رواية النغم الحزين الفصل الثالث والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ماذا لو كان الجرحُ عميقاً، والهجماتُ ترتدُّ من خلفي ومن أمامي؟
ماذا لو صار البابُ الذي أحميهِ بحياتي هو السهمُ الذي يُغرسُ في عظامي؟
أستندُ على جدارِ كبريائي المسفوكِ، وألمحُ الخيانةَ ترتدي ثوبَ سلامي،
يسألونني الثباتَ وأنا العاصفةُ التي تحتـ.ـــرقُ في صمتٍ بين ركامي،
كتمتُ في صدري زئيرَ الوجعِ، وحملتُ وِزْرَ الحبِّ وخيبةَ الأوهامِ،
لكنني سأظلُّ الجبلَ الذي لا ينحني، ولو تآمرتْ ضدّي كوابيسُ أيامي،
فأنا سندُ الدارِ، وإن تكسّرتْ أضلعي، سأصونُ حقي وأحمي كرامتي .
#خاطرة_سند_الناجي
#بقلمي_فاطيما_يوسف✍️✍️
انصدم "سند" من اللي سمعه من بنته، وخرج من البيت زي الاعصار وراح على امه لقاها بتشرب شاي في الجنينة كالمعتاد، ونادي عليها من بعيد بصياح وغضب خلاها تتعجب:
ـ حاجة "رابحة"...
بصت وراها لقت "سند" جاي وعلى وشه غضب شديد، لوت شفايفها بزهق وقالت له بسخرية :
ـ جرى ايه يا بن بطني هو كل يوم والتاني جاي بزعابيبك وموراكش حاجة غير أمك تفط فيها وتطلع زهقك ؟
رد عليها بغضب شديد وهو بيسألها بروح منهكة:
ـ ليه يااما تدخلي بتي في انتقـ.ــامك مني ومن "نغم"؟
داي لساتها عيلة صغيرة مينفعش إطلاقاً تخليها طرف ضد أبوها وتوعيها لحاجات بَعيدة عن سنها؟
ليه مصممة تضيعي برائتها ليه يا أمي ؟
جاوبته ببرود وهي بتعمل نفسها مش عارفة حاجة:
ـ ليه إنت أي مصيبة تُحصُل لك تسببها فيا أني؟ أهو ربنا هيعمل فيك اكده بسبب غضب قلبي عليك، مفهماش هتتحدت عن ايه يا ولدي وضح كلامك عاد أني ست كَبيرة وفهمي على كدي.
هز راسه بقلة حيلة وجاوبها:
ـ طبعاً هتعملي نفسك مواخداش بالك من اللي هقوله، وهطلعيني مجنون وهخرف كيف عادتك وياي.
بصت لقدام بعيد عن عينيه وقالت له:
ـ ولا أنا هخرف ولا إنت هتخرف خلاص الموال انفض وأخوك الصغير طلع أعقل منك واتنازَل وساب لك الفرخة أم كشك بتاعتك، ولا هقول ولا هعيد ومن امبارح مش من النهاردة البت داي مليش عازة بيها ولا ليها طلب حداي، كلبة وغارت تاجي بدالها ألف .
جز "سند" على أسنانه بغضب شديد وهو بيحاول يكظم غيظه بسبب أمه وكلامها وحاول بقدر الإمكان يهدي أعصابه الثايرة:
ـ يا أمي حرام عليكي بقى حراااااااام، أني تعبت منك ومن كلامك الغليظ اللي مهيتحملهوش بشر دي، وعلى كل "نغم" برة الموضوع أني مجايلكيش علشان خاطرها، أني جاي لك علشان بتي اللي وهسألك تاني ليه هتدخليها في حوارات ملهاش فيها إلا ولادي يا حاجة "رابحة"، كلاتهم في كفة وولادي في كفة لواحدهم، ملكيش صالح بيهم من اليوم وطالع، ولا ليكي كلام معاهم ولا حتى سلام، إنتي قطعتي بطريقتك داي كل حبال الود وصلة الرحم الواجبة عليهم ليكي.
وقف "سند" يتنفس بصعوبة وصدره بيعلى وينزل زي طلمبة المية اللي شغالة بأقصى طاقتها، النبض في قلبه كانت ضربات سريعة، وأمه واقفة قباله ماسكة كوباية الشاي وبترشف منها بروقان مستفِز يجنن العاقل،
بصت له بطرف عينها، ونزلت الكوباية على الترابيزة اللي قدامها بغل مكتوم وقالت بنبرة حادة :
ـ قطعت حبال الود؟ بقى إنت يا ابن "الناجي" جاي لحد عندي عشان تقول لي اقطع صلة الرحم مع ولادك؟ نسيت إنت مين وبتتحدت ويا مين؟ أني "رابحة" أمك اللي ربتك وكبرتك وعملت منك راجل يهابوه الناس في كل مكان وزمان،جايب لي دلوك كلام من بتك اللي لساتها عيلة صغيرة، ولساتها طالعة من البيضة، عشان تحاسب بيه أمك..
وكملت بسخرية شديدة:
ـ يا زين شباب البلد، اسم الله عليك يا بن عمري، يحرسك لشبابك يا ابو البنات .
قرب منها "سند" خطوة واحدة، كانت كفيلة تخلي ضله اللي اترسم خياله على الأرض يغطيها بالكامل، وقال بصوت واطي بس يخوف، صوت مكتوم بالحرقة:
ـ أني مانسيتش إنك أمي، ولا عمرها راحت عن بالي.. بس إنتي نسيتي إن ربك فوق الكل! نسيتي إن المظلوم له دعوة ملهاش حجاب! بتي اللي بتقولي عليها شبرين داي، إنتي مليتي عقلها بـالسم ، قلتي لها أبوكي هيسيبك، أبوكي هيطلق أمك وهيرميكي في الشارع عشان عيال "نغم"! إنتي متخيلة إنتي عملتي إيه في بت في تانية ثانوى؟ إنتي غرزتي في قلبها الخوف والكره تجاه أبوها قبل أي حد تاني! دي كلام يتقال لعيال يا حاجة؟ دي مقدار حُبك ليها ولا دي قلة عقل حريم وكسرة قلوب صغار عقولهم لساتها خضار متتزرعش بالكره للي خلفوهم؟
ومن مين منك إنتي يا أما .
ضحكت "رابحة" ضحكة مكسورة مليانة استهزاء، ولفت وشها الناحية التانية وهي بتطوح بإيدها في الهوا:
ـ قلة عقل؟ أني مجنونة يا "سند"؟ ماشي.. خليه جنون! بس اللي حداها الجنون دي هي اللي حمتك وربتك وكبرتك وحمت بيت أبوك من الدار اللي كانت هتتخرب لما تعب وانتو لساتكم صغيرين، إنت طايش، وراكب راسك، وماشي ورا قلبك اللي حطك في الأرض! فاكر إن الحرمة داي جاية تعمر لك؟ داي جاية تاخد تار قديم، جاية تاخد الجمل بما حمل ومش من حقها! لما أوعّي بتك عشان تبص على حقها وحق أخوها وحق أمها اللي انت مهتديهاش حقها ودايب في غرام عيلة متاجيش نص طولك، يُبقى أني بقل بيهم؟ لما أقول لها فوقي لروحك وما تخليش بكرة يسـ.ــرقك، يُبقى أني مجنونة؟
"سند" ضرب جبهته بكفه وهو مش قادر يصدق الجبروت اللي بيسمعه، وصـ.ــرخ فيها بجنون:
ـ حق إيه وورث إيه اللي بتتحدتي عنيه مع العيال في السن دي؟ هو إنتي فاكرة الحياة كلاتها ورث وفلوس؟ كسبان وخسران؟ داي بتي! حتة مني وولاد"سند الناجي" مهيهمش فلوس ولا الكلام الفاضي دي، خليتي بتي تبص لي بنظرة خوف، بقت شايفاني البعبع اللي هياجي في يوم ويرميها برة حياته هي وأمها وأخوها! إنتي بكلامك سحبتِ الأمان من تحت رجليها علشان بس تكسري "نغم" علشان تقول لي "شوف، بتك كمان كشّت منك، بس وحق اللي خلق سبع سماوات يا حاجة، الحركة داي كشفت لي كل حاجة كانت غايبة عني من تلاكي ليا .
وقف قصادها بثبات وكمل بعنفوانية من كتر الضغط العصبي:
ـ إنتي ما أذيتيش "نغم"، ولو عملتي لها حاجة هي كَبيرة وواعية وعارفة طريقها وماشية فيه، وما هتحطش راسها براسك ، إنتي أذيتيني أني! رايدة تكسريني كأب في عيون ولادي! خليتِي "دعاء" تبص لي على إني ظالم لما شكيت فيها بسببك، وخليتي "سما" تخاف على استقرارها معاي كأب أمانها الوحيد! هو دي البِر اللي كنتِ مستنياه مني؟ إنك تهدي البيت فوق راس ولدك وتكرهي عياله فيه؟
ردت عليه "رابحة" وهي بتقوم تقف قصاده، وبقت العين بالعين، وعلى وشها تجاعيد الزمان اللي اتشكلت بالقسوة:
ـ البيوت اللي هتتهد داي، إنت اللي هديتها يوم ما دخلت الشوم والغم دارك! يوم ما فضلت بت الكلب داي على إرادة أمك، بكرة البت داي كيف ما غدرت بجوزها أبو عيالها ومسمتش عليه هتغدر بيك وهتخليك غنيوة تتسلى بيها العيال قبل الكبار يا ابن بطمني.
"سند" قرب وشّه منها، ونبرته بقت زي الحديد البارد:
ـ غنيوة؟ مين اللي خلى العيلة داي غنيوة يا أمي؟ مش الكلام اللي طالع منك لأهل البلد عن بيوتنا وأسرارها؟
إنتي عاوزانا كلاتنا تحت طوعك تأمري وتنهي وترفعي وتذلي ، عرايس خشب تحركيها بخيوطك! تحركي دي ضد دي، وتملي دي غل من دي ، وكانك نسيتي إن ربنا بس اللي ليه قدر وحكمة في عباده، وهو الوحيد اللي بيعز ويذل، خافي ياما بقى من ربنا وادعي له يهدي قلبك ويهدي طوفانك علشان تفضلي في عزك.
مسكت "رابحة" شالها الأسود ولفته على كتفها بقوة، وقالت له بصوت طالع من قاع حلقها:
ـ أني مربياكم عشان تكونوا رجالة تقفوا في وش الريح، مش عشان تيجوا في آخر الزمن ميتقالش عليكم هتتخانقوا على حرمة، لو كانت بتك خافت، فدي لأنها شايفاك متلغبط! شايفاك مش قادر تعدل بين بيتك وبين اللي خدتك من بيتك! أني ما قلت لهاش تكرهك، أني قلت لها خدي بالك من حقك! وإن كان الحق في نظرك غلّ، يبقى أني غلاوية والحمد لله!
رد "سند" وهو بيمسح العرق اللي بينزل من جبينه وعينيه أحمرت من كتر الضغط:
ـ الحكمة مش بالغل يا حاجة! العدل إني أحمي الصغير قبل الكبير، والعدل إني أقول للمخطئ إنت أخطأت حتى لو كانت أمي اللي ولدتني! إنتي فاكرة إني مش فاهم اللعبة؟ فاكرة إني مش عارف إنك استغليتي "دعاء" وقلة حيلتها علشان تقومي "سما" عليّ؟ فاكرة إن كلامك ليها دي هيهزني وهيخليني اطلق "نغم" .
وكمل بتصميم وصوت عالي:
ـ الله في سماه يا أم "سند" ما هيحصُل ، الدار داي طول عمرها حسها عالي بالأصول، والنهاردة الأصول اتدبـ.ــحت على أعتاب ح من الغيظ، وقالت بصوت مبحوح:
ـ بتهدد أمك يا "سند" ؟ بتهددني بفرقتك؟ إنت اتجننت يا "سند"؟ اتعمت عينيك للدرجة داي؟ عشان هبل في نافوخك تشكك في أمك اللي ربتك؟
سند هز راسه بالنفي وهو بيرجع لورا خطوتين، وعينيه مثبتة عليها بكل حسرة:
ـ ما اتعميتش.. أني النهاردة بس فتحت! أني اللي كنت أعمى لما فكرت إن القسوة داي محبة، وإن التحكم اللي من زمان دي خوف علينا! إنتي ما بتحبيش حد يا حاجة.. إنتي بتحبي نفسك وبس! بتحبي تشوفي الكل طايعك ومرمي تحت يدك! بس أني مش هكون الحبل اللي تخنـ.ــقي بيه ولادي، ولادي هيطلعوا أحرار، نفسيتهم سليمة، مش شايلين غل ولا عقد من حد!
وقف لحظة، يتأمل وش أمه اللي اتغيرت ملامحه من الصدمة، وقبل ما تنطق بأي كلمة تاني، كمل كلامه الصادم ليها:
ـ "دعاء" هتفضل في بيتها معززة مكرمة، لأنها مرتي و أم ولادي ومالهاش ذنب في السم اللي بيتسرب لها كل يوم، و"نغم" هتفضل في شقتها بعزها وكرامتها لأنها بردوا مرتي، والعدل اللي ربنا أمر بيه هو اللي هيمشي، ولو فكرتي لحظة واحدة تتداخلي أو تلعبي من تحت لتحت، اعتبري إن "سند" مات من النهاردة، وما عندكيش ولد بالاسم دي عاد!
لفت "رابحة" وشها بغضب وزقت الكوباية اللي كانت على الطقطوقة، وقعت على الأرض واتكسرت لمليون حتة، واختلط الشاي السخن بالتراب، صرخت فيه بصوت يعلوه الطغيان:
ـ غور من قدامي يا "سند"! غور واعرف إن اللي بيعصى أمه ما بيكسبش أبداً! وبكرة تاجي تحت رجلي تبكي وتترجاني أسامحك لما الدنيا تلطش فيك وتعرف قيمة كلامي!
"سند" بص للإزاز المكسور على الأرض، وبعدين بص لعينيها بثبات رهيب وقال:
ـ اللي بيبكي هو اللي بيظلم الصغار وياخد براءتهم يا حاجة، أني ماشي.بس افتكري زين إن اللي هيتكسر عمره ما يرجع زي الأول!
سابها ومشي، خطواته كانت تقيلة بس ثابتة، بيضـ.ــرب الأرض برجله وزي ما يكون بيمسح آثار الماضي كله، وساب "رابحة" واقفة وسط الجنينة صدرها بيغـ.ــلي بالغـ.ــل والحقـ.ــد اللي اتولد من جديد، بعد ما حسّت لأول مرة في حياتها إن سلطتها المطلقة على ابنها الكبير اتكسرت، وإن "سند" مبقاش الرجل اللي بينحني قدام طغيانها.
*******
كانت "رحمة" بتكلمها في التليفون تطمن عليها وعلى أحوالها مع "سند" وهي بتقول لها بثقة مغلفة بالمرح الشديد:
ـ طبعاً بعد ما اتأكدتي إنك بتحبيه ومتقدريش تعيشي من غيره اتصالحتوا وعيشتوا في تبات ونبات وخلاص اهه هتخلفوا صبيان وبنات.
مطت "نغم" شفايفها وجاوبتها بحسرة:
ـ هو أني هشوفه من الاساس يا "رحمة" ولا اتصالحنا ولا يحزنون، مشغول في شغله علطول وأني كمان مسحولة مع "مهرة" في تجهيز فرحها وعزالها اللي صممت يخرج من البلد اهنه لحد مصر، وخلاص حنتها بكرة ومعرفاش أطوله خالص شكل ما يكون هو اللي نفرني وطهق من نكدي وبصراحة عنديه حق .
ردت "رحمة" وهي بتسألها باستنكار:
ـ هو أي حجج وكلام وخلاص ولا ايه، دي جوزك أبو ولدك اللي في بطنك واللي هتعشقيه وهو كمان هيعشقك، معرفاش تطوليه كيف ؟
اتنفست "نغم" بحزن وقالت لها:
ـ أعمل ايه يعني يا "رحمة" مبايجيش البيت غير لما اكون نمت وبصحى ألقاه مشي، هبعت له مهيردش علي غير بكلمة ورد غطاها، وحشني قوي يا "رحمة" وحشني وهموت عليه، بقاله أسبوعين مشفتهوش وبلمحه من بَعيد لبَعيد قلبي بيفضل يرجف جواي وممهملنيش ولا مديني فرصة واحدة أعترف له بغلطي .
لوت "رحمة" شفايفها باستنكار وردت عليها:
ـ يا حزني منك يا شيخة، هو انتي متوكدة إنك أنثى صُح، إنتي هتشـ.ــليني وهتجيبي لي جلـ.ــطة.
لوت "رحمة" شفايفها بقلة حيلة وكملت بنبرة جادة وواثقة:
ـ أنثى إيه بقى يا ست "نغم" والناس نايمين! ده انتِ عاوزة لك كتاب في كيفية استخدام مكر حواء من أول وجديد! بقى لك أسبوعين بتلمحيه من بَعيد لبعيد وقلبك بيلف حوالين نفسه، وقاعدة مستنية الباشا هو اللي ييجي يفتح معاكي الكلام؟ هو انتِ فاكرة الرجالة دول بييجوا بالمثالية والندم السلبي دي؟ الراجل لما بيزعل بيكتم جواه، وبيستنى مننا إشارة واحدة تقلب الموازين، مش قعدة حسرة وندم.
اتنهدت "نغم" بحيرة وردت بصوت خافت:
ـ أعمل إيه بس يا "رحمة"؟ إنتي مفاهماش "سند" وطبعه الصعب، دي كبريائه للسما، ولما بياخد جنب بيُبقى كيف سد الحديد، وخايفة أروح أكلمه يكسفني ولا يصدني من وجعه مني، ساعتها أني اللي مهتحملش.
ضحكت "رحمة" بصوت عالي وقالت لها:
ـ يكسفك؟ يصدك؟ يا حبيبتي الراجل لما بيكون زعلان ومجروح من حبيبته، بيُبقى كيف طفل صغير من جوه، هتعامليها كأنها قلعة حصينة وعاوزة الذكاء اللي يهد أسوارها من غير خوف ولا رجوع لورا، وبعدين بقى مش تروحي له وتقولي له ؛أني غلطانة وسامحني بدموع وندم وكسرة ووجع قلب، الطريقة داي هتخليه يحس بالنصر أو ينفش ريشه أكتر.
سألتها "نغم" باستغراب:
ـ أومال أروح له كيف يا ذكية؟ يعني أطنش وأعمل نفسي مواخدش بالي، ولا أعمل إيه بالظبط؟
ردت "رحمة" بنبرة كلها دهاء وحكمة:
ـ لأ طبعاً! لا تطنيش ولا اندفاع غشيم، المكر يا "نغم"، مكر الأنثى الذكية! إنتِ بتقولي حنة اختك "مهرة" بكرة وبتحضري تجهيزها، دي أحسن فرصة جات لك على طبق من دهب عشان ترجعيه لحضنك وهو مش حاسس إنه اتغلب، بل حاسس إنه هو اللي اختارك ورجع لك بكامل إرادته.
ضمت "نغم" حواجبها وسألتها باهتمام ولهفة:
ـ فرصة كيف يعني؟ فهميني خطوة خطوة، أني عقلي واقف ومقادراش أفكر في حاجة واصل.
قالت "رحمة" وهي بتشرح لها بكل هدوء وتخطيط:
ـ بصي يا ستي.. أول حاجة، انسي خالص موضوع إنك المذنبة اللي قاعدة في الزاوية بتعيط، الراجل هيعشق الأنثى اللي بتشع أنوثة وثقة حتى وهي في أشد لحظات ضعفها، بكرة في الحنة، عوزاكي تتزوقي وتلبسي أحسن ما عندك، بس مش عشان الفرح والناس.. عشان عينيه هو بس! عوزاكي تطلعي كيف القمر في هيئتك، تحطي البرفيوم اللي بيحبه واللون اللي بيخـ.ــطف قلبه، وتتحركي وسط الحريم بثقة وهدوء وابتسامة ساحرة، وكأنك ملكة مش شايلة هم أي حاجة في الدنيا.
سألتها "نغم" بتردد:
ـ طب وهو هيركز وياي كيف وهو مسحول في معازيم الرجال وبره الدار أصلًا؟
ردت "رحمة" بسرعة وثقة:
ـ هيركز يا "نغم" ! الراجل عينيه بتلقط مرته وسط ألف ست، بالذات لما يحس إنها مبهجة وملفتة للكل بس مش مهتمة بحد غيره هو بطرق غير مباشرة، خطوتك التانية بقى، تخليه يشوفك وانتِ مش واخدة بالك إنه شايفك.. لمحة شقاوة، نظرة فيها عتاب دايب في شوق، وتسحبي عينيك فوراً وتنشغلي مع البنات، الحركة داي هتخليه ينشغل بيكي ويقول في نفسه؛ ياريتني ما خاصمتها، ويحس بالندم كمان على بعادك.
ردت "نغم" وهي بتهز رأسها والتفكير بياخدها:
ـ ماشي، النظرات واللبس مقدور عليهم، بس وبعدين؟ ده مش هيدخل الشقة طول ما الناس رايحة جاية، وهيفضل في المندرة ولا الجنينة مع أصحابه وناسه.
ضحكت "رحمة" وقالت:
ـ وهنا ييجي دور الحيلة الشقية، إنتِ بتقولي حنت اختك والمواضيع زحمة؟ اطلبي منه طلب خاص جداً وما ينفعش يعمله غيره هو، طلب يخصك انتِ وولده اللي في بطنك، ابعتي له رسالة بسيطة ودافية، مش كلام عتاب ولا اعتذار، اكتبي له مثلاً؛ "سند" أني محتاجة لك في حاجة معينة ومحدش يقدر يعملها غيرك، مستنياك فوق في الشقة لما تفضى دقيقة واحدة بس.
استغربت "نغم" وسألتها:
ـ طلب إيه ده اللي هبعت أطلبه منه في وسط الهوجة دتي؟ هيحس إنها حجة وبتحايل عليه!
ردت "رحمة" بنبرة علمية وذكية:
ـ خليها حجة مقبولة ومش مكشوفة، قولي له مثلاً إنك حاسة بتعب خفيف أو دوخة محتاجة يسندك فيها، أو إنك عاوزة علاج مهم للبيبي مش عارفة تطوليه من المطبخ،
أو قولي له حاسه إني دايخة ومقدراش أصلب طولي ، الراجل الصعيدي بالذات لما يحس إن مرته محتاجة لقوته وحمايته، كبريائه بيهدى فوراً وبيقوم يجرى من غير ما يفكر.
تنهدت "نغم" وقالت بصوت مليان شوق:
ـ وبعد ما ياجي الشقة ويدخل أول ما هيشوفني هيبص لبعيد ويرجع لجفاه معاي وكلمتين ورد غطاهم ويقول لي خلصيني عاوزة إيه؟
ردت "رحمة" بابتسامة دافية ومكر أنثوي:
ـ أول ما يدخل والباب يتقفل، إياكِ تتكلمي في المشاكل! دي الخطأ القاتل اللي كل الستات بتقع فيه أول ما الراجل يحن ويرجع، إياكِ تقولي ؛ليه زعلان؟ ولا إنت بقالك أسبوعين مطنشني، لأ يا شاطرة أول ما يدخل، بصي له في عينيه بضعف وحب، ما تتكلميش خالص في الأول، قربي منه خطوة واحدة بس، وبصوت واطي ودافي قولي له ؛ أني معاوزاش حاجة من الدنيا دي كلها غير إنك تمسك يدي بس يا "سند" حاسة إني توهت من غيرك ومليش مكان ولا عنوان إلا حضنك.
سكتت "نغم" شوية وكأن الكلام دخل قلبها ورسخ فيه، وقالت بنبرة مرتجفة:
ـ تفتكري الكلام دي هيأثر فيه بعد كل اللي حُصل؟ دي أني حسيت إن كبريائه انجرح مني بجد، وكلمة الطلاق اللي اتنطقت كانت كيف السيف بيناتنا.
ردت "رحمة" بثقة مطلقة:
ـ الراجل يا "نغم" كبريائه بيتجرح لما يحس إن مرته مستغنية عنه أو بتتعدى حدودها معاه، لكن لما يلقاها بتستسلم لحبه بجمال وأنوثة ودلع راقي، كبريائه دي بيتحول لقوة يحميها بيها! الكلمة اللي هتقوليها دي هتكسر كل الأسوار اللي بناها في الأسبوعين اللي فاتوا، هو زعلان عشان حاسس إنك شككتِ في مكانته، فلما تروحي له بكامل رضاكي وتقولي له؛ إنت أماني وأني ضايعة من غيرك، انتِ اكده بترجعي له عرشه اللي اهتز.
سألتها "نغم" بفضول ورغبة في المعرفة أكتر:
ـ كملي يا "رحمة"، افرضي هو حاول يقاوم ومسك نفسه وقال لي؛ دي كلام وخلاص يا "نغم" ومع أول مطب هتقعي فيه مهتحسيش عتقولي ايه.
جاوبتها "رحمة" بسرعة ودقة:
ـ لو قال لك اكده، هتبتسمي ابتسامة دافية وخفيفة، وتمسكي يده وتحطيها على بطنك بالراحة، وتقولي له بنبرة كلها رجاء وشوق؛ القلب دي ما بيعرِفش يكدب عليك يا "سند" وولدك دي حاسس بقلب أبوه البعيد عن أمه، أني غلطت لما سبت الزعل يبعدنا، بس والله العظيم ما في راجل في الدنيا دي كلاتها يملى عيني ولا يسوى ضفرك، أني هحبك ومعايزاش غيرك، وإنت روحي اللي ما أقدرش أعيش من غيرها لحظة واحدة.
قاطعتها "نغم" بنبرة فيها أمل متخلل بخوف:
ـ ولو مسكني من يدي وقال لي ؛إنتِ نسيتي اللي قولتيه والعناد اللي كان فيكي؟ ساعتها هرد أقول إيه عشان ما نرجعش للمناهدة من تاني؟
ردت "رحمة" بحنكة:
ـ ساعتها هتقربي منه وتدلعي عليه وتحايليه بالراحة خالص، وتقولي له كلمات ناعمة؛ الشيطان دخل بيناتنا يا "سند" ، وأني كنت عميا وما شايفاش غير وجعي، بس لما غبت عني الأسبوعين دول عرفت إن الوجع الحقيقي هو بعدك انت، سامحني بقلبك الكبير، وماتحرمش نغم من حضن أمانها عاد،
اللمسة دي مع الصوت الواطي والنظرة الصادقة هتدوب أي قسوة جواه، الراجل ما يقدرش يقاوم الست اللي بتعترف بضعفها قدامه بذكاء وأنوثة مش بضعف وانكسار يضايق.
سكتت "نغم" ثواني وهي بتتخيل المشهد، ونبضات قلبها بدأت تسارع لمجرد الفكرة، وقالت:
ـ تفتكري هقدر أعمل كل دي يا "رحمة"؟ أني بطبعي بتوتر وبفضل أعيط وأقول أي كلام وخلاص، أني محبتش قبل اكده، ولا حتى عشت فترة مراهقة كيف البنات، معرِفش يعني ايه كلام حب، أني خايبة خالص .
قالت لها "رحمة" بلهجة مشجعة وجادة:
ـ لازم تقدرى! الأنثى جواكي لازم تصحى، "سند" راجل قوي وأصيل ودمه حامي، والنوع دي من الرجالة ما بياجيش بالعناد ولا بياجي بالتطنيش والخوف، بياجي بذكاء ومكر حوا، بالنعومة اللي تكـ.ــسر مقاومته، بالدلع اللي يهد الجبال، إنتِ بكرة في الحنة هتبدئي الخطة، نظرة حلوة، اهتمام بنفسك، رسالة دافية في الوقت المناسب، واستقبال ملكي في الشقة.
كملت "رحمة" كلامها وهي بتشدد على نقطة مهمة:
ـ وافتكري أهم حاجة يا "نغم" بعد ما الصلح يحصل وإن شاء الله هيحصل بكرة، إياكِ تفتحي سيرة أمه "رابحة" ولا سيرة "دعاء" ولا مشاكل البيت ولا بته قالت ولا بته عادت! الليلة دي لازم تكون بتاعتكم انتم الاتنين وبس، ليلة استرداد العشق والشوق، انسي كل الدنيا بره باب الأوضة، وخلي حواسك كلها معاه، اقفلوا الباب على كل المشاكل وعيشوا في أمانكم .
سألتها "نغم" بصوت دافي مليان امتنان:
ـ تفتكري الصلح بعد ما نطق يمين الطلاق هيُبقى سهل اكده وهيلين وياي ؟
ردت "رحمة" بيقين:
ـ لما يشوف مرته حبيبته هتستقبله بالحب والجمال والهدوء دي، هينسى كل هموم الدنيا بره! الراجل بيلجأ لحضن مراته عشان يهرب من حرب العالم اللي بره، فلما يلقى عندك الراحة والأنوثة والدلع، هيحس إن حضنك دي هو ملاذه الوحيد، وساعتها هيتمسك بيكي أكتر وأكتر، وهيعرف إنك انتِ باقية عليه ويرضى قلبه وعقله.
تنفسّت "نغم" بعمق، وكأن جبل كان على صدرها واتزاح، وقالت بنبرة جديدة مليانة عزيمة وأمل:
ـ كلامك دخل عقلي وقلبي يا "رحمة".. أني فعلاً كنت غلطانة لما قعدت مستنية ومستسلمة للزعل، بكرة إن شاء الله هعمل كل اللي قلتي عليه، وهسترد "سند" لقلبي وحضني بحبي الصادق له.
ردت "رحمة" بمرحها المعتاد:
ـ أيوه اكده هي دي "نغم" اللي أعرفها! قومي يلا جهزي حالك وفكري في اللبس والزينة اللي هتبهريه بيهم بكرة، وما تنسيش تطمنيني بعد ما الخطة تنجح والمايه ترجع لمجاريها.
وكملت بمرح:
ـ وتشكريني على الدروس المجانية داي يا ست "نغم" هانم.
قفلت "نغم" الخط مع "رحمة"، وعينيها لمعت ببريق جديد مليان أمل وشوق، وقامت فوراً تبص في دولابها وتجهز لحنت اختها "مهرة"، وعقلها بيخطط لكل لمحة ونظرة وكلمة هترجع بيها حبيب عمرها "سند" لحضنها من تاني.
******
وقفت "نغم" قدام باب شقة "دعاء"، اتنفست بعمق وهي بتحاول تهدي ضربات قلبها، وخبطت خبطات خفيفة متزنة، بعد لحظات فتحت "دعاء"، وبصت لها باستغراب،
ابتسمت "نغم" بهدوء وقالت بصوت دافي:
ـ السلام عليكم يا "دعاء" عاملة ايه يارب تكوني بخير؟ أني جاية أعزمك بنفسي على حنة "مهرة" أختي بكرة، وما ينفعش فرحتنا تكمل من غير ما تكوني وسطنا إنتي والولاد.
اتراجعت "دعاء" لورا ووسعت لها الطريق وهي بتقول بنبرة هادية :
ـ وعليكم السلام يا "نغم"، اتفضلي حبيبتي، مرحب بيكي في أي وقت، ومبروك لـ "مهرة"، ربنا يتمم لها على خير.
دخلت "نغم" وقعدت على الكنبة، وبصت حواليها للتفاصيل الهادية في البيت ونظامه كعادتها، ولقت إن هما لوحدهم فاستغلت الفرصة ولفت لـ "دعاء" وقالت بنبرة صادقة:
ـ الله يبارك فيكي يا "دعاء"، بصراحة اكده أني مش جاية بس عشان العزومة، أني جاية عشان نفتح جرح بيناتنا لازمن يتداوى صُح، وما أظنش فيه وقت أنسب من دي.
قعدت "دعاء" قصادها وضمت إيديها بقلة حيلة وقالت:
ـ جرح إيه تاني يا "نغم"؟ هو باقي فينا مكان للجراح؟ البلد كلاتها بقت بتتحدت علينا، والصغير قبل الكبير بقى يحكي ويعيد ويزيد.
قربت "نغم" بجسمها شوية وقالت بصوت مليان حنية واهتمام:
ـ أني جاية أتحدت وياكِ في موضوع يخص"سما".. يعني بخصوص الكلام اللي قالته لـأبوها عني وعن وجودي في الدار أني عاوزة أسألك بجد ومن قلبي يا "دعاء".. إنتي مضايقة من وجودي في حياة "سند"؟ خايفة مني بجد؟
اتنهدت "دعاء" بحسرة وبصت للأرض وهي بتهز رأسها:
ـ أني مخايفاش منك إنتي يا "نغم"، أني خايفة من الدنيا ومن كلام الناس اللي ما هيرحمنيش.
كملت "نغم" بثبات ونبرة صادقة تلمس القلب:
ـ اطمني يا "دعاء" وحق اللي خلقني وخلقك، المخاوف اللي زرعوها في عقل "سما" دي مالهاش أي وجود، أني لا يمكن في يوم آخد "سند" منك ولا من عياله، ولا عندي طبع الغدر واصل، أني دخلت داره دي بالحلال، وعارفة الاصول زين، ووجودي مش هينقص منك ولا من قدرك ولا عمري هفكر أخرب عليكي ولا أطمع فيه لوحدي كيف ما "سما" قالت.ج
بصت لها "دعاء" وعينيها دمعت بالحرقة اللي كاتماها جواها من أيام، وقالت بصوت مكسور:
ـ إنتي مش فاهمة النار اللي أني عايشة فيها يا "نغم".. الناس ما بترحمش! أُمي ومرات أخوي وكلام الحريم في البلد كلاتها، وكل اللي على لسانهم حاجة واحدة؛ كيف قبلتي بضرّة؟ كيف ساكتة وراضية؟ بكرة هيرميكي إنتي وعيالك ويجري ورا الجديدة الحلوة الصغيرة، الكلام دي كان هيدخل قلبي كيف النار هيولـ.ــعه، جرحوني في كبريائي وفي كرامتي، وما كنتش متوقعة أبداً إن الناس تحطني في دماغها وتتكلم عني بالشكل القاسي دي!
مسحت "دعاء" دمعة نزلت على خدها وكملت بصوت يرتجف:
ـ أني بالنسبة لي الموضوع كان عادي وبقول دي نصيب وقدر، بس لما لقيتهم بيضغطوا عليّ، خفت.. خفت قوي على مشاعر بتي "سما" لما تسمع كلام الناس دي وتصدقه! ما كنتش عاوزة بتي تحس إن أبوها هيروح منها ولا إن بيتنا بيهتز!
"نغم" بصت لها بأسى وقالت بصوت خافت:
ـ و"سما" سمعت الكلام دي من مين يا "دعاء"؟ مين اللي غرس الفكرة دي في رأس عيلة صغيرة وخلاها تتكلم ووعت لحاجات الكبار داي؟
غمت "دعاء" عينها بألم واعترفت بنبرة مليانة حزن وندم:
ـ أمي "رابحة".. هي اللي قعدت مع "سما" وقالت لها الكلام دي، وقالت لها دافعي عن أمك وأبوكي وما تسيبيهاس تاخده منكم، أني حزينة يا "نغم".. حزينة للوضع اللي وصلنا له دي، ما كنتش متخيلة إن أمورنا تتفضح بره وبيوتنا وحياتنا يبقوا لبانة في ألسنة الخلق، ولا كنت أتصور إن المجتمع والناس هيدخلوا في أدق تفاصيل حياتنا بالبشاعة دي ويقلبوا الكبار والصغار على بعض!
سكتت "نغم" لحظة تتأمل ملامح "دعاء" المجهدة، وبعدين سألتها سؤال مباشر بصوت هادي ومجرد من أي نبرة هجوم:
ـ يعني إنتي يا "دعاء".. عاوزاني أطلق من "سند" وأسيب الدار دي خالص عشان ترتاحي؟
رفعت "دعاء" رأسها بسرعة وبصت لـ "نغم" بنفي قاطع وشديد، وقالت بنبرة صادقة طالعة من القلب:
ـ لأ يا "نغم"! لأ والله العظيم! أني اتغيرت يا "نغم".. الزمان والدنيا علموني، وأني ما أرضى لكِ أبداً الضرر ولا الذل ولا المهانة اللي دقتيهم قبل كده! أني مش قاسية للدرجة دي، بالذات دلوك وإنتي شايلة في بطنك ابن "سند".. الولد دي هيُبقي أخو ولادي، حتة منهم ومن دمهم، وأكيد لما يتولد هيتعلقوا بيه وهيحبوه وهيبقى عيلتنا كبرت بوجوده.
ودارت بعيونها بعيد عنها وهي بتكمل بصدق لكن مؤلم ليها ولمشاعرها الفاترة اللي غصب عنها ومش بإرادتها:
ـ وكمان "سند" هيحبك وتعب وياي قوي واتحرم كَتير واتحمَل مني اللي مفيش راجل يتحمله يوم واحد فما بالك سنين شبابه وعزه.
دمعت عين "نغم" من كلام "دعاء" النبيل، ولفت إيدها وحطتها على إيد "دعاء" ودعمتها بدفء،
كملت "دعاء" برجاء ونبرة استعطاف:
ـ بس أني ليّ عندك طلب واحد يا "نغم" طلب أم خايفة على بتها، تقربي من "سما" أقعدي وياها وتحدتي معاها كصاحبة، حسسيها إنك مش ضدها، وإنك مش جاية تاخدي أبوها منها، "سما" عيلة وطيبة بس عقلها اتلحس من كلام ستها ، صاحبيها يا "نغم" لما تلاقيكي حنينة عليها وقريبة منها، كل الخوف اللي جواها هيدوب وما حدش هيقدر يضحك عليها تاني.
ابتسمت "نغم" ابتسامة واسعة دافية وهي بتضغط على إيد "دعاء" بصدق وقالت:
ـ من غير ما تطلبي يا "دعاء".. "سما" داي كيف بتي، وعمري ما زعلت منها هي يعتبر عيلة صغيرة اتلعب بعقلها، أوعدك إن أني وهيا هنُبقى أصحاب، وهفهمها إن أبُوها هيحتوينا كلاتنا بحبه لينا كلنا، وإن وجودي اهنه مهيقللش من حبه ليها ،هو أمان ليها وليكِ قبل ما يكون ليّ.
اتنفست "دعاء" براحة كبيرة وكأن هم تقيل انزاح عن صدرها، وقالت بامتنان:
ـ تسلمي يا "نغم" الله يريح قلبك زي ما ريحتيني ورفعتِ عني الحمل دي
قامت "نغم" وقفت وقالت وهي بتعدل شالها بابتسامة المودة:
ـ يُبقى اتفقنا.. هستناكي بكرة إنتي و"سما" في الحنة، عاوزين نفرح ونفرح "مهرة"، وننسى أي حاجة كدرت خاطرنا.
ردت "دعاء" بابتسامة حقيقية لأول مرة من فترة:
ـ إن شاء الله يا "نغم" هنكون أول الحاضرين، وربنا يقدم اللي فيه الخير لينا كلاتنا يارب.
*******
الدنيا حواليهم كانت زحمة والكل فرحان، بس هما الاتنين كانوا في حتة تانية خالص، كأن المكان ملوش وجود وغيرهم مش موجودين. إيد "يونس" اتمدت ودخلت بين كفوف
"مهرة" ، قفل عليها بقوة وحنية في نفس الوقت، كأنه بيطمن قلبها ويقول لها ؛ خلاص بقيتي في أماني، كانوا ماشيين بخطوات هادية وبطيئة، عيونهم مش بتفارق بعض، نظرة "يونس" ليها كان فيها لمعة لهفة وشوق وسنين انتظار، و"مهرة" كانت بتبص له بفرحة صافية وضحكة رقيقة طالعة من وسط كسوفها اللي زادها جمال ودلال يخـ.ــطف العين،
الناس حواليهم مكنتش مبطلة تصقيف، الفرحة كانت باينة في عيون الكل والكل بيبارك ويبتسم من قلبه للعرس الجميل ده، "يونس" لف وشه وبص لـ"مهرة" بابتسامة واثقة وراحة بال ملقاهاش من زمان، وعيونهم اتكلمت كلام كتير أوي من غير ولا كلمة، النظرة دي لوحدها كانت كفيلة تمحي أي وجع عاشته "مهرة" في أيامها اللي فاتت، وكأنها بتقول لها إن كل التعب والمرارة اللي شافتهم كانوا مجرد طريق علشان تقف في الآخر الإيد في الإيد مع حب عمرها،
وفجأة، وفي وسط اللمة والفرحة دي كلها، "يونس" رجع خطوة لورا، ونزل على ركبة ونص قدامها بكل هيبة وشهامة، "مهرة" برقت بعيونها من الصدمة، ومقدرتش تخبي دهشتها الصافية، الضحكة اترسمت على وشها وفرحة قلبها كانت واضحة لدرجة إنها مش قادرة تصدق اللي بيحصل، "يونس" طلع علبة حمرا صغيرة من جيبه، وفتحها براحة علشان يظهر خاتم بيلمع زي النجوم تحت الإضاءة، تلاقت عيونهم تاني؛ هو بيبص لها برقة وعشق ملوش آخر، وهي عيونها لمعت بدموع الفرحة اللي حبساها بالعافية، في مشهد يعلن انتصار حبهم على كل الظروف الصعبة،
"مهرة" مأخرتش الرد؛ مدت إيدها اللي كانت بترتعش من كتر الفرحة، و"يونس" بكل حنان لبّسها الخاتم في صباعها، وكتبوا بـ اللحظة دي بداية حياتهم سوا. يونس وقف على حيله والضحكة منورة وشه، والحريم حواليهم وأخواتها انطلقوا بالزغاريد اللي هزت المكان كله ترحيباً بحنة "مهرة" والفرحة الكبيرة.
قرب "يونس" منها أكتر، وحاوط وشها بين كفوفه بحنية وبطء، وطبع قبلة دافئة وطويلة على جبينها، قبلة كان فيها كل معاني الاحترام والتقدير والعهد الصادق إنه يصونها لآخر العمر، سندوا جباهم على بعض لثواني، بيتنفسوا الفرحة مع بعض وفي وسط دقات قلبهم السريعة، لف دراعه حوالين وسطها وضمها لصدره وبدأوا يتمايلوا مع بعض بنعومة وسلاسة وسط صياح وفرحة الناس، "مهرة" دفنت راسها في رقبته وهي حاسة بأمان مدقتهوش قبل كدا، وهو كان متبت فيها ومطوقها بدراعاته كأنه خايف الفرحة دي تهرب منه:
ـ كلها بس النهاردة، ليلة واحدة بس وأمتلك فتاة القمر، ياه يا "مهرة" حاسس إن دي أطول ليلة في حياتي.
كانت بتتحرك بين ايديه زي الفراشه وهم بيرقصوا رقصتهم العشوائية والستات واقفين حواليهم بالحنة بيرقصوا وفرحانين وياهم برقصه العريس وعروسته، وشدها ناحيته وهم بيرقصوا وردت عليه بمرح:
ـ بلاش كلامك عن ليلتنا داي دلوك استمتع بأجواء الحنه يا حضره الرائد .
مسكها من إيدها وبقى يلففها زي الفراشة حوالين نفسها والفستان بتاعها بقى بيدور معاها في مشهد كله سعادة ولأن جسمها خفيف كان شكلها جميل جداً وهي بتلف بدوران سريع وقال لها وهو بيشدها ناحية صدره بسرعة وخفة:
ـ أنا أتكلم اللي أنا عايزه في الوقت اللي أنا عايزه وأغازل براحتي، خلاص يا ماما محدش هيقول لي بعد كده قول إيه وما تقولش إيه واعمل إيه وما تعملش إيه، وانتِ بعد كده مطالبة تسمعي كلام جوزك وتنفذي له كل اللي هو عايزه يا "مهرتي".
احتضنت كفوفهم وهما بيرقصوا قصاد بعض وقالت له بمشاغبة:
ـ خلي بالك اني مش من النوع اللي هتفضل تؤمرني عمال على بطال وهسمع كلامك، أني مشاغبة جداً وعندية جداً واللي على مزاجي هو اللي هعمله يا ابن النعمان، اوعاك تفكِر إنك هتغصـ.ـــبني على حاجة علشان نرجسيتك داي.
رفع حاجبه لكلامها وقربها ناحيته وهمس لها في ودانها:
ـ متهيأ لك يا "مهرتي" إنك مش هتسمعي كلامي صدقيني أنا عندي ثقة في نفسي قوي قوي إنك هتبقي زي الخاتم في صباعي فبلاش جو الشبحنة بتاعك ده علشان ما فيش حاجة بتقف قصاد ابن النعمان.
ابتسمت لكلامه وثقته في نفسه وقالت له:
ـ هنشوف يا حضرة الرائد مين فينا اللي هيخلي التاني يلين أسرع ومين فينا اللي هيكون نفسه أطول؛ بس خليك فاكر إن "مهرة" عمرها ما خسرت أي معركة دخلتها ودايماً بجيب أعلى الدرجات.
كان لسه هيرد عليها الند بالند لكن خلصت الأغنية اللي بتخليهم يرقصوا مع بعض وطبعاً دي الفقرة الوحيدة اللي العريس والعروسة في الحنة بيجتمعوا مع بعض فيها لأنه بيلبسها بقية شبكتها ويبارك لها وبيرقصوا رقصتهم وبعد كده "سند" أخده وراحوا مكان الرجالة و"مهرة" رقصت في وسط الستات بطريقتهم الممتعة جداً والمختلفة، أما عند الرجالة رقصهم مع بعض بيبقى بالعصا والتحطيب وللمرة التانية "يونس" و"سند" بيحطبوا قصاد بعض بشكل مبهر خطـ.ــف الأنظار وكأن كل واحد فيهم عايز يثبت للتاني إنه الأقوى وخصوصاً "يونس" لأنه شايل في قلبه من ناحية "سند" علشان كان واقف له على الواحدة مع "مهرة"، لكن اتقلب التحدي لحماس والإتنين بعد ما خلصوا تحطيبهم حضنوا بعض وجت فترة الخيل والإتنين ركبوا على الحصان وبقت الأحصنة تلف وتدور حوالين بعضها بسعادة في مشهد يدخل السرور على القلب من جماله،
أما عند "مهرة" كانوا قاعدين يرسموا لها الحنة على إيديها ودراعها ورقبتها وكان شكلها يخطـ.ــف الأنظار من جماله وخصوصاً بعد ما رسمت الحنة،
والبنت وهي بترسم لها ضحكت معاها وهي بتناغشها:
ـ إيه رأيك أرسم لك حنة على صدرك من فوق هخلي لك العريس يتجنن من جمالها يا دَكتورة؟
ضـ.ــربتها "مهرة" على إيديها وهي بتقول لها:
ـ بنت عيب إيه الكلام اللي هتقوليه دي.
وكملت وهي بتمط شفايفها لقدام بتفكير خلى كل اللي حواليهم يضحكوا جداً:
ـ ارسمي لي طبعاً اني عايزة أطلع كيف القمر ليلة تمامه.
حضنتها "نغم" و"شيماء" وهم بيقولوا لها بسعادة:
ـ والله انتِ أصلاً كيف القمر من غير أي حاجة يا "مهرة" كفاية بس إنه هياخد زينة بنات قنا كلاتها جمال وعلام وقوة وهتبقي أم لولاده ما فيش منك في الدنيا والله.
ورجعت البنت ترسم لها الحنة ببراعة وكل اللي واقفين حواليها عمالين يرقصوا ويغنوا والأجواء كانت جميلة،
وفي وسط الأجواء دي كان "سند" عينه على "نغم" ما بتتشالش وعلى جمالها، كانت لابسة فستان أوف وايت وعليه حجاب بنفس اللون وعاملة ميكاب خفيف، كان قلبه بيرجف من جواه وهي واقفة بجمالها ونظراتها اللي بتبعتها له كل شوية، كان هيتجنن ويروح يغازلها على جمالها لكن كبرياؤه منعه، وبعد شوية الحنة خلصت ودخلت "مهرة" أوضتها تغير الفستان وتلبس دريس شيك وتفرد شعرها، ودخل لها "يونس" وهو ملهوف علشانها وأخيراً انفرد بيها وهو بيقرب منها كعادته وشقاوته:
ـ كنتِ بتقولي إنهم هيرسموا لك حنة أنا عايز أشوف شغلهم بنفسي وأتأكد من ذوقهم ومن جودتهم،وشوف عندكم في الصعيد ذوقهم حلو ولا لا، يلا اقلعي الحجاب ده أنا أصلاً جوزك وفرحنا بكرة وما أعرفش انتِ لابساه ليه إيه الرخامة بتاعتك دي!
اتوترت من طريقته ونظراته ولمساته وكلامه وحركت راسها برفض وهي بتلف الحجاب على راسها بإحكام لأنها عارفاه كويس:
ـ لااااه بعد عني يا "يونس" انت ما تضمنش واني ما عايزاكش تشوف حاجة إلا بكرة بعد الفرح ما يُخلص.
رد عليها بتصميم وهو بيحط إيده على راسها خلاها حطت إيديها على إيده في ثانية فرفع حاجبه بتحدي لحركتها وفي لمح البصر كانت إيده ماسكة إيديها وبإيديه التانية شد الحجاب من على راسها وشاف رسمة الحنة اللي على رقبتها وهو مذهول وأطلق صفير بإعجاب شديد:
ـ أووووو، واو، بقى انتِ مخبية الحاجات الحلوة دي كلها عني يا ترى إيه بقى اللي متخبي تحت الفستان المقفول ده تاني يا ست "مهرة"؟ أنا متأكد ما خفي كان أعظم، وأنا أحب وأقدر كل ماهو عظيم ، يالا بقى أبهريني.
"مهرة" ضـ.ــربته على إيده وهي بتحاول تبعده عنها:
ـ انت رخم على فكرة ابعد بقى يا "يونس" وكفاية بقى اللي انت شفته، والله هخرج وهسيبك ومش هقعد معاك، أنت بجد بتكسفني قوي بكلامك ونظراتك الوقحة بجد.
غمز لها بعيونه وهو محاصرها بين صدره والحيطة:
ـ طب إن ما كانش "يونس" الهلالي يبقى وقح مع مراته في ليلة حنتهم يبقى مين اللي يعملها، دي حتى تبقى عيب في حقي وخوفك ده بقى تنسيه خلاص يا حبيبتي فرحنا بكرة.
دفعته بإيديها على صدره وردت عليه بدلال:
ـ طب لما ياجي بكرة بقى إن شاء الله، يلا بقى روح وسيبني أنام علشان يومي طويل بكرة قوي والمفروض إن اني أستريح، يا إما هتلاقيني مفرهدة منك آخر اليوم وبعد ما نخلص الفرح هنام على طول.
برق عينيه بصدمة وهو بيرد عليها:
ـ تنامي مين يا ماما ده أنا أرتكب لك جريمـ.ـــة، أنا ماشي روحي نامي علشان تستريحي يا ست "مهرة" والله انتِ وش فقر كنت هدلعك شوية.
وخطـ.ــف منها بوسة سريعة وسابها ومشي وهي بتحضن كفوف إيديها اللي متشبعة بريحته وبتحلم بفرحها عليه بكرة ليلة عمرها على حب عمرها إنها تتم على خير.
و"نغم" على طول روحت علشان تنفذ خطتها مع "رحمة"، وطلعت تليفونها وبعتت رسالة لـ"سند" وهي ناوية إن الليلة ما تعديش من غير ما يكونوا متصالحين، كان "سند" واقف بيودع الناس سمع صوت رسالة جت له على موبايله فبيفتحها لقاها "نغم" باعتة له:
ـ أني تعبانة قوي وحاسة إني هولد ومقدراش وحاسة إني دايخة، وروحت على البيت الحقني يا "سند" حاسة إني هقع من طولي.
"سند" قرا الرسالة بعيون ملهوفة والقلق صابه بشدة واستأذن من الموجودين وراح علشان يشوف "نغم" وتعبها بأقدام مسرعة،
وصل في أقل من خمس دقايق وطلع جري على شقتها وأول ما فتح الباب لقاها نايمة على الكنبة وساندة راسها عليها، هيئتها والبجامة اللي هي لابساه كانت مخلياها زي القمر، حاطة إيد على بطنها والتانية على جبينها فقرب منها وهو بيسألها بلهفة وبيحسس على جبينها وكأنها لسه مراته وعلى ذمته:
ـ مالك يا "نغم" قلقتيني.
فتحت عيونها وسهمت جوة عيونه ربكته وخلته بيبلع أنفاسه بصعوبة وهو بيقرب منها وأنفاسه الساخنة اختلطت بأنفاسها، وريحتها اللي وحشته اتوغلت جوه صدره، حاول ينظم أنفاسه ويخرج من حالة التوهة اللي هو فيها لكن مقدرش وخصوصاً لما سمع صوتها المبحوح بتهمس له بنعومة دوبته...
