاه في بطنها هيطين عيشتكم وهيولـ.ـــع في البلد كلها فوق روسكم، انتوا اللي هتتفردوا وهتتنوا على مين دي انتوا يومكم مفايتش النهاردة.
الاتنين بصوا لها بصوت واحد ردوا عليها:
ـ إذا كانت هي مرت "سند" الناجي اللي هتتحدتي عنيه دي بملو بقك إحنا ولاد وستات كبارات النجع ومهنهابش من حد واصل وأعلى ما في خيلكم اركبوه.
شمرت "جليلة" أكمامها ولسه هتدخل فيهم شمال علشان تضـ.ــربهم إلا إن "نغم" منعتها وهي حاسة بالقـ.ـــهر من جواها وهي بتقول لها:
ـ سيبك منهم يا "جليلة" دول حريم فاضية هيقعدوا يجيبوا في سيرة اللي رايحة واللي جاية؛ منهم لله ربنا هيقتص لي منهم وهيجيب لي حقي، حسبي الله ونعم الوكيل فيكم؛ حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم.
بصوا لها باشمئزاز وجابوها من فوقها لتحتها وواحدة فيهم قالت لها بطريقة مستفزة قبل "نغم" ما تتحرك من قدامها:
ـ ياكش يا ختي تكوني مفكرة حالك الشيخة "نغم" وربنا هيتقبل منك حسبنتك، دي إنتِ ولية قادرة فرقتِ بين أخين وهتحرقي قلب أمهم عليهم اللي ماشية ودايرة في البلد كلاتها تقول عنك ياما في الخمر، يعني إحنا ما جبناش الكلام من بره كله طالع من عِبكم، حماتك هتقول في البلد كلاتها إنك هتبيعي جتتك للي يشتري أكتر وما يهمكيش إنك هتفرقي بين أخ وأخوه وما هتختشيش كمان.
"نغم" بصت لهم بحـ.ـــرقة وعيونها انهمروا بالدموع من شدة الكلام اللي سمعته وقلبها بيدق بعـ.ـــنف وهي حاسة إنها مش قادرة تصلب طولها ولا تقف على رجليها، وردت عليهم قبل ما تمشي:
ـ منكم لله؛ كنتوا فين زمان وأني كنت بتهان وبنضـ.ــرب وعضمي بيتـ.ـــكسر من طليقي؟
كنتوا فين لما كنت هستنجد بكباراتكم وأقول لهم ارحموني وبعدوه عني ويوم ما اتجوز على سنة الله ورسوله لحكمة ربنا وقدره و نصيبه تقطعوا في لحمي كلاتكم بدون رحمة، منكم لله ربنا هياخد لي حق منكم مهما تقولوا انتم ولا غيركم، منكم لله.
وسندتها "جليلة" ومشيت فطلبت منها "نغم" بعد ما بعدوا عن الزحمة لأن الناس كلها اتلمت عليهم وكله سمع كلام الستات وكلام "نغم" وفي منهم اللي كان في صف الستات دي وطبعاً الفئة الكبيرة، وفي منهم اللي كان في صف "نغم" وأشفق عليها لأنهم عارفين مدى إجرام "سمير" وبيوت كتيرة من البلد مجربين إجرامه:
ـ خدي الحاجة وروحي على البيت اقعدي ويا العيال أني هروح أزور قبر أبوي، وشوية صغيرين وراجعة على طول.
اتمسكت بإيديها ونطقت بتصميم:
ـ لااااه هاجي وياكِ ما هفوتكيش لحالك أبداً، وبعدين ما تشغليش بالك بالنساوين داي فاضيين ولا وراهم شغلانة ولا مشغلة هيجيبوا سيرة اللي رايحة واللي جاية بالزور والافترا، وأني عارفاهم زين كل يوم هعدي أجيب طلبات من السوق هسمعهم قاعدين نفس القعدة وهيتحدتوا في العاطل والباطل وفي سيرة خلق الله.
حركت "نغم" إيديها في الهوا وهي بتمنعها:
ـ لااه ما عايزاش حد ياجي وياي روحي علشان خاطر العيال، وما تناهديش معاي يا "جليلة" أني تعبانة لحالي.
وصممت "نغم" إنها تروح لوحدها وأول ما راحت لقت "سند" بيرن عليها تاني فكنسلت الخط وبعتت له فويس مختصر وبصوت بتحاول يكون طبيعي:
ـ معلش أني في المقابر هزور أبوي وبقرا قرآن هخلص وهكلمك أطمن.
وضغطت إرسال وحطت شنطتها والموبايل في إيديها وبصت على قبر أبوها بعيون مليانة قهر ودموع:
ـ تعالى يا أبوي شوف حال بتك اللي بعتها زمان لشبه راجل ذلني وأهاني ووراني المر أشكال وألوان، وياما كنت هاجي لك وأقول لك طلقني منه وهعيش خدامة تحت رجليك كنت هترفصني بنفس الرجل وتاخد مني كل اللي وياي وترميني وكأني مش بتك لحمك ودمك، كان زماني متعلَمة كيف خواتي وكان زماني ولا اتجوَزت الأولاني ولا انجبرت اتجوز من التاني، كان زماني كيف خواتي متجوزة راجل باختياري والناس ما هتجيبش في سيرتي وتقطع في لحمي وتقول هبدل بين الرجالة، واستحليت جسمي للأخ وأخوه وكأن عقد ربنا وشرعه ملهش قيمة ولا لازمة حداهم،
خلتني ماليش حق الاختيار في حياتي ولا في الراجل اللي هعاشره وعاشرت التاني غصبانية والتاني غصبانية....
وكل ده كان بيتسجل في فويس لأن إيديها ما ضغطتش على الإرسال ولسوء الحظ إيديها جت على الموبايل وضغطت إرسال للفويس اللي أول ما وصل لـ"سند" سمعه بالكامل وصدمته كانت في آخر كلمة قالتها رشقت في قلبه زي السهم.... والتاني غصبانية...
