رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الخامس والثلاثون
"ماذا يعني ان يعود الميت من الموت! أن ينتهي كل وجعنا على غيابه, وتخمد نيرانه فراقه, ويضمه حضننا, وتراه أعيننا, ويشعر بهِ جسدك! ذلك الذي تمنيت لو تستطيع ضمه ولو لحظة ثم يعود لموته.. فقط لحظة, والآن تهبك الحياة لحظات وايام طويلة لضمه! أي عقل يصدق؟ وكيف هو حال القلب الذي ينتفض فرحًا وجبرًا, يا له من شعور لا يُصدق لكنه.. أمنيت جميع من فقدوا أعزاء قلوبهم"
لن يترك فرصة لمختار للانتصار بأي شكل كان دومًا سيسبقه بخطوة, وهو يعلم أن خطوة مختار التالية هي جده..
لذا اجتمع بهِ بعد الإفطار وهو يخبره:
-انا وصلت للحقيقة يا جدي.
طالعه "المنشاوي" بلهفة مستعرة وهو يسأله:
-حقيقة إيه؟
-حقيقة ابويا, إن كان عايش ولا ميت.
تسارعت دقات قلب الأخير بخفقان لم يحدث سوى حين علم بخبر وفاة عزيز قلبه, وجحظت عينيهِ بترقب ولم يستطع أن يحثه على الحديث بكلمة, ليكمل "شاهين" وهو يمسك كفه يدعمه:
-جاهز تقابل ابنك يا جدي؟ جاهز تحضنه وتكسر عضمه في حضنك؟
ارتعش جسده وهو يسمع كلماته, ولوهلة توقف عقله عن الاستيعاب ليردد بارتجاف:
-ب...بتقول اييه؟ ... يعني ايه؟
أجابه "شاهين" بابتسامة واثقة:
-يعني ابويا عايش فعلاً... عمران المنشاوي لسه عايش يا جدي.
انفجرت دموعه التي ملأت مقلتيهِ فجأة وهو يهدر بانفعال:
-بتقول ايه يا شاهين؟ عايش! عايش ازاي؟ انتَ... انتَ.. متأكد!
-لو مش متأكد عمري ما هعشمك في حاجه زي دي, انا قابلته, واتكلمت معاه, واقدر اجبهولك حالاً لو..
قاطعه يومأ برأسه بقوة:
-اييوه... ايوه هاته, هاته يا بني... او اقولك, نروحله احنا, يلا..
ونهض بالفعل رغم تأرجح جسده من هول مشاعره, ليهدئه "شاهين":
-اهدى بس يا جدي انا هكلمه وهو هييجي على طول.
وبالفعل استل هاتفه من جيبه يطلب رقمه, وما إن أجاب حتى قال دون مقدمات:
-جدي عايز يشوفك دلوقتي... في فيلتي.
وأغلق المكالمة فورًا, دون ان ينتظر رد, والأخير يقف أمامه مذهولاً, مأخوذًا بِمَ عرفه, ومازال لا يستوعب!!
------------------
منذُ أخبره "شاهين" بالقدوم لرؤية والده وهو لا يتمالك أعصابه, لم يتوقع أن يصدق شاهين في وعده له بتهيئة الأمر لوالده بهذه السرعة, لكنه صدق, والآن أتت المواجهة التي أجلها لسنوات, وصل أمام فيلة شاهين ليزفر أنفاسه بتوتر وهو ينظر لباب الفيلا المغلق باضطراب لم يشعر بهِ منذ كثير, زفر أنفاسه على مهل وهو يقرر أخذ الخطوة, وفور وصوله للباب كان يُفتح بواسطة الخادمة وكأنها كانت في انتظاره, دلف للداخل حتى وصل لمكان تواجدهما بالطابق السفلي, وقف على باب الغرفة المفتوح ليكن شاهين في مواجهته, بينما المنشاوي يجلس على الكرسي الذي يقف شاهين جواره وظهره للباب, لكنه شعر.. شعر بوجود نفس ثالث معهم, نفس مضطرب كأنفاسه!
نهض ينظر ل "شاهين" الذي اومأ برأسه يؤكد وجود الأخير, والتفت ببطء ليراه, فارتد خطوة للخلف مصدومًا, انه يشبه ولده لكن ليس كثيرًا! مختلف! ملامحه متغيرة ليست لعوامل الزمن بل هناك شيء غير مفهوم! لكن قلبه.. قلبه عرفه! لكن وسواس عقله من الملامح التي أمامه جعلته يقول لشاهين:
-مين ده! هو... هو شبهه بس.. بس متغير, متغير اوي!
وصمت منتظرًا الرد, فعلق "شاهين":
-في حاجات كتير يا جدي اتغيرت, أتكلم معاه وانتَ هتفهم.
-أتكلم معاه!
سأله مستغربًا ثم هتف بتشكيك:
-وانا ايه اللي ضمني انه ابني! اكذا شكله متغير, ما يمكن يكون بيكدب يا شاهين.
وهنا خرج "عمران" عن صمته وهو يقول بنبرة مختنقة بمشاعره:
-اسأل قلبك يا بابا, طول عمره كان بيحس بوجودي قبل عينك ما تشوفني.
تأوه بوجع وهو يرتد خطوة أخرى وحفيده يسانده, لقد صدق, عرفه قلبه ولم يشكك في هويته, اجلسه "شاهين" وسأله بخوف عليهِ:
-جدي انتَ كويس؟
اومأ له برأسه بلا, لا يشعر انه بخير ابدًا, كيف سيكون بخير!
اقترب "عمران" منه وهو يقول بحذر يشعر انه لا يحق له الحديث, ولا أخذ خطوة واحده ناحيته, فوقف على بُعد ينظر له بأعين دامعة يتردد في خطواته, حتى سمع نبرة "المنشاوي" التي احرقته:
-ليه؟ عملتك ايه عشان تأذيني وتوجعني كده؟ ده انا عيشت عمري كله بحبك وبديك كل حاجه, ازاي تعمل فيا انا كده؟ وابنك ده.. ذنبه ايه يعيش عمره كله محروم من ابوه, يعيش يتيم وابوه عايش, بدل ما تصلب ضهري في شيبتي وتقوي ضهر ابنك حنيتهم!...
نظر له الآن وهو يكمل بدموع تساقطت على وجنتيهِ:
-حنيت ضهري يا عمران، هونت عليك؟ كانت سهلة عليك كسرة ابوك!
ظهر التأثر جليًا على "عمران" الذي أحمرت عيناه بوجع ورد بضعف زين نبرته:
-عمرها ما كانت سهلة، بس انتَ اللي اضطرتني لده، كنت عاوز تخلص مني! قولت لمختار يلاقيني ويسلمني لحبل المشنقة عشان ده جزائي، كنت عاوز اعرفك ازاي اني عايش! موقفتش في ضهري يا بابا عشان اجري عليك واعرفك سري، لو كان موتى حنى ضهرك، فتخليك عني وقسوتك عليا كسره نصين"
جحظت عيني "المنشاوي" في صدمة وهتف:
-انتَ بتخرف بتقول ايه؟ انا طلبت من مختار يسلمك للشرطة؟
اومأ برأسه يبتسم بوجع صارخ:
-ايوه, هو قالي ده اول ما كلمته وعرفته اني عايش, بعد الحادثة بيوم, وقالي الاحسن ابوك ميعرفش انك عايش عشان هيجبرني اسلمك تاني.
صدمه فيما أخبره بهِ, لكنه مؤخرًا لن يتفاجأ كثيرًا بما يفعله مختار, فلقد ظهرت صفاته السيئة التي لم يتوقعها في ولده يومًا, لكن ما زاد صدمته هو تصديق عمران له, لذا سأله بعتاب كمن نظراته:
-وصدقته؟ صدقت ان ابوك يقول كده؟
أجابه "عمران" بحيرة من رده, كيف يعاتبه على التصديق أولم يحدث؟
-طول عمرك كنت بتكره الغلط, وانا عارف اني غلط واوي كمان, عشان كده صدقت.. قولت يمكن من صدمتك فيا وغضبك عليا, وكمان ده مختار اللي بيقولي كده, هيكدب ليه؟
زفر "شاهين" بضيق من ثقتهم المبالغة في "مختار" ورد:
-هو انتوا ليه محسسني انكم بتتكلموا عن ملاك! ده عمي مختار! اللي زور حقيقة سيف وكان عارف اللي بنته بتعمله وسايبها وبلاوي كتير, طبيعي يعمل انيل من كده! وكل هدفه كان واضح انه يوقع بينك وبين جدي, وطبعًا يفضي الجو له لان وجودك خانقه, فشاف ان احسن يخليك ميت.
عقب "المنشاوي" بقهرة رجل حقيقية:
-يا حسرتي في ولادي الاتنين, واحد عاش عمره كله بالكدب والخداع وعاش يدمر ميعمرش, والتاني حرق قلبي سنين ومهموش غير نفسه, شكلي تربيتي كانت فاسدة يا شاهين.
بالكاد تجاوز "عمران" صدمته في أخيه, رغم معرفته بكل مساوئ مختار لكن لم يتوقع أن يخدعه فيما يخص والده, كل ما مرَّ بهِ للآن من بُعد وفراق بينه وبين ابيه سببهم مختار, سببهم شخص حقود مليء بالسواد الذي حاول اخفاءه, اقترب الخطوة الفاصلة وانحنى على ركبتيهِ أمام والده:
-معزتش عليا نفسي, بس في حاجات انتَ مش فاهمها, وكمان صدمتي في تخليك عني وجعتني, صدقني لولا كلام مختار ليا انا كنت بلغتك اني عايش, بس هو اللي بنى بينا حاجز مقدرتش اتخطاه, انا كنت عارف لو رجعت السجن مصيري هيكون ايه.
هز "المنشاوي" رأسه بضعف:
-وانا عمري ما كنت هرجعك السجن, رغم انك تستاهل, بس... بس انتَ ابني في النهاية, مقدرش ارميك للموت بنفسي.
تدخل "شاهين" محاولاً تخفيف حدة الموقف, وقال لجده بمرح:
-طب ايه؟ مش قولت هتحضنه لحد ما تكسر عضمه, مشوفتش حاجه يعني!
نظر "عمران" لأبيه وطالت نظراتهم لبعض, النظرات تشكو بما لم ينطق بهِ اللسان, وتتحدث بما حُرم الحديث بهِ, رُبما ملامحه تغيرت كثيرًا لكن عيناه هي, علم الآن المنشاوي حين طال النظر بهما, هي نفسها عيني ابنه, تلك التي كان يرى فيها سعادته, الآن يرى فيها انكساره وحزنه, ولكن خلف سحابتهم تكمن سعادة تعود بعودة الغائب, و "عمران" كان ينتظر العناق, يخشى ان يبادر هو فيُرفض, لكنه يتوق له على أي حال, سيعيده لبعض المشاعر المدفونة بداخله, سيشعره بأمان مفقود لن يشعر بهِ سوى بين أحضان والده حتى وإن اصبح جد كما هو الآن!
و"المنشاوي" أخيرًا حقق له أمنيته وهو يفتح ذراعيهِ يقول ببكاء:
-عقلي بيقولي اضربك مية قلم على وشك واطردك بره, وقلبي بيقولي احضنك وكفاية وجع خليني أعيش اللي بقايلي مرتاح.
رمى "عمران" نفسه بين أحضانه وقد تهاوت دموعه تشارك دموع أبيه, وما أحلاه من عناق! كلاهما كان ينقصه هذا الشعور, كلاهما عذبه البُعد..
رنين هاتف "عمران" بإلحاح أخرجهما من وصلة العناق المطلوبة, وأخرج هاتفه يطالعه ليمرره ل "شاهين" مردفًا:
-مراتك..
التقط الهاتف منه وهو يفتح الخط وقبل أن يردف بحرف كان يسمع صوتها المليء باللهفة:
-طمني يا عمي قابلته؟
رفع "شاهين" حاجبه بخطر وهو ينظر لعمران الذي غمز له بعينه اليسرى وردد بمكر:
-اصل مراتك بقت صاحبتي, مقدرش اخبي عليها حاجة.
ضغط على نواجذه يكبح غيظه وخطى بعيدا عنهم يحدثها, بينما عاد "عمران" ينظر لوالده يقول بابتسامة محبة:
-في حاجات كتير اوي محتاج احكيها.
رد "المنشاوي" بلهفة رغم تعبه وارهاقه:
-وانا محتاج اسمع..
----------------------
-واضح ان في حاجات كتير بتجرى من ورا ضهري!
تلعثمت في الحديث وهي تردد بدهشة:
-شاهين! انتَ.. انتَ بترد على تليفون عمي ليه؟!
سخر يعلق:
-كويس والله انك ميزتِ صوتي.
تعلم جيدًا غضبه منها, لذا ردت بوداعة:
-حبيبي انا عمري ما اغلط في صوتك, ده لو ودني معرفتوش قلبي يعرفه.
-بتثبتيني يا روزا؟
ضحكة قصيرة مدللة وصلت له قبل أن تجيبه:
-بالضبط يا قلب روزا, قولي بقى بيحصل إيه عندك؟
رد بفتور:
-مفيش جدي عرف الحقيقة, وسايبهم مع بعض دلوقتي.
سألته بقلق:
-يعني الأمور عدت بخير؟
-اكتر مما توقعت.
تنهدت براحة تعلق:
-الحمد لله, وحشتني اوي يا شاهين.
رد بعاطفة تسوقه إليها:
-وانتِ اكتر يا حبيبتي, هانت اوي.
تنهدت بتمني:
-يا رب يا حبيبي.
------------
انتهى من سرد القصة بأكملها على والده بالإضافة إلى سره الذي لا يعرفه أحد وأكد:
-بس شاهين ميعرفش حاجه عن الموضوع ده يا بابا.
سأله "المنشاوي" بعتاب:
-لسه عايز تخبي يا عمران؟ لامتى يا بني؟ ابنك باين في عنيه انه مش مسامح, بلاش تزود الحواجز بينكم.
نفى برأسه:
-هقوله بس في الوقت المناسب يا بابا, هعرفه كل حاجه صدقني.
قطع حديثهما دخول "شاهين" فنهض "عمران" يقول:
-هضطر امشي انا عشان عندي شغل مهم, هجيلك اول ما اخلصه.
اقترب يقبل رأس أبيه ونظر ل "شاهين" بغموض يقول:
-اقابلك قريب.
ذهب "عمران" ليبقى "شاهين" في مقابلة "المنشاوي" فسأله بابتسامة:
-مرتاح يا جدي.
فتح "المنشاوي" ذراعيهِ له بأعين دامعة مرددًا بحب بلغ العنان لحفيده الوحيد:
-تعالى في حضني يا شاهين.. تعالى يا غالي.
لم يتردد لحظة والقى بنفسه بين ذراعي جده الغالي المرحبين بهِ, ليسمع بعدها شهقاته الخافتة ويشعر بدموعه تبلل كتفه, فلم يكن منه سوى أنه ضمه أكثر, يخبره ان كل شيء سيكون بخير, وأنه هنا... بجواره.
---------------
تمت المهمة بنجاح, وتم القبض على "مختار" والآخرين, و"شاهين" لم يظهر في الصورة بشكل واضح, لكنه ساعد بشكل كبير في تمام نجاح المهمة, واخيرً ها هو يقف أمامه في قسم الشرطة بعدما طلب مقابلته, وقف ونظراته الشامتة واضحة كالعيان:
-منور القسم يا عمي.
كان الغضب يزين عيني "مختار" بوضوح رغم محاولته مداراته, لا يريد أن يشمت بهِ شاهين عدوه اللدود, لذا قال بنبرة ثابتة رغم ضعفه الداخلي:
-مش هنوره كتير, هخرج يا ابن اخويا, وقريب.
ضحك "شاهين" بسخرية وهو يردد:
-يبقى بتحلم يا عمي, باين لسه الضابط مقعدش معاك وخرجلك لستة اتهاماتك, بس احب ابشرك كلها تضمن وجودك هنا باقي حياتك.
-اللعبة مخلصتش.
نفى برأسه بثقة:
-لا خلصت.. دي خلصت من زمان, وبالمناسبة الرسالة الخايبة اللي بعتها لجدي امبارح ماكنش لها أي لازمة, حتى شوف كده.
قالها وهو يظهر له هاتفه, وتزينه صورة تجمع بين المنشاوي وعمران, لتجحظ عيني "مختار" في صدمة وقهر, بينما صوت "شاهين" يقول:
-مشهد تكرهه عينك انا عارف, بس اهو.. الاتنين اللي عملت المستحيل عشان تفرقهم عن بعض جمعتهم انا, ايه رأيك؟ الصورة حلوة مش كده!؟ كانت نقصاك, كان بودي اقولك تتعوض.. بس هتتعوض ازاي وانتَ مش خارج من هنا, ممكن بقى نحطك معاهم بال Ai .
جهر "مختار" متخليًا عن صمته وهدوئه, فرؤيته للصورة تجمع بين الاثنين اثارت جنونه, لقد فعل كل شيء كي لا يرى هذا المشهد!
-حتى لو اتحبست مش هسيبكم في حالكم, هسود حياتكم وهفضل الشبح اللي بيطاردكم.
ابتعد "شاهين" متجهًا للباب وأردف بثقة عمياء:
-يبقى بتحلم تاني يا عمي, انا هبقى متأكد مليون المية ان يتقطع عنك مية ونور جوه الحبس, متعرفش انتَ علاقتي واصلة فين! وده لوقت مؤقت, عارف لامتى؟ لحد ما المنظمة تقرر تصفيتك... انتَ عارف معندهمش راجل ليهم يتحبس!
وخرج من الغرفة, ليركض "مختار" يضرب فوق الباب بجنون غضبه وانفعاله مرددًا بصراخ:
-مش هسيبكم... هسود حياتكم لحد ما تنتهي زي مانهيتوا حياتي... افتحوا الباب ده انا لازم اخرج... افتحوا...
-------------
واخيرًا تطأ قدميها ارض الوطن!
عادت بعد شهور طويلة من الغياب, عادت لتحضن حبيبها الذي اشتاقته حد الجنون, عادت ليحقق وعده بألا تلد وهو بعيد, عادت بكل شوق وحب ولهفة.
ظنت أنه سيبعث لها السائق وينتظرها في المنزل لكنها صُدمت حين وجدته ينتظرها في صالة الوصول, ابتسمت له بأعين دامعة, وبكفها تمسك "تيم" الذي هرول في خطواته ليصل له فاضطرت لتركه لعدم قدرتها على مواكبة سرعة سيره.
و"مديحة" تجاورها تبتسم براحة للعودة من جديد وانتهاء النكبة.
التقط "تيم" بين أحضانه يقبله بحب وشوق, يستنشق رائحته اللذيذة التي اشتاق لها, كل يوم يتأكد من حبه الكبير لهذا الصغير, وكأنه بالفعل قطعة منه.
انزله برفق ووجه نظراته لزوجته اللذيذة, بالفعل لذيذة! الواقع غير الكاميرا تماما, لقد رأى بروز بطنها الكبير في كاميرا هاتفه يوم بيوم, لكن في الواقع بدت مختلفة, بدت أكثر جمالاً ولطافة, لمعت عيناه وهو يرى صورة أحلامه رُسمت امامه الآن, منذُ أحبها وهو يتخيلها بهذه الصورة, بطنها المكورة التي تصعب مشيها, حتى باتت تمشي كالبطريق! وتغير ملامحها ووزنها مع تقدم الحمل, كل شيء مثالي تمامًا لِمَ تخيله.
وصلت إليه ولم تعبأ ابدا بمكان وجودهما, فقط اندست بين أحضانه كالقطة الأليفة, ليحتضنها بقوة مطبقًا ذراعيهِ حولها, واخذ نفس عميق جدا قبل أن يهمس لها بوله:
-وحشتيني اوي... اوي.
لم تعلق, لم تجيب, وكأن حلاوة العناق انستها معنى الكلمات!
لم يبتعدا سوى بصوت "مديحة":
-الله يفضحكم! احنا في المطار الناس بتبص عليكم, ياختي خلي وصلة العواطف دي للبيت.
ابتعدت "فيروز" في سكون ولم تحب أن تنطق لا تريد أن تخرج من زوبعة مشاعرها, فقط مالت براسها على صدره في صمت وهو يحاوط خصرها وأجاب بالنيابة عنها:
-لا البيت له وصلة تانية يا حماتي...
همهمت "مديحة" بمكر:
-واضح انك ناوي ترجعنا لبداية العلاقة يا جوز بنتي, وماله ده انا حتى وحشني نقيرنا.
-حمدا لله على السلامة.
قالها في هدوء فردت مبتسمة:
-الله يسلمك, يلا بقى على البيت ولا هنقضيها أحضان بس!
غمزت في جملتها الأخيرة ليضحك "شاهين" بخفوت, ويسير معهم للخارج.
-----------------
أمام فيلا شاهين..
ساعدها على الهبوط من السيارة ليلاحظ امتعاض وجهها للحظات, فسألها بقلق:
-مالك؟
ردت بضيق من شعورها:
-مفيش, تقريبًا السفر تعبني.
سألتها "مديحة" بنفس القلق:
-حاسه بإيه؟
أسندت رأسها على صدره بتعب حقيقي وهي تجيبهم:
- حاسه بدوخة شديدة وراسي تقيلة, وانا نازلة من العربية حسيت بخبطته في جنبي وجعتني.
-ده اكيد من الطيارة فعلا, طب اطلعي ارتاحي يلا.
قالتها "مديحة" وهي تحثها على الصعود, ليسرع "شاهين" التصرف وهو يقول:
-لا معلش يا فيروز اتحملي بس شوية نروح للدكتورة نطمن بعدين نرجع ترتاحي زي ما تحبي.
عارضته "مديحة" تقول:
-يا بني خليها ترتاح الأول هي قادرة تقف على رجليها؟
جعدت جبينها بوجع من ضربة جديدة أتت ببطنها السفلية جعلتها تتأوه بصوت ويثقل جسدها بين ذراعيهِ أكثر, لينهي الجدل وهو يحملها بين ذراعيهِ متجهًا للسيارة من جديد:
-خليكِ انتِ يا طنط انا هطمن عليها ونرجع.
قالها حين رأى "مديحة" تنوي الذهاب خلفهما, فتوقفت وهي تدعو الله ان تمر الأمور على خير.
-----------
بعيادة الطبيبة النسائية...
انتهت من فحصها تحت تألمها الشديد لم تتحمل أن تمرر الطبية الجهاز عليها, كانت تتوجع مع كل حركة للفحص حتى ادمعت عيناها بشدة وهي تمنع نفسها بالكاد من البكاء, وهو يجاورها يمسك كفها باحتواء ويهمس لها بكلمات مواسية لوجعها, وما ان انتهت حتى بدأ يساعدها في تعديل ملابسها بينما يقول:
-خلاص يا حبيبتي خلصنا.
ردت بنبرة مختنقة:
-انا مش عارفه ايه الوجع اللي جه فجأة كده, حاسه اني مش طايقة حد يلمس بطني.
ملس بكفه على بطنها البارزة بحنان وقال محدثًا طفله لأول مرة:
-هتتعاقب اوي يا ريان باشا على تعبك لماما ده, بس لما تيجي بالسلامة.
ردت بحنان أموي وحب زُرع بداخلها لطفلها من قبل أن تراه عيناها:
-فداه المهم يكون كويس.
انهى تعديل ملابسها وسندها حتى خرجت للطبيبة, جلسا أمام مكتبها فقالت على الفور:
-لازم احدد معاكِ الولادة دلوقتي,
-هو في حاجة؟
سألت بها "فيروز" بوجه شاحب, ليضغط على كفها بدعم:
-اهدي يا حبيبتي.
نظرت له تشكو قلقها:
-الدكتور هناك قالي ان قدامي أسبوع كمان.
علقت الدكتورة بتوضيح:
-مدام فيروز اهدي, بلاش توتر وقلق الفترة دي, كل الحكاية ان نسبة الماية حوالين الطفل قلت, وكمان الحبل السري قريب من رقبته, فمنعا لأي مشكلة ممكن تحصل لقدر الله لازم تولدي على بكره بالكتير.
-بكره.
رددتها بقلق وقد تسارعت أنفاسها, ليقول "شاهين" بدعم:
-مفيش مشكلة يا دكتورة, اللي فيه الصح نعمله مش هتفرق بكره من بعده.
-تمام, عمومًا هتكون ولادة قيصرية لأن الرحم مش فاتح لسه, والأمور هتكون مستقرة ان شاء الله مش محتاجين قلق, هتكوني عندي في مستشفى ***** الساعة 10 الصبح مناسب؟
رد "شاهين" سريعًا:
-مناسب, تمام يا دكتورة.
خرج معها ليشعر برجفة جسدها, فحاوطها بحنو يقول:
-بلاش خوف بقى, متخلنيش اشتمه.
ضحكت بخفة وهي تحاول الخروج من الحالة التي بها:
-لا خلاص انا مش خايفة.
----------------
طلب عاجل باجتماع سري جديد...
دلف "شاهين" لمحل الاجتماع, ليبصر اللواء أمامه, فقال:
-خير يا سيادة اللواء؟
رد بهدوء:
-مفيش, بس قولت ابلغك ان مختار اعتبره خرج من حياتك, محطوط تحت رقابة مشددة, ويعتبر موضوعه خلص.
-انا واثق فيكم يا سيادة اللواء.
ابتسم له اللواء بهدوء:
-ومادام واثق فينا, احنا كمان قررنا نثق فيك يا شاهين.
قطب ما بين حاجبيهِ بعدم فهم وسأله:
-تثقوا فيا ازاي يا فندم.
ربط اللواء على كتفه يخبره:
-هنعرفك مين عميلنا السري في المنظمة اللي ساعدنا كتير, واللي كان سبب معرفتنا بميعاد اخر صفقة اللي وقع فيها مختار.
عقب بفضول:
-عندي فضول جدا اعرفه, بس محبتش اسأل قبل كده لأني فاهم انها اسرار شغل.
-ودلوقتي قررنا نعرفك بيه, عشان تبقوا جبهة واحدة, ونقدر نكمل باقي مهماتنا على أكمل وجه.
سمع "شاهين" خطوات خلفه فالتفت بفضول تحول لاندهاش وصدمة حين أبصر الذي أمامه وردد:
-مستحيل!
اقترب اللواء يجاور المجهول وهو يشير له بفخر:
-ده اهم عميل سري لينا في المنظمة, لو قولتلك كام مهمة نجحت بسببه وكام عنصر وقع بسببه هحتاج ولا شهر.
رمش "شاهين" بصدمة لم تتخلى عنه:
-بسببك انتَ.... طب ازاي؟!
