رواية استثنائية في دائرة الرفض الجزء الثاني الفصل الثاني والثلاثون بقلم بتول عبد الرحمن
يوم جديد.....
أمير كان قاعد في مكتبه، مميل الكرسي لورا وحاطط رجليه على طرف المكتب بمنتهى عدم الاكتراث وبيشرب قهوته في هدوء، الباب خبط، رفع عينه وقال
"اتفضل"
الباب اتفتح وسديم دخلت، أمير أول ما شافها اتعدل وقال
" يا اهلا بمديرتنا"
سديم بصتله ببرود، قفلت الباب وراها وقربت من المكتب
"عايزة أتكلم مع حضرتك في موضوع."
أمير شاور على الكرسي قدامه
"اتفضلي."
قعدت وسكتت ثواني تجمع كلامها، أمير بصلها باستغراب
"إيه؟ اتكلمي"
سديم قالت مباشرة
"عايزة أنسحب من المشروع اللي مع المهدي جروب."
امير رمش باستغراب
"نعم؟"
سديم قالت بهدوء
"مش هكمل فيه."
امير عقد حواجبه
"ليه؟"
هزت كتفها ببساطة
"مش حابة أكمل."
أمير ضحك
"يا سلام؟! هو ده سبب؟"
سديم ردت بهدوء
"بالنسبة ليا آه."
أمير هز راسه بعدم اقتناع
" حد ضايقك يعني، تيم طلب منك ولا ايه مش فاهم"
سديم اتضايقت وقالت
"الموضوع ملوش علاقة بت...، بباشمهندس تيم."
أمير رد فورًا
"يبقى ليه المشروع ده بالذات؟"
سديم سكتت، أمير ابتسم ابتسامة خبيثة
"آه... فهمت."
سديم بصتله بضيق
"فهمت إيه؟"
قال وهو رافع إيده
"ولا حاجة، أنا مالي."
سديم بصتله بضيق واضح، قامت وقفت وقالت بفتور
" عن اذنك"
كانت لسه هتمشي بس وقفها بصوته
" سديم"
زفرت بضيق قبل ما تلفله وتغصب ابتسامه على وشها
" افندم؟!"
امير قام وقف وقرب منها شوية
" انا هسيبك براحتك حاليا بس مش هينفع اعدي الموضوع، انتي اكتر واحدة عارفه أن الكوسة دي متنفعش"
سديم ردت بهدوء
" ماشي، عادي، متعديش الموضوع"
قالت كلامها وخرجت بسرعة من قدامه بنفس الابتسامه السمجة اللي اختفت اول ما خرجت.
بعد حوالي ساعة، السكرتيرة دخلت لامير وقالت برسمية
"باشمهندس، في شخص بره طالب يقابل حضرتك."
أمير رفع عينه وقال
"مين؟"
"أحمد الجارحي."
أمير عقد حواجبه شوية، اول مره يسمع الاسم، بصلها وقال بهدوء
"طيب دخليه."
"حاضر."
بعد لحظات الباب اتفتح ودخل أحمد، بدلته أنيقة، ملامحه هادية، وابتسامته مهذبة جدًا، مد إيده وقال
" احمد جارحي، صاحب شركات الجارحي للأمن والحراسة"
أمير صافحه وقال
"أهلًا وسهلًا، اتفضل."
أحمد قعد وقال بهدوء
"أنا آسف لو جيت من غير ميعاد."
أمير هز راسه
"عادي خير."
أحمد ابتسم وقال
"أنا صاحب مجموعة شركات أمن وحراسة، وحاليًا بدور على فرص تعاون جديدة، واسم شركتكم اتكرر قدامي أكتر من مرة."
أمير هز راسه
"تشرفنا يا باشمهندس."
أحمد كمل بنفس اللباقة
"الحقيقة سمعت عن نجاحات للشركة في الفترة الاخيرة، واضح إن عندكوا إدارة قوية."
سكت لحظة وبعدين قال
"خصوصًا المدير التنفيذي."
أمير قال بفخر واضح
"دي حقيقة بصراحة، المدير التنفيذي شخص ناجح وشاطر جدا"
احمد ابتسم وقال بخبث
" الصراحة كان في عندي مديرة تنفيذية في شركتي حولتها لنجاح باهر، ولكن للاسف بعد فتره عرفت انها بتحاول توقع شركتي فأظهرت أنها بتنجح لحد ما اكتشفت الموضوع قبل ما توقعها ولحقته الحمد لله"
امير ابتسم بفخر وقال
" بس المدير اللي عندي اكيد غير، انا بختار موظفيني بعناية"
احمد سأل بجهل مصطنع
" مين المدير التنفيذي هنا؟!"
امير رجع بضهره للكرسي ورد بابتسامة
" المدير التنفيذي، باشمهندسة سديم سراج"
احمد قال باستغراب مصطنع
"سديم؟"
أمير رفع حاجبه
"تعرفها؟"
أحمد سكت ثانية وكأنه متردد يتكلم
"بصراحة... آه، دي هيا دي اللي كنت بتكلم عنها من شوية، انا حقيقي مستغرب"
أمير قال بعدم اقتناع
"غريبة."
أحمد ابتسم ابتسامة صغيرة
"أنا عارف إن الكلام صعب يتصدق، خصوصًا لو الشخص قدامك ناجح، أنا كمان استغربت وقتها."
أمير بص لأحمد كام ثانية، وبعدها ابتسم ابتسامة هادية وقال
"واضح إنك جاي مخصوص عشان تقولي الكلام ده."
أحمد رفع حاجبه وقال
"أنا مجرد حبيت أنبهك وسط الكلام"
أمير هز راسه وقال
"وأنا وصلتني الرسالة، متشكر جدا على نصيحتك، بس في حاجة لازم أوضحها."
أحمد سند بضهره للكرسي مستني يسمع
"أنا مش من الناس اللي بتحكم على حد من كلام حد تاني."
ابتسامة أحمد خفت شوية، أمير كمل بهدوء
"خصوصًا لما اكون مشوفتش من الشخص ده غير كل خير"
أحمد قال بهدوء
"وأنا مقدر ده."
أمير أومأ وقال
"سديم بقالها فترة معايا، وانا بثق فيها جدا، واحب اقولك انك اللي خسران لما ظلمتها، لاني متأكد انها انسانه بتسعي للنجاح والاستقرار وبس"
أحمد ابتسم ابتسامة صغيرة مزيفة تماما
"ممكن، اكيد انت ادرى، معلش طولت عليك"
مد أحمد إيده يصافحه وأمير صافحه وهو بيقول
" متشكر على النصيحة يا باشمهندس"
أحمد أومأ براسه واتجه للباب، وقبل ما يخرج، أمير قال بابتسامة خفيفة فيها سخرية بسيطة
"بس متقلقش... لو سديم عملت حاجة غلط، هعرفك"
بالليل فون سديم رن، أول ما شافت اسم ريشة ردت بسرعة
"أيوه يا ريشة، وصلت لحاجة ولا لسه؟"
ريشة رد بخفوت
"وصلت."
سديم اتعدلت في قعدتها فورًا وقالت بلهفة
"بجد؟ طب قول بسرعة."
ريشة قال بهدوء غريب
"عرفت بياخد الناس اللي بيخطفهم فين."
سديم مسكت الفون بإيديها الاتنين وقالت بسرعة أكبر
"طب قول."
ريشة رد
"أنا مش هقولك يا أبلة، بس لو عايزة تشوفي بنفسك أنا جاهز أوريكي."
سديم سكتت لحظة باستغراب وقالت
"يعني إيه مش هتقول؟! قول اللي عرفته وخلاص."
ريشة حك دقنه
"مهو بصراحة اللي شوفته ميتحكيش."
سديم عقدت حواجبها بضيق
"ريشة متستعبطش."
"والله ما بستعبط، ولو عايزة تعرفي المكان بنفسك عشان تعذريني على الأيام اللي فاتت انا جاهز"
سديم بدأت تحس بعدم ارتياح من كلامه وقالت
"المهم إنك وصلت، أكيد يعني مش هروح مكان زي ده، قولي بس إيه بيحصل."
ريشة هز رسه وقال
"لا يا أبلة، خلينا نتقابل."
"نتقابل ليه؟"
"أقولك اللي عندي وآخد فلوسي وأتكل."
سديم فكرت ثواني وقالت
"طيب موافقة، تحب دلوقتي؟"
ريشة رد بسرعة
"لا خليها بكرة."
سديم استغربت أكتر
"ليه بكرة؟"
ريشة ضحك وقال
" عندي سبوبة الوقت، بكره يا ابله"
وقبل ما تسأله تاني كان قفل المكالمة، سديم نزلت الفون من على ودنها ببطء وهيا باصة للشاشة، إصراره الغريب على المقابلة مخلاش الموضوع يريحها، كان ممكن يقول اللي عنده في التليفون وينتهي الأمر، إنما ليه مصمم يشوفها؟
وليه بكرة تحديدًا مش دلوقتي؟
أسئلة كتير بدأت تلف في دماغها، يمكن أحمد عرف إنه بيتراقب؟
يمكن ريشة اتكشف؟
أو يمكن حد أجبره يكلمها؟
هزت رأسها محاولة تبعد الأفكار دي، لكن شعور خفي بالقلق فضل ملازمها، وفي الآخر حسمت قرارها، لو هتقابله يبقى في الكافيه اللي جنب بيتها، مكان تعرفه كويس وصاحبه عارفها.
تيم كان قاعد في صالون البيت، مميل بجسمه لقدام على الكنبة، وملامحه هادية بشكل غريب رغم التوتر اللي مالي المكان، قدامه كان قاعدين سالي ويونس ويسر.
محدش فيهم كان فاهم ليه طلب منهم يقعدوا بالشكل ده، ولحد دلوقتي ساكت، سكت ثواني قبل ما يقول بهدوء
"أنا بصراحة مش هخبي عليكوا... انتوا أصلًا عارفين الموضوع."
يونس اتنهد بضيق وهو باصص للأرض، فهم تيم هيتكلم في إيه، أما سالي ويسر فبصوا لبعض بعدم فهم، تيم كمل
"أنا بتهدد بيكوا، وعشان كده قررت قرارين"
سالي رفعت راسها فورًا، بس قبل ما تفتح بوقها كان تيم رافع إيده بإشارة خفيفة يوقفها
"سالي... عارف أسئلتك."
بصلها مباشرة
"بس مش هرد عليها."
عقدت حواجبها بقلق وهو كمل بهدوء
"مش لازم تعرفي مين بيهددني بيكوا، كفاية تعرفي القرارين."
سالي بصتله بعدم تصديق
"بس انت كده واقع في مشكلة."
تيم هز كتفه ببساطة
"وفيها إيه؟ المهم أخرج منها، والمهم تساعدوني، من غير اسأله كتير طبعا"
يونس زفر بضيق وهو عارف اللي جاي
"أنا عارف انت هتقول إيه، بس أنا مش موافق على قرارك بخصوصي."
تيم بصله بهدوء ويونس كمل بعند واضح
"أنا مش هسيبك لوحدك."
تيم رد بهدوء شديد
"وأنا عارف إن ده هيحصل، بس برضو هقول كلامي."
بص للجميع بالتتابع
"وانتوا أحرار."
سكت ثانية وبعدين قال
"أولًا يا سالي... انتي هتسافري لياسر، مش عايزك في مصر."
سالي فتحت بوقها تتكلم، بس هو بص ناحية يونس وكمل
"ثانيًا... يونس هتختفي فترة، إنت ويسر."
يونس قام وقف وقال
"تيم...."
تيم قاطعه مباشرة بحدة واضحة
"بالمناسبة...علشان أنهي الجدال من دلوقتي، من كام يوم في حد لعب في فرامل عربية يونس."
سالي ملامحها اتجمدت ويسر بصت ليونس بصدمة، أما يونس فكان باصص لتيم بغضب، تيم كمل بهدوء
"ولولا ستر ربنا... مكانش زمانه قاعد معانا دلوقتي."
سالي بصت ليونس بسرعة
"إيه؟!"
يونس أشاح بوشه بعيد، يسر مدت إيديها تمسك دراعه تلقائيًا، الخوف ظهر في عينيها فورًا، تيم كمل بنفس الهدوء المستفز
"والمرة الجاية حقيقي مش عارف إيه اللي هيحصل."
سالي كانت باصاله بعدم استيعاب، ويسر ضمت إيد يونس بقوة وهيا بتحاول تستوعب اللي سمعته، تيم رجع ضهره للكنبة وقال
"القرار في إيدكوا، وكل واحد يفتكر إن عنده عيال يخاف عليهم."
يونس كان باصص لتيم بغيظ واضح ويسر حولت نظرها من تيم ليونس والخوف ظاهر في عينيها، يونس فضل باصص لتيم كام ثانية طويلة، وبعدها ضحك ضحكة قصيرة كلها عصبية
"يعني الحل عندك إننا نهرب؟"
تيم رد بهدوء
"سميها زي ما تسميها."
يونس هز راسه بضيق
" وأنا مش هسيبك."
"براحتك."
الرد البارد ده كان كفاية يولع أعصابه أكتر، ضحك بسخرية
"حلو، يعني اتخبطت بالعربية واختفيت يومين وعملت عملية غالبًا."
سالي بصت لتيم بسرعة، أما تيم ملامحه متحركتش
"وفاكر إني غبي ومش هفهم."
سالي بصت بين الاتنين بصدمة
"عملية؟!"
تيم مرر إيده على جبينه بتعب
"خلصتوا؟"
سالي قامت من مكانها
"لا مخلصناش، أنت عملت عملية فعلا؟"
تيم اتنهد
"سالي..."
"جاوبني."
تيم قال بنفاذ صبر
" ايوه بس حاجة بسيطة مش زي ما متخيله يعني"
يونس ضحك بغيظ، بص لسالي
" صح حاجة بسيطة، تيم في قاموسه لو رجله اتقطعت هيقولك خدش."
سالي كانت باصة لتيم بعيون مليانة لوم
"إنت ليه بتعمل كده؟ إحنا أهلك."
تيم قام من مكانه ببطء وقال بهدوء
"أنا قولت اللي عندي."
بدأ يتحرك ناحية السلم، سالي ندهت عليه
"وتفتكر هنوافق؟"
وقف مكانه ثواني وقال من غير ما يبصلهم
"هتوافقوا، مش هتوافقوا، انا حذرتكوا."
يونس عقد حواجبه
"ولو موافقناش؟"
تيم لف نصف لفة وبصله مباشرة
" كل واحد حر، أنا عملت اللي عليا"
طلع السلم ببطء وسابهم قاعدين في الصالون، يسر بصت ليونس وقالت بغضب
"إنت ازاي متقوليش حاجة زي دي؟!"
يونس كان قاعد متضايق أصلًا فبصلها وقال
"أقول إيه؟"
يسر قامت من مكانها
"إن حد لعب في فرامل عربيتك!"
يونس زفر بضيق
"عشان مكنش عندي حاجة أقولها."
يسر قالت بحدة
"بالعكس، كان عندك كتير يتقال وكتير اوي كمان ."
يونس فرك وشه بتعب
"يا يسر الموضوع كان خلص."
يسر ضحكت بعدم تصديق
"خلص؟! وبتلوم على تيم"
يونس سكت وهيا كملت بتوتر
"لو كان حصلك حاجة؟"
يونس رد بسرعة
"محصلش."
يسر قالت بعدم تصديق
"بس كان ممكن يحصل!"
يونس سند ضهره للكنبة وقال بهدوء
"وأنا كنت هعمل إيه يعني؟ ولو عرفتي كنتي منعتي اللي هيحصل"
يسر عقدت دراعاتها وقالت
" بس على الأقل اكون في الصورة، مش كل حاجة تخصك اتفاجئ بيها، انت جوزي يا استاذ متنساش"
سالي أخيرًا اتكلمت بصوت هادي
"يسر معاها حق يا يونس، اللي بتعملوه ده اكبر غلط"
يونس زفر وقال بضيق واضح
" الموضوع عادي، انتوا اللي بتعملوا من الحبة قبه"
يسر قالت بغيظ
"لا مش عادي يا يونس!"
يونس فرك رقبته وقال بملل
"يسر بالله عليكي متكبريش الموضوع."
"أكبره؟! كان ممكن بعد الشر يحصلك حاجة وتقولي بكبر!"
يونس رد بمنتهى الهدوء
"ومحصلش."
يسر بصتله وكأنها نفسها تخبطه بحاجة
"بجد؟! ده ردك؟!"
يونس قال
"أهو حصل خير."
"لا بجد أنت مستفز."
يونس هز كتفه
" متشكر"
يسر بصت لسالي وكأنها بتطلب منها تشاركها الصدمة
"شايفة؟! شايفة بيقول إيه؟!"
يونس قام من مكانه
"خلاص بقا."
يسر قالت بعصبية
"خلاص إيه انت عايز تجنني؟!"
يونس مردش عليها، مشي من قدامها وهيا قالت بحدة
"اهرب اهرب، ما أنتوا الاتنين نفس الطباع أصلًا."
الصبح تيم نزل السلم بخطوات هادية وهو بيعدل ساعة إيده، ملامحه كانت هادية كعادتها، أول ما دخل الصالون لمح سالي قاعدة وجنبها يسر، والاتنين باين عليهم إنهم مستنيينه من بدري، زفر بهدوء وهو بيقف لحظة وقال
"صباح الخير."
سالي رفعت حاجبها وقالت بغيظ واضح
"وهو فين الخير ده؟"
تيم بص في ساعته بسرعة وقال وهو بيتجه ناحية الباب
"عندي شغل والله، مش فاضي لأي جدال ع الصبح."
سالي قامت من مكانها وقالت
"يعني إيه يا تيم؟ أنا عايزة أفهم، مين بيهددك وليه؟"
تيم وقف عند الباب لحظة، بصلها بهدوء قبل ما يقول
"ارجعي بالزمن خمس سنين لورا وانتي تعرفي."
الصمت نزل لحظة عليها، رمشت باستغراب
"خمس سنين؟!"
يسر بصت بين الاتنين بعدم فهم وقالت
"هو إيه اللي حصل من خمس سنين؟"
تيم فتح الباب يخرج بس سالي قربت منه خطوة وقالت بإصرار
"أنا بكلمك يا تيم."
لفلها أخيرًا وقال بهدوء
"وأنا جاوبت."
سالي هزت راسها بعصبية
"لاء مجاوبتش، إنت بتلمح لحاجة وخلاص."
"عندي شغل يا سالي."
قالها وخرج وقفل الباب وراه
يسر بصت لسالي باستغراب
"هو إيه اللي حصل من خمس سنين؟"
سالي كانت باصة قدامها ومش بترد
ثواني...
وثواني كمان...
وفجأة ملامحها اتغيرت، عينيها وسعت تدريجيًا، يسر لاحظت وسألت بسرعة
"مالك؟"
سالي بصتلها ببطء
"مستحيل..."
سالي اتجهت ناحية السلم وطلعت بسرعة ويسر وراها وهيا مش فاهمة في إيه خلاها تتوتر بالشكل ده فجأة، وصلوا لأوضة يونس وسالي دخلت بسرعة وفتحت النور وقربت من يونس تصحية، هزته جامد وهو حط أيده على عينه من النور اللي ضربه مره واحدة، زفر بضيق
"في إيه؟"
سالي قربت منه بسرعة وقالت
"يونس."
يونس فتح عين واحدة بالعافية
"نعم؟"
سالي قالت بإلحاح
"تيم يقصد إيه بأن اللي بيهدده ليه علاقة باللي حصل من خمس سنين؟ يعني إيه؟"
يونس فضل باصصلها ثانيتين كأنه بيحاول يستوعب السؤال أصلًا وقال بضيق وهو بيحط المخدة على وشه
"مش معقول بجد، مصحياني عشان كده؟"
سالي قربت وشدت المخدة
"رد يا يونس."
يونس زفر للمرة التانية
"الناس اللي قتلوا ماما... عايزين تيم يمسك مكانها."
سالي شهقت ويسر حطت إيدها على بوقها بصدمة
"إيه؟!"
يونس قال بنفس النبرة الهادية
" وهو رفض"
سالي كانت باصاله بعدم استيعاب
"استنى... يعني إيه يمسك مكانها؟"
يونس فتح عينيه أخيرًا وبصلها
"زي ما سمعتي."
يسر قالت بتوتر
"وده سبب التهديد؟"
يونس هز راسه
"أيوة، بالظبط"
سالي قلبها وقع في رجليها وسألت بخوف
"يعني كل اللي بيحصل ده بسبب إنه رافض؟"
يونس رد
" بالظبط شاطرة"
سكت لحظة وبعدين كمل
"وبيهددوه لو موافقش يأذوا حد فينا."
سالي اتجمدت مكانها أما يسر فبصتله بصدمة حقيقية
"إنت بتتكلم بجد؟"
يونس قال وهو بيتتاوب
" اكيد مش بهزر في موضوع زي ده يعني"
سالي قعدت على أول كرسي قابلها
"يا نهار أبيض..."
يسر بصت ليونس بعدم استيعاب وقالت بسرعة
"طب ما يبلغ البوليس."
يونس فتح عين واحدة وبصلها ثانيتين وبعدين قال بمنتهى الجدية
"طول عمرك ذكية يا حبيبتي."
يسر استغربت لهجته وهو كمل بسخرية واضحة
"يلا نروح نبلغ علشان نموت كلنا يلا... ويخلصوا مننا."
سالي بصتله بضيق
"يونس بطل هزار."
يونس اتعدل في قعدته وقال
"أنا مش بهزر."
سالي قالت بتوتر
"طب والحل إيه يعني؟"
يونس رد ببساطة
"تسمعي كلام تيم."
سالي عقدت حواجبها
"إزاي؟"
يونس رد
"إنتي عندك ابن المفروض تخافي عليه."
سالي رفعت حاجبها بسخرية
"وأنت عندك بنتين."
يونس هز كتفه ببساطة
"حصل."
سكت لحظة قبل ما يكمل بنبرة هادية جدًا
"ولو حصلهم خدش واحد... ههد الدنيا على اللي فيها، بس عندي أخ مش هسيبه لوحده."
يسر بصتله بضيق واضح
"يونس."
بصلها
"نعم."
"إنت بتتكلم كأن الموضوع عادي."
يونس هز كتفه ببساطة
" لانه عادي فعلا، دي اقل حاجة بتحصل في بيتنا، أنا قولتلك زمان يا يسر نبعد، قولتلك إني مش هنفعك، بس إنتي رفضتي... فاكرة؟"
يسر بصتله بوجع وقالت
"كنت فاكرة الموضوع خلص."
يونس ابتسم ابتسامة باهتة
"وطلع مخلصش، هتعملي إيه؟"
يسر رمشت باستغراب
"إيه؟"
يونس قال بهدوء
"دلوقتي بعد ما عرفتي اللي فيها... هتعملي إيه؟"
يسر بصتله وكأن السؤال نفسه مستفز
"إنت بجد بتسأل؟"
يونس رفع كتفه
"آه."
يسر قالت من غير تردد
"أنا مقدرش أعيش من غيرك."
يونس ضحك بخفة
"ليه؟ ما إنتي كل شوية تهدديني إنك تسيبيني، أهو قدامك الفرصة."
سالي رفعت إيديها بسرعة
"بس اهدوا إنتوا الاتنين بقا... ما صدقوا."
يسر لفتلها فورًا
"لاء، هو اللي ما بيصدق فعلا."
يونس زفر بضيق
"يا ساتر، ممكن تسيبوني أتخمد بقا؟"
نام وسحب المخدة وحطها فوق راسه، يسر فضلت باصاله ثواني بغيظ، مسكت المخدة وحدفتها عليها بغيظ وبعد كده خرجت من الاوضة وسالي خرجت وراها وقفلت النور والباب بهدوء، أول ما بقوا برا الأوضة يسر وقفت في الممر وقالت بانفعال
"شوفتي؟"
سالي اتنهدت
"شوفت."
يسر هزت راسها بضيق
"مش مقدر إني خايفة عليه، ومش مقدر إنه بقى أب، هيفضل كده طول عمره."
سالي بصتلها شوية وبعدين قالت بهدوء
"ربنا يستر يا يسر."
سكتت لحظة وهيا سرحانة في كلام يونس وتيم وبعدين همست
"ربنا يستر بجد."
بعد الضهر، كانت سديم قاعدة في الكافيه اللي جنب البيت، قدامها فنجان قهوة بتشرب منه وهيا كل شوية تبص ناحية الباب، كانت مستنياه من بدري، عدى نص ساعة كاملة وريشه لسه مظهرش، حاولت تقنع نفسها إنه أكيد جاي والزحمة آخرته، جربت تكلمه أكتر من مرة وفونه مقفول، حست بضيق وهيا بتحط الفون على الترابيزة، طب ما يمكن مش هييجي، يمكن حصل حاجة، لكن رغم كده قررت تستنى شوية كمان.
عدت دقايق إضافية وهيا بتحاول تشغل نفسها بأي حاجة حواليها لحد ما لمحته داخل بخطوات سريعة، كان لابس جاكيت قديم مفتوح، وماشي بثقة مبالغ فيها، أول ما شافها رفع إيده من بعيد وقال
"يا مساء الفل يا أبلة."
قرب من الترابيزة وسحب الكرسي وقعد بطريقة عشوائية وهو بيعدل الجاكيت، سديم أخيرًا زفرت براحة، على الأقل جه، ريشة قال وهو بياخد نفسه
"معلش اتأخرت عليكي."
سديم بصتله بجدية وقالت بسرعة
"مش مهم، المهم تقول اللي عندك."
ريشه مردش، طلع فونه من جيبه ومدهولها
"شوفي بنفسك."
مسكته سديم باستغراب، وبصت للشاشة وهيا مش فاهمة هو عايزها تشوف إيه، أول ما نزلت عينيها على الفيديو، ملامحها اتغيرت.
كانت شايفة أوضة قديمة، شكلها مهجور، وإضاءة ضعيفة وصفره، كان فيه سرير معدني مربوط عليه بنت، ومشهد خلاها تتجمد مكانها، اتنين حواليها بيخرجوا الأحشاء بدقة بارعة وكأنها عملية مثلا، البنت متصفية في دمها ومحدش مهتم.
سديم فضلت باصة للشاشة وهيا مش مستوعبة اللي قدامها، عقلها كان بيحاول يرفض يصدق، وكل ثانية في الفيديو كانت بتزود إحساسها بالصدمة والخوف، وبمجرد ما ظهر مشهد عنيف بالنسبالها بشكل واضح وحست إن اللي بتشوفه حقيقي بدأ نفسها يضيق، إيديها اترعشت وهيا ماسكة الفون، عينيها زغللت وحست الدنيا بتلف بيها واغم عليها، ريشة اتخض، قام من مكانه مفزوع ولم الكافية كله تقريبا.
بعد لحظات بدأت تفوق بالتدريج، فتحت عينيها ببطء وهي حاسة إن راسها تقيله والدنيا لسه بتلف بيها، أول ما ركزت لقت كذا شخص واقفين حواليها وبيتطمنوا لو كانت كويسة، هزت راسها واتعدلت ببطء وهيا بتحاول تستوعب اللي حصل، الكل مشي بعد ما اتطمنوا أنها بقت كويسة وريشة رجع قعد مكانه وزفر بارتياح وسديم افتكرت الفيديو، شهقت بخفة وبصت لريشة بزهول
"اللي أنا شوفته ده... بجد؟!"
ريشة هز راسه وقال
"للأسف."
سديم حطت ايديها على راسها وقالت
"إزاي... يعني قصدك... ان..."
سكتت وهي بتحاول تلاقي كلمات توصف بيها اللي شافته
"مش قادرة أصدق."
ريشة زفر وقال
"بصي يا أبلة أنا منمتش الأيام اللي فاتت دي عشان أعكشه، يوم ورا يوم لحد ما وصلت للمكان، بس لحد هنا دوري خلص خلاص، أنا هاخد فلوسي ومش هتشوفي وشي تاني."
سديم بصتله بسرعة وقالت
"طب استنى، أحمد فعلًا ليه علاقة باللي شوفته؟"
ريشة رد فورًا
"مليون في المية."
سديم فضلت باصاله كام ثانية وهيا لسه في حالة صدمة وقالت
"والمكان ده فين؟"
ريشة حك دقنه وقال
"مش عارف بصراحة."
سديم عقدت حواجبها وقالت
"يعني إيه مش عارف؟"
ريشة هز كتفه وقال
"وصلتله مرة، ولو سألتييني تاني أروحه إزاي هقولك مش فاكر."
سديم قالت بعدم تصديق
"إزاي يعني؟"
ريشة قال
"المكان بعيد وبيتوه، وأنا أصلًا كنت مركز مع اللي بيحصل أكتر ما كنت مركز في الطريق، صدقيني لو أعرف كنت قولتلك."
سديم حست بالإحباط، كل ده وفي الآخر معندهاش مكان، ولا دليل، ولا أي حاجة تقدر تمسكها على احمد، ريشة مد إيده وقال
"فلوسي يا أبلة."
سديم طلعت الفلوس من شنطتها من غير ما حتى تبصله، اخدها بسرعة وحطها في جيبه، وقف وعدل هدومه وقال
"دلوقتي عن إذنك."
لف ومشى ناحية الباب في لمح البصر، سديم فضلت واقفة مكانها، عينيها ثابتة قدامها وقلبها بيدق بعنف.
A FEW MINUTES LATER
سديم كانت واقفة قدام مبنى شركة تيم، عينيها ثابتة على الواجهة الزجاجية الضخمة وهيا بتفكر، من ساعة ما سابت ريشة وهيا حاسة إنها مش عارفة تتنفس، الصورة اللي شافتها مش راضية تخرج من دماغها، غمضت عينيها للحظة وهيا بتحاول تستوعب اللي حصل، أحمد طلع أخطر بكتير مما كانت متخيلة، لكن السؤال اللي كان بيقتلها فعلًا... تيم.
إيه علاقته بكل ده؟
هو عرف كل المعلومات دي منين؟
وهل ممكن أصلًا يكون بينهم شغل مشترك؟
ولا هو بيحاربه؟
كل الاحتمالات كانت مرعبة، فتحت عينيها أخيرًا وبصت للشركة قدامها واتحركت ناحيتها، أفراد الأمن أول ما شافوها وقف واحد منهم قدامها وقال باحترام
"آسف يا فندم، ممنوع الدخول."
سديم عقدت حواجبها
"ممنوع ايه؟ عايزه اقابل تيم"
الراجل قال برسمية
"تعليمات، بعد اذنك اتفضلي"
سديم بصتله باستغراب
"أنا كنت بدخل الشركة عادي."
الأمن اكتفى بهزة بسيطة من راسه
"دلوقتي مينفعش."
بدأ التوتر يزيد جواها
"طب بلغوا تيم إني هنا."
" اسف ممنوع"
سديم بصتله بعدم تصديق
"يعني إيه؟!"
محدش رد، الاتنين اللي واقفين على البوابة كانوا ثابتين في أماكنهم وبرغم محاولاتها مقدرتش عليهم ابدا لحد ما فقدت صبرها، لفت تمشي وبعدين رجعت تاني بسرعة وجريت على جوا قبل ما يستوعبوا اللي حصل، الأمن جريوا وراها بس هيا لفت كتير في الشركة وهيا بتهرب منهم، الكل كانوا بيبصولها باستغراب بس هيا مكانتش مهتمة غير أنها توصل مكتب تيم، لفت في ممر طويل وبعدين وقفت فجأة وهيا بتاخد نفسها، الأمن ضاع منها مؤقتًا.
لحظات وجالها صوت هادي جدًا من وراها
"أنا متأكد إن دي مش الطريقة المعتادة لزيارة شركة."
سديم اتجمدت مكانها، الصوت ده حافظاه كويس، لفت ببطء ولقت تيم واقف على بعد خطوات منها، إيده في جيبه، وملامحه هادية بشكل مستفز كعادته، سديم بصتله وهيا لسه بتاخد نفسها من الجري، شعرها متبعتر شوية وملامحها كلها توتر، قربت منه بسرعة وقالت
"كان لازم أوصلك، محدش راضي يدخلني."
تيم رد ببرود
"بينفذوا شغلهم."
في اللحظة دي جه اتنين من الأمن بسرعة، ولسه واحد منهم هيمد إيده يمسكها، تيم بصله بصة حادة خلته يقف مكانه فورًا، واحد منهم قال
"يا باشمهندس، زقتنا ودخلت."
تيم رد من غير ما يبصلهم حتى
"اتفضلوا... مطلبتش أسمع اللي حصل."
الاتنين سكتوا ومشيوا فورًا، أما تيم فبصلها ثانية وقال
"تعالي ورايا."
لف ومشى وسديم مشيت وراه من غير ما تتكلم لحد ما وصلت لمكتبه، تيم فتح الباب ودخل وساب الباب مفتوح فدخلت وراه بسرعة، أول ما دخلت قفلت الباب ولفت تبصله، تيم شاورلها تتكلم بهدوء، سديم أخدت نفس طويل وقالت
"أنا مش عايزة أسمع منك غير حاجة واحدة."
تيم كان عارف تقريبًا هيا هتقول إيه فقال بهدوء
"لو هتتكلمي في..."
قاطعته فورًا
"قولي إنك متعرفش إن أحمد شغال في تجارة الأعضاء وانك اول مره تعرف مني المعلومة دي"
سكتت لحظة وعينيها متعلقة بيه
"وقولي إنك مشتغلتش معاه."
خطوة وخطوة كانت بتقرب منه وهيا بتتكلم
"قولي إنك متعرفش وملكش دعوة بيه."
تيم سكت يسمعها وهيا كملت وصوتها بدأ يتهز
"أنا عارفة إنه بيخطف ناس..."
بلعت ريقها بصعوبة
"و... وشوفت... شوفت بنفسي بيحصلهم إيه."
تيم ملامحه فضلت ثابتة، سديم قربت أكتر وقالت بسرعة
"أكيد إنت أول مرة تسمع مني الكلام ده."
كانت بتتكلم كأنها بتحاول تقنع نفسها
"أكيد إنت متعرفش عنه حاجة، مينفعش تقول غير كده."
