رواية صياد النايا آل حانا الجزء الثاني الفصل الاول 1 بقلم اية العربي


 رواية صياد النايا آل حانا الجزء الثاني الفصل الاول 

نعم أراك

ولكنني أقف على شاطئ البر الثاني، بيني وبينك بحر جار

بحر من حيبات وكسور، وصخور معاناتي تصفع أمواج عدرك منثور وتبتلع في ثورتها سفن الأمل والأصول.

نعم أراك

واری خيانتك العظمى تعبر أمامي، يرفرف فوقها علم التكبر والغرور تتبعها قوارب تبرير يأسر العقول .

نعم أتألم

ولكن رمال صدماتي أهدتني أقنعة من جليد وحبور، فعزمت على صيد راحتي من بحر آخر، فالراحة في بحرك تشيه راحة القبور

فشل جديد ينضم إلى قائمته، ضربة قاضية كانت جزاء ثقته في من أحب، وأولهم والده.

ضافت الأرض عليه رحنا وهو يقود بلا هدى، فقط يسعى للابتعاد كأنه يفر من الاختناق .

طعن في أغلى ما كان يظن أنه يملكه كبرياءه، وبيد والده، وسلام نظراتها الباردة نحوه.

تزوجت بآخر، وذلك الآخر بعد قريبا، وأنت المباركة من أبيه، ثلاثة خيانات في أن واحد كقهوة مرة، كقلب صار فتاتا، وكروم دهست تحت عجلات القدر.

كيف استطاعت أن تمنح لغيره ما كان وطنه ؟ وكيف لعدل الحياة أن يجعله يتذوق اليوم من نفس الكأس الذي سماه

لها بالأمس؟

سيلمسها آخر؟ سيقترب منها ؟ سيعاشرها ؟ ستسلمه نفسها؟ كيف استطاعت أن تفعلها ؟ كيف يمكنها أن تعطيه

ما هو ملكا له؟

ألا يفترض أن يكون كل شيء بها عائد إليه ؟ كيف ستتقبل أن يضع ذلك الرجل يده عليها ؟

استعمر الجنون عقله، حتى أنه لم يعد يرى الطريق أمامه واضحا، يتمنى أن ينهي هذا الطريق، أو أن ينهي الطريق وجوده

هل هكذا عاقبته؟ هل أرادت أن تذيقه ما فعله بها؟ هل هكذا شعرت حينما تروح تيا وابتعد عنها ؟ هل هذه هي الحبيبة التي عاشتها حينما وقف في المكان ذاته الذي وقفت فيه اليوم، ونطق انها لم تكن اختياره؟ هل اختارت عبد الله وفضلته عليه لترد له الصفعة؟

هل هكذا تدور الدوائر؟ هل هذا هو العدل ؟ هل الوقوف على عتبة الموت انتقاقا صالحًا ؟

حسنا هل الندم سيعيدها إليه قبل أن يلمس ذلك العبد الله ظهرها ؟

يشعر أنه على عتبة الموت يريد أن يهرب من مشهد ينهش ما تبقى من رجولته.

رحلت، وأخذت معها كل شيء، تاركة خلفها مهران المحطم الذي أدرك أخيرا وبعد فوات الأوان أن الدوائر تدور، وأن

خذلاته لها بالأمس هو ذاته الحنجر الذي يغرس في صدره اليوم.

عادت الأفكار تلتهم عقله دون رحمة، يتخيل مشاهد قادرة على نحر روحه ونزعها من بين أصلعه، تتملكة طاقة بالعودة إليهم وتدمير كل شيء بات يشبه بركانا شدت موهته بعدما رأى كل أبراج اماله التي شيدها تنهار أمامه واحدا تلو الآخر. وهو يقف يشاهد الهزيمة بعجز تلفح به، وماذا بعد؟

اليعود بذاكرته قبل أسبوعين وقبل سفره خارج البلاد

ا ترحل أمام المبنى، ودلف يستقل المصعد ليراها ويرى صغيره قبل سفره

لقد أوشك صبره على النفاذ من شهر ونصف على العمل في الشركة، ولم تخبره هل تنوي العودة. كلما يسألها تتملص هريا، ولا تجيب على اتصالاته فيضطر إلى التواصل مع الخادمة أو الحارس ليسألهما عنها. يراها تبتعد شيئًا فشيئًا. براها تتجرد من جلبابه منذ أن أنت وترتدي عباءة التمرد عليه وهذا يرعجه، ويخيفه، خاصة مع تودد عبد الله الرائد والملحوظ برغم تحذيراته له، وتقرب ولديه منها للدرجة التي جعلتهما يأتيان لزيارتها باستمرار حتى حينها إلى الاسبوع الماضي وجدهما عندها

طرق الباب وانتظر ثوان حتى فتح له. ولكنه وقف متجهما وقد ظهر عليه الضيق حينما وجد ندى أمامه، تبتسم له وتردف بلطف :

أهلا بحضرتك يا أونكل، اتفضل.

تفضل ؟ هل أخطأ في العنوان وجاء إلى منزلهما؟ ولماذا لم تخبره الخادمة بوجودها ؟

ذلف ممتعضا ولم يعطها اهتماما ليصدمة المشهد التالي وهو يرى شقيقها يجلس مع حمزة ويلاعبه مبتهجا بتفاعل الصغير معه، والمشهد الذي يليه نهاد تخرج من المطبخ وتحمل في يدها طبق الكيك وتتبعها الخادمة تحمل صينية العصير في مشهد أسرى رائع لا ينقصه سوى خروج عبد الله من غرفة النوم للدرجة التي جعلته يشعر بأنه دخيل عليهم.

المحته نهاد موقعت مكانها تطالعه يتعجب فراه جيدًا وأدرك ما يدور في خلدها، فهذا ليس موعد مجيئه الأسبوعي. وكيف ياني هكذا دون اتصال مسبق؟

حقا لم تعد تطبق أفعاله الاستحقاقية والمتسلطة هذه، لم تعد تتحمل ضغطه عليها في كل محيط لها. لم تعد تحتمل تحذيراته المستمرة لها بالا تقترب من هذا وذاك، ومن المؤكد أن رؤيته لـ علي وندى ستريد الوضع سوءا، فهي لم تنس ماحدث الأسبوع الماضي حينما أمرها أن تضع الحدود ولكنها لم تفعل، خاصة مع تعلقهما بها وبالصغير. وبافتقادهما للاهتمام بتفاصيل كانت تهتم بها والدتهما ووجداها عند نهاد كاهتمامها بحكاويهما حتى لو كانت ليست مهمة، نعم ربما كونها امرأة صعيدية لا تجيد مجيئهما إليها باستمرار، ولكنها لا تستطيع صدهما مهما حدث.

نطقت بخفوت على مضض.

مهران؟ حصل حاجة؟

حدجها بضيق. ثم تحرك نحو صغيره يحمله ويقبله، وجلس ينظر نحوهم حتى استقر عندها وهي تقف مكانها قبل أن تتحرك وتضع ما في يدها على الطاولة، ثم اتجهت تجلس قبالته واستطردت وهي تنظر إلى ندى التي التهمها الخجل

- اجعدي يا ندى

تحركت تجلس بتوتر وتنظر لشقيقها الذي شعر بالإهانة لذا نهض يردف :

لاء يالا يا ندى تمشى علشان اتأخرنا

أوقات ونهضت معه لتوقفه نهاد تنطق بعفوية .

- ماحتنزلوش غير لما تاكلو الكيك، داني عملاه عشانكم.

از درد ريقه ولم يعد يرغب في تناول شيء خاصة بعد تجاهل مهران له ولشقيقته لذا نطق بتصميم وهو ينوي التحرك.

- معلش يا خالتو نهاد هنمشي دلوقتي ومرة ثانية تبقى باكل، عن اذنكو

أمسك يكف شقيقته وتحركا يغادران تحت أنظارها العابسة وأنظار الخادمة التي تقف لا حيلة لها بعدما وضعت صينية العصير وكادت أن تتحرك نحو المطبخ. ولكن مهران أوقفها ينطق بجمود غير مبال برحيل الشقيقان :

تعالي حدى حمزة وانزلي اشتريله حاجة من تحت.

التفتت نهاد تحدجه بضيق من أفعاله ونطقت معترضة .

ما ينفعش تنزل، خدي حمزة يا سمر وادخلي جوا.

نطق بتصميم بعدما تملك منه الغيرة والغضب :

حولت خديه وانزلي دلوك.

لم تستطع الخادمة إلا أن تنفذ رغبته، لذا تحركت تحمل الصغير أمام نهاد التي وقفت عاجزة وغاضبة، تشاهد سيطرته بقلة حيلة لا تعلم كيف تنقصها عنها، فهي لا تحب الصوت العالي، لا تحب الصحيح، ولا تحب إثارة البليلة من حولها، لذا كبنت عصبها إلى أن رحلت الخادمة وأغلقت الباب فالتفتت تطالعه ولم تنبس بحرف، تنتظره ليبوح بما لديه، وبالفعل نطق بنبرة خرجت من أسفل أنقاض غيرته :

- فهميني الحكاية ايه ورايحة على فين عشان اني مانيش معقل.

تساءلت بعدم استيعاب المقصده :

يعني ايه؟

نطق مهتاجا :

يعني اللي شايعه إن أولاد عبد الله واحدين راحتهم وياكي ع الآخر بنته تفتحلي الباب، وابنه جاعد يهزر مع ولدي، وكان ناجص الاجي ابوهم خارج من جوة باكل كيك من بدك كنكو عيلة مثالية مافيش زيها .

لو يعلم وقع كلماته على روحها لما نطق بها، وهل ترك لها حياة لتبنيها ؟ هل جعلها تبني معه عائلة مثالية لتبنيها مع غيره؟

نطقت بهدوء ظاهري

انت شايف اكدة ؟

هدوءها أصابه في مقتل، حيث ظنه لا مبالاة. لم يز البركان المشتغل بداخلها مزاد من حدثه بشك حبيت، ينطق وهو يضرب جانبي مقعده بيديه .

ماتجننتنيش، حولتي حسافر واشتغل واهدى من اللي حصل وترجع واللي شايفه دلوك إنك بتبعدي ومرحبة بالبعد ده. لتكوني كتب واخداني كوبري عشان توصلي الحاجة في دماغك، ولا لتكوني متفجة مع اللي اسمه عبد الله ده على حاجة ما عرفهاش ؟ انت عايزة ايه بالظبط ؟

من يراها بطنها سيدة تتلحف بالاستفزاز عن عمد ومن يفهمها يدرك أنها استنزفت كليا. ومن يحبها يفترض أن يسعى الإطفاء لهيب قلبها، ولكنه يجلس أمامها ويفعل العكس، لذا نطقت وهي على وتيرة الهدوء ذاتها

- عايزاك تبعد عني ايوة أني سايسينك عشان ابعد عن محيطك واجي على اهنة، بس انت مش عائجني وما يجتش جادرة اتحمل افعالك وحديتك ..... أني جيبت آخری یا مهران

جن جنونه حينما أخبرته أنها راوغته من البداية حتى ثاني إلى هنا تخبره أنها استغفلته واستهزات به ليراوده ذلك الشعور مجددا، وتعود إلى حصته العقدة النفسية التي اتخذها ذريعة لهدم حياته، كان الخراب يتحداه، لذا لم يعد يعرف ماذا يقول، فبدأ يقذف كلمات قاسية مبعثرة تستهدف خاطرها وروحها وضلوع صدرها وعيناه مشتعلتان كأنهما سماء تعانقان ألعابا نارية :

اكدة ما طلعتش أتي اللي خاين على الأجل أني اتجوزت وجيت جولت جدام الكل ولا لقيت ولا دورت، إنما انت بينتي وشك. الثاني دلوك، وشك القدار الخاين بينتي جد إيه مكانش ينفع أمتلك.

نهض يسترسل غاضبا وشيطانه يقنعه بأن ما سيقوله هو الحل الأمثل لترويضها ورضوخها

أني دلوك حاخد ولدي وارجع ع الصعيد وانت اعملي اللي رايداه، حمل عنك كيف مانت عايزة، وماحتشوفيش وشنا ثاني واصل.

تحرك خطوات يقوده غصبه العاصف، بينما مشاعره تحاول منعه ولكنه تجمد والتفت حينما رطمت المزهرية المجاورة لها أرضا متهشمت إلى قطع متناثرة، فانحنت سريعا تلتقط قطعة زجاج مدينة قبضت عليها ووضعتها على معصمها الأيسر قائلة بعيون غائرة وروح تحلق في سماء الاستسلام القليدة بالعجز وقد غابت شمس الأمل عنها حينما شعرت أنها ستفقد صغيرها :

لو خرجت دلوك حجتل حالي، أني عايشة ومتحملة كل اللي شوفته عشان ولدي لو اخذته مني ماحببجاش عندي حاجة اخسرها، إنت ما سيتيش حتى اعرف اداوي اللي اتكسر جوابا انت وصلتني لطريح مجهول ما فيش منه مقر أني خلا خلاص استسلمت.

انحمد بركاته وكان السماء انهمرت بالمطر الغزير، وتبخر غضبه حينما وجد الانهيار يعانقها، فأسرع يرفع كفيه أمامها وينطق بخوف تجسد في نظرته ونبرته :

- ارمي اللي في يدك ده يا نهاد واعجلي أني لا رايح ولا چاي اجعدي ومتحدث زين .

ابتسمت بسخرية مؤلمة، تسخر من خوفه واهتمامه اللذان لم تعد تشعر بهما ولو بمقدار درة زواجه جعلها لا تصدق اية مشاعر تصدر منه نحوها، وبالفعل كانت تجز القطعة الحادة على معصمها، وقد تسبب الضغط عليها في جرح يدها. مظهرت الدماء أمامه وهو يراها بالفعل تنفذ تهديدها، لذا لا يعلم كيف التهم المسافة بينهما وأسرع بقيض على كفها وينتشل منها الزجاجة ويلقيها بعيدا.

وقف يفحص كمها ليطمئن ثم انحنى سريعًا ينتشل محرمة ورقية وعاد يلف بها بدها القدماء ..

رفع نظره إليها ليجدها تنظر نحو يدها بخواء، كانها ذهبت إلى عالم آخر عالم تمنت أن تجد فيه من يرحمها، ويفهمها. ويسمح لها بالنقاط أنفاسها. يسمح لها بالتعبير عن أوجاعها.

استغل حالها وسحبها إليه يعانقها بتردد ولأول مرة لم تمنعه، لم تشعر حتى بوجوده كأن روحها تزعت من جسدها. وقفت متبلدة من أي مشاعر بعدما أدركت أنها كانت على وشك إنهاء حياتها، وكيف سقطت في بؤرة ياسين لحظية قادتها إلى هذا الفعل، وكادت أن تكلفها الكثير.

برغم أنه تمنى عناقها منذ أن طلقها. ورغب في احتوائها الآن بكل جوارحه، ولكن تبلد مشاعرها جعله يبتعد ويزفر مطولا بحزن على ما أوصلها إليه، ليدرك خطأه واندفاعه خلف غيرته وغضبه على شيء لا يستحق ما حدث. إنها لم تفعل أي شيء

أجلسها وجلس يرنو منها ويقبض على كفيها قائلا بأسف صريح ..

- حجك عليا، ماكنش ينفع اجول اللي جولته دلوك أني اتسرعت وغيرتي عمتني اني عارفك زين بس غصب عني ما يتحملش اشوف اهتمامك رايح لغيري خصوصا عبد الله وعياله اللي طلعولي في البحث دول، ومش معبراني واصل ويحبني تشوفيني نصايحي، عشان اكدة حولت حديث ماسخ، بس أني عمري ما اخد منك حمزة مهما حصل، ده كان تهديد في لحظة غضب لاجل ما تحبلي ترجعي وبابا.

لم تعط أي ردة فعل سوى النظر لكفها والصمت كل ما يدور في عقلها أنها كادت أن تنهي حياتها، أنها تغضب ربها للمرة الثانية وبنسببه أيضا أنها يجب أن تعاقب نفسها ولكنها التقطت من بين أفكارها كلماته وهو يخبرها :

أني بحبك جوي يا نهاد، وبغير عليك جوي، حتى حديثك مع عبد الله لمجرد الشغل بيخليني جاعد بعيد وعجلي كله معاكي اهنة، ولا بجيت مركز في شغل، ولا عارف اجمد على بعضي عشان اكدة بتلجيني جدامك كل شوية.

رفعت نظرها بعدما اخترقت كلماته عقلها المنهك، وطالعته باستنكار بقيض مشعر بما يدور في خلدها لذا از درد ريقه ونطق :

جولي اللي بيدور في راسك اطلبي اللي انت رايداه وأني حنفذ هولك لو عندك شروط للرجوع جوليها واني حنفذها مهما كانت.

هزت رأسها بلا تخبره بصمتها أنها لا ترغب في العودة، أنها لم تعد ترعب في حياة زوجية تدرك جيدًا تكرار نمطها معه. أنها تذوقت الجفاء منه تعامين وادعت أنها تتدوق شهدا. ولكن بعد زواجه بأخرى قال أنها اختياره لا يمكنها أن تدعي التعايش، بينما هو يرتدي قفاز الندم ويشرح مشاعرها دون أي وسيلة تخدير

زفر بقوة واحتوى وجهها محاولت إزاحته ولكنه لم يفعل بل نطق وهو يقترب منها كثيرا :

حجك عليا، أوعدك ما حضغطش عليكي ثاني واصل أني اصلا مسافر اسبوعين شغل وحتاخذي راحتك مني وتفكري فيهم زين، وبعدها جعمتك اللي انت رايداه، وحمزة حيفضل وباكي مهما حصل، بس اوعديني انك ماحتعمليش اللي عملتيه ده ثاني واصل، مهما حصل با نهاد اوعي.

حاولت الابتعاد عنه، ولكنه اقترب يطبع قبلة على جبهتها شعرت بها كمن يوقع على ورقة عابرة تليها أخرى بتوقيع آخر

ابتعد يتنفس مطولا والنقط هاتمه يهاتف الخادمة ويخبرها بالعودة وقلبه يتأكل فلما وخوفا عليها ولكنه سينفذ وعده ويحررها من قيوده.. قليلا ... وإلى أن يعود من سفره )

عودة للواقع

إذا هي كانت تنوى الزواج بعبد الله منذ وقت، وخدعته فعلت به ما لم يفعله هو بها، إذا كانت كاذبة حينما أوهمته أنها تحيه، لم تحبه ولو بقدر ضئيل. وكيف تحبه وهو يبدو أمامها مغفلا؟

صدقها، وثق بها، لم يضعها في خانة شكه مطلقا مثلها وضع نيا.

تيا التي استقطعت جزءا من رحلته، خاصة بعدما رحلت صديقتها دون أن تخبره شيئًا لا يعرفه، لذا قرر أن يبحث بنفسه واستغل سفره إلى أمريكا ليفعل، وقد لجأ إلى أحد المخبرين لياتيه بأخبار مفصلة، ولكنه لم يعد يرغب بمعرفة شيء، لم يعد يرغب باستمرار العلاقة بينه وبينها. كذب حينما قال أنها اختياره، لم تكن كذلك بل كانت عمايا له قبل أن تكون عقابًا لوالدة ونهاد. لم يعد يرعب في توريط نفسه في أي علاقة، ولم يعد يرغب في كونه ابن عائلة آل جانا، عليه أن يبحث عن نفسه فقط.

النقط هاتفه وعبث به ليهاتف ذلك المخبر الذي كلفه بالبحث عن تيا، ليجينه بعد ثوان. لذا نطق بصوت متجرد من أي

مشاعر بالإنجليزية :

- توقف عن البحث، لم أعد أرغب في معرفة شيء .

أغلق الاتصال، وأغلق هاتفه، وزاد سرعته في هذا الطريق الخالي تاركا خلفه خطامًا يستحيل جمعه مجددا.

臺車車

سحبها إلى السيارة، وظل عقلها وقلبها داخل القصر عند صغيرها، لا تستوعب أن عمها أخذه منها، فقد كان كل شيء بموافقته. هل أخذه إرضاء لحالة ابنه ؟ أم لأجل زوجته ؟ أم للاعتراف بعادات وتقاليد كان قد تجاوزها لأجل استرداد الحقوق ؟

اليس من حقها البحث عن السلام دون التخلي عن صغيرها الرضيع؟ كيف يمكنهم تجاوز مصلحته. كيف يمكنهم حرمانها منه؟ هل راهنت على محبة وعدل ترتحا نسبة لألم ولدهما ؟

كان عبد الله ينظر لحالتها بضيق. ليس عليها أن تشعر بهذا الضعف والتيه عليها أن تتخلى بالقوة وتواجه، لذا نطق داعما.

نهاد ممكن تركزي شوية وما توهيش كدة، إنت ما عملتيش حاجة غلط ارفعي راسك فولي اللي انت عايزاه وأنا جعملهولك

نطقت بشيرة متقطعة من الشهيق ووجه محتقن من شدة البكاء والخوف

ما عايزاش غير ولدي مش حسيبة يبعد عني بعد العذاب ده كله.
يفهمها جيدا، ولكنه يدرك أنها سنواجه صعوبة، خاصة بعد قرار عبد الوهاب المفاجيء لكليهما، بعدما أوهمهما بأنه لن يفعل، لذا زفر وشرد لثوان يبحث عن حلول، ثم عاد يتطلع عليها لبرهة قبل أن ينطق

وأنا معاكي طبعا بس على الأقل استني كام يوم لما الأمور تهدي. إنت شوفتي اللي حصل وأكيد الأعصاب دلوقتي مشدودة، خلينا نمشي واوعدك اني حتكلم مع عمى واحاول اقنعه.

هزت راسها بلا عقلها لا يستوعب أن ترحل بدونه. لذا نطقت وهي تستعد للترجل

لاء ما خروجش من غيره

أوقفها ليلحق بها ولكنها ترجلت والتفتت تطالعه وتنطق بترج :

- خليك هنا لو سمحت، خليني اتحدث وياهم الحالي.

دقق النظر في عينيها لبرهة، بخشى عليها، ولكنه احترم رغبتها. لذا أوما ونطق بتريث

- تمام. حستناكي هنا

تحركت عائدة إلى القصر وقلبها ينبض بعنف، ولكنها لن تتركه تحاول فهم ما يمران به خاصة بعد حالة مهران التي تسببت في تعقيد الأمور هي نفسها لم تكن تتوقع أن تحدث كل تلك الفوضى، وأن تصل الأحوال إلى هنا، وإن أتي أحدهم قبل عام واحد وأخبرها بأنها ستتزوج من رجل آخر غير مهران لكانت انقضت عليه وضربته ضربا مبرحًا، ولكنها الآن تدرك أن كلمة مستحيل يستحيل الوثوق بها.

دلفت فلم تجد عمها، بل وجدت حسناء ترتب المكان، فاقتربت منها تتساءل ..

- عمي راح فين ؟

باعثتها بنظرة تفور تم أشارت برأسها نحو المكتب دون أن تنطق تجاهلتها نهاد وتحركت نحو غرفة صابحة وطرقت الباب مسمحت لها بالدخول، دلفت تصب عيناها على الصغير الذي يضحك مع جدته التي تجاريه برغم ألم قلبها مما حدث

التفتت تطالعها بضيق ونطقت وهي تضرب كما فوق الآخر

خبر؟ رجعتي ليه؟

تحركت تجلس أمامها وتحدق بها علها تتأثر تعلمها جيدا، وتدرك سبب قسوتها، ولكنها تتمنى أن تفهمها.

عادت تنظر إلى حمزة الذي ترجل يحبو إليها، فالتقطنه تعانقه بشدة، ونطقت

ما مجدرش اسيب ولدي با مرت علي مش بعد العذاب اللي شوفته اسينه وامشي.

تكتفت صابحة ونطقت بقسوة :

وما فكرتيش في ولدك ليه جبل ما تتجوزي من الخاين اللي ماضفرش فيه العيش والملح ؟

نطقت تدافع بدموع منهمرة وصدر ملكوم

عبدالله مهواش خاین با مرات عمي عبد الله الحجني من الموت ماكنش جدامه حل تاني

هاجت صابحة تردف

بس انت كان خدامك با نهاد عشان خاطر ولدك كنت اختارتي الأهون من الموت ورجعتي لولدي كنت تجدري تخليه يعملك اللي انت رايداه، وهو ندم وعرف أنه غلط واعترف إنه بيحبك

انتحبت بصوب مؤلم تتوسلها.

- أبوس يدك ما تجوليش إكدة مكانش ينفع ارجعله، إحنا لاتنين جلوبنا مشوهة، إحنا لاثنين رجوعنا لبعض حيبجي تعب لينا ولولدنا وليكو يا مرت عمي أبوس بدك افهميني واعتبريني بنتك

راف قلبها لحالتها سريعا، ولكنها احتفظت بمشاعرها داخلها ونطقت بجدية

- اعتبرتك بنتي، ووجفت في وش ولدي ورفضت جوازه، وما سمحناش إنه يدخل بيها اهنة، وطلحناكي منه مع إن ده ضد عرفنا اللي ماشيين عليه من ستين، وعمك جال نهاد تشتغل في شركتنا وتجوى وتصلب طولها ماحدش في الدنيا عمل اللي إحنا عملناه وياكي بانهاد، وفي الآخر أول ما دوستی دوستی علينا وكسرتي خاطرنا يا شيخة على الأجل كنت رجعتيله بالاسم وبس لو مستصعية جربة منك، لكن انت عملتي اللي ماحدش عمله عشان اكدة حفيدي ما حيطلعش برا الحصر واصل، حيفضل اهنة وسط عيلته، وانت الله يسهلك في طريجك.

تحترق من كل حدب وصوب. ولا شيء يطفيء نيرانها، بل تزداد بوقود كلمات صابحة.

تركت صغيرها يترجل أرضًا، وعيناه معلقة عليها كأنه يشعر بها، وهي تحاول محاولة أخيرة باستجداء

الرحمة يا مرات عمي أبوس يدك ما تعاملتيش بالعدل عامليني بالرحمة اني مانيش زي غيري، ما عرفش ارجعله واتجاهل نار جلبي، إذا كان وأني مرته وهو ملكي لحالي ماكنتش جادرة ما شركوش وجعي وحربي من أهلي ومنه لما كان مهملني، تفتكري حجدر اتحمل ارجعته واعيش وياه طبيعي بعد ما جال انه اختار لنفسه اللي رايدها؟ حجدر الحمل مرواحه ليها ؟ حجدر اتحمل جربه مني وهو كان مع غيري ؟ ومطلوب مني اعيش كل ده واكتم وماشتكيش عشان شكوتي يتزعله، ولو حصل واشتكيت وجتها حيكون عنده البديل خير وحلها وهي اللي حتراضيه من كانتي ونكدي، مهو مافيش حد فينا عالج تدويه، إحنا بس واخدين مسكن عشان بعدنا عن بعض، مهران لسانه هو مهران ما تغيرش، وأني لسة جوايا جروح من سنين ومهياش هنداوى بسهولة، رجوعنا لبعض كان حبيقي مرار يا مرت عمي، وانتو كنتو جتعانو ويانا. أني كان عندي طلبة أخوي في راسي ارحم من رجوعي المهران وإني اموت كل يوم بالبطيء من الجهر والكتفة، مهران ضربني بسهم في نص جلبي ولسة لحد اللحظة دي السهم موجود ورجوعي ليه إعلان مني إني ماجبلاش العامي .

لم تجدها تنظر إليها فقط وهي تبكي وتبوح بما تشعر فاستطردت بألم :

أني ما وافجتش على عبد الله خوف من الموت، ولا عشان ادوج مهران من نفس الكاس، ولا عشان اعمل اللي ماحدش عمله وايجي نهاد اللي خالفت عادات أهلها وجابتلهم العال ولا لاجل ماجرب حب جديد أني وافحت لاجل ما اجدر العالج من الخوف والكسرة والضعف اللي معششين جوايا، وافحت لاجل ماجدر اجف على رجلي واعرف اربي ولدي صح اني كنت جعمل اكدة لحالي ولا جواز ولا نيلة، بس لا ولدك سابني اعمله ولا أهلى سابوني عشان اكدة وافحت اتجوز عبد الله يا مرت عمي، ومش ندمانة إلى عملت اكدة الحاجة الوحيدة اللي ندمانة عليها وحفضل ندمانة عليها طول عمري إلى حبيت مهران حب استنجاد العلجت بيه كيف المركب اللى لحجب من الفرح. بس طلعت مركب صيد. بنصطاد الجنوب ويتكسرها عشان ترميها طعم الصيد عليه الجيمة، أني ما طعلتش عليا الجيمة يا مرات عمي الامريكية هي اللي عليها الجيمة على مهواش من حجي اشترى نفسي ولو مرة واحدة؟ جوليلي يا حاجة صابحة؟ 

حدقت فيها وحاولت أن تنظر إليها كما لو كانت نوارة، وأن تعزل ما أصاب مهران اليوم جانيا، وأن تتجاوز مشاعر أمومتها ورغبتها في جمعهما تحت أي ظرف حاولت أن تراها بعين الأنثى لتجدها محقة لتجدها تجاوزت التفكير بطريقة اعتيادية رأت فيها جانبا آخر لم تكن تتوقع أن تراه في نهاد، جانبا أعمق بكثير من العادات والأعراف والحياة النمطية المتعارف عليها هنا، إنها تتحدث عن عمق المشاعر القادرة على قيادة صاحبها إلى حافة الهاوية، إما أن تسقط وتصبح مثل والدتها التي ماتت قهرا حينئذ تترك خلفها أولادا مشوهين نفسيا كحال أشقائها، أو تحاول العيش فوق منحدر غير آمن يجعلها تلقى من فوقه كل من يدعس على طرفها دون رحمة.

هي اختارت أن تجمد مشاعرها وتجنبها القيادة، ولكنها لم تتوقع أن يؤخد منها صغيرها، ظنت أن عبد الوهاب سيسمحلها ببقاءه معها مثلمها فعل حينما ذهبت للاسكندرية، ولكن الأوضاع اختلفت تماما، الآن بانت متزوجة من ابن عمهم.

ولا يجوز أن يربى الصغير معه.

نظرت لها موجدتها شاردة تنظر إلى الصغير تتذكر حينما طلبت من ابنها تطليق نيا وإعادة نهاد وحمزة إلى الصعيد. ماخبرها حينها أنه لن يفعل ما يريده الآخرون، سيفعل ما يريده هو فقط ولن يطلق نيا إلا إذا أراد هو أن يفعل.

انحنت نهاد تحمل الصغير واستقامت تطالعها يترقب وتنطق بآخر ما تبقى لديها من أمل :

خليني اخده وامشي با مرات عمي أني ما تبجاش ليا حد غيره، وانتو جريب جيبجي عندكم حقيد ثاني .

رفعت نظرها تستفهم لتسترسل نهاد بعيون باكية .

جصدي من مرات مهران الجديدة

نطقت بصدمة واستنكار :

لهي حامل ؟

تذكرت زيارتها وحديثها السام لها قبل أن توميء بصمت مؤلم. يشبه صمت القبور وتحركت لتغادر ولكن صابحة آيت أن تتقبل ذهاب حمزة، ومعاشرته لرجل آخر دونا عن والده المحطم لذا نهضت تقف أمامها ونزعته منها تحتضنه ونطقت بصلابة متأرجحة بين العادات والضمير :

- حمزة حيفضل اهنه با نهاد ماجيتر باش و يا راجل غريب لو مهواش جيكير وسط أبوه وامه سوا ينجى يتربى معايا أني وحده، وانت تجدري تنجي تشوفيه وجت ما تعوزي، غير إكدة مافيش حديث يتجال ..

أخذته وتحركت تغادر الغرفة، وتركتها تقف تطالعهما كأنها تطالع روحها التي نزعتها صابحة منها، ولم تعد تمتلك شيئًا تسلكها للحصول عليه، وسؤالا يتردد داخلها، لماذا لم يخبرها عمها بذلك قبل أن يقبل بزواجها؟ لماذا خدعها؟ كيف ستعيش بدونه؟

في جزيرتهما، وعالمهما البعيد عما يحدث في النجع، وبعد تأكيد خير الحمل.

دلها الكاسيتا الخاصة بهما، وهي عبارة عن وحدة مستوحاة من المنازل الفليبنية التقليدية، تتميز بأسقف مصنوعة من القش، وديكورات من الخشب الطبيعي.

ما إن أغلق الباب حتى التف لها. يعانقها بفيض من السعادة يكافتها على هذا الخبر المبهج، والذي جاء في توقيته المناسب، أيعقل أن عمار آل جانا سيصبح أبا من الفتاة التي ظن أن قربها مستحيل ؟

عانقها يحتويها وينطق بتحشرج مكتوم داخل ثنايا عنقها.

- مبروك يا فرحة جلبي دي أحلى وأغلى هدية جائلي في حياتي كلها.
ابتعد قليلا يحدق بها ليجدها تطالعه بلمعان لم يخف سعادتها، متابع بحب

من اهنة ورايح ناخدي بالك زين وترتاحي ع الآخر. وتدلعي كيف مابدك يا رمانة الأعمال الأصلية الرواية وحكاية

رينت يكفيها على صدره، وحاولت التحكم في غيومها وهي تجيبه ينيرتها المبتهجة

ادلع اكثر من اكدة ؟ يبجى دلع ماسخ ماحبوش.

اني بحبه .

تطقها وهو بعيد ميلانه نحوها ليقبل ويقضم وجنتها يحب قاض منسوبه، فضحكت برضا ثم نطقت وهي تبتعد عنه قليلا

طب اخرج اجمد برا ثواني لحد ما اعمل حاجة.

غمز لها يبتسم بحيث متسائلا :

حاجة إيه؟ خليني إهنة جارك واني لا أرى ولا اسمع ولا أتحدث.

ابتسمت وهزت راسها بلا غير مقتنعة، ثم تابعت وهي تدفعه بخفة تجاه الشرفة المطلة على الشاطئ :

لاء أنت تجعد جدام البحر شوية لحد ما اخلص. ولما اجولك تعالي نيجي.

زفر ملبيا على مضض. ونطق وهو يتوعد لها بالعشق :

- حنفذ حديثك بس بكيفي لاجل ماعرف إيه هي المفاجأة دي. مع إنك الليلة فاجنتيني بأجمل مفاجأة في عمري كله.

ابتسمت وارتفعت تقبل صدغه يحب، ثم ابتعدت تشير له بيدها بعدما عبر إلى الشرفة، وأغلقت الباب الزجاجي وسحيت الستائر كي تحجب عنه الرؤية.

أسرعت تخطو نحو الحقيبة الخاصة بهما، لتفتحها وتلتقط منها ثوب الرقص الذي ابتاعته أثناء تسوقها قبل الرحلة.

تحركت نحو الحمام بخطى حماسية لترتديه. لنمر دقيقتين حتى خرجت تخطو بحذر وتفهل كي لا تصدر عن ثوبها الأصوات الزيانة، خطت نحو مرأة الزينة، ووقفت تنزع عن شعرها مبوده، ونفرده بيديها عدة مرات متتالية، حتى انسدل مفوجًا على طول ظهرها، لتحيطه من حول رأسها برباط يشبه توبها الكريمي، وتلتقط من على صفني جبهتها خصلتين قررت أن تميزهما عن باقي الخصلات، ثم وقفت تتجمل من أجله أولا ...

إنه يستحق أن يعيش الحياة، يستحق أن يتذوق حلوها، ويرى الراحة والمنعة كما يجب

ليلة أمس رأته وهو يقوم بتحويل المبلغ المستحق شهريا لتلك الأسر التي يكفلها من خلال الجمعية الخيرية المسماة باسم شقيقها، حتى بعدما تأكد أنه لم يرتكب تلك الجريمة مازال مستمرا في إظهار نبله وكرمه يغرقها بحبه وليونته. يؤكد لها مع كل ثانية أنه الرجل الذي استحق كل معاناتها وحزنها، لذا هي الآن تريد أن تهبه أطنانا من السعادة.

وضعت أحمر الشفاه، وتجملت وأبرزت عيناها الزيتونيتين بالكحل الأسود، ثم تناولت زجاجة عطرها وأغرفت نفسها به حتى وصلت الرائحة إلى من يجلس في الخارج يتأكل حماسا لرؤيتها

وقفت تحدق لنفسها برضا ويداها تسيران على الثوب تهندمه، ولكنها لم تستطع هندمة بيضاتها المتسارعة من فرط حماسها وعشقها له.

تحركت نحو الباب الفاصل بينهما، وفتحته ببطء واحتيات خلفه تنادي بتوتر :

- عمارة

نهض وتحرك نحوها على الفور، وما إن دلف وراها حتى توقف مكانه لبرهة، يطوف حول كل إني بها، من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، كل ما بها رائعًا ناعمًا منعشاء قابلا للالتهام، يفتح الشهية على الحياة.

نطقت لتخرجه من نباته ..

ايه رأيك ؟

رفع كفاه يعبر بهما عن رأيه حيث لم يسعفة لسانه للحديث . بينما ساعدته نظراته في البوح عن رأيه وإعجابه الشديد بما يراه

تقدم خطونان حتى بات أمامها مباشرة، وتساءل بترقب وهو يحيطها يتملك ومشاعر تتعارك داخله :

ختر جصيلي ؟

اومات مبتسمة وهي تحدق في عينيه، فاستطرد يترقب وقلق

ولون كان نفسي في اكدة من زمان بس يعني حبكت دلوك؟ سيبتي الليالي كلياتها وجيتي بعد خبر الحمل؟ خايف على رمانتي من الهز بردك .

طمأنته وهي تستند بكفيها على منكبيه، ترفع نفسها لمستواه، وتذلك أنفها في خاصته تارة، وتهمس أمام شفتيه تارة أخرى قائلة

ما تحبكهاش بجي يا عمان أني ما يجيش دلع الحمل اللي بيجوله عليه ده، طول ماني حاسي إني زينة ييجى افرح وافرححبيب جلبي، ولا انت ليك رأي ثاني

نطق بحماس وهو يستعد ليندمج معها في رغبتها

- حيث كدة بجي يبجي اشوفلك غنوة صعيدي صح تظبط الأداء.

تحرك نحو الكومود يلتقط هاتفه، وعبت به يبحث عن أغنية مناسبة، وبالفعل وجدها. وبدأت تتمايل بمهارة اندهش منها. وجانبا جديدا ممتعا رأه بها. وبهجة تتوغل إلى روحه كما يتوغل الفيتامين إلى الدم فينعشه، ليشعر كما لو أن حياته كانت فاحلة جافة، ومشققة، وجاءت فرحة بأفعالها رطبتها وجعلت منها أرضا خصبة نقية تفيد مشاعره بطرحها الطبيعي .
يجلس في مكتبه بعد أن غادر الجميع، ولم يبق معه سوى صديقه وشريكه كامل الذي اثبت دعمه الشديد له، ومع ذلك لم يعد جابر يثق بسهولة فيمن حوله، ما حدث معه كان كضرية تلقاها فوق رأسه، لم تنه حياته ولكنها أنهت صحفًا كثيرة منها، وجعلته يبدأ من منتصف الكتاب، ويضع في صفحاته قوانين جديدة يتبعها.

ما تعرض له لم يكن خيبة بقدر ما كان درشا قرر ألا يمر عليه مرة أخرى، خاصة مع ردة فعل والده وخيبته فيه. لن ينسى ذلك اليوم قط

عودة إلى ما حدث انذاك.

) ترجل يحمل صدمته وصفعته وتوبيخه فوق أكتافه، حتى شعر أنه لم يعد قادرا على السير

وصل إلى سيارته بصعوبة بالغة، وعقله لا يستوعب ما فعله صديقه به، وما تعرض له أمامها، بالنسبة له هذه خيانة عظمی

لمح والده يجلس ينتظره برأس مكسورة، وعينين تستأجرهما الحيبة، وقلب لا يعلم ما به إلا الله

خطا يستقل مقعده، والتفت ينظر إلى والده ولم يسعفه الساله بنطق حرف، وكأن الحروف ابتعدت عن كوكب الأرض. وتركته يبحث عن تبرير أو توضيح عينا، لذا التفت يقود بصمت ينافي صحب عقله الذي كاد أن يصرخ.

وصل إلى القصر بحال يصعب شرحه، ووالده أشد بؤسا منه.

فتح عبد الوهاب الباب وترجل متجها إلى الداخل، وهو يردد على عقله سؤالا أجهده التكرار منى وكيف انتزع الضمير من أولاده؟ ألم يزرعه ويرعاه داخلهم جيدًا ؟ كيف اقتلعوه حقبة؟ ومتى حدث ذلك؟ وكيف يمارسان الظلم والجديعة دون أي شعور بالذنب أو الندم؟ هل زرع داخلهما بذورا فاسدة بجهل ودون عمد ؟ هل أطعمهما مانا حرامًا؟ ما هذا الذي يعيشه الان؟

أغلق السيارة وتبع والده ليتحدث إليه حوفًا عليه من صدمته، وما إن دلها من البوابة إلى بهو القصر ونطق وهو يتبعه قبل أن يذهب إلى غرفته

استنی بابوي، لازمن تسمعني.

التفت عبد الوهاب حينها، وتهاوى على صدغه بصفعة قوية تبخر بها كل ما كان ينوى قوله وتركه يقف مجبورا على مواجهة هذه الحالة اللعينة التي تشبه جاتوما حبيتا تملك منه ليستفيض عبد الوهاب بقلب يتألم :

- اسمع إيه؟ عندك إيه تجوله؟ أني لا طابع اسمعك ولا اشوفك ولا عارف اعاجبك ولا اعاجب حالي، إنت واخوك خلتوني احسن لأول مرة إني مفعل ماشي عامل حالي إلي كبير وفي لمح البصرجم عيالي اللي تعبت فيهم صغروني وجلو مني وحلوني ماليش أي جيمة وسط الخلج.

نكس رأسه بحجل، وللمرة الأولى يبكي ويخظم ما به من حرقة وقهر وهو يستمع إلى كلمات والده التي تجلده بقسوة. اليستطرد عبد الوهاب متمنيا بما يدرك أنه لن يحدث وهو يلكره بعضاه في صدره

الصوت والصورة التي شوفتهم دول مش انت؟ الضحكة والفخر اللي ظهرو لما ضحكت ع البيئة واستغليت مشاعرها مش انت؟ انطح وحول إن التي شوقناه ده كذب وتزوير؟

كان جسده يتردد مع دفع العصا له دون أن يعطي أي ردة فعل سوى الانكسار والخجل والعجز عن تبرير موقفه، وكيف يبرر ما فعله؟ وكيف نواري مساوعه؟

لذا أسدل عبد الوهاب عصاه، وتنفس من نقب إبرة يسترسل بحري حاد :

لسانك ما يخاطبش لساني غير لما تصلح اللي كسرته، اعتبر أبوك مات واندفن، لحد ما تيجي تجف جدامي كيف الرجال وتجول يابوي اني صلحت كل حاجة، وترد للبنت دي جيمتها وخاطرها، غير إكدة ما تجعش جدامي وتنادي عليا واصل، بعد عن سكتي )

عودة للوقت الحالي

جلس يعبث بحاسوبة بمهارته المعتادة، وبتركيز تام يبحث عن أي مصدر يعرف من خلاله كيف يعالج مشكلته، ويحقق رغبة والده، ويرد إليه ريم مهما كلفه الأمر فلابد أن يترك معتز خلقه نقرة و لابد أن هناك شيئًا لم يظهر بعد، وهو من

جلس كامل أمامه يطالعة وهو منغمس في أمره، يحاول أن يجعله يتمهل، منطق يترقب :

با جابز بزيادة النهاردة، الموظفين كلهم روحو وانت حجك ترتاح بحالك اكثر من شهر بتدور وراه معتز مهواش غني علشان يسبب وراه دليل ده لو كان فعلا له يد في الحكاية دي .

توقف جابر عن العبث بحاسوبة، وصوب نظراته نحو كامل ينطق بتأكيد .

له يد أني وائح مليون في المية إنه له يد يا كامل زي ماني واتح إنه عارف إني بدور وراه ومأمن نفسه زين، بس ما بخاش چایران ما وجعته في شر أعماله هو والكلب اللي اسمه احمد.

زفر كامل، ولم يرد أن يسأل كيف سيتم ذلك حتى لا يفهمه جابر بشكل خاطئ، فهو يدرك رغبته في عدم البوح عن خطة بحثه، ولكنه تساءل بفضول عن مسألته الأخرى منطق.

وحتعمل إيه مع ريم بعد ما الشراكة انقضت ؟ تفتكر معتز حيحاول يرجعها ثاني تشتغل وياه؟

لن يبوح له بما ينويه تجاه ريم، ولكنه يدرك أنها لن تقبل العمل مع أحمد في ذات المكان، حتى لو حاول معتز معها مرارا. فهي تمتلك مبدنا ثابتا لا يتزعزع، ولكنه أيضًا يدرك أن معتز يمكنه التضحية بأحمد من أجل الحصول على ريم، حيث يعلم جيدا أنه بذلك سيضربه في مقتل. ويتمنى الا تفعل، لتنتظره فقط إلى أن يأتي بدليل إدانة معتز ليبرر لها سبب تصميمه على استقطابها، ويؤكد لها حبه الكبير

نطق بنظرات باردة وهو يعاود العبث في حاسوبة :

ماعيزش امكر دلوك با كامل سيبها بظروفها يا صاحبي

إضاءة جادة آتية من سيارة نقل اخترقت عقله المتناثر فارتعشت يداه حول عجلة القيادة ولم يستطع التحكم بها، ولولا رحمة الله به لكان في عداد الموتى.

انحرفت السيارة يسارا حيث الصحراء لتتوقف بعد لغة كاملة أثارت سكينة الزمال.

توغلته حزمة من الذعر للحظات قبل أن تقتلها أفكاره، وهو يستعيد ما حدث سريعًا، ويفكر كيف لهذه الليلة أن تمر؟
وهل يمكن أن يأتي بعدها صباح ؟ هل يمكن أن تسطع شمس جديدة على أحلامه؟

ماذا تفعل الآن؟ هل ذهبت معه إلى منزل خاص بهما ؟ في غرفة خاصة بهما ؟ هل وضع يده عليها ؟

أسئلة كنصول حادة تقطع روحه اربا، وتترك جروحه دون اندمال نزع ربطة عنقه، ولم يحل عنه الاختناق، لذا ظل يلكم بقبضته الطارة علها تنجده، ولم تفعل.

لم يصرح برغم أنه يتمنى لو تسمعه الرمال، ولكنه أبى أن يفعل، وكأن عناد الصعيد كله يتعارك مع تزيف روحه الحاد.

ارجع رأسه للخلف، وظل كما هو داخل سيارته، وسط الصحراء الحالكة، وبين وحوش أفكاره، كفريسة تنتظر الذبح.

مر وقت عليه، استعاد فيه القاضي البائس ، والواقع المؤلم، فاعتدل ليواجه المستقبل المجهول، والنقط هاتفه وعبث

به بروح خاوية.

طلب رقم أحدهم، ورفعه إلى أذنه، ففتح الخط ونطق الطرف الآخر :

با مرحب بالعزيز الغالي

حاول أن يتنفس قليلا، ونطق بنيرة بدت صلدة ولكنها مختلفة.

كيفك يا محمود آني رايد منك خدمة

عاد يونس إلى المنزل في تمام العاشرة.

دلف ليجد والديه تجلس وتميل على سجود تتحدث إليها، تعطي لها بعض الإرشادات التي ستتعامل بها في جامعتها الحديدة بعدما حل عبد الوهاب تلك المسألة، والأخرى تظهر اهتماما وإنصاتاً خداعان جعلا منصورة تبتهج وتطنها استفادت.

القى يونس السلام فردنا عليه وابتسمت منصورة تطالعه وتتساءل بحنان.

اجوم يا ولدي اجهزلك العشا؟

أشار لها وهو يقف أمامهما وينطق بهدوء

ارتاحي إنت ياما وأسماء تجهزه.

نهضت سجود تنطق بحماس بدا عفويا لدى منصورة :

أجهز هولك أني يا يونس ؟

نظرة عابرة منه نحوها ثم لف نحو المطبخ تزامنا مع إشارة يده لها بأن تعاود الجلوس ونطق :

أسماء

جاءت أسماء من المطبخ تطالعه بابتسامة مستفسرة

اومر يا شيخ يونس

نطق سيرة نافية

جهزيلنا العشا اني ونوارة وهاتيه على فوج .

أومات وتحركت تنفذ طلبه، بينما هو تحرك نحو والدته وانحنى يقبل رأسها ثم اعتدل يسترسل موجها حديثه إلى تلك الحسنة .

- بكرة بإذن الله أول يوم ليكي في الجامعة الجديدة يا سجود عايزك تبدئي بداية جديدة وتفرحينا بنجاحك، إنت جدها.

اومات مؤكدة بابتسامة لعوب، ولكنه استطرد ينقب :

صحيح طريح المشاكل سهل ومغري، وطريح النجاح صعب ومجهد بس النتائج مختلفة، وإني خابرة زين أنهي نتيجة هي اللي حنفيدك بعد اكدة. استعيني بالله واختاري وإحنا كلنا معاكي مادام منختاري صح.

نبش القلق جدران مكرها حينما وجدته يقرأها بينة، ولكنها حاولت أن تبتسم وتجمل نيتها ، لذا نطقت تومي :

إن شاء الله حعمل الصح يا يونس

- خليها شيخ يونس، عن اذنك ياما

نطقها بثبات، وتحرك يصعد إلى غرفته ليرى نوارته حيث يدرك جيدا أنها مستاءة من وجودها هنا

طرق الباب ودلف موجدها تنام في سريرها ، تحرك نحوها وجلس بمد يده ويتلمس وجنتها ويسير عليها بحنان مناديا بحب

نوارة، جومي انعشي وبايا

تململت وحاولت أن تستمر في إظهار يومها، ولكنه أبي أن يتركها، مال عليها يهمس لها بمكره المحبب

- حتعملي فيها زعلانة معمل فيها شيخ وامارس عليكي حجوجي الشرعية، بالا جومي وبزياداكي نوم البنت زمانها طالعة بالوكل

لكمت قلبها كلمة البنت، وجعلتها تفتح عيناها وتحدق به متسائلة بغيرة وتملك

- بنت مين ؟

عاد يميل على أذنها وبهمس ببطى مفتعل :

أسماء يا بحلاوة.

نهضت تلكزه في كتفه بخفة، ونطقت بتهكم وملامح عابثة

ما تحول اسماء دوغري من امتى وانت بتحول البنت.

ابتسم عليها ومد يده بلف وجهها له حينما ابتعدت، ونطق بصدق ومحبة

- مافيش حاجة في الدنيا دي تخلى جلبي وعجلى مع غيرك يا نوارة أني سلمتهم لك بطيب خاطر وكلى رضا، ما تخليش أي حاجة تعكر صفونا بجي .

حدقت به لبرهة، ثم التمعت مقلتيها بالدموع، ونطقت بحزن اختلط مع هرموناتها

اني واتجة فيك يا يونس وعارفة كويس مجدار حبك ليا وماعنديش شك في اكدة بس أني خايفة من أذاها، من اللي شوفته من عمني وإزاي جدرت تمثل عليا الحب والحنية والاهتمام محلييني اخاف منها جوي واخاف على علاجتنا من جربها ده خصوصي إن عمني منصورة مصدجاها وبتحبها.

احتواها يعانقها ويعانق خوفها ويحاول بث الطمانينة داخلها وهو يربت على ظهرها قائلا يتوعد

- وعد مني لو صدر منها أي تصرف يعمل مشكلة بينا أني حمشيها من إهنة صدجيني ما حسمحش لأي مخلوج يتدخل مابينا ويعمل مشاكل لو میں ماكان

حاولت أن تهذا، متنفست مطولاً، وبات يكفكف لها دموعها ويدللها قبل أن يقبل ويقبل وجنتها قائلا.

بالا جومي اغسلي وشك وتعالى يتعشى أني ميت من الجوع

اومات ونطقت قبل أن تنهض

حاصل حاكل وباك لجمة صغيرة لان عمتي جابت لي من شوية طبخ عزيزية وصممت اني اكله.

نطق بنبرة مرحة لينة يباغشها بها :

وه؟ تاكلي عزيزية وحبيب جلبك ماخطش لجمة في جبكه من العصرية؟

ابتسمت ونجح في مناقشتها، منطقت توضح :

ماكنتش حاكل ولا كان ليا نفس لأي حاجة بسبب موضوع مهران اخوي ونهاد بس عمتي هونت عليا شوية.

عاد يحتوى وجنتيها وينطق مترويا :

خالي ماجي غلطش يا نوارة، حيتصرف زين.

لم يصل إليهما خبر الزواج بعد. لذا نطقت تعبر عن أمنيتها.
اني كان نفسي يرجعوا لبعض ويطلح الثانية حرابة البيوت، نهاد كانت بتحبه جوي بس مهران أخوي عنيد جوي

أوما بتفهم، يؤيد حديثها، ولكنه لم يرغب بالتوغل في هذا الأمر أكثر منطق ويداه تعمل على هندمة حصلاتها للأعلى على

شكل كعكة.

- ما علينا غير إننا ندعيلهم بصلاح الحال، بالا بجي جومي يا أم الزين عصافير بطني صوصوت .

امتص ضيفها وعضبها وانزعاجها بكلماته وجعلها تنطق بصدق .

أنا بحبك جوي يا يونس ، زينا يباركلي فيك يا حبيبي

أهداها قبلة لطيفة ونطق وهو يسافر عبر ملامحها الجميلة

وأني كمان بحبك يا بجلاوة

دلفت معه قصر عائلته، حيث كان ينتظرهما ولداه، وزوجة شقيقه الذي يعمل في إحدى الدول الأجنبية .

لم يكن دخولها إلى هذا القصر سوى القيادًا إلى مشرحة جديدة، خاصة وأنها لم تستطع أخذ صغيرها وباءت محاولاتها بالفشل. وسؤالا يتردد صداه على ذهنها، لماذا لم يخبرها عبد الوهاب أنه سيحرمها من ابنها ؟ وكيف ستسترده؟

يا أهلا وسهلا، نورتو

نطقتها تهاني زوجة شقيقه، منطق عبد الله بهدوء وهو يبحث بعينيه عن ولديه

ده تورك يا ام عادل اومال على وندى فين؟

اشارت برأسها نحو الأعلى تنطق وعيناها مسلطة على نهاد :

بينهم نامو لما انتو غيبتو.

استطردت بمغزى حبيت

مالك يا أم حمزة كما الله الشرع المفروض تكوني فرحانة، دانت عروسة جديدة بردك.

لم تحتها، كأنها قررت سيد أذنيها عن أي حديث سيقال لها اليوم، لينطق عبد الله بنبرة صارمة .

سيبي نهاد في حالها يا ام عادل، واحنا مش حنعملك أي ازعاج مسافة الليل بس وحتمشي، ما تقلقيش.

ابتسمت ونظمت بتيجح

ولا اجلج ولا حاجة ماني عارفة انكو حتمشوا الصبح مهو ما يصحش بردك تجعدوا اهنة بعد اللي حصل، الحنانوة ما فيجيلوش بـ اكدة واصل بالا حقوتكم أني وادخل انام تصبحوا على خير

تحركت تغادر وتركته ينفض عنه حديثها اللاذع.

وقف بوجه نظراته إلى نهاد التي ذهب عقلها مع صغيرها، وبقيت هناك، حيث تقف جسدا بلا روح

تنطق شيرة لبنة .

نهاد بالا تطلع ارتاحي الليلة والصبح ختمشي

تحركت معه بصمت، وصعدا حتى وصلا أمام إحدى الغرف، ففتح بابها ونطق

ادخلي هنا، وخدى راحتك ماحدش حيزعجك

نظرت اليه بامتنان. فهذا كل ما تريده الآن، وتحمد ربها أنه فهم عليها، لذا دلفت فأغلق الباب وتوجه إلى غرفته

المجاورة.

دلفت تنظر حولها، واتجهت تجلس على طرف الفراش وتغلق عيناها لترى وجه صغيرها فيزداد اشتياقها وتاكل فؤادها عليه، وتخشى أن تكون اشترت ما تبقى من عمرها ودفعت صغيرها ثمنا لذلك، كانت طامعة في وسط محيط غرف بسلب الحقوق طمعت بان تنجو بنفسها وبصغيرها، طمعت في أدنى حقوقها، والحق في بيئتها جريمة. يُعاقب عليها الغرف، حتى لو كان طفلاً صغيرًا ما زال بحاجة حضن أمه كل ليلة .

جلست تستعيد تلك الزيارة التي لم تكن في الحسبان، والتي ساهمت في اتخاذ أصعب قرارات حياتها. ولأول مرة. يخيروها بين الموت بالرصاص، والموت قهرا.

عودة إلى ما قبل 10 أيام

( طرقات على الباب بعدما ذهبت الخادمة إلى التسوق، فاتجهت تلتقط حجابها وتعطي رأسها به تم خطت تفتح بابها النجد أمامها آخر من بود رؤيته.

ابتسمت لها الأخرى باستقرار سافر، ونطقت وهي تتجاوزها بنظراتها المصوبة نحو الداخل

ايه مش هتقوليلي ادخل ؟

تكثفت نهاد وتساءلت بتهكم :

- دير؟ جايه ليه ؟

نطقت نيا بهدوء ظاهري وتحضر مجادع .

خلينا نتكلم شوية يا نهاد وهمشي علطول ما تقلقيش
كان بإمكانها أن ترفض، أو أن تغلق الباب أمامها، وألا تغير حديثها أي اهتمام، ولكنها سمحت لها بالدخول، كأنها أرادت أن تضع ملكا فوق جراحها، برغبتها، أرادت أن تعيش ألما جديدا، فأحيانا بعض الآلام تساعد على الشفاء، وهي تتلهف التشفى

أفسحت لها المجال، مدلفت تطوف المكان بعينيها، واتجهت تجلس على إحدى الأرائك، حيث علمت أن هذه الشقة تابعة لزوجها بعدما نجحت في البحث عن ذلك داخل مكتبه.

اتجهت نهاد تجلس قبالتها وتساءلت بترقب :

جولي اللي عندك

تحمحمت تيا وسلطت عيناها عليها تواري غيرتها منها، منطقت ببرود :

- أنا عارفة إن مهران سمح لك تيجي هنا وتشتغلي علشان انت وعدتيه ترجعيله بصراحة في الأول كان عندي مشكلة جامدة في رجوعكم لبعض، بس دلوقتي بما إن دي رغبة حبيبي وهو شايف إن دي مصلحة ابنه فأنا ما قدرش اعترض. بالعكس أنا لما فكرت فيها لقيت إني لازم افرح إنه مهتم بمستقبل ابنه ومش هيخاطر بيه في علاقة ممكن جدا تسبب له أذى نفسي لما يكبر

حدقت فيها تقرأ تأثير الكلمات عليها، ولكنها وجدت صفيها لا يتأثر. لذا اغتاظت ولكنها لم تظهر ذلك، مثلها كمثل نهاد التي لم تظهر احتراق روحها كالرمال المنصهرة، لتستطرد بترقب :

أنا جاية علشان اقولك إلى خلاص مش رافضة رجوعكم، وإن عادي إنك تبقى في حياتنا، كدة كدة مهران ملكي لوحدي حتى لو رجعك، وده طبعا ما حصلت فجأة كدة بس يمكن لإني دلوقتي بقى عندي اللي اخاف عليه، وبأكد قوة علاقتي بمهران

نطقتها وهي تتحسس بطنها بكفها، وتخفض بصرها تناظرها، ثم عادت تطالع نهاد الصامتة وتتابع :

أنا كمان هكون أم قريب ولازم اقدر إن مهران مش عايز يبعد أولاده عن بعضهم خلينا أنا وانت تفتح صفحة جديدة. لان عداوتنا هتأثر جامد على حالة مهران النفسية، وكمان هتأثر على أطفالنا وعلاقتهم ببعض، وأظن بما إنك ست صعيدية هتكوني مقدرة جدا لكلامي وفاهمة يعني إيه الترابط الأسري في علاقتك بأهلك مننا .

ذبحتها بالطريقة التي تريدها، وجلست تنتظر طلوع روحها، برغم البرود الظاهر، إلا انها تدرك جيدا أن هذه الكلمات كانت سهاما تاقية، اخترفت هدفها

كادت أن تسألها عن رأيها، وتستفزها أكثر من ذلك، ولكن رنين هاتفها منعها، لذا التقطته سريعًا، فوجدته مهران. فتوغل الخوف إليها، ولكنها تظاهرت بالثبات وفتحت تجيب أمام أعينها :

الو حبيبي ؟

نطق شيرة هجومية جادة

انت بتعملي ايه عند نهاد؟

صدمت من معرفته، واستغرقت صدمتها توان قبل أن تردف :

زي ما اتفقنا يا مهران، أنا أهم حاجة عندي راحتك، ماتقلقش.

نطق بتهديد قاسي :

- جدامك دجيجة. لو ماجومتيش مشيتي دلوك ماتلوميش غير حالك .

أغلقت معه ونهضت تبتسم وتنطق بتوتر ملحوظ :

انا قولت اللي عندي يا نهاد وجيت اعرض الصلح بيني وبينك بس تقريبا مهران فاهم رد فعلك اكثر مني. وطلب مني امشي حالا اللى بعد كدة ده بتاعك إنت عن اذنك .

قالتها ورحلت تبتسم على الدور الذي أدته بإتقان، والتي تطمح بأن يؤتي بثماره عاجلا والا تقبل نهاد بالعودة مهما حدث)

عودة للوقت الحالي

جلست تكفكف دموعها بيديها، وتتحسر على ما وصلت إليه من ضعف وخضوع فرضا عليها، ليتها كانت قاسية، ليتها ورثت عن والدها قلبه، أو امتلكت قلبا يشبه قلب شقيقتها، لما تجرعت كل هذا الألم الآن.

تنفست بحرقة، ونطقت تؤكد لنفسها وتومي مرارا :

جنساك يا مهران مطلعك من جلبي وحدوس عليه لو فكر فيك ثاني، وحاخد ولدي وابعد عن كل التي أذوني.


تعليقات