رواية انتقام الفهد الفصل الثلاثون والاخير
"الثمن الذي دفعه الجميع"
ساد الصمت...
ولا واحد فيهم كان قادر يحوّل عينه عن غالب.
وقف الرجل متكئًا على عصاه، وعلى وشه ابتسامة كلها ثقة، كأنه
كان مستني اللحظة دي من تلاتين سنة.
بص لفهد وقال بهدوء:
— تعالى يا ابن يوسف... خلاص
مفيش داعي للهروب. كل واحد فيكم جه بنفسه لآخر باب من أبواب الخيانة.
رفع فهد راسه وقال بثبات:
— أنا مجتش علشان أسمع
كلامك... أنا جيت أقفل الحساب.
ابتسم غالب ابتسامة باردة.
— الحساب؟ أنت لسه ما تعرفش مين ظلم مين.
يوسف صرخ لأول مرة:
— كفاية كذب يا غلاب! ضيعت
عمرنا... وشتت العيلة... وخليت كل واحد فينا يشك في التاني.
رد غلاب وهو بيضحك:
— وأنا عملت كل ده لوحدي؟
الطمع كان جوا الناس... وأنا بس عرفته يشتغل.
سكت الجميع...
وفجأة وصل اتصال لفهد.
بص للشاشة...
وكان الرقم الخاص براوية.
رد بسرعة:
— راوية... إنتِ فين؟
لكن اللي رد كان صوت سلمى، وكانت بتتكلم وهي منهارة:
— إلحقنا يا فهد... البيت اتهاجم...
وراوية وقعت... ومش بترد علينا!
اتغير لون وش فهد.
— إيه اللي حصل؟!
ردت سلمى وهي بتبكي:
— كانوا بيطاردونا... وراوية
وقعت وهي بتحاول تحمينا... بسرعة يا فهد.
وقع التليفون من إيد فهد.
وبص ناحية يوسف.
همس بصوت مخنوق:
— راوية...
يوسف فهم من نظرة ابنه إن مصيبة كبيرة حصلت.
قال بسرعة:
— روح يا ولدي... متتأخرش.
غلاب حاول يمنعه، لكن فهد بصله نظرة كلها غضب وقال:
— النهارده مش هسمح لحد ياخد مني حد بحبه.
التفت إلى عمرو وريكو.
— خدوا بالكم من أبويا.
هز عمرو رأسه.
— روح... وإحنا معاه.
...
في بيت سلمى...
كانت كناريا ووفاء وهدى قاعدين
جنب راوية، وكل واحدة فيهم بتحاول تصحيها.
كناريا وهي ماسكة إيدها:
— راوية... افتحي عينيكي... بالله عليكي.
وفاء دموعها نازلة.
— متسبيناش يا راوية... قومي.
أما سلمى فكانت واقفة عند الباب تبص للطريق وهي بتدعي:
— يا رب... وصله بسرعة.
بعد لحظات...
وصلت عربية فهد.
نزل منها وهو بيجري بكل قوته.
أول ما شاف راوية، وقف مكانه
كأنه فقد القدرة على الحركة.
ركع جنبها.
مسك إيدها.
وقال بصوت متقطع:
— راوية... أنا جيت... اسمعيني.
فتحت عينيها بصعوبة...
وبصتله بابتسامة خفيفة.
همست:
— كنت عارفة... إنك هتيجي.
دموع فهد نزلت لأول مرة قدام الجميع.
عارفه اننا موعدين اننا مفترقش طول العمر بس النصيب قتلت
كده وغمضت عيونها وغابت عن الوعي
قالت كناريا وسلمي وهدي وريكو لا راويا فتحي اوعي تغمضي
هتبقي كويسة متسبنيش بالله عليكي ياراويه
قال فهد بصرخه راويه متسينيش لوحدي
قال وهو بيحاول يطمنها:
— متتكلميش... كل حاجة هتبقى بخير.
سلمى قالت بسرعة وهي بتبكي:
— في مستشفى على أول الطريق
يا خوي... قريب من هنا.
من غير تردد...
حملها فهد بين إيديه.
وقال بصوت مليان إصرار:
— تعالي معايا يا سلمى... وريني الطريق.
جرى خارج البيت...
وخلفه يوسف وعمرو وريكو والبنات.
لكن في اللحظة دي...
وقف غالب بعيد يراقب المشهد.
ونزلت من عينه دمعة لأول مرة.
همس لنفسه:
— يمكن فعلاً... الحب أقوى من الكراهية.
أما فهد...
فكان بيجري بكل ما يملك من
قوة، وهو يردد:
— استحملي يا راوية... أوعدك إن
العيلة دي هترجع زي الأول... وأوعدك إن آخر باب من أبواب الخيانة هيتقفل للأبد.
وانطلقت السيارات في طريقها...
بين أمل لا يزال حيًا...
وخوف يملأ القلوب...
أما النهاية الحقيقية...
فكانت ما زالت تنتظرهم.
بعد ساعات من المطاردات والتحريات...
تمكنت قوات الشرطة من القبض على محمود عزام، ومعه كل أفراد الشبكة اللي شاركوا في سنوات الخيانة والفساد.
الملفات اللي سلمها يوسف كانت كافية تكشف الحقيقة كلها...
وواحد ورا التاني...
بدأت الأسماء تقع.
أما غالب...
فحاول يهرب من القصر القديم، لكن المخرج كان محاصر من كل ناحية.
وقف يبص حواليه، ولأول مرة الخوف ظهر في عينيه.
يوسف بصله وقال:
— النهاية دي كتبتها بإيدك من يوم ما خنت دمك.
وفهد وقف قدامه، وعينه مليانة وجع السنين.
وقال بصوت ثابت:
— ضيعت أمي... وفرقت بين أب وابنه... وسرقت حق ناس كتير.
وساب الشرطة تاخده مكبل، وهو بيبص لفهد في صمت.
ولأول مرة...
غالب معرفش يرد.
...
بعدها مباشرة...
ركب فهد العربية مع عمرو، وانطلقوا بأقصى سرعة للمستشفى.
كان الطريق طويل...
لكن قلب فهد كان أسرع من العربية.
كل دقيقة كان بيدعي:
— يا رب... قومها بالسلامة.
وصلوا المستشفى...
وأول ما دخلوا، جري فهد على الاستقبال.
— لو سمحت... أوضة الآنسة راوية فين؟
الممرضة ابتسمت وقالت:
— الدكتور مستنيكم.
جرى هو وعمرو.
وقفوا قدام الدكتور.
ابتسم الدكتور ابتسامة هادئة وقال:
— الحمد لله... عندي خبر كويس.
اتسعت عينا فهد.
— يعني...؟
قال الدكتور:
— المريضة استعادت وعيها من شوية.
نزلت دموع فهد من الفرحة.
— الحمد لله... الحمد لله يا رب.
ابتسم الدكتور وقال:
— وأول كلمة نطقتها...
كانت: "فهد... فين فهد؟"
مقدرش فهد يمسك نفسه.
دخل الأوضة بسرعة.
كانت راوية فاتحة عينيها، ووشها شاحب، لكن أول ما شافته...
ابتسمت.
مدت إيديها بصعوبة وهمست:
— كنت عارفة... إنك هتيجي.
قرب منها فهد، ومسك إيدها بين إيديه.
وقال وهو بيبتسم وسط دموعه:
— أنا هنا... ومش هسيبك أبدًا.
سكت الدكتور لحظة...
ثم قال بصوت هادئ:
— لكن... لازم تكونوا عارفين الحقيقة.
التفت الجميع إليه.
قال:
— الإصابة كانت شديدة، ومرت في منطقة حساسة من العمود الفقري ووصل تأثيرها إلى الجانب.
ساد الصمت.
وأكمل الطبيب:
— دلوقتي ما نقدرش نجزم بالنتيجة النهائية... لكن فيه احتمال إنها تحتاج فترة علاج وتأهيل طويلة، وممكن تواجه صعوبة في الحركة لفترة، وربما لفترة أطول. وفي المقابل، فيه أمل مع العلاج الطبيعي والمتابعة المستمرة، ولسه بدري نحكم بشكل نهائي.
نزلت دموع راوية.
لكن فهد شد على إيدها وقال:
— حتى لو الطريق طويل... همشيه معاكي خطوة بخطوة.
يوسف قرب منهم، وربط على كتف فهد.
وقال:
— أهم حاجة إن ربنا رجعها لينا.
ابتسمت كناريا وهي بتمسح دموعها.
وقالت:
— الحمد لله... العيلة رجعت تتجمع من تاني.
نظر فهد إلى راوية، ثم ابتسم وقال:
— الخيانة فرقتنا سنين...
لكن المحبة رجعتنا من جديد.
وانتهت المعركة...
وبدأت رحلة جديدة...
رحلة أمل، وصبر، ولمّ شمل عائلة دفعت ثمنًا غاليًا حتى تسترد حقها.
بعض النهايات ليس نهايه بل هي بداية حقيقيه لحياه افضل الجميع
تمت بحمد الله
