رواية نصيب مؤجل الفصل الواحد والثلاثون بقلم مهرائيل اشرف
كان الليل ساكن في الممر والأنوار الهادية منورة المحلات المقفولة
ميادة كانت واقفة في بلكونة الشقة بتلمس سور الحديد البارد وعينيها بتسرح في الشارع الضيق اللي عاشت فيه طفولتها وعمرها كله
سمعت خطوات رج رجليه وراها
التفتت بسرعة لقت زين واقف على باب البلكونة لابس تيشيرت أسود بنص كم وواقف بكل هيبته وجموده ومحضر كوبايتين شاي سخنين
زين مد إيده بالكوباية وقال بهدوء
الشاي هيبرد يا ميادة
أخدت منه الكوباية ونزلت عينيها في الأرض وقالت
شكراً يا زين
زين قعد على الكرسي الخشب قدامها وسند ظهره لورا وبص لها بتركيز وقال
الهدوء ده مش طبيعي إنتي من ساعة ما رجعنا من عند المأذون وإنتي طالعة نازلة بتفكري
ميادة تنهدت وحطت الكوباية على السور وقالت
بفكر في اللي جاي يا زين أنا فجأة لقيت نفسي طلعت من كابوس حمزة والنعماني وكتبت كتابي وبقيت في بيتك كل حاجة مشيت بسرعة أوي لدرجة إني مش لحقة أستوعب
زين ابتسم بسخرية خفيفة وقام وقف قدامها وقرب خطوة
زين قال ونبرة صوته فيها ثبات يرعب
السرعة دي هي اللي حمتكي يا ميادة لو كنا استنينا يوم واحد كمان كان النعماني ورجالته استغلوا كسرتك ومصطفى مكانش هيعرف يقف قصادهم لوحده أنا مش جاي أخد منك موقف ولا جاي أفرض نفسي عليكي أنا حطيت اسمي جنبك عشان محدش يقدر يرفع عينه فيكي تاني
ميادة بصت في عينيه ولأول مرة تحس إن النبرة الحادة والناشفة دي فيها كمية أمان غير طبيعية
───
في نفس الوقت في البيت القديم بتاع سالم
كان مصطفى قاعد في الصالة ومولع سجارة والورق القديم بتاع المحلات مفروش قدامه على الترابيزة
دخلت كراميلا بعباية بيت بيضا وماسكة صينية فيها ليمون بنعناع
حطت الصينية بحدة ورزعت الكوباية قدامه
مصطفى رفع راسه وبصلها باستغراب وقال
جرى إيه يا كراميلا نازلة رزق في العفش ليه من نص الليل
كراميلا حطت إيدها في وسطها وبصتله بغيظ وقالت
إنت قاعد تشرب سجاير ومكبر دماغك وأنا أعصابي محروقة هو إيه اللي حصل عند المأذون ده إنت نسيت إن بكر وباقي رجالة النعماني واقفين تحت العمارة وبيترصدوا لكل خطوة
مصطفى طفى السجارة ببطء وقال بثقة
بكر ودهشوري وكل الكلاب اللي تبع النعماني أجبن من إنهم يرفعوا عينهم في الممر طالما زين ومصطفى مع بعض المحاكم بكرة هي اللي هتفصل والورق أصل ومعانا التسجيلات
كراميلا قربت منه بخوف الحقيقي ونبرة صوتها اتغيرت وقالت
أنا مش خايفة على المحلات يا مصطفى أنا خايفة عليك إنت حمزة دخل السجن والنعماني محاصر بس الرجالة دي معندهاش حاجة تخسرها وممكن يتبهدل منك أي حاجة
مصطفى مسك إيدها بتهدئة وابتسم ابتسامة صغيّرة وقال
طول ما أنا شايف الخوف ده في عينيكي أعرف إني غالي عليكي ارتاحي يا كراميلا اللي صان البيت ده كل السنين دي هيصونه بكرة
───
الصبح بدري قدام مجمع المحاكم في قلب القاهرة
الشوارع كانت زحمة والعربيات بتزمر وصوت الناس مالي المكان
زين ومصطفى كانوا نازلين من العربية لابسين بدل كاملة ورايحين ناحية البوابة الرئيسية
فجأة ظهرت عربية سودا فاميه وقفت بعنف جنب الرصيف
نزل منها بكر ومعاه تلات رجالة شكلهم أصحاب سوابق ومفتولين العضلات
بكر قرب من مصطفى بخطوات سريعة وقال بصوت واطي ومسموم
يا حاج مصطفى تنازل عن بلاغ التزوير النهاردة وبلاش تدبر نفسك في قضية مش قدها النعماني بيه بعتلك إن القرشين اللي عايزهم هيوصلوك لحد عندك بس ابعد عن الممر
مصطفى وشه احمر ورفع إيده وصرخ في وشه
النعماني يلم كلابه ويبعد عن ملك أبوي سالم وإلا قسماً بالله أعملها معاك هنا قدام المحكمة
بكر طلع إيده من جيبه وكان ماسك مطواة قرن غزال متخبية تحت الجاكت وحاول يقرب بها من جنب مصطفى
في أقل من ثانية زين لمح الحركة مسك إيد بكر وعصرها بضربة سريعة وساب المطواة تقع على الأسبالت
زين مسك بكر من لياقة قميصه ودبسه في عربية الفاميه بقوة وصوته كان أطس من الهوا
زين قال
أنت ناسي نفسك يا بكر إنت ورجالتك لو لمحت وش واحد فيكم جنب الممر تاني مش هتبقى قضية تزوير هتبقى قضية محاولة قتل والمرة دي التخشيبة مش هترحمكم
الرجالة اللي مع بكر اتوتروا لما شافوا رجالة الممر اللي كانوا جايين ورا مصطفى بدأوا يتجمعوا حواليهم
بكر ركب العربية بسرعة ورجالته وراه وانطلقوا وسابوا المكان
مصطفى كان بيتصلب وبص لزين وقال
الوسخ كان هيعملها في قلب الشارع
زين عدل الجاكت بتاعه وقال ببرود
ده كارت أخير بيحاولوا يلعبوه عشان خايفين ادخل يا مصطفى الجلسة هتبدأ
───
جوه القاعة
صوت الشاكوش خبط على الخشب
القاضي بص للأوراق وللتقرير الطبي والشهادة وبص للنعماني اللي كان قاعد على الكرسي المتحرك ووشه أصفر ومنكسر
القاضي نطق بالحكم
حكمت المحكمة حضورياً بإلغاء كافة عقود البيع المزورة وإعادة كافة المحلات والعقارات الخاصة بالحاج سالم النعماني لأصحابها مع حبس المتهمين بكر وشريكه سنتين مع الشغل
الزغاريد كانت هتطلع من رجالة الممر اللي واقفين جوه القاعة بس الحاج سالم رفعه عصايته وهداهم
زين بص للنعماني اللي كان بيترعش ومش قادر يرفع عينه في سالم
سالم قرب من النعماني ووقف قدامه بصوته الرخيم وقال
العز اللي بنيته على باطل بينتهي في لحظة يا نعماني والمال الحرام بيرجع لأصحابه
───
في المساء في شقة زين وميادة
المكان كان هادي تماماً ومفيش صوت غير صوت الهوا
ميادة كانت قاعدة على السفره ولابسة فستان بيتي هادي ومستنية زين
دخل زين ورمى المفاتيح على الترابيزة وقعد قصادها وهو باين عليه التعب
ميادة بصتله وقالت
مصطفى كلمني وقال لي إن الحكم صدر رسمي
زين هز راسه وقال
أه خلاص كل حاجة رجعت لأصحابها والممر بقى أمان
ميادة سكتت شوية وقربت منه وحطت كوباية العصير قدامه وقالت
إنت حريص دايماً تداري تعبك يا زين إنت النهاردة وقفت قصاد بكر وحميت مصطفى وعيلتي وأنا لحد دلوقتي حتى مأشكرتكيش
زين رفع عينه وبصلها بتركيز وابتسم ابتسامة دافية
زين قال
أنا مبعملش كده عشان أستنى منك كلمة شكراً يا ميادة أنا عملت كده عشان إنتي مراتي وأمانك مسئوليتي ومن النهاردة صفحة الخوف دي اتقفلت ومش عايز أشوف الدمعة دي في عينيكي تاني
ميادة ابتسمت ابتسامة صافية من قلبها ولأول مرة تحس إن قلبها بدأ يهدى ويرسى في مكان أمين
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
