رواية نصيب مؤجل الفصل الثاني والثلاثون بقلم مهرائيل اشرف
كانت كراميلا واقفة قدام مراية الأوضة حاطة إيدها على بطنها البارزة في آخر الشهور
عبايتها القطن الواسعة مكانتش مخبية ملامح التعب بس ابتسامتها كانت طالعة من قلبها
لفت وشها على صوت فتحة الباب الخارجي
دخل مصطفى وشه متبهدل تراب من الشغل في المعرض ولابس قميص مشمر لأخره ومبتسم ابتسامة مجهدة
حط الشنط والأكياس على الترابيزة برزع ورمى نفسه على الكنبة الخشب الكبيرة وأخد نفس عميق
مسح مصطفى جبهته وقال بنبرة مكسورة من الإرهاق
يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم إنتي فاكرة إني شغال في البنك المركزي يا كراميلا ولا فاكرة إني اشتريت الممر بكل اللي فيه أنا لافيف في الشوارع من العصر عشان ألاقى المانجا الفص اللي الهانم طلبتها في نص الليل
طلعت كراميلا من الأوضة حاطة إيدها في وسطها ورافعة حاجبها بثقة وقالت
أولاً كتر خيرك يا سي مصطفى ثانياً أنا مابطلبش لنفسي ابنك اللي جوة ده هو اللي بيتشرط ولا نسيت إني شايلة حتة منك وبعدين المانجا دي أصلها بتثبت الحمل الدكتور هو اللي قال
مصطفى رفع راسه وبصلها بسخرية وقال
الدكتور قال مانجا فص وفي نص الليل الدكتور ده هروح أقفش فيه في العيادة بكرة أنا ضهري اتكسر في الشغل وأبوي سالم مستلمني في المحلات وحضرتك مستلماني في البيت ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء
في اللحظة دي خرج الحاج سالم من أوضته
عصايته الأبنوس اتخبطت في الأرض بخبطتين منتظمتين صوتهم كان كفيل يخلي الصالة تسكت تماماً
كان لابس جلابيته البيضا وسبحته في إيده ومستند بكل هيبته
بص سالم لمصطفى بنظرة صارمة وقال بصوته الرخيم
جرى إيه يا ولد بتجعرم على مرتك ليه من الصبح اتعلم تلم لسانك وتقول حاضر ونعم مرتك شايلة اسمك وشايلة ابنك لو طلبت لبن العصفور تروح تجيبه وإنت ساكت ومبتسم إحنا رجالة بنعرف نصون البيوت مش بنقعد نزن ونشتكي زي العيال
مصطفى بص لأبوه بذهول وبعدين بص لكراميلا اللي ابتسمت بنصر وقالت بصوت واطي
شفت بقى يابوي عمي سالم هو اللي فاهم الأصول
مصطفى اتنهد وقام وقف وهو بيحرك كتافه وقال بقلة حيلة
حاضر يابوي قايم أهيأ المنجا للباشا الصغير عشان محدش يزعل في البيت ده
───
في نفس الوقت في شقة زين وميادة
المكان كان ساكن والنور الدافئ طالع من الشبابيك الخشبية
الشقة مكانتش مجرد مكان للعيش كانت الملاذ اللي اتبنى على هدوء بعد العاصفة
ميادة كانت واقفة في المطبخ لابس فستان بيتي واسع وبسيط وطرحة خفيفة ملفوفة على شعرها
إيدها كانت بتحضر الصينية بكل أريحية مفيش توتر مفيش خوف ومفيش النظرة التائهة اللي كانت بتملى عينيها زمان
خرج زين من الأوضة لابس قميصه الأسود المعتاد وواقف عند باب المطبخ متسند بكتفه على الضلفة وباصص لها بهدوء
زين قال بنبرة فيها لمسة سخرية دافية
إيه النظام الفطار طالع يتاكل النهاردة ولا ندور على طاسة فحم جديدة نكتب عليها ذكريات
ميادة لفت وشها وابتسمت ابتسامة صافية من غير ما تداري وشها ولا تتكسف زي زمان وقالت
لا خلاص الأستاذ زين علمني أصول الطبخ وبقت الطاسة بتطلع مظبوطة ومن غير ولا غلطة إيه رأيك بقى
زين قرب منها ببطء لحد ما وقف قدامها تماماً
مسك إيدها بالراحة وعينيه جت في عينيها مباشرة
زين قال بصوت دافي وواضح
إنتي اتغيرتي يا ميادة الخوف اللي كان ساكن عينيكي اختفى وده كان كل اللي يهمني من أول يوم حطيت إيدي في إيد الحاج سالم عند المأذون
ميادة بصت لإيده اللي ماسكة إيدها ونزلت راسها لحظة قبل ما ترفعها وتواجهه وقالت
إنت اللي غيرت كل حاجة يا زين إنت مكنتش بتصرخ ولا بتعمل شو زي اللي قبلك إنت وقفت زي الجبل وخدت ضربات الممر كلها في ضهرك عشان أنا أعرف أقف على رجلي تاني أنا اتعلمت معاك إن الأمان مش كلام ولا وعود الأمان راجل سوي بيعرف يحمي اللي يخصه
زين ابتسم ابتسامة خفيفة ورفع إيدها باسها ببطء وقال
البيت ده أمانك يا ميادة وطول ما أنا بتنفس مفيش حد يقدر يقرب منك ولا يخليكي تبصي وراكي تاني
───
وفجأة وبدون أي مقدمات
التليفون رن في إيد ميادة وكان الاتصال من المستشفى الخاص اللي بتتابع فيه
ميادة ردت ووشها بدأ يتغير وملامحها بدأت تترسم عليها صدمة مذهولة
زين استغرب وقرب منها وقال
في إيه يا ميادة في حاجة حصلت ولا إيه
ميادة نزلت التليفون ببطء وعينيها بدأت تدمع بس دموع فرحة وذهول مش قادرة تستوعبه
زين مسك كتفها بقلق خفيف وقال
ميادة اتكلمي في إيه الدكتورة قالتلك إيه
ميادة بصت لزين بصوت بيترعش من الفرحة وقالت
زين... الدكتورة بتقولي التحاليل والأشعة السينية الأخيرة طلعت بكتيريا أو لبطة في المواعيد القديمة... أنا مش بس حامل يا زين... أنا حامل في توأم!
زين اتسمر في مكانه والخبر نزل عليه كأنه مفاجأة هزت كيانه
بصلها بذهول وقال
توتة إيه؟ قصدي توأم؟! إنتي بتتكلمي جد يا ميادة؟
ميادة هزت راسها بدموع وضحك في نفس الوقت وقالت
أه والله يا زين توأم الدكتورة بتأكدلي دلوقتي وبتقولي الحمل ثابت وبخير تماماً!
زين مسك وشها بإيديه الاتنين ولأول مرة ميادة تشوف في عينيه لمعة دموع الفرحة اللي حاول يداريها
زين ضحك بصوت عالي لأول مرة في الممر كله وقال
توأم مرة واحدة! ده إحنا كدة مش هنلحق نشتري طاسات بيض ده إحنا هنفتح حضانة في البيت يا ميادة!
───
في بيت الحاج سالم
كان مصطفى قاعد بيقطع المانجا لكراميلا وفجأة الباب اتفتح بعنف
دخل زين وميادة ووشهم منور بالفرحة
مصطفى بص لزين وقال بتهكم
إيه يا زين داخلين كدة ليه هو في حد بيجري وراكم ولا بكر طلع من السجن
زين بص لمصطفى بثبات وابتسم وقال
لا يا مصطفى بكر جوة في التخشيبة بس أنا جاي أقولكم إن العيلة دي هتكبر أضعاف الفترة الجاية
سالم رفع عينه وقال
قصدك إيه يا زين اتكلم على طول
زين بص لميادة وقال
ميادة حامل في توأم يا حاج سالم!
الصالة اتملت بالذهول والصمت لحظة وبعدها انطلقت زغاريد كراميلا اللي هزت العمارة كلها
مصطفى رمى السكينة والمانجا من إيده وقام نط حضن زين بقوة وقال
توأم يا ابن المحظوظة! ده أنا حافي وبجري ورا واحد في بطن كراميلا إنت هتعمل إيه في اتنين!
سالم قام وقف على حيله وعصايته اتخبطت في الأرض بعنف بس المرادي فرحة ودموع في عينيه
سالم قال بصوته الرخيم
الحمد لله يا رب العوض جه مضاعف والبيت اللي كان هيتهدم بقى ماليان حس وبركة!
☜✦✦☞
بعد انتشار خبر حمل ميادة في توأم، الممر بقى عامل زي المهرجان
الزغاريد اللي طالعة من شقة الحاج سالم سمعت لحد آخر الشارع
الستات كبار السن نزلوا من الشبابيك يباركوا، ورجالة الممر وقفوا تحت العمارة يضربوا سلام لزين ومصطفى
كانت الفرحة مش بس عشان الأطفال اللي جايين، كانت عشان بيت سالم النعماني اللي حاولوا يهدوه ويضيعوا حقه، ربنا بيكرمه وبيردله العز المترتب أضعاف أضعاف
───
جوه الشقة
مصطفى كان واقف بيبص لزين ومنبهر وميت على نفسه من الضحك
مصطفى قال وهو بيخبط على كتف زين
طب قولي يا زين بصراحة كدة، إنت ترتيباتك إيه في الشقة دي بقى؟ إنت فاهم يعني إيه توأم في بيت واحد؟ يعني الوغد الأولاني يعيط من هنا، التاني يصحى يسانده ويعيط معاه من هنا! إنت هتنسى شكل النوم أصلاً!
زين بص لمصطفى بهدوء وهو حاطط إيده في جيبه وابتسم ببرود وقال
إنت فاكرني زيك يا مصطفى بلف في الشوارع الفجر أدور على مانجا فص؟ أنا عامل حسابي لكل حاجة، والأمان اللي بنينه مش هيهزه شوية زنة عيال صغيرة
كراميلا طلعت من المطبخ وهي ماسكة صينية شربات ورد ووزعتها على الكل وقالت بغيظ
جرى إيه يا سي مصطفى بدال ما تبارك لأختك ولزين قاعد تخوفهم وتنق عليهم؟ ما إنت هتموت وتشوف ابنك ومطلع عيني من الصبح!
مصطفى بص لكراميلا وقال
أنا بنق؟ ده أنا بقرا المعوذتين من ساعة ما سمعت الخبر! بس بصراحة يابوي سالم، إحنا كدة محتاجين نكبر المعرض والمحلات، العيلة بتكبر والخير بيزيد ولازم نكون قد المسئولية
الحاج سالم كان قاعد على الكرسي الهزاز، ماسك السلاب وفي إيده السلاب القديم، وشه رايق وعينيه مليانة هيبة وراحة
سالم قال بصوته الرخيم
المحلات والمعرض أمانة في رقبتك إنت وزين يا مصطفى، والخير اللي ربنا بعته ده رزق العيال اللي جاية في السكة، الممر طول عمره قايم على الأصول، وطول ما إنتو إيد واحدة، مفيش قوة في الدنيا تقدر تكسركم
───
في المساء
رجِع زين وميادة شقتهم الهادية
الهدوء كان سيد المكان، بس كان هدوء دافي مليان مشاعر متنوّعة
ميادة كانت قاعدة على الكنبة في الصالة، ماسكة كوباية لبن دافية وساكتة وسرحانة في الشباك
قرب زين وقعد جنبها، أخد الكوباية من إيدها وحطها على الترابيزة بالراحة
زين قال بنبرة هادية وبصوت واطي
سرحانة في إيه يا ميادة؟ الفرحة خضتك ولا إيه؟
ميادة بصت لزين بدموع محبوسة في عينيها وابتسمت وقالت
مش خضة يا زين... بس أنا بيني وبين نفسي كنت خايفة، كنت خايفة أكون ظلمتك معايا، كنت بحس ساعات إن اللخبطة اللي حصلت لي في حياتي والخذلان من حمزة والنعماني ممكن يرموا بظلالهم على بيتنا... بس لما الدكتورة قالتلي توأم، حسيت إن ربنا بيقولي "خلاص يا ميادة، المسرحية القديمة خلصت، وده الستار اللي بيترفع على حياكِ الحقيقية"
زين مسك إيدها الضغيرة بين إيديه الاتنين وضغط عليها بثبات وقوة
زين قال
إنتي عمرك ما ظلمتيني يا ميادة، أنا اخترتك بوعيي وقدرتي، والراجل اللي يربط أمان بيته وبنت أصول بظروف فاتت يبقى ناقص... التوأم دول هيربوا في حضن راجل هيعلمهم يعني إيه أصول، وأم هتعلّمهم يعني إيه صبر وعزة نفس
───
في نفس الوقت في الشارع جنب الممر
كان بكر ماشي يتخفى بين البيوت القديمة بعد ما خرج بكفالة مؤقتة على ذمة قضية التزوير
وشه كان أسود ومغلول، واقف يبص على أنوار شقة زين وميادة والشغف اللي في الممر
طلع تليفونه المكسور واتصل برقم غريب
بكر قال بصوت واطي ومسموم
أيوة يا باشا... الممر كله بيحتفل، سالم وزين ومصطفى فاكرين إن اللعبة اتفلتت من إيدنا وأن النعماني لما دخل العناية المركزية كل حاجة انتهت...
جاله الصوت من التاني متقطع وبارد
النعماني انتهى يا بكر، بس الفلوس اللي لينا في الممر والمحلات مش هتروح، سالم فاكر إن الورق الرسمي يحميه، بس هو نسى الشيكات القديمة اللي كانت متسجلة باسم الشركة الأجنبية... الشيكات دي هي اللي هتقلب الممر عليهم من غير نقطة دم واحدة!
بكر ابتسم بقمة الشر وقال
يعني هنلعب معاهم بالقانون المرادي يا باشا؟
رد الصوت بثقة
بالقانون والفلوس... وهنشوف زين ده هيحميهم إزاي لما يلاقى الممر كله عليه ديون بملايين الملايين!
───
في الصباح الباكر في معرض زين
كان زين واقف بتابع حركة البضاعة مع العمال
وفجأة وقفت عربية جيب سودة فخمة قدام المعرض
نزل منها راجل لابس بدلة أنيقة جداً ومعاه محامي ماسك شنطة جلد سودا
دخل الراجل المعرض وبص لزين بهدوء واستعلاء
الراجل قال
أنت زين؟
زين بص له بجمود وثبات وقال
أيوه أنا زين... خير يا أستاذ؟
المحامي فتح الشنطة وطلع أوراق رسمية مدموغة بختم النسور
المحامي قال ببرود
إحنا جاين ننفذ أمر استدعاء وحجز تحفظي على أصول محلات الحاج سالم النعماني بالكامل بناءً على الشيكات الموقعة لصالح شركة "المستقبل" للتمويل اللي كانت متغطية بأرقام الحسابات المزورة!
زين وشه اتغير، وعينيه لمعت بجمود وشرار... مفاجأة جديدة وغير متوقعة جاية تهد الاستقرار اللي افتكروه كمل
☜✦✦☞
الهدوء اللي كان مالي المعرض طار في ثواني، وصوت حركة الشارع بره الممر اختفت بالنسبة لزين
وقف زين قصاد المحامي والراجل صاحب البدلة الفخمة، بصلهم بنظرة جامدة كأنها حديد صلب، إيده في جيبه ومفيش أي هزة في تعابير وشه
زين قال بصوت واطي بس يرعب
ورق إيه وشيكات إيه اللي بتتكلم عنها؟ المحلات دي ورث شرعي للحاج سالم، وحكم المحكمة الأخير لغى كل التزوير اللي النعماني وبكر عملوه
المحامي ابتسم ابتسامة سخيفة وطلع من الملف ورقة رسمية مختومة
الحكم اللي معاك أبتل عقود البيع المزورة بين سالم والنعماني يا أستاذ زين، إنما الشيكات دي صادرة باسم شركة "المستقبل" ومديونية قديمة ثابتة برقم حصر ورسمي قبل القضايا دي كلها، النعماني استلف بضمان المحلات، والورق مظهر ومفيش قاضي يقدر يلغيه إلا لو اندفعت الفلوس
زين أخد الورقة ببطء، بص على الأرقام وحجم المديونية المكتوبة بخط واضح وختم الشركة
عرف فوراً إن دي ملعوبة جديدة من باقي ذيل النعماني وبكر عشان يكسروا فرحة البيت ويمسكوا الممر من رقابته بالقانون
───
في نفس اللحظة، دخل مصطفى المعرض وهو شايل دفتر الحسابات وبيغني بصوت عالي ورايق
أول ما شاف المنظر والورق في إيد زين، سكت فجأة والابتسامة اختفت من وشه
مصطفى قرب وقال باستغراب
في إيه يا زين؟ مين الباشاوات دول وعايزين إيه من الصبح؟
المحامي بص لمصطفى بقلة قيمة وقال
إحنا بننفذ إجراءات حجز تحفظي على المحلات والمعرض خلال 48 ساعة، يا إما المديونية تتدفع بالكامل
مصطفى اتجنن وشاط، رمى الدفتر على الترابيزة وقرب من المحامي بعصبية ورفع إيده
حجز إيه يا روح أمك! إنت فاكر نفسك داخل زريبة ولا إيه؟ المحلات دي ملك أبوي سالم والأوراق أصلية، النعماني اللي عمل الشيكات دي روحوا خدوا منه ومن عيلته في التخشيبة!
الراجل أبو بدلة رجع لورا خطوة واستخبى ورا المحامي وقال بتهديد
لو هتعمل فيها بلطجي يا حاج مصطفى المحضر هيروح للنيابة فوراً وتتشمّع المحلات بالشمع الأحمر قبل ما النهار يطلع!
زين حط إيده على صدر مصطفى ورجعه خطوة لورا بقوة وثبات
زين قال بصوت قاطع لمصطفى
اهدى يا مصطفى بلاش غشم... الكلام ده مش بالصوت العالي
لف زين للمحامي وقال بنبرة حادة كالسيف
خد أوراقك دي واخرج بره المعرض دلوقتي، مهلة الـ 48 ساعة دي هنرد عليها في المحكمة وفي السوق، وأي حد هيحاول يحط شمع على باب محل واحد في الممر قبل المعين ده، هيدفن تحت عتبته
الراجل المحامي بص لزين بتوتر لما شاف الشدة والرصانة في عينيه، أخد الورق وركبوا العربية الجيب وسرعوا مشيهم بره الممر
───
مصطفى كان بينهج وعينيه حمرا من الغيظ، مسك راسه بإيديه الاتنين وقال
إيه القرف ده يا زين؟ هو إحنا مش هنخلص من زفر النعماني ده أبداً؟ كل ما نقول الدنيا صفيت والبيت اتلم تطلع لنا مصيبة ألعن من اللي قبلها؟ الحاج سالم لو عرف بالخبر ده وهو في صحته دي ومصدق إن الحق رجع، ممكن يطب ساكت!
زين قعد على الكرسي الخشب ببطء، شبك صوابعه ببعض وبص للشارع بتركيز رهيب
زين قال
سالم مش هيعرف حاجة دلوقتي يا مصطفى... ولا ميادة ولا كراميلا، الموردين والشركات الأجنبية دي بكر هو اللي حركهم من تحت لتحت، فاكرين إنهم بكارت الشيكات ده هيخلونا نبيع المحلات بفرك كعب أو نسلمهم الممر برخص التراب
مصطفى قعد قصاده وقال بيأس
طب والحل إيه يا زين؟ المهلة يومين، والمبلغ ده مش موجود في سيولة المعرض كاش دلوقتي!
زين ابتسم ابتسامة خفيفة مليانة ثقة ومكر وقال
الشيكات دي متغشوشة يا مصطفى، والنعماني كان كاتبها برقم حساب ملغي... واللعبة دي مش هتكسب بالقوة، هتكسب بالدماغ، قم معايا نروح للمحامي بتاعنا، ونشوف الأوراق القديمة فيها إيه
───
في نفس الوقت في بيت الحاج سالم
كانت كراميلا وميادة قاعدين في الصالة بيجهزوا هدوم النونو الجديد، وضحكاتهم طالعة دافية
ميادة كانت حاطة إيدها على بطنها وبتبتسم لكراميلا
كراميلا قالت وهي بتضحك
بقولك إيه يا ميادة، أنا من دلوقتي بقولك التوأم بتوعك دول لما يتولدوا، مصطفى مش هيعرف ينام دقيقة واحدة! ده امبارح كان هيتجنن عشان المانجا، أمال لما يستلم العياط الثلاثي هيعمل إيه؟
ميادة ضحكت من قلبها وقالت
زين قاللي إنه هينظم كل حاجة، زين مبيحبش اللخبطة يا كراميلا، والبيت ده بوجوده بقى أمان وراحة عمري ما حسيت بيهم
فجأة الباب خبط خبطات متسارعة وقوية
قامت كراميلا تفتح، لقت بكر واقف على الباب، وشكله متبهدل وعينيه زاغين، وبص لكراميلا وميادة بابتسامة خبيثة ومسمومة
بكر قال بصوت واطي وشماتة
أهلاً بضراير الممر... قولوا لزين ومصطفى الممر خلاص بيتباع في المزاد العلني، والشيكات أصلية والمرة دي مفيش سالم ولا مأذون ينقذكم!
ميادة قامت وقفت بجمود بثبات هي اكتسبته من وقوف زين جنبها، وقربت من الباب وبصت لبكر من غير ما تترعش ولا خف عقلها زي زمان
ميادة قالت بصوت حاد وواضح
إنت فاكر إنك بتخوفنا يا بكر؟ إنت ورجالتك والنعماني بقيتوا تحت الجزم، وزين ومصطفى أرقام صعبة في الممر، امشي من هنا قبل ما نطلبلك رجالة الشارع ينضفوا بيك المكان!
بكر اتصدم من قوة رد ميادة وثباتها، وكراميلا مسكت العصايا من ورا الباب
انسحب بكر وهو بيتوعد بصوت واطي ومشي بسرعة
───
في مكتب المحامي
كان زين ومصطفى قاعدين قصاد المحامي اللي كان بيفحص الصورة الضوئية للشيكات بنظارة القراءة
المحامي رفع راسه وابتسم وقال
زين بيه كشف اللعبة من قبل ما أنا أقولها، الشيكات دي أصلها باطل لأن التوقيع اللي عليها صادر من النعماني بصفته مدير شركة اتلغت رخصتها من سنتين، وبكر لما حرك الشيكات استخدم إخطار مزور، يعني البلاغ ده هيترد عليه بقضية نُصب جديدة وضبط وإحضار لبكر وللشركة التابعة له!
مصطفى نط من على الكرسي وقال بفرحة
يعني المحلات مش هتوصل للحجز ولا حاجة؟
زين قام وقف وعدل الجاكت بتاعه وبص لمصطفى بهدوء وقال
قلتلك يا مصطفى، الأيام اللي كان أي حد يجي يهددنا فيها انتهت خلاص، ودلوقتي هنرجع البيت وننهي القذارة دي بالقانون للآخر
☜✦✦☞
خرَج زين ومصطفى من مكتب المحامي والشمس كانت بدأت تميل للغروب، وصوت مآذن القاهرة طالع بآذان المغرب يملى شوارع الممر بالسكينة.
مصطفى كان ماشي جنب زين وشه منوّر بعد ما زال كابوس الشيكات، وكان بيفرك إيديه ببعض من شدة الحماس.
مصطفى قال وهو بيبتسم ابتسامة عريضة:
أنا مش مصدق يا زين! يعني بكر الغبي بدال ما يزنقنا في الـ 5 مليون، رمى نفسه في الملاية وجاب لنفسه أمر ضبط وإحضار جديد طازة من النيابة؟
زين بص للشارع بثبات وهدوء، وحط إيده في جيبه وقال بصوت واطي بس فيه هيبة:
اللي بيبني حياته على باطل يا مصطفى بيفتكر إن القانون لعبة في إيده، وبكر افتكر إن الهدوء اللي إحنا فيه ضعف... هو ما يعرفش إن الراجل السوي لما بيبني بيت ويحمي حريمه، بيكون أشد من الحديد وقت الجد.
───
في نفس اللحظة قدام باب الممر الرئيسي...
كان بكر واقف يتسحب جنب المحل القديم، مستني المحامي بتاع شركة "المستقبل" عشان يطمن إن الحجز هيبدأ.
فجأة وقفت عربيتين شرطة من غير صرخة ولا زياط، ونزل منهم ضابط ومعاه رجالة المباحث.
بكر أول ما شافهم اتسمر في مكانه والدم هرب من وشه، حاول يلف ويرجع ضهره للشارع الضيق، بس اتفاجأ بمصطفى وزين واقفين على أول الممر وورادهم رجالة الشارع كلهم كأنهم سد منيع.
الضابط قرب من بكر، وطلع أمر النيابة وقال بحزم:
بكر عبد الجواد... مطلوب للقبض عليك في قضية تزوير أوراق رسمية واستعمال شيكات باطلة للنصب والابتزاز.
بكر بصلهم بذعر وصصرخ بصوت مجهد:
يا باشا الورق أصلي! النعماني هو اللي كاتب الشيكات دي!
زين خطى خطوة واحدة لقدام، وبص لبكر بعيون حادة وباردة وقال:
النعماني في العناية بيحاسب على اللي عمله في حياته يا بكر، وإنت جه وقتك تحاسب على كل قرش وكل تهديد فاكر إنك هترهب بيه عيلة الحاج سالم... الممر ده ليه أصحاب يصونوه، وحرمة بيوتنا خط أحمر.
الرجالة كلبشوا بكر وسحبوه للعربية وسط نظرات أهل الممر اللي وقفوا يسقفوا ويكبروا، وبكده اتطوت آخر صفحة من صفحات النكد والشر اللي عاشها الممر لسنين.
───
في المساء... في بلكونة بيت الحاج سالم الكبيرة.
الأنوار الملونة كانت متعلّقة في الممر كله احتفالاً بالانتصار النهائي وخبر التوأم، وصوت التواشيح الدينية طالع من الراديو الخشب القديم يملى المكان بركة.
كان سالم قاعد في صدر المجلس، لابس جلابيته البيضا ورائحة بخور العود طالعة منه، ومسند إيديه على عصايته بثبات ورضا.
وقدام الطاولة، كانت كراميلا قاعدة ومصطفى جنبها بقدم لها المانجا بنفسه وهو بيضحك ومستسلم لطلباتها، وميادة قاعدة جنب زين، إيدها متدابكة في إيده بشرارات من الهدوء والأمان اللي ملوش حدود.
سالم بص لولاده، ورفع إيده وسبحته بين صوابعه وقال بصوته الرخيم اللي يهز القلوب:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات... الحق لما بيرجع لأصحابه بالصبر والأصول، ربنا بيبارك فيه ويحميه من كل عين حاسدة. يا زين يا بني... إنت دخلت البيت ده في وقت شدة، وأثبت إن الرجولة مش بالصوت العالي ولا بالقوة الغاشمة، الرجولة عقل وحماية وصون للعهد.
زين بص للحاج سالم باحترام وابتسم ابتسامة دافية وقال:
البيت ده بيتك يا حاج سالم، وميادة أمانتي اللي ربنا حاسبني عليها... وأنا عند وعدي، الممر بيتنا وحرمته من حرمتنا.
ميادة بصت لزين بدموع فرحة لمعت في عينيها، وقربت منه وسندت راسها على كتفه ببراح وراحة تامة.
حست إن كل وجع عاشته مع حمزة والنعماني، وكل خيبة أمل مرت بيها في الماضي، كانت مجرد طريق طويل ومظلم عشان توصل للنهاية المضيئة دي... للنصيب اللي ربنا أجّله عشان يبعته في أبهى صورة.
───
رسالة النهاية:
مهما طال ظلام الخذلان، ومهما قابلتِ في طريقك أشباه الرجال، تأكدي إن عوض ربنا جاي في وقته المناسب... العوض بييجي في هيئة السند الحقيقي والراجل السوي اللي بيصلح كل اللي انكسر جوّاكي، وبيكون لكِ أمان وركن شديد.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
