رواية ارض الدوم الفصل الخامس والثلاثون
[ بداية معركة ]
تحولت جميع الأنظار فجأة صوب مسلم الذي تجمدت يده عقب سماع كلمات ريكاردو والذي ابتسم دون اهتمام وكأنه لم يفعل شيئًا، أما عن مسلم حاول فهم ما يحدث في هذه اللحظة .
أما عن أحد الرجال الذي كانوا ساكنين من ثواني فقط بدأ يتململ في جلسته وهو يضيق عيونه على مسلم وكأنه يبحث عن طريقه لقتله، لكن ريكاردو لم يصمت وهو يكمل :
_ عفوًا تصحيح، هو كان يعمل في المنظمة فقط وهو من سيساعدنا للعثور على من تخلص من قاذوراتكم أو عفوًا تصحيح ثاني ...من ذويكم، يبدو أنني لقلة تفاعلي مع البشر نسيت كيف اتحدث بشكل صحيح اعذروني .
رماه مسلم بشر وهو ابتسم له بسمة باردة يهمس بصوت منخفض :
_ هذا فقط كي تتعلم كيف تعاملني بشكل صحيح وليس كالنكرة داخل السيارة .
تنفس مسلم بعنف لا يصدق أن هذا الرجل يرد له فقط تجاهله في السيارة بهذا الشكل .
مال عليه يهمس بصوت منخفض وكأنه يمنحه أكثر الاسرار خطورة :
_ تبًا لك ..
أطلق ريكاردو ضحكة مرتفعة يهز رأسه دون اهتمام، ومن ثم نظر صوب الجميع يعتدل في جلسته :
_ اه لنعد إلى موضوعنا، العزيز مسلم كان يعمل بالقسم التقني داخل المنظم ولديه الملفات التي تثبت تورطهم في عمليات الاغتيال الأخيرة، وهذا ما جئت بكم لأجله .
نظر الجميع لبعضهم البعض بعدم فهم، وفي ثواني سمع الجميع اصوات الاشعارات تهز أجهزتهم، فأشار لهم مسلم برأسه بهدوء :
_ افحصوا بريدكم الالكتروني .
والصدمة هنا ليست أنه أرسل لهم كل شيء بهذه السرعة، بل أنه وصل لبريدهم الالكتروني بهذه السرعة وعرفها بهذه السهولة .
نظر الجميع لبعضهم البعض ليبتسم ريكاردو وهو يشير لهم :
_ هو ساحر صحيح ؟
وفي ثواني بدا أن الجميع دخل في فجوة بعيدة عن الآخر وهم يراقبون أمامهم كيف كانت التعليمات محددة لعمليات الاغتيال، كان الأمر مدبرًا نعم، لكن بهذه الاحترافية والتخطيط .
بدأت العيون تتسع والنيران تشتعل، والغرفة تصبح ضيقة أكثر وأكثر حتى شعر ريكاردو أنهم سينفجرون في أي لحظة، لكنه لم يهتم فقط حمل كوب الماء أمامه يرتشفه بتمهل وهو يستمتع بهذه النظرات حتى حصل على ردة الفعل التي يبتغيها .
_ كما ترون هذا ما يحدث حينما تسلمون أرواحكم للحاصدين ظنًا أنهم حارسين لها، واليوم أنت حي، غدًا ربما لا، ولا أحد يعلم دور من القادم .
صمت ثواني ثم مال على الطاولة وهو يراقب التعابير وقد بدا أن كل واحد منهم في عالمه الخاص :
_ إذا صمتم هذه المرة فستكون هناك أخرى.
رفع أحدهم عيونه له وقد بدا أنه على وشك الانفجار بكل ما للكلمة من معنى، قبضته مضمومة بشكل مخيف وقد أوشكت أوردته على الانفجار .
مستشاره الأول وابنه الوحيد والذي تم اغتياله بلا مقدمات ودون دليل، الآن يبصر كيف تم التجهيز لمثل هذه العملية لأسابيع، وتخلصوا منه في دقائق دون أن يشعر بهم أحد.
_ ما الذي تنتوي فعله ريكاردو ؟
اتسعت بسمة ريكاردو بخبث وهو يرى نيران القصاص تنعكس في الأعين أمامه:
_ هل اعتبر هذه موافقة ضمنية منك ؟؟
_ اريد رقبة الشخص الذي قتل ولدي، هو لا غيره ...اريد ذلك الحقير الذي سالت دماء ابني على كفه .
عاد ريك على مقعده يتكأ براحة وكأنه يمتلك كل الوقت :
_ لك ذلك، هو لك لا يعنيني قسموا جثثهم بينكم لا يهمني سوى الحصول على ذلك القذر الذي لمس زوجتي .
صمت ثواني وكأنه يتأكد من النظرات :
_ إذن نحن متفقون ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس في منزلها وحدها، وقد رفضت الذهاب معهم وترك المنزل مغلقًا، لم يهن عليها أن تغلق منزلها والذي لم ينغلق يومًا في وجه أحدهم، اليوم يقفل في وجوه ساكينه .
تجلس وحيدة تائهة لا تفهم ما يحدث حولها، هل ستكمل الباقي من عمرها تحيا بين هذه الجدران وحدها ؟
أين رايانا ؟ والجدة ؟ وحتى عزيز ؟
عزيز الذي منذ رحيل رايانا بدا وكأن الأرض قد انشقت وابتلعت جسده بالكامل، والآن هي وحدها تحيا مع روح الجدة وصوت رايانا الذي ما يزال يرن في أذنها ورأسها.
_ في الاخير بقيتي لحالك، في كل الحالات خسرانة يا شيما.
لم تتحرك شيما مقدار شعرة من مكانها، فقط شاردة بالجدار أمامها ولم تهتم لصاحبة الصوت والتي لم تكن سواها، سوى المرأة الوحيدة التي تبقت لها من هذه العائلة النجسة .
ويبدو أن سكينة ملت من الجلوس وحيدة مشردة بحثًا عمن يساعدها في إخراج زوجها وولدها من تلك القضية التي تدعي أنها ملفقة لهم بفعل احفاد المريدي .
فجاءت لتعكر ما تبقى من قطرات المياه مع شيما .
_ وقفتي مع ولاد المريدي ضد أهل قريتك واهو شايفة النتيجة ؟! لوحدك، ضيعتي نفسك وضيعتي بيتك كله .
كانت تتحدث وشيما فقط جالسة ارضًا تستند على الأريكة خلفها دون كلمة واحدة، بينما سكينة وكأنها لا تصدق أنها وجدت واخيرًا إنسان تخرج به كل غضبها .
_ مكنتيش تستحقي أبدًا تكوني هنا ولا تكوني مرات عزيز و...
_ آمال مين اللي يستحق ؟ أنتِ ؟
نظرت لها سكينة بسخرية وهي تتحرك في المنزل تراقبه بأعين ملتمعة وقد كان اضخم منازل القرية وأكثرها فخامة ورقي وقد فنى به البارو الاول عمرًا، وحلمت هي أن تقضي به حياتها، لكن تلك العجوز سلبت حقها في ذلك ومنحته لرايانا .
_ وليه لا، اللي زيك عمره ما يستحق يكون هنا، البيت ده عايز واحدة فاهمة وواعية عشان تعرف تقومه وميقعش بالشكل ده .
ارتسمت بسمة ساخرة على فم شيما ولأول مرة تنظر لها منذ دخلت، تراقبها ثواني قبل أن تنطلق منها ضحكات خافتة سرعان ما انقلبت لضحكات صاخبة :
_ اه صح، اللي خلاكي مش عارفة تقومي بيتك اللي هو اوضة وحمام، هتعرفي تقومي ده ؟ امشي يا سكينة امشي من هنا عشان مش قادرة اكلمك دلوقتي ومش طايقة اكلم حد .
_ أنتِ فاكرة نفسك مين يا شيما؟ فوقي زمن مرات البارو وكل ده انتهى، انا دلوقتي اللي مرات البارو و...
_ هو فين ؟!
صمتت سكينة بعدم فهم لتنهض شيما وهي تقف أمام سكينة تراقبها بسخرية :
_ فين البارو ؟!
_ راجع وصدقيني لما يرجع هخليه يرميكي برة في الشوارع، خلي البيت ينضف، وأنا وابنه هـ..
اتسعت بسمة شيما بشكل مريب وهي تقترب من سكينة التي شعرت بالريبة من بسمتها والتي كانت في هذه اللحظة تبدو مختلفة غريبة ومخيفة .
_ ابنك ... ابنك أنتِ، بس مش ابنه هو .
وفي ثواني رأت شيما حدقتي سكينة تتسع بشكل مخيف وهي تتراجع خطوة تردد بصوت خرج مهتزًا دون إرادتها :
_ ااا...ابن مين ومش ابن مين ؟ أنتِ اللي حصل فيكِ خلاكِ تخرفي و....
_ ايه يا سكينة هو لسه البارو مغفل ميعرفش إن عز الدين مش ابنه ولا ايه ؟
اتسعت عيون سكينة وقد شعرت كما لو أن أحدهم احضر مطرقة ونزل بها فوق رأسها، لذا تنفست بصوت مرتفع وهي تحاول الانسحاب من المكان :
_ لا أنتِ شكل القعدة لوحدك وموت الجدة أثر عليكِ ربنا يعينك على نفسك و..
كانت تتحدث بعدما منحتها ظهرها وتحركت صوب الخارج، لكن شيما واخيرًا وجدت المرمى الذي كانت تبحث عنه :
_ عم ساڤا ...
توقفت اقدام سكينة فجأة وكأن قدمها التصقت بالأرض دون مقدمات، وشيما اتسعت بسمتها تكمل بكل بساطة :
_ ابو عز الدين، اللي كنتِ حامل منه قبل جوازك من معتز .
شحب وجه سكينة وقد شعرت بالخوف وهي تستدير صوب شيما التي كانت تراقبها بشكل مرعب وكأنها ساحرة استيقظت من قبرها لتنزل كامل لعناتها على أهل القرية .
_ الحكيمة اللي روحتي دفعتي ليها فلوس عشان تكدب في عدد شهور حملك، وتكدب في ولادتك المبكرة وتكدب في كل حاجة، الحكيمة دي ...
صمتت قبل أن تضحك ضحكة مرتفعة :
_ تبقى أمي .
شعرت سكينة أن أحدهم صفعها صفعة على وجهها فجأة وهي لا تستوعب ما تسمع، وشيما تتذكر تلك اللحظات حينما كانت مراهقة تجلس خلف باب والدتها تتنصت على حكايا النساء الذين يأتونها لتخفي مصائبهن أو حتى تساعدهن .
ليأتي يوم حظها حينما أبصرت تلك الشابة التي جاءت قريتهم بلا مقدمات تتقدم من منزلهم وتسأل عن والدتها .
كانت سكينة تقف أمام شيما التي بدت في هذه اللحظة وكأنها اكتفت، اكتفت منهم جميعًا، كان هذا السر تحمله فقط لأن والدتها جعلتها تقسم ألا تخرجه يومًا حينما تقدم البارو الزواج منها .
خافت والدتها عليها من شر سكينة، وجعلتها تعدها وتقسم ألا تذكر ما حدث منذ سنوات ولو عرضًا، لكن اكتفت شيما من الصمت وبدا أن هذه اللحظة هي الأنسب لتفضي بكل ما تمتلكه داخل صدرها .
_ ادعي بقى جوزك ميخرجش من السجن، السجن هيكون ارحم ليه من اللي هيعرفه، ودلوقتي برة بيتي .
رمقتها سكينة بنظرة مرعبة، لكن شيما لم تتحرك خطوة واحدة ولم تهتم بكل ذلك، بل أمسكت مرفقها تسحبها صوب الخارج تلقيها دون اهتمام أمام الباب ومن ثم اغلقته في وجهها، وسمحت لنفسها واخيرًا أن تنهار مجددًا ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يجلس جانبًا على مقعد في الحديقة مغمض العين وربما سقط في غفوة سريعة وقد شعر فجأة أن كل شيء سقط فوق اكتافه هو .
كل شيء يتراكم عليه وهذا يقتله، ليس لأنه مضطر لحمل كل هذا، والله لا يشتكي، ولكن لأنه وحده.
فقط يعود الجميع ويحمل كل همومهم لكن وهم جواره ووالله لن يشتكي لحظة .
شعر بظل يقترب منه ومن ثم صوت انفاس هادئة جواره، انفاس يعلم لمن تعود، لكنه فقط كان يتمنى لحظات راحة، لحظات قصيرة احترمها الآخر وصمت دون كلمة واحدة ...
وبعد دقائق طويلة ربما وصلت لنصف ساعة فتح عيونه أخيرًا ينظر جواره بحنان :
_ ادخلي جوا يا كارا الجو مش حلو هتتعبي .
نظرت له كارا ثواني قبل أن تمد له حقيبة يبدو أنه للتو انتبه لها، ونظر لها بعدم فهم وهي همست بحزن :
_ رجعت البيت مع والدتك عملت ليك أكل، أنت مش بتاكل خالص يا يحيى، و.... أنت....بالله عليك ما تعمل في نفسك كده والله أحمد هيكون بخير .
ابتسم لها يحيى بحنان :
_ أنا بخير يا كارا متقلقيش .
سقطت دموع كارا وهي تنظر له، كانت خصلاته مبعثرة بشكل غريب ولحيته بدأت تصبح غير مهندمة، كان أشبه بنسخة رثة من يحيى .
_ يا يحيى أنت مش ...
وتوقفت حينما غلبتها الغصة وشعرت أنها لا تستطيع التحدث، ويحيى صُدم من الأمر، وهو يستدير لها يحاول أن يراضيها :
_ طب بتعيطي ليه دلوقتي ؟ يا ستي أنا آسف حقك عليا والله هاكل، هخلص الاكل ده كله لو عايزة والله .
وهي فقط بكت ترفع عيونها له تردد بحزن على حالته :
_ انا بس ....بس زعلانة ....زعلانة على حالك يا يحيى ...مبقتش ...مبقتش بتضحك ولا بتهزر...وشعرك ودقنك أهملت حياتك وكأنك صورة باهتة من يحيى القديم .
اتسعت عيون يحيى بصدمة يردد بشك :
_ قصدك ايه ؟! قصدك اني مش قمور ؟!
رفعت عيونها الباكية صوبه بسرعة تحاول فهم ما يقول :
_ ايه ؟ لا هو ..
_ هو ايه ؟ ماله شعري ودقني ؟ الحلو حلو لو لسه قايم من النوم، بعدين أنتِ ايش فهمك في الشكل البهيمي ؟
نظرت له بعدم فهم لما يقول ترمش وكأنها تطرد الدموع :
_ البهيمي ؟
_ ايوة ده اسمه، بيبقى شكل الإنسان مبعثر كده ومش متظبط بس بيكون لسه قمور، زيي كده .
_ يا يحيى أنت فهمت ايه انا مش قصدي كده أنا قصدي يعني أنك مبقتش مهتم بنفسك من حز.....
_ قصدك اني معفن؟!
وهي مصدومة من كل الإحتمالات التي أخذ يلقيها في وجهها :
_ لا بقولك ايه بالشكل ده مش هتمشي حياتنا، لازم تكوني عارفة إني لما بزعل بتقلب معايا بالشكل اللي أنتِ شيفاه ده، فلو أنا وشعري ودقني هنضايقك ونضيق عليكِ الشقة، يبقى من اولها كده .....
توقف حينما اشتدت نظرات كارا وكأنها تحولت فجأة :
_ من اولها ايه ؟ ايه هتروح فين !
_ اروح فين انتِ عبيطة، كنت هقولك احلقهم ونخلص .
تنفست الصعداء وهو راقبها بخوف من تحولها، وهي فقط ابتسمت له بلطف تمد له الحقيبة مجددًا :
_ مش هتاكل؟؟
جذب منها العبوة دون مناقشة ومن ثم فتحها بسرعة يتناولها، وهو يراقب بطرف عيونه بسمتها التي انارت وجهها، فتنفس الصعداء، على الأقل هي سعيدة وهذا يخفف الكثير عنه ويهون عليه أكثر.
بدأ يأكل دون توقف وقد شعر الآن فقط أنه جائع للغاية، وهي تراقبه بحب وحنان شديد حتى انتفضت بسبب رنين هاتفه .
رفع عيونه لها وقد كان فمه ممتلئًا، اخرج الهاتف من جيب سترته يراقب رقمًا غريبًا، قبل أن يفتح المكالمة .
ثواني وسمعت كارا صوت امرأة يتسرب لها بشكل طفيف من سماعات الهاتف .
ضيقت ما بين حاجبيها وهي تقترب بشكل صغير من يحيى الذي أجاب وهو يحاول ابتلاع طعامه :
_ ايوة مين ؟
وصمت ثواني قبل أن تسمع كارا صوت المرأة يتردد مجددًا فاشتعلت عيونها وهي ترفع حاجبها ويحيى يشير لما بجهل :
_ مش فاهم أنتِ مين وعايزة ايه ؟
_ هات انا اكلمها .
_ اهدي يا حبيبتي خليني افهم ايه اللي بيحصل .
اشتعلت عيون كارا وهي تحاول جذب الهاتف من على أذنه وهو يتمسك به بعناد :
_ يا بنتي اتهدي شوية خليني اسمع مش سامع حاجة .
وكارا كانت تقترب دون شعور حتى كادت تخترق الهاتف، قبل أن يبعدها يحيى ويمسك بعض الطعام يدسه في فمها يشغلها به، ومن ثم اولى كامل اهتمامه المكالمة .
_ ايوة مين مش فاهم عايزة ايه لخصي قبل ما تخلص هي علينا .
وساد صمت مريب من الطرف الثاني جعله يزفر بضيق وكاد يفتح فمه للتحدث لولا الصوت الذي خرج فجأة :
_ ايوة يا يحيى، انا أميرة بنت خالك ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ابتعد عن وجهي غابرييل ودعني انهي عملي في تبذير أموال رئيسك .
_ عزيزتي اعتراضي ليس على تبذيرك أموال رئيسي إن كان هو لا يمانع إلقاء أمواله بتسلميها لكِ، فمن أنا لاعترض؟!
ختم حديثه يهز كتفه ببساطة وهو ما يزال يسد عليها مخرج المنزل يمنعها من التحرك :
_ اعتراضي على أنه لا يمكنك تحت أي ظرف الخروج وحيدة، ولا يمكنك القيادة بنفسك، وبالتأكيد لا يمكنك أصطحابها معك .
أنهى الحديث وهو يشير صوب رايانا التي كانت تقف خلف المرأة لا تفهم ما يحدث ولا إلى أين هي ذاهبة، لكنها فقط ذهبت معها على أية حال وقد ملت الجلوس وحيدة .
_ اولًا الخروج وحيدة أو لا هو قراري، ثانيًا هذه سيارتي ولن أسمح لرجل بقيادتها حتى زوجي، واخيرًا هذه صديقتي وسنخرج سويًا .
_ بالله عليكِ اماندا هي حتى لا تفهمك .
_ لا بأس وجدنا حلقة وصل بيننا، فقط ابتعد عن طريقنا ولا تفسد متعتي.
_ افسد متعتك، ولا يفسد زوجك حياتي، والآن هيا إلى الداخل الان.
نظرت له اماندا ثواني قبل أن تهز رأسها باستسلام ترفع يديها تعلن خضوعًا :
_ حسنًا أنت فزت، لكن هذه المرة فقط، هيا للداخل يا رامينا سنصنع حفلة شاي .
أمسكت يد رايانا التي لا تفهم من هذه رامينا، تجذبها خلفها والأخيرة تحركت دون فهم، بينما غابرييل يراقبها بسخرية، ومن ثم أشار للحارس على الباب .
_ أخبرهم أن يراقبوا المخرج الخلفي .
ومن ثم غادر يخرج هاتفه يتصل بشخص ما وقد اختفى عن الأنظار .
بينما في الداخل تحركت اماندا مع رايانا صوب الطابق الذي يقبع أسفل المنزل ورايانا تمشي معها ولا تدري سبب أنها تتبعها دون كلمة .
_ هذا الاحمق يظن أنه سيمنعني شيئًا أريده، تبًا له ولرئيسه الوسيم .
وصلت لمكان ضيق تهبط درج غريب ومن ثم لممر أشد ضيقًا حتى توقفت أمام باب صغير مرت منه مع رايانا لتخرج أخيرًا خارج اسوار المنزل .
اتسعت بسمتها بمجرد أن أبصرت الطريق أمامها تستدير صوب رايانا التي كانت تشعر أنها لا يجب عليها اتباع هذه المجنونة .
_ احنا رايحين فين دلوقتي ؟؟
_ هل أنتِ جاهزة لقضاء أمسية نسائية رائعة يا عزيزتي ؟
_ مش فهماكِ .
أخرجت أماندا هاتفها تفتح تطبيق ترجمة تلوح به لرايانا بعدما خطت جملة عليه قرأتها رايانا بالعربية .
" اليوم ستبصرين ما لم تبصريه طوال سنوات حياتك كلها"
ـــــــــــــــــــــــ
_ أنت الآن تقتلني في عقلك صحيح ؟
ابعد مسلم عيونه عن ريكاردو بعدما رماه بنظرة غاضبة، ومن ثم تجاهله يبتعد جانبًا يمسك حاسوبه داخل السيارة ينتهي مما يريد، يراسل يحيى ليصل منه إلى آخر المستجدات .
وجواره ريكاردو يراقبه ببسمة غير مهتمة وهو يمسك هاتفه قبل أن يهتم به، لكن فجأة اعتدل في جلسته يبصر الرسالة التي زينت الهاتف ليهمس بصوت منخفض :
_ يبدو أنه لن يقتلني في عقله فقط، تبًا أماندا، سأقيدك يومًا ما .
رفع هاتفه وهو يتصل بسرعة بغابرييل وبمجرد أن سمع صوته صرخ بضيق شديد :
_ ما الذي حدث ؟
_ لا ادري كيف ومتى ومن اين خرجت من المنزل، اقسم لولا أنها زوجتك لكنت ....
_ غابرييل
تنفس الأخير بغضب وهو يكمل :
_ لقد حاولت الخروج لكنني منعتها من ذلك، وأبدت كعادتها استسلامًا، ومن ثم ....
توقف عن الحديث ليكمل ريك بسخرية :
_ غافلتكم كالعادة يا حمقى .
_ ماذا افعل بزوجتك اقسم انني مللت، في كل مرة تكتشف مخرجًا نغلقه حتى كاد المنزل يصبح مصفحًا من جميع الجهات، انظر لقد مللت منك ومنها، انا فقط أخبرك أنها خرجت ولا أعتقد أنها تنوي خيرًا والاسوء أنها اصطحبت زوجة مسلم معها .
مسح ريكاردو وجهه وهو ينفخ بغضب شديد :
_ ابحث عنها وتتبع سيارتها و...
_ لم تأخذ سيارتها .
_ ماذا ؟!
_ كما سمعت وهذا ما يقلقني تلك المجنونة تحب سيارتها أكثر منك، ولا ادري السبب لكنها تركتها خلفها ورحلت .
هنا وبدأ ريكاردو يشعر بالخطر والخوف يعتدل في جلسته ولم يعد يهتم بخفض صوته أو غيره :
_ هل تأكدت أن أحدهم لم يختطفها !؟ ربما لم تخرج ربما أُختطفت ايها الاحمق.
ختم حديثه بصرخة مشتعلة وقد بدأت أفكاره السوداء تقفز لعقله، ويقسم أنه لو تجرأ آخر على لمس زوجته سـ...
توقفت أفكاره على صوت غابرييل الذي اختفى ثواني قبل أن يردد بضيق :
_ لا لم يحدث، لأن الكاميرات تظهرها وهي تهبط للطابق السفلي، هل سبق وأخبرتها بالمخرج السفلي ؟
قلب ريكاردو عيونه بغضب شديد وهو يتوعدها، لقد ...لقد جعلها تقسم ألا تستخدمه إلا في حالات الطوارئ .
اغلق الهاتف بغضب وهو يبحث عن اسمها وكل ذلك ومسلم يتابع بريبة يشعر بوجود شيء غريب لذا اخرج هاتفه يتصل بحاتم بسرعة، لكن لم يصل له رد، مرة واثنتان وحاتم لا يجيب .
وهذا جعله يدرك أن هناك ما يحدث من خلف ظهره .
تحرك من مكانه واخيرًا صوب ريكاردو وحينما وصل له لم يكد يتحدث بكلمة حتى صرخ الاخير بايطالية ثقيلة في الهاتف وكلمات لم يفهم هو منها سوى القليل فقط لكنه كان كافيًا ليدرك ما يحدث .
_ اماندا أين أنتِ، تبًا لكِ لقد وعدتيني أيتها الكاذبة .
صمت وهو يسمع الطرف الثاني والذي يبدو أن رده لم يسعده كثيرًا بل زاد غضبه أكثر وأكثر :
_ تبًا لكِ مجددًا، هذا لن يمر مرور الكرام، أعيدي المرأة المنزل قبل أن يدرك الرجل ما يحدث، أعيدي المرأة لعنة الله على رعونتك، أين أنتِ سأرسل لكِ غابرييل، اين أنتِ لا تجعليني أغضب أكثر .
صمت وهو يسمع صوت زوجته يصل من الطرف الثاني قبل أن يصرخ بصدمة وهو يكاد يحطم الهاتف :
_ حانــــــــــــة ؟؟
اتسعت عيون مسلم وهو يصرخ بعدم فهم :
_ مهلًا مهلًا أي حانة، وامرأة من التي تتحدث عنها ؟؟ ما الذي فعلتمــــــــوه بزوجتي ؟؟؟؟
نظر له ريك وهو يبتسم بسمة واسعة :
_ زوجتي أخذت ترفيه زوجتك على محمل الجد .
_ ترفيه ماذا ؟! هل اخذت زوجتك زوجتي الحانة؟!
حاول ريكاردو أن يهون الأمر عليه :
_ لا تقلق هذه حانتي الخاصة .
أطلق مسلم صوتًا ساخرًا وهو يهتف دون شعور :
_ يعني ايه حانتك الخاصة، الذنب فيها مغفور ولا ايه ده أنت هطلع عين اللي خلفك أنت ومراتك لو حصل لمراتي حاجة .
_ هل تستغل جهلي بلغتك الآن؟
ضغط مسلم على كل حرف من حروف كلماته وهو يهمس بشر :
_ صدقني لن تكون لغتي فقط هي ما استغلها ضدك إن مس زوجتي شيء .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهوا من التسوق وتناولوا الطعام والآن وجدت رايانا نفسها تدخل مكان غريب بعدما ظنت أنها ستعود للمنزل، لكن هذا المكان الغريب لا تفهم هويته قبل أن ترى أحمد يحمل زجاجة خمر ويتحرك أمامها بشكل غير مستقر .
اتسعت عيونها بصدمة كبيرة، لقد اخذتها المجنونة إلى حانة حيث السكارى والخمر .
سحبت الهاتف من يد اماندا وهي تكتب لها بسرعة كلمات غاضبة :
_ دعينا نخرج من هنا لا احب هذا المكان .
نظرت اماندا صوب الكلمات الإيطالية التي ظهرت في الاسفل بعدما ترجمت كلمات رايانا :
_ ماذا لا تقلقي انا هنا فقط لاقابل رفيقتي وسنرحل لا تقلقي أنا كذلك لا احب هذه الأماكن .
صمتت وهي تنظر حولها وقد نست كتابة ما تتحدث به :
_ انظري هي هناك تنهي عملها وستهبط الآن.
تحركت عيون رايانا حيث تشير الفتاة لترى امرأة على المسرح تتراقص بشكل ....شكل ....شكل رائع في الواقع لكن للأشخاص الخاطئين .
ابتلعت ريقها وهي تشعر بالخطأ...هذا خطأ كبير، عليها التحرك من هنا، لكن ما كادت تجذب يد اماندا حتى وجدت رجل يقترب من اماندا وهو يرقص معها، يجذبها صوب المنصة، واماندا تقلب عيونها، وهي تجذب يدها منه :
_ آسفة لقد أغضبت زوجي بما يكفي لليوم، اعدك حينما تتوق روحي للخلاص من جسدي سآتيك لاراقصك.
لكن يبدو أن الرجل لم يكن يفهم وحاول جذبها وهي تحاول الإفلات منه دون جذب الإنتباه في المكان وقد كانت الحانة ملك زوجها العزيز بالفعل ورجاله في كل مكان، لكن يبدو أن الوقت قد فات، إذ وجدت فجأة الرجل يُسحب للخلف، وهي تعلم مصيره بالفعل .
تنهدت بصوت مرتفع تمسك يد رايانا التي بدأت تتراجع للخلف وقد اشمئزت من المكان بالكامل وغضبت من اماندا .
تحركت بها اماندا بعيدًا عن كل شيء وهي تنعزل في غرفة جانبية يستخدمها الرجال في بعض الاجتماعات وقد ارتفع صوت هاتفها .
_ ماذا هل أخبرك الرجال بهذه السرعة ؟!
صمتت تسمع صوت ريك يصرخ لتقلب عيونها :
_ أنت تبالغ في فعلك ريك، لقد جئت فقط كي اقابل نــ....
ابعدت الهاتف عن أذنها بانزعاج تراقب بطرف عيونها رايانا التي تنظر بدورها صوب المكان أمامها بصدمة، متى سمحت لنفسها بالدخول لمثل هذه الأماكن، هي والتي كانت تشمئز من العبور أمام الحانة ولم تطأها إلا للضرورة بسبب ساڤا .
فجأة سمعت صوت اماندا في الخلف وهي تتحدث بغضب :
_ حسنًا يا رفيقتي يبدو أن اليوم فسد .
ولم تكد رايانا تستفسر عما يحدث حتى أبصرت المكان في الأسفل وقد اقتحمه الكثير من الرجال وأخرج أحدهم سلاح يضرب رصاصات في الهواء وصوت صرخات يصدح في المكان بكلمات لا تفهمها وفي دقائق معدودة كانت الحانة بالكامل فارغة إلا من العاملين بها .
كل ذلك واماندا تشاهد ما يحدث بحنق، فنعم كان هذا هو غابرييل وقد هدد الجميع بقطع رؤوسهم إن لم يغادروا الحانة .
_ انظري هذه إحدى عيوب الزواج من حقير كزوجي، مازال عرض هروبي قائم بالمناسبة .
كتبت اماندا كلماتها وهي ترفع ترجمتها أمام عيون رايانا التي لم تفهم اي عيوب، لكن قاطع كل أفكارها هذه صوت حاتم الذي اقتحم المكان بغضب :
_ رايانــــــــا .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنا كويس .
كلمة صغيرة نطق بها وهو يطمئن بها والدته التي تبكي جواره، يربت عليها بحنان وعيونه تبحث عنها، وهي في الخلف تنتظر الفرصة لتبصر ضوء عيونه مجددًا .
أما عنه ابتسم بحنان لنورهان التي امسكت كفه تقبله بحب :
_ حاسس بوجع يا حبيبي ؟
_ لا يا نونو متقلقيش أنا والله بخير، متقلقوش والله عدت على خير .
صمت وهو ما يزال يبحث عنها بين الجميع :
_ هو ايه اللي حصل ؟
_ مش فاكر اللي حصل ولا ايه يا بني ؟
نظر صوب والده يحاول تذكر آخر شيء، كان فقط يهرول صوب المنزل وهو مصر على اختيارها رغم كل شيء، ووضعها فوق كل شيء، ومن بعدها لا شيء :
_ لا مش اوي، كنت راجع من عند خالتي و...كان فيه ناس راكبة موتوسيكل ومرة واحدة ...حسيت بوجع ومش فاكر بعدها حاجة .
ربتت والدته على كتفه بحنان شديد :
_ الحمدلله يا حبيبي ربنا نجاك.
لم يجادل في الأمر كثيرًا غير متأكدًا مما حدث تحديدًا، لذا تحدث بهدوء :
_ الحمدلله ...هي ....فين ساڤينا ؟
نظرت والدته حولها وهي تبحث عنها في المكان :
_ كانت هنا معرفش راحت فين و ....اهي تعالي يا بنتي واقفة ورا ليه ؟
جذبت يدها للأمام وهي تقول ببسمة واسعة :
_ حبيبتي كانت هتموت من الخوف عليك يا أحمد، مشوفتش شكلها عامل ازاي من اول ما جينا المستشفى، دي منطقتش ولا كلمة لغاية ما خرجت من اوضة العمليات ومقالتش غير أنها بس عايزة تشوفك .
نظر لها أحمد بحنان وحب وهي كانت تحاول تلاشي النظر له، لكنها لم تستطع الهروب منه طويلًا فاستسلمت في النهاية وهي تنظر لعيونه، فنست فجأة كل ما يحيطها، كل ما يحدث حولها، لا تبصر سوى عيونه فقط وبسمته التي ارتسمت .
رفع يده بصعوبة وهو يناديها بحنان :
_ تعالي يا ساڤ .
وساڤا لم تشعر بمن يحيطها تقترب منه كالمسحورة تضع يدها بين كفه وقد تحركت والدتها تجذب الجميع للخارج.
وأحمد لم ينتبه سوى أنها الآن بين يديه يجذبها صوبه أكثر يحاول التحرك ليترك لها مكان تجلس به على الفراش .
_ تعالي هنا .
جلست دون كلمة وهي تطيعه في كل شيء دون نقاش، وكأنها اكتفت برؤيته الآن بخير مبتسمًا .
_ ساڤ ... أنتِ كويسة ؟
هزت رأسها بنعم فابتسم لها بحنان:
_ طب ارفعي النقاب عشان اشوفك كويس طيب .
نظرت حولها تتأكد أن لا أحد سواهما ومن ثم رفعته وهي تبتسم له بلطف فابتسم هو بسمة أوسع :
_ هو أنتِ بتستغلي غيابي عشان تزيدي حلاوة ؟!
نظرت له ساڤا بصدمة من كلماته، وهو امسك يدها يقبلها بحنان :
_ ربنا يخليكِ ليا يا ساڤينا .
سقطت دموع ساڤا وهي تنظر له بعجز لا تعلم ما الذي يجب قوله في هذه اللحظة، هل تخبره كم كانت تموت خوفًا عليه، ام تعلمه أنها ليست على استعداد لتركه بعدما جربت هذه اللحظات بعيدًا عنه ؟
ولم تشعر سوى ولسانها ينطق :
_ أحمد أنا بحبك ...
اتسعت عيون أحمد بشدة وهي انتفض جسدها انتفاضة صغيرة وكأن أحدهم خدرها لتقول هذه الكلمات، وأحمد لم يضغط عليها وهو يجذبها له بقوة صغيرة بسبب جرحه :
_ وانا بحبك اكتر يا ساڤا، تتجوزيني؟!
نظرت له ساڤا بعدم فهم ليوضح لها ببسمة :
_ بجد، المرة دي تتجوزيني بجد مرة وللابد؟
وساڤا راقبته بعيون دامعة وهي تفكر في الحياة معه، هي ستحب أن تكون معه، ولا تتمنى في حياتها افضل من قضاء بقيتها مع أحمد.
_ أحمد أنا....
_ ميهمنيش، كل الأفكار اللي في دماغك دي دلوقتي متهمنيش أبدا، قولي اه وارمي أي حاجة ورا ضهرك واسمحيلي انسيكي كل اللي فات يا ساڤ، بس قولي اه.
نظرت له طويلًا وهي تفكر هل يمكنها ذلك، هي لن تستطيع وأحمد ربما لن يتحملها بهذا الشكل، لكن ...هي محاولة، محاولة لتحيا، هل تتخلى عنها أم تتمسك بها ؟
ودون شعور نطقت واخيرًا :
_ موافقة .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك داخل المكتب ببسمة واسعة ومعه عيسى الذي جاء ليكون جوار شقيقه في هذا الأمر بعدما سقط أحمد .
_ اهلًا يا يحيى، اتفضل يا بني .
ابتسم يحيى وهو يصافح الرجل باحترام :
_ اسف لو ازعجت حضرتك يا استاذ علاء، أنا بس مشيت فجأة من كام ساعة وعشان كده رجعت عشان اكمل اللي بدأته.
_ ولا يهمك يابني براحتك وأنا مقدر طبعا اللي بيحصل، طمني بس الأول، أحمد عامل ايه ؟
ابتسم له يحيى يتنهد براحة واخيرًا :
_ الحمدلله هو كويس، بس معرفش أنت هتبقى كده ولا لا .
نظر له الرجل بعدم فهم مبتسمًا وهو يرتب بعض الورق أمامه :
_ مش فاهم .
_ لا مش لازم تفهم، مش ضروري والله يا استاذ علاء، اهم شيء تعمل اللي احنا عايزينه ومش لازم تفهم .
تعجب الرجل طريقة حديث يحيى ولم يكد يستفسر عن مقصده حتى وجد عيسى يتحرك عن مقعده بسرعة صوب الباب يغلقه بشكل مخيف، ويحيى ينتفض عن مقعده في ثواني وبشكل مرعب يخرج من جيب بنطاله سكين صغير ( مطواة ) فتحها بسرعة وهو يشهرها في وجه علاء :
_ من غير كلمة كده قوم هات الورق اللي سلمته ليك.
اتسعت عيون علاء بصدمة وهو يتراجع للخلف يحاول أبعاده السكين عن وجهه :
_ يحيى أنت اتجننت بترفع مطوة عليا ؟؟ أبعدها كده وتتكلم معايا زي البشر .
أطلق يحيى صوت مستهجن وهو يسخر منه وقد بدأ يتحدث بكلمات حادة قذرة لم يكن علاء يعتقد أنه قد يسمعها يومًا من يحيى :
_ زي البشر مين يا ابن الـ *** أنت، هو أنت هتشبه اشكالك بالبشر، قوم يا روح امك هات الورق دلوقتي .
شعر علاء بأنه محاصر يحاول فهم ما حدث :
_ يحيى أنت بتقول ايه ؟ الكلام اللي بتقوله واللي بتعمله ده هيوصل لجدك و....
وقبل إكمال كلماته كان يحيى يتحرك صوب مقعده يجذبه عن المقعد بقوة صارخًا :
_ احنا هنفضل نرغي ولا ايه ؟ ما تنطق فين الورق بدل اقسم بالله لأشفيك هنا .
حاول علاء الإفلات من يد يحيى لكن الأخير كان يمسكه بقوة وهو يهزه :
_ اياكش تكون مفكر إني زي أحمد ولا زي أي حد من اخواتي، لا يا روح امك ده أنا جدي مش فاكر في حياته غير أني متربتش، مفكر هتعملها عليها أنت والعصابة اللي معاك ؟ قوم يا زبالة هات الورق تاني .
كان علاء يحاول أن يدرك ما يحدث حوله، هو حتى لم تمر ساعات قبل أن يجد يحيى يقفز له مجددًا، ما الذي حدث ؟
هل أفشى أحدهم سره أم ربما هذا يحيى، ربما هذه طريقته العادية، من المستحيل أن يكشف هويته التي يعمل بها معهم، لذا استكمل تمثيله بمهارة، يعدل من وضعية ثوبه بغضب واضح وهو ينطق بنبرة توبيخ .
_ اللي بتعمله ده مش هيعدي كده يا يحيى، كل ده هيوصل لابوك ..
_ ابوك لابو كل الزبالة اللي معاك، ابقى اشتكيني لكل اللي تشوفه وغني ظلموه ولا يهمني، انطق فين الورق ؟
رفض علاء التحرك خطوة وهو يحمل الهاتف وقد بدا أنه ينتوي إبلاغ أحدهم ليتقذه من يد هذا المجنون، لكن يحيى دفع الهاتف جانبًا يضحك بسخرية :
_ لا يا جميل مش دلوقتي ابقى كلمهم بقى ينجدوك بعدين أنا لسه معملتش حاجة .
_ أنت تخطيت كل حدودك، اتفضل اطلع برة مكتبي وانا تعاملي بعد كده هيكون مع جدك، اتفضل اطلع برة بدل ما اجيبلك البوليس.
اسودت نظرات يحيى وهو يقترب منه وفجأة وضع السكين على رقبته يضغط بقوة حتى شعر علاء بشفرتها تجرح رقبته وصوت يحيى يهمس له بنبرة خطيرة :
_ مش هكرر كلامي، فين الورق ؟!
_ أنت....
_ الورق.
_ اللي بتعمله مش هيعـ..
_ الــــــــــــــــورق .
انتفض علاء يبتعد بسرعة عن الشفرة وهو يفتح خزنة جواره يخرج منها بعض الأوراق ويحيى انتشلها منه دون أن يهتم بشيء يراجع الاوراق ويتأكد منها ومن ثم رفع عيونه صوب علاء يبتسم بسخرية :
_ أنا هوريكم يا زبالة منك ليه؟؟
تحسس علاء رقبته وقد نزفت قليلًا بسبب ضغط السكين عليها :
_ اللي عملته ده انا ممكن اوديك بيه في داهية على فكرة .
_ لا متتعبش نفسك هبقى اخدك معايا الداهية دي أنت واللي زيك يا استاذ علاء .
ختم حديثه وهو ينظر لعيسى الذي كان يقف على الباب كي يمنع دخول أي أحد، لكن ما كادوا يخرجون بسبب صوت علاء الذي ردد في محاولة أخيرة لمنعهم من الرحيل :
_ أنت كده بتضيع حقكم على فكرة مفيش محامي تاني فاهم القضية قدي ولا متابعها من زمان زيي، هتلاقي فين محامي بالسرعة دي يترافع عنكم ويساعدكم ؟؟
استدار له يحيى ونظر له ثواني ومن ثم ابتسم بخبث :
_ مصر نصها خريجين حقوق، مش هغلب إني الاقي محامي يساعدني في قضية الأرض اللي هي بالفعل خلصانة، المشكلة عندك أنت ياريت تلحق تلاقي محامي يخرجك من القضية اللي هلبسهالك .
ومن ثم رحل دون أن يوضح أو ينتظر شرح أو غيره، رحل تاركًا علاء في أثره ينظر بعدم فهم وصدمة كبيرة، يتساءل ما الذي حدث فجأة الآن؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس على الأريكة وهي تنظر ارضًا لا ترفع عيونها لأحد في المكان، وخاصة ذلك الذي يكاد يحرقها بنظراته أمامها، وهي فقط تدعي انشغالًا باظافرها، وكأنها للتو أبصرت أنها تمتلك اظافر .
بينما مسلم يجلس على المقعد أمامها في بهو منزل ريكاردو وهو يضم كفيه أمامه يبتسم بسمة غريبة أو بالأحرى مخيفة، وهي لم ترفع حتى وجهها له كي تكتشف هذه البسمة.
وفي الجوار كان الصوت صاخبًا بسبب صراخ ريكاردو وزوجته، إذ يبدو أن هناك حرب وشيكة على وشك الاندلاع بينهما .
_ أنت لا تمتلكني، أنت لا يمكنك التحكم بي وبحياتي، هذا الاستبداد تمارسه على امرأة أخرى وليس عليّ .
ابتسم ريكاردو بسمة باردة وهو يعلم كيف يستفز هذه المرأة التي لا تطيق أن يتعامل معها بهدوء بل تريده أن يرد الصياح بصراخ .
_ أوه حقًا، لا امتلك حقًا على امرأتي؟! إذن على من افعل يا ترى ؟ ربما عليّ الذهاب للبحث عن امرأة أخرى امارس عليها سلطتي وتحكمي إذا كانت التي امارسها عليكِ تزعجك .
اتسعت عيون اماندا تتحرك صوبه وهي تقف ملتصقة به ترفع عيونها له تتحداه الند بالند رغم أن ذقنه يصطدم باعلى رأسها:
_ لا تجرأ حتى على ذلك ريك .
_ لقد سبق وتجرأتي على ما منعتك عنه فما الذي يمنعني الآن بأن اضرب بكلماتك عرض الحائط وإحضار امرأة أخرى لي لا تكون مثلك .
وفجأة مرت غيمة حزن على عيونها جعلته يندم وهو يفتح فمه ليعتذر ويخبرها أنه فقط كاذب، لكنها لم تعطه الفرصة وهي تعود للخلف :
_ لا تكون مثلي ؟
رمش وهو يحاول ايجاد تفسير لما قال، يبرر أنه فقط يرد لها ما فعلته بالذهاب لمثل هذه الأماكن المليئة بالسكارى والقذارة .
لكنها لم تمنحه الفرصة وهي تختفي من أمامه فجأة وهو ظل واقفًا بصدمة ولم يكد يلحق بها حينما أفاق بعد دقيقة، إلا ووجدها تخرج من غرفتها وهي تحمل بندقية تصوبها عليه تصرخ :
_ هذا ليس لانك لا تريدها مثلي، بل لأنك يا عزيزي أن تجد مثلي، وإن وجدت فاحضرها لي لنرى.
اتسعت عيون مسلم بصدمة وهو يرى أين وصل النقاش بينهما، لذا تحرك بسرعة يسحب رايانا بعيدًا عنهم يخرج من المكان بأكمله وهو يستغفر ربه على ما سقط به هو وزوجته .
وبمجرد الخروج للحديقة سمع الإثنان صوت إطلاق رصاصات لتتسع عيون رايانا بصدمة وهي تنظر صوب مسلم تهمس برعب :
_ قتلته ؟
_ تقتل مين ده بسبعين روح .
كان يتحدث بسخرية وهو يسحبها خلفه وكأنه يبحث لهم عن مكان يختلي بها حتى ينتهي مما لديه معها، وحينما وجد مقعد صغير أسفل شجرة تقبع في جزء بعيد عن الأعين سحبها له والقاها على المقعد ووقف أمامها وهي نظرت ارضًا سريعًا .
كل ذلك وهو يراقبها دون كلمة ينظر منها اعترافًا بالخطأ، ينتظر أن تنطق باعتذار، لكن كل ما خرجت به بعد لحظات صمت طويلة :
_ انا مكنتش فاهمة هي بتقول ايه والله .
ومسلم يراقبها ينتظر المزيد، أما عنها رفعت عيونها له تنظر ببراءة شديدة جعلته يبتسم بسخرية وصوتها يخرج بهدوء :
_ أنا معرفش هما بيقولوا ايه، هي قالتلي هنخرج نتفسح سوا، وفعلا اخدتني اماكن حلوة بس بعدين كانت محتاجة تشوف صاحبتها اللي بتشتغل في المكان ده فروحت معاها مكنتش اعرف اوي عامة .
ابتسم مسلم ساخرًا :
_ من الاول ليه روحتي معاها اساسا ؟ أنتِ تعرفيها ولا تعرفي دماغها ولا فهماها اساسا؟ أي حد يقولك تعالي معايا تروحي ؟ ده يا بخت أي حرامي بيكِ والله .
_ كنت زهقانة .
_ تقومي تخرجي بدون اذني ؟
_ قالت هنتسلى ومكنتش اعرف انها هتاخدنا المكان ده .
_ المكان ده ؟ المكان ده ؟ انتِ مدركة أنتِ مقفوشة فين ؟
نظرت له بعدم فهم أما عنه اقترب منها بغضب وهو يصرخ :
_ حانــــة ؟ مراتـــي جايبها من كباريه بالبلدي.
تراجعت رايانا على المقعد بسرعة وهي تحاول إخفاء وجهها خلف يديها لتتسع عيونه من حركتها .
_ قولتلك مكنتش اعرف، ايه، هتعلقلي المشانق، بعدين يعني ما انا زي ما روحت زي ما جيت معملتش حاجة .
_ وأنتِ كنتِ عايزة تعملي ؟
نظرت له وهي ترى غضبه مشتعلًا في عيونه :
_ أنت ليه بتفترض السوء دايما أنا بقولك كلام عام، بعدين أسأل حاتم جه لقاني قاعدة مؤدبة في مكتب بعيد عن كل الحاجات الوحشة .
ضرب مسلم كف بكف وهو يغمض عيونه بغضب شديد لا يعلم ما يفعل هل يرسلها على أول طائرة لمصر مع حاتم ويتخلص من كل التوتر الذي يحياه بوجودها في هذا المكان ؟ ام يحتفظ بها أمام عيونه حتى يظل مطمئنًا ؟
ظلت هي تحدق به وهو يدور أمامها كالاسد في القفص يحرك يده بغضب داخل خصلاته وهو يفكر، ربنا يفكر في مكان لدفن جثتها .
خافت من نظراته فتحدثت بصوت خافت :
_ مسلم ...
ولم يجب عليها مسلم بكلمة فتحركت عن مقعدها تقترب منه وهي تهمس بصوت خافت :
_ مسلم .
توقف مسلم عن الحركة وهو يشعر بلمستها على ذراعه، استدار لها ولم يكد يتحدث بكلمة حتى وجدها تلقي نفسها عليه وهي تكتفه بعناق قوي وكأنها لا تحتضنه بل تقيده منعًا لتهوره.
_ أنا آسفة يا مسلم، انا آسفة والله حقك عليا متزعلش .
ومسلم كان فقط مقيدًا بيديها يرفع يديه في الهواء بتفاجئ منها يراقبها يحاول فهم ما تريد وهي اخذت تلقي على مسامعه اعتذارات وتبريرات .
_ والله حقك عليا، أنا أول ما عرفت احنا فين كنت همشي، بس انا معرفش حاجة في المكان، والله انا غلطانة بس أنت متزعلش مني .
أما عن مسلم فقد بدأ تشنجه يهدأ شيئًا فشيء حتى تحركت يده تلتف عليها بحنان، يرفعها قليلًا لطوله وكم ثم ضم رأسها بحنان :
_ يا فروشكا أنا بخاف عليكِ، وطول الوقت قلقان حد يتعرضلك بحاجة، أنا عايش في رعب لغاية ما اخلص وارجع مصر .
ندمت رايانا على ما فعلت تقول بصوت خافت :
_ حقك عليا أنا يا مسلم .
ربت مسلم عليها بحنان وهو يحاول الهدوء وقد جن جنونه في طريقهم للمكان بسبب ما علمه، صدمة معرفة أن زوجته في حانة مليئة بالسكارى الذين لا تفهمهم حتى ولا يفهمونها إن اعترضت كانت تقتله لولا تأكد ريك عليه أن غابرييل افرغ الحانة مع حاتم .
اغمض عيونه براحة يسمع صوتها تتساءل بخفوت :
_ هنرجع مصر امتى يا مسلم ؟
_ خلاص يا فروشكا، خلاص هانت، ثلاث ايام ...ثلاث ايام وكل شيء ينتهي .....
ــــــــــــــــــــــــ
_ علاء ؟
كانت كلمة مصدومة خرجت من أحمد حينما تحرك له يحيى مع أوراق الملكية وكل ما يثبت حقوقهم .
_ أنت متأكد من اللي بتقوله ؟ علاء متورط معاهم ؟
_ ايوة متأكد أميرة بنت خالك اتصلت بيا وقالتلي الموضوع كله، الحمدلله لسه فيه خير في بيت أمير ده، اتصلت وقالتلي أنها سمعت ابوها بيكلم حد وبيقوله أنه علاء جاب الورق خلاص .
كان أحمد في صدمته لا يصدق ما يحدث الرجل الذي اعتمد عليه فرج طوال سنوات عمره ليساعده كان هو من يعرقل الطريق له في الأساس، هذا ...مرعب .
أن يكون رفيقك الذي يشاركك الطريق هو من ينثر لك الأشواك به .
_ هنعمل ايه دلوقتي يا أحمد؟ اروح اترافع أنا ؟
نظر له أحمد وهو ما يزال في صدمته يفكر في الأمر:
_ أنا...اعتقد اني هقدر اروح اخلص الإجراءات و...
_ تروح فين أنت بتستهبل ؟
_ انا بقيت كويس يا يحيى، محتاج بس يومين راحة وهقدر اتحرك.
_ لا يا أحمد اكيد مش هتقوم وأنت عامل عملية كبيرة زي دي ممكن نشوف حد تاني و...
_ حد مين يا يحيى أنت فاكر هثق في حد بعد اللي عرفناه، لا يمكن يحصل، محدش هيجيب حقنا غير احنا .
رأى يحيى العناد يلوح على وجه أحمد ليزفر بضيق :
_ اللي تشوفه أنت اصلا عنيد، انا عامة خبيت الورق لغاية ما نشوف الدنيا هتستقر على ايه وكمان مسلم بعتلي أنه أيام ويكون هنا .
نظر له أحمد باهتمام :
_ خلاص خلص اللي هناك ؟
_ بيقول أنه خلاص الحمدلله على وشك يخلص دنيته وهيرجع قريب خلال أيام، نكون بإذن الله خلصنا احنا كمان الدنيا هنا وقبينا على وش الدنيا كده وبقينا من عُلية القوم .
كان أحمد يتابع احلام يحيى بسخرية :
_ كل ده في أيام؟ ليه ساحر ؟
_ متبوظش بقى احلامي خليني اصبر نفسي .
هز أحمد رأسه وهو يفكر في القادم، ويفكر في النهاية، ترى كيف ستكون ؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت الأصوات الصاخبة التي تأتيها من الخارج تكاد تصم أذنها، نظرت حولها بضيق وهي ترفض التحرك عن فراش رايانا، تضم رائحتها وتستأنس بصدى صوتها الذي ما يزال يرن في غرفتها .
لكن الاصوات ازدادت صخبًا، بل وقد بدأت الطرقات تعلو على باب منزلها .
تحركت صوب الشرفة الخاصة بغرفة رايانا وهي تراقب الاسفل تحاول معرف ما يحدث لتتسع عيونها وهي تبصر تجمعًا كبيرًا من الأشخاص وهم متجمعين بشكل غريب أمام المنزل .
ولثواني فكرت أنهم ربما أتوا بناء على طلب من تلك القذرة سكينة، لكن ثواني لتبصر بيهم وجوه تعرفها، لم يكونوا مستأجرين لضربها، بل كانوا ....رجال من عائلة زوجها ؟
نظرت لهم بريبة تفكر هل تدعي عدم تواجدها، أم تعلن عن وجودها هنا ؟
وبعد دقائق في التفكير قررت أن هروبها لن يستمر طويلًا فهي ستحيا هنا إذا عليها المواجهة .
تحركت بعيدًا عن النافذ ومن ثم صوب باب المنزل الرئيسي، تحضر نفسها لأي مواجهة أو مطالبة بالمنزل أو بغيره، هي لن تنحني لأحدهم بهذه السهولة، بل عليها أن تظهر لهم ومن اليوم الأول أنها لن تسمح لهم بأن يتحكموا بها .
وصلت لباب المنزل تراقبه لثواني بتردد قبل أن تأخذ نفس عميق ومن ثم فتحت الباب بقوة ترفع رأسها عاليًا تظهر عدم اهتمام بأحد.
لكن لم تكد تبصر وجهًا فيهم أو تميز ملامح حتى شعرت بشيء قوي يصطدم بقدمها.
احنت راسها قليلًا وهي تحاول تبين هوية الشيء الذي اصطدمت به .
ليتضح بعد لحظات استغرقتها للادراك أنه لم يكن شيئًا، بل كان زوجها، أو بالأحرى بقايا زوجها .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ هل أنت مستعد ؟
نظر مسلم جانبًا لريكاردو الذي كان يبدو كما لو أنه يستعد لدخول حرب، ومن ثم نظر لغابرييل الذي ملئ جسده بالأسلحة .
واخيرًا نظر لها، للمرأة الوحيدة التي سمح لها بأن تخترق كل سواده وتستقر داخل صدره، المرأة التي يقيم حربًا الآن لأجلها، حربًا ليضمن أن لا يد ستمسها مجددًا.
تنفس بصوت مرتفع وهو يتحرك صوب رايانا حتى توقف أمامها يهمس بصوت منخفض :
_ فروشكا...
سقطت دموع رايانا بخوف تتمسك بسترته متوسلة :
_ بلاش يا مسلم، بالله عليك بلاش، خلينا نرجع نعيش في سلام .
_ ما هو لو معملتش كده مش هنعيش ابدا في سلام يا راي.
سقطت دموع رايانا وهي تلقي نفسها بين أحضانه تتوسله بصوت متحشرج :
_ بالله عليك ارجع ليا، بلاش تسيبني لوحدي .
هز مسلم رأسه ولم يستطع النطق بهذا الوعد، ينظر صوب حاتم نظرة فهمها الآخر، كان يوصيه عليها، يوصيه وكأن لا عودة له .
ابعد حاتم عيونه عنه رفضًا لهذا الافتراض، ومسلم ابتسم له بلطف شديد، يبتعد عن رايانا بصعوبة يهمس لها بحب شديد :
_ لما ارجع هاخدك تشتري اكبر كرة تلج في العالم، لقيت محل هنا بيبيع اشكال كتير اوي هتحبيها، هاجي اخدك تختاري كل اللي أنتِ عايزاه .
وفي ثواني مرت حياتها أمامها، هذه الكلمات اعادته لشهور طويلة سابقة، حينما توقفت أمامه وهي تبتسم له بخجل تطالبه بإحضار كرة ثلج لها، كانت تطالب غريب أن يحقق لها احلامها، والآن لم يصبح غريبًا بل أصبح حلمها الوحيد.
****
_ هو أنت....ممكن ...تشتري ليا حاجة فعلًا ؟!
تعجب مسلم تغييرها لرأيها، لكنه فقط هز رأسه ببساطة يجيب دون تفكير مبتسمًا بتشجيع بعدما أبصر ترددها وخجلها، وقد نسى مجددًا القاعدة الواحدة التي وضعها قبل مجيئهم هنا .
_ اتمني .
تتمنى ؟؟ الغريب أن لا أحد سابقًا اهتم بما تتمناه هي، لا أحد من عائلتها فكر يومًا فيما ترغب هي به، وها هو مجرد غريب وضع بها ثقته وساندها، ويسألها ما تتمنى .
فركت يدها تنظر في عيونه التي كان يحاول ألا ينظر بها لها، تهمس بصوت منخفض بحلم قديم ظنت أنه تلاشى مع هموم حياتها، لكن سؤاله اعاده لها، وهي لم ترغب في إضاعة فرصة حصولها على ما تريد .
_ فيه ...بلورة كده بتكون فيها عروسة بتنور وفيها تلج بيتحرك فيها و.... أنا هدفعلك تمنها، لو قدرت تجيبها ليا و...
قاطعها ببسمة صغيرة لطيفة :
_ تأمري، اعتبريها معاكِ .
******
مسح مسلم دموعها التي بدأت تسيل على وجهها يقترب منها هامسًا بحب :
_ هجيبلك العالم كله يا فروشكا .
_ عايزاك أنت يا مسلم .
ابتسم بحزن وحب وهو يقبل جبهتها بحنان :
_ تأمري، أنا معاكِ .
ابتسمت له بحب وهو ضمها مرة أخيرة ربما .
وصوتها خرج متحشرجًا :
_ ما صدقت لقيت الأمير يا مسلم .
اتسعت بسمة مسلم قوة :
_ أمير ؟! عمري ما كنت أمير يا فروشكا .
_ ولا حتى ليا ؟!
_ عشانك اكونلك أمير لو يا فروشكا، وشرير لو تحبي .
_ عايزاك مسلم بس .
_ تأمريني .
ربت عليها بحنان مقبلًا رأسها للمرة الأخيرة، ومن ثم تحرك بسرعة صوب الباب يخرج دون كلمة.
بينما ريكاردو نظر لزوجته ثواني :
_ إذن لن تودعيني وداع كهذا ؟
نظرت له وهي تضيق عيونها قبل أن تنفي برأسها وكأنها تستبعد مثل هذه الأمور بعد كل ما مرت به مع هذا الرجل :
_ بالله عليك ريك، الرجل رومانسي حنون، حينما تصبح مثله سأودعك مثل هذا الوداع، الآن أذهب وعد حيًا .
ضحك ريكاردو بصوت مرتفع يعلم جيدًا أنها تحاول أن تستفزه خاصة بعدما حدث البارحة، جذبها من خصرها يقبل خدها بحنان .
_ سأعود لكِ بسكوتتي .
_ حري بك هذا ريك .
ختمت كلماتها بصوت خافت حنون وهي تراقبه بحب :
_ فقط كن بخير لأجلي .
_ لأجلك سأكون اي شيء ماندي وليس فقط بخير .
وهكذا انتهى من وداعه مع زوجته وهو يتحرك جاذبًا غابرييل خلفه، يخرجون من المنزل بعدما تأكد من وضع كتيبة على حراسة قصره .
_ إن مسّ امرأة منهم خدش وخاصة زوجتي، فالافضل أن اعود ولا أجدكم امامي.
ختم حديثه يتحرك صوب السيارة التي تنتظرهم ليجد مسلم يقف أمامها يتحدث بالهاتف وقد بدا على ملامحه تعابير غير مريحة، وهذا لم يكن مبشرًا بالخير .
توقف أمامه ريك ونظر صوب غابرييل بعدم فهم ليهز الأخير كتفه بعدم معرفة، ومسلم فقط بدت الصدمة عليه جلية.
_ ما الذي حدث مسلم ؟
رفع مسلم عيونه لهم وهو يحاول أن يرتب الأمور داخل عقله قبل أن ينطق :
_ جوليــان.......
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أن يتحول الأمير الشرير ...ربما .
أن يتحول الشرير لأمير....مستحيل .
فما بالك لو صنع المستحيل لأجلك؟؟
