رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم نورهان ال عشري


 رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني  ( هل من سبيل للغفران) الفصل السادس والثلاثون 

بسم الله الرحمن الرحيم 


لم يُخلق الإنسان ليشقى، وإنما هي أفعاله التي تجره إلى هاوية الشقاء وتجعله عُرضةً للأذى حتى يظن بأن المعاناة هي قدره الذي لا مناص منه. والمفارقة أن الكثير من الناس لا يؤلمهم الخطأ بقدر ما يؤلمهم الاعتراف به؛ فيميلون إلى ارتداء ثوب الضحية ولو كان السوط بين أيديهم، ويبحثون عن ألف عذر يخفون به الحقيقة، أو يلقون عن كاهلهم ثقل ذنوبهم فوق أكتاف الآخرين، وكأن الأيدي التي اختارت لم تكن أيديهم، وكأن الطرق التي سلكوها لم يسيروا فيها بإرادتهم. بل و يتعمدون إلقاء اللوم على شماعة الظروف وذلك ليس إلا محاولة للهرب من مواجهة ضمائرهم وتجاهل زئيرها، لأن الضمير قاضٍ عادل لا يقبل الرشوة ولا يعرف المراوغة. والأمر في حقيقته لا يكلفهم سوى شجاعة الاعتراف فقط؛ فالاعتراف بالخطأ ليس مذلة ولا إهانة، بل يشبه الألم الناتج عن إخراج رصاصة من الصدر، بقدر ما هو مؤلم ولكنه ضروري لكي يمنح الشخص فرصة للنجاة ووضع حجر البداية لبناء علاقة سليمة، أما المكابرة فهي حماقة تشبه شخصاً أمسك جمرة ثم انتفض لاعنًا النار لأنها أحرقته. 
لذلك، يجب أن يعلم الإنسان أن القوة الحقيقية ليست في الانتصار على الآخرين بل في الانتصار على نفسه الأمارة بالسوء، والتي هي العدو الأول له وجهادها يُعد من أعظم الجهاد. فما هزم المرء عدوًا أعظم من نفسه، ومن هزمها انتصر في كافة معاركه، وغدا قوياً بما يكفي حتى يجابه ما دونها من مشقات ومِحن..

نورهان العشري ✍🏻

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

كانت ألسنة النيران تتراقص بجنون، تندفع من قلب المخازن كوحشٍ تحرر من قيده، فصار يلتهم كل ما يقابله دون رحمة، ليتعالى لهيبها أكثر و أكثر، فتلونت السماء بحمرة مرعبة، حتى خُيل للناظرين أن الليل يحترق من حولهم، وتصاعدت سحب الدخان الكثيفة فلوثت الهواء حتى بات تنفسه مؤذيًا، لتتعالى صيحات الحرس من كل حدبٍ و صوب، وهرولت سيارات الإطفاء تحاول الحد من انتشار النيران أكثر، ، و تواجهت خراطيم المياه مع اللهب في معركةٍ غير متكافئة، بينما كانت النار تزداد شراسةً، كأنها تأبى أن تترك خلفها شيئًا إلا وحولته إلى رماد.
كان الأمر مُرعبًا على الجميع بداية من خالد الذي اقشعر جسده و اكفهرت ملامحه حين رأى كل شيء أمامه يتفحم بقسوة توحي بأن من قام بهذا الفعل شخصًا مهووس بالإنتقام، و كذلك ياسر الذي بهتت ملامحه وهو ينظر إلى هذا الفعل الإجرامي، يليه عمر الذي كان مصعوقًا وهو يرى كل هذا الدمار و هذه الخسائر الفادحة التي تكبدوها، ليصل الأمر إلى رحيم الذي لعن غاضبًا، فقد كانت تلك النيران الشاعلة بصدره تأكله بنهم يكاد يفقده صوابه، وقد شعر به يزيد الذي وضع يده على كتفه وهو ينظر إلى هذا الخراب الذي اقشعرت له الأبدان، فقد كان الأمر مروعًا للجميع حتى أن الدقائق كانت تمر بصعوبة إلى أن خمد وحش النيران الهائج، ليترك خلفه دمارًا لم يشهد على مثله أيًا من الرجال الخمس ليقترب ياسر من خالد وهو يقول بأنفاس لاهثة:
ـ الحريق دا استحالة يكون طبيعي. دانا قولت القيامة قامت..

كان صدر خالد يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه الساخنة تنافس النيران في لهيبها، و اشتد احتقان عروقه حتى برزت في عنقه وصدغيه، بينما انعقد فكُّه بقوة كادت تُحطم أسنانه من فرط الضغط عليها.اما عينيه فكانت مثبتتين على المخازن التي أصبحت مجرد رماد مُحترق، لكنهما لم تعكسا الذهول بقدر ما فاضتا بغضبٍ أسود، غضب رجل يرى ثمار تعبه تُسحق أمامه بيدٍ آثمة لا تعرف سوى الحقد. لم يكن يشاهد حريقًا فحسب، بل كان يرى غِلًّا دفينًا قد اتخذ من النار لسانًا ينطق به، وكأن هناك من تعمد أن يحيل كل ما شيدته يداه طوال السنوات الماضية إلى رماد.
ـ هي قامت فعلًا، ووقت الحساب قرب خلاص..

هكذا تحدث خالد بشراسة ليقترب منه رحيم الذي قال بنبرة متوعدة:
ـ اللي حوصول ده مش هنسكت عليه يا خالد.. الراچل ده لازمن احرج جلبه..

قال جملته الأخيرة بصراخ يشوبه القهر ليجيبه خالد بقسوة:
ـ معندوش حد بيحبه لدرجة أن قلبه يتحرق عليه. بس عنده حاجات تانية هتكسر شوكته..

هتف ياسر بانفعال:
ـ يعني ايه يا خالد؟ هنسكت؟ أنا خسرت كل حاجة بسببه. كل حاجة وحشة شوفتها في حياتي كانت بسببه. خلاص طفح الكيل بقى..

تدخل عمر يحاول تهدئة ياسر الذي كان الغضب يتفجر في أوردته و يجعله يكاد ينفجر من هول الجحيم الذي يسري في دمائه في هذه اللحظة:
ـ أهدى يا ياسر شوية.. كل حاجة هتتحل بالعقل..

و أيده يزيد الذي قال بقسوة قلما تظهر عليه:
ـ هناخد تارنا من عنيه يا ياسر بس كله بالعقل زيك ما قال عمر..

في هذه اللحظة دوت صافرة الشرطة ليهتف رحيم حانقًا:
ـ أني ماليش خلق اسمع حكاوي ملهاش عازة. هرچع البيت، و انتوا حصلوني…

أنهى جملته و توجه إلى أحد السيارات ليوجه خالد حديثه إلى ياسر قائلًا:
ـ متسبوش لوحده يا ياسر…

اومأ ياسر برأسه دون حديث ليتوجه خلف رحيم بينما اقترب عمر من خالد وهو يشعر بالأسى لأجله، فقد كانت المرة الأولى التي يسأل نفسه كيف يمكن لشخصٍ واحد أن يحمل كل هذه الأعباء و يظل على ثباته دون أن يهتز؟ و فجأة طرأ على عقله استفهام مُرعِب: ماذا لو علِم ما يخفيه الماضي من كوارث و تحديدًا تلك التي تخص زوجته الراحلة و طفله؟ هل سيبقى على ثباته؟ أم انه سيطلق العِنان لتلك النيران المندلعة في عينيه أن تحرِق الجميع؟ 
ـ هتقولهم ايه يا خالد؟ 

خالد بجفاء:
ـ مش محتاج اقول حاجة. خليهم يشوفوا شغلهم، واحنا كمان نشوف شغلنا….

اللهم ارزقني رزقًا واسعًا حلالًا طيبًا، وبارك لي فيه، وافتح لي أبواب فضلك ورحمتك، واصرف عني الفقر والضيق، وأغنني بكرمك عمن سواك. ❤️

★★★★★★★★★

كانت تجلس أمام حاسوبها تباشر أعمالها حين رن جرس الباب، فهبت من مكانها لمعرفة من الطارق، فإذا بها تجد كمال أمامها وقد كانت ملامحه مُكفهرة بشكل مُريب مما جعلها تقول بلهفة:
ـ في ايه؟ 

اغتاظ من استفهامها ليهتف بحنق:
ـ هو أنتِ عندية كدا ليه؟ يعني حقيقي نفسي أعرف جايبة الدماغ الناشفة دي منين؟ 

أشعلت كلماته فتيل الغضب بداخلها مما جعلها تقول ساخرة:
ـ لا معلش بس هو أنت عندك فراغ رهيب لدرجة أنك جاي المسافة دي كلها عشان تسألني السؤال دا؟ 

كان ينظر إليها كمن ينظر إلى معجزته التي أتته بأكثر الطرق قسوة، فهذه المرأة هي الاستثناء الوحيد في حياته. لم تطرق قلبه برفق، بل اقتحمه عنوة، و أعلنت إنتصارها على كبريائه العنيد و عقله الصلب، لم يكُن مُعتدلًا أبدًا في مشاعره تجاهها فهي تُفقده اتزانه، وتنتزع منه بروده، وتدفع غضبه إلى الجنون، وعشقه إلى الهلاك، وشوقه إلى حدٍ يؤلمه، ورغبته في احتوائها حتى يتمنى لو يختزل العالم كله بين ذراعيها.
لا يعرف كيف يخبرها بما يشعر به تجاهها، ولا يعرف السبيل إلى محو كل تلك الأشواك التي تملء طرقهم ؟ ولكنه كلما بحث بداخله وجد طيفها يحتل كل ذرة من كيانه، وان طافت عينيه على العالم من حوله لا يرى سوى عينيها تحاصره في كل مكان
كانت المرأة الوحيدة التي عجز عن الفرار منها. وهو الذي اعتاد أن يجعل الهروب طوق نجاته كلما ضاقت به الحياة، لم يجد هذه المرة بابًا ينجو منه. كل الطرق التي سار فيها بعيدًا عنها كانت تنتهي به إليها، وكل محاولة لاقتلاعها من قلبه كانت تغرس جذورها أعمق بداخله، حتى كبرياؤه لم يستطيع أن يهزمها، ولا منطقه أن يبرر وجودها، ولا الزمن أن يُبهت أثرها داخله، فكيف يقف أمامها و يخبرها كل ذلك الآن؟ 
ـ مجتيش مع سوزي و البنات القصر ليه؟ 

تجاهل كل ما يشعر به و هتف مستفهمًا بهذا الاستفهام الذي جعل الاستنكار يغزو ملامحها و نبرتها حين قالت:
ـ نعم! قصر ايه اللي اروحه؟ قصر الأشباح دا انا لا طيقاه لا هو ولا اللي فيه، وبعدين مشاكلكوا أنا ماليش علاقة بيها بره عني. 

قاطعها كمال بنفاذ صبر:
ـ طيب يالا جهزي حاجتك عشان هنروح على هناك…

آسيا بحنق:
ـ هو انت حد مسلطك عليا؟ 

ضاق ذرعًا من جدالها ليهتف بحدة:
ـ آسياااا… لو مجتيش معايا بالذوق هاخدك بالعافية…

لم يكد يُنهي جملته حتى دوى وابل من الرصاص في الخارج، و كأن السماء أمطرت نيرانًا  فوق رؤوسهم جعلت جدران الشقة ترتجف أسفل وقع الطلقات، وانفجر الزجاج من النوافذ متناثرًا في الهواء كشظايا بلورية حادة، بينما اخترقت بعض الرصاصات الجدران مُخلِّفةً ثقوبًا سوداء ورائحة البارود التي ملأت المكان في ثوان لتشهق آسيا بفزع وهي تصرخ صرخة قوية ممزوجة بالرعب الذي اجتاحها، وقد تجمدت الدماء في عروقها، قبل أن تهوي نحو الأرض وهي تغطي رأسها بكفيها المرتجفتين، بينما كانت الطلقات تنهمر فوقهم بلا رحمة، كأنها مطر لا يعرف التوقف.
فلم يمنح كمال نفسه فرصةً للتفكير. بل اندفع نحوها في لمح البصر، وجذبها بعنف إلى صدره، ثم استدار بجسده ليجعل ظهره درعًا يحجبها عن مصدر الخطر، قبل أن يركل باب الشقة بقدمه حتى أُغلق بقوة، ليحيط رأسها بكفه، ثم ضمها إلى صدره بكل ما أوتي من قوة وكأنه يحاول أن يخبئها بين ضلوعه، بينما كانت الطلقات ترتطم بالباب والجدران من حولهما في أصواتٍ مدوية، والزجاج المتطاير يتساقط فوق كتفيه وظهره.
ليهتف بنبرة متحشرجة في محاولة لطمأنتها:
ـ اهدي يا حبيبتي و متخافيش. أنا معاكي…

آسيا بذُعر يتفاقم كلما زاد صوت الرصاص حولهم:
ـ في ايه بيحصل يا كمال؟ و ايه ضرب النار دا كله؟ 

كانت أعيُن كمال كالصقر تطوف في أرجاء المكان ليهمس بخفوت:
ـ خليكِ تحت البار واوعي تطلعي ولا ترفعي راسك..

كانت ترتعش بعنف بين ذراعيه، وأنفاسها متقطعة تكاد تختنق من فرط الهلع الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنت رايح فين و سايبني؟ 

كمال بقوة وهو ينظر إلى داخل عينيها:
ـ متخافيش. لو على موتي مش هسيبك. استنيني هنا و هرجعلك على طول..

رأت في عينيه ما بعث الطمأنينة إلى داخلها لتقوم بالاختباء أسفل المطبخ الرخامي، فتوجه كمال إلى 
أحد النوافذ يحاول رؤية ما يحدث في الخارج، ليتفاجيء بكل هذا الكم من الرجال الملثمين، يحملون أسلحتهم الثقيلة، فعلِم بأن هذا الهجوم مُدبر ليتراجع إلى الخلف تحديدًا إلى حيث تمكث آسيا ليجذبها من يدها وهو يهتف بأنفاس محمومة من فرط الغضب:
ـ تعالي معايا. مش لازم نفضل هنا لحظة واحدة…

آسيا بذُعر:
ـ هنروح فين؟ 

لم يجيبها كمال إنما قام بجذبها و الخروج من باب الشقة متوجهًا إلى السطح وهو يتوخى الحذر خوفًا من أن يكون هناك أحد من أولئك المُلثمين، و ما أن وجده خاليًا حتى هرول إلى الاختباء خلف أحد خزانات المياة وبجانبه آسيا التي كانت ترتجف ليحتضنها بين ذراعيه، وهو يجذب هاتفه ليقوم بالاتصال بخالد الذي أجاب غاضبًا:
ـ أنت فين؟

كمال بلهفة:
ـ خالد في مجموعة مسلحين هجموا على بيت سوزان وانا و آسيا هناك…

ارتعب خالد حتى جفت الدماء في عروقه و تزاحمت الأنفاس بصدره ليهتف صارخًا:
ـ بتقول ايه يا كمال؟ حد منكوا اتصاب؟ 

كمال بنفي:
ـ لا أنا خدت آسيا و طلعت على السطح، و ضرب النار زي ما أنت سامع. تقريبا في اشتباك بينهم وبين الحراسة تحت.

خالد بلهفة وهو يهرول إلى سيارته:
ـ خليك مكانك أنا جايلك، ولو حسيت انهم هيقتحموا المكان ادخل الأوضة اللي بالخشب اللي ورا الخزان الكبير. هتلاقي فيها كراكيب كتير تحتها كنبة قديمة شيل المرتبة اللي فوقها و افتح السحارة اللي فيها هتلاقي سلاح خليه معاك عشان لو اضطريت تتعامل، وانا مسافة الكريق هكون عندك..

كمال بأنفاس مقطوعة:
ـ تمام…

أنهى خالد المكالمة وهو يزأر كالوحوش:
ـ  عاااابد. كمال اتغدر بيه، وفي هجوم على المخبز هات الرجالة و تعالوا ورايا….

 اندفع الجميع يستقلون السيارات خلف خالد الذي كان يقود بأقصى ما يمكنه القيادة حتى خُيِّل لمن يراه أن عجلات سيارته لا تلامس الأرض بل تطير فوقها. فقد كانت يداه تقبضان على المقود بعنف حتى ابيضت مفاصله وعيناه تقدحان الشرر بشكل يبعث على الرهبة في النفوس، بينما يتصارع داخله ذعر قاتل مع غضب يكاد يمزق صدره. لم يكن يخشى الموت يومًا لو كان من نصيبه هو، لكنه كان يرتعب من فكرة أن ينال أحد من احبائه. أن يجد شقيقه قد سبقهم إلى مصير لا يستطيع انتزاعه منه، فكان صدره يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه تخرج حارقة كأنها اللهب بعينه، بينما كانت قدماه تضغطان على دواسة الوقود بلا رحمة، وكأن هذه الطريقة هي الوحيدة القادرة على تقليص المسافات وإنقاذ أخيه.
أما في السيارة التي خلفه، فكان عمر ويزيد يعيشان الجحيم ذاته. لم ينطق أحدهما بكلمة فالكلمات كانت أعجز من أن تصف الرعب الذي ينهش أرواحهما. اكتفى عمر بقبض كفه حتى كادت أظافره تشق جلده بعُنف، بينما ظل يزيد يرمق سيارة خالد بعينين محتقنتين، يتمتم بالدعاء بين حين وآخر، ثم يسبّ الطريق والوقت والعجز الذي يكبلهم. كانت فكرة واحدة فقط تعصف برؤوسهم جميعًا. كمال يجب أن يكون حيًا. أما إن أصابه مكروه فلن تكون تلك الليلة مجرد محاولة اغتيال، بل ستكون الليلة التي ستُشعل حربًا لن تُبقي ولن تذر.

ـ. يزيد كلم ياسر و اطمن عليهم في البيت. بسرعة
هكذا صاح عمر في يزيد الذي امسك بهاتفه لينفذ ما قاله عمر، فما أن أجاب ياسر حتى صاح يزيد بلهفة:
ـ ياسر. اسمعني كويس. في هجوم حصل على كمال وآسيا في بيت سوزان، واحنا رايحين على هناك..

ياسر بفزع:
ـ بتقول ايه يا يزيد؟ حد منهم جراله حاجة؟ 

ـ لحد دلوقتي لا. المهم خلي بالك أنت ورحيم من القصر و الله فيه..

هكذا تحدث يزيد ليقاطعه ياسر باستنكار:
ـ أنت اتهبلت في مخك! اناجايلكوا على هناك..

يزيد بحدة:
ـ مينفعش تسيب القصر من غير ما يكون حد فينا هناك… مش عارفين ممكن يحصل ايه؟

كاد ياسر أن يُجن من فرط القلق و الشعور  بالعجز من مساندة كمال و الدفاع عنه، ليصرخ بغضب وهو يركل أحد المزهريات أمامه، ليجذب انتباهه صوت تحرك النباتات من الناحية اليمين ليقوم بالتوجه إلى مصدر الصوت وهو يحصي خطواته حتى يتبين من هناك، ولكنه لم يجد أحد، ليتوجه إلى الداخل، و منه إلى غرفة رحيم الذي صُدِم حين وجد ياسر يقتحم غرفته وهو يقول بنبرة مغلولة:
ـ في خاين في القصر دا….

اللهم يا رزاق، يا ذا القوة المتين، ارزقني من حيث لا أحتسب، وبارك لي فيما أعطيتني، واجعل رزقي عونًا لي على طاعتك، ولا تجعل في قلبي تعلقًا إلا بك. ❤️

★★★★★★★★

مرت لحظات ثقيلة، اختلط فيها صدى الأنفاس اللاهثة برائحة البارود التي ملأت الأجواء، قبل أن تهدأ أصوات الرصاص فجأة، وكأنها لم تكن منذ لحظات قليلة تمزق سكون الليل كالصواعق فوق رؤوسهم. خيم صمتٌ خانق على المكان، حتى باتت دقات القلب تُسمع بوضوح، إلا أن كمال كان يعلم جيدًا أن ذلك الصمت ليس سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة.
تصلبت ملامحه، وانكمشت عيناه في ترقبٍ شرس، بينما شد أجزاء سلاحه بحركات سريعة أتقنتها يداه، وأعاد تثبيت مخزن الذخيرة، مستعدًا لاستقبال اللحظة التي أيقن أنها آتية لا محالة.
مما جعل آسيا تهمس بشفتين مرتجفتين، وقد فقد وجهها كل لونٍ فيه من شدة الهلع:
ـ أنت هتعمل ايه يا كمال و ايه السلاح دا؟

التفت إليها، وللحظة اختفى ذلك المقاتل الذي يستعد لخوض معركة حياة أو موت، ولم يبق سوى عاشقٍ ينهشه الندم لأنه جرها إلى هذا الجحيم، فترك سلاحه، وكوب وجهها بين كفيه بحنان يناقض تمامًا القسوة التي تعصف بالمكان حولهم، وظل يتأمل ملامحها للحظات، كأنه يخشى ألا تسنح له فرصة أخرى لرؤيتها، ثم قال بنبرة متحشرجة:
ـ اهدي ومتخافيش، اوعي تخافي وانا موجود. هخرجك من هنا بأمان. خليكِ واثقة فيا.

ارتجف جسدها بين يديه، واهتزت أنفاسها حتى كادت تختنق، فاقترب منها أكثر، وأسند جبهته إلى جبهتها، مغمضًا عينيه لثوانٍ، وكأنه يستمد منها القوة التي أوشكت على النفاد، ثم تابع بصوت أجش:
ـ هفديكي بروحي يا آسيا ومش هسمح لأي حاجة وحشة تحصلك. تمام..

اندفعت الكلمات من فمها متلهفة:
ـ لا مش تمام. مش هخرج من هنا من غيرك…

ارتسمت على شفتيه ابتسامة وجع تحمل من الحب بقدر ما تحمل من اليأس، وقال بنبرة عاشقة:
ـ هنخرج سوى، و لو محصلش. اعرفي انك أول وآخر حب في حياتي، و إن عمر عيني ما شافت ست غيرك..

لم يكد يُنهي كلماته حتى التقطت أذناه وقع خطواتٍ ثقيلة ترتطم بدرجات السلم المؤدي إلى السطح، وفي لمح البصر تبدلت ملامحه و اختفى ذلك العاشق المتيم بها، وعاد الرجل الآخر الذي بدا و كأنه ولد ليكون مقاتل، فقام بنزع أحد المسدسات الصغيرة من جانبه ودفعه بين يدها، ثم قال بنبرة آمرة:
ـ خلي دا معاكي، و اوعي تترددي تستخدميه لو حسيتي بخطر…

انتفض جسدها من فرط الذعر، واتسعت عيناها وهي تنظر إلى السلاح المرتجف بين أصابعها، وأوشكت على الحديث، لتأتي نبرته الغليظة حين قال:
ـ اسمعي اللي بقولك عليه. خليكِ هنا وخلي المسدس دا معاكي، وانا راجعلك…

أومأت برأسها في صمت، فقد كانت الكلمات ترتجف داخل صدرها أكثر مما ترتجف على شفتيها، واكتفت بمتابعته بعينين غمرهما الخوف، وهو يتحرك ببطء شديد إلى الجهة الأخرى من خزان المياه، بينما كانت أصوات الخطوات تزداد اقترابًا، حتى بدا وكأن أصحابها أصبحوا فوق رؤوسهم مباشرة ثم ساد صمتٌ مميت وحبس الجميع أنفاسهم حتى الهواء نفسه بدا وكأنه توقف عن الحركة، وفجأة دوى صوت الطلقات كالبرق  حين خرج كمال من مخبئه، ضاغطًا على زناد سلاحه دون تردد، فانطلقت الأعيرة من فوهه سلاحه كزخاتٍ المطر لتخترق أجساد سبعة من الرجال ما إن وطئت أقدامهم سطح المبنى. لتتهاوى أجسادهم تباعًا فوق الأرض، بينما تناثرت الدماء فوق أرضية السطح، فلم يمنح البقية فرصة لاستيعاب ما حدث. لكن صدمتهم لم تستمر سوى ثوانٍ. إذ دوى وابل كثيف من الأعيرة النارية من الجهة المقابلة، فألقى كمال بنفسه خلف الخزان في اللحظة الأخيرة، بينما راحت الطلقات ترتطم بالخرسانة من حوله، فتتناثرت شظايا الأسمنت فوق كتفيه، حتى بدا السطح كله يغرق في دوامة من النار والدخان، و في الخلف كانت آسيا ترتجف بعنف، تضغط على المسدس بكلتا يديها حتى ابيضّت مفاصلها، وعيناها لا تفارقان كمال لحظة واحدة، بينما كان هو يتحرك أمامها كدرعٍ بشري، يغير موضعه مع كل دفعة رصاص، مراقبًا كافة الزوايا، مستعدًا أن يستقبل أي طلقة بجسده قبل أن يسمح لإحداها بالوصول إليها.
وبعد دقائق بدت وكأنها دهر كامل هدأت الطلقات من جديد ليستغل كمال تلك الثواني القليلة، ويتراجع إلى الطرف الآخر من الخزان، ليجذبها معه، ثم همس في أذنها بنبرة آمرة:
ـ امسكِ سلاحك كويس، و غطي ضهري….

هتفت آسيا بذعر:
ـ نهارك مش فايت. اغطي ضهرك ازاي؟

نظر إليها بطرف عينه، وقال باختصار:
ـ خلاص سيبيني اموت…

بهتت ملامحها، وشعرت وكأن الأرض تميد بها، إلا أنه لم يمنحها فرصة للاعتراض، فقد تحرك بخطواتٍ وئيدة، بالكاد تُسمع، حتى وصل إلى أحد الزاويا التي تمنحه رؤية أوضح للمسلحين الذين كانوا يتحينون الفرصة للإجهاز عليه، فلمح ثلاثة منهم يتقدمون بحذر، يتبادلون الإشارات فيما بينهم، فلم ينتظر بل ضغط الزناد معاودًا شن هجوم غاشم ليردعهم عن التقدم، فخرجت ثلاث دفعات متتالية، أصابت أهدافها بدقة قاتلة، فتهاوى الرجال الثلاثة قبل أن يتمكن أحدهم من إطلاق رصاصة واحدة. لكن موقعه قد صار مكشوفًا أمام البقية، فانهالت النيران نحوه من كل اتجاه، فأجبرته على التراجع مجددًا، بينما كانت الطلقات تحفر الخرسانة حوله، وتتناثر شظاياها فوق رأسه.
أعاد تزويد سلاحه بالطلقات للمرة الأخيرة، فقد كان يعلم أن ذخيرته أوشكت على النفاد، لكنه لم يكن يقاتل لينتصر عليهم، بل ليمنعهم من التقدم حتى يصل خالد والرجال إليهم، وعلى الجهة الآخرى كانوا يحاولون استنزاف زخيرته لتتحول المواجهة بينهم إلى حرب أعصاب، فكلما خمدت نيرانهم، اندفع من مخبئه ليغمرهم بوابلٍ جديد من الرصاص، ثم يعود قبل أن تحاصره طلقاتهم.
 وفجأة أصدر سلاحه صوتًا جاف يعبر عن نفاذ مخزون الطلقات في أكثر توقيت خاطيء ليطلق كمال سبّةً نابية من فمه، واستدار بسرعة ليأخذ السلاح الذي تركه مع آسيا لكنه تجمد في مكانه حين لم تكن هناك لينقبض قلبه بعنفٍ حتى كاد أن يتوقف عن النبض، وشعر وكأن يدًا غليظة امتدت إلى صدره وانتزعته من بين ضلوعه.
فتسارعت أنفاسه، وراح يدور بعينيه في المكان بجنون، غير عابئٍ بالرصاص الذي لا يزال ينهمر من حوله ولكنها اختفت. كانت تلك الكلمة وحدها كفيلة بأن تهدم ما تبقى من ثباته ليستدير بخطواتٍ متعثرة، وقد سيطر عليه رعب لم يعرفه من قبل،  وفجأة تجمد في مكانه عندما رآها!!!
فقد كانت تزحف نحوه بين الجثث الملقاة على الأرض، وثيابها ملطخة بالغبار والدماء، وأنفاسها تتلاحق من شدة المجهود، بينما كانت تضم بين ذراعيها سلاحًا انتزعته من أحد الرجال الذين أرداهم كمال قبل قليل ثم توقفت أمامه، ومدت يدها بالسلاح، وقالت بأنفاسٍ متقطعة:
ـ أمسك. يخربيت كدا هو البتاع دا تقيل كدا ليه؟ 

تفرقت نظراته لثوان بين وجهها وبين السلاح و للحظة أراد أن يقبلها بقوة، فهذا السلاح هو أكثر ما يحتاجه في هذه اللحظة حتى يكسب بعض الوقت لوصول الدعم، مما جعله يهتف بلهفة:
ـ عليا الطلاق منك أنتِ أجدع واحدة قابلتها في حياتي..

لم يكد ينهي جملته حتى ظهر أحد الرجال خلفها مباشرةً، فصرخ كمال بفزع، وهو يطلق رصاصة اخترقت صدر الرجل مباشرةً:
ـ آسيا…

صرخت آسيا بفزع جعل جسدها ينتفض ليجذبها كمال بقوة لتصبح خلفه، وهو يفتح النيران على كل من يقابله دون أن يهتم بأنه أصبح مكشوفًا أمامهم، و في هذه اللحظة وقعت عينيها على ذلك السلاح الذي أعطاها أياه لتنحني وتقوم بإلتقاطه بلهفة لتستمتع إلى خطوات تأتي تجاههم من الجهة المقابلة لها، فوجهت السلاح نحو القادم وهي ترتجف وتبكي بعُنف، و ما أن ظهر الرجل أمامها حتى ضغطت على الزناد لتنطلق رصاصة من سلاحها وهي تغمض عينيها بقوة، ليصل إلى مسامعها صوت إرتطام قوي ففتحت عينيها بلهفة، والتي برقت بذهول حالما رأت أحد الرجال المُلثمين يسقط أرضًا، فتجمدت الدماء في عروقها هل قتلت رجلًا للتو؟ لم يحتمل عقلها هذا الأمر لترتخي ساقيها و تسقط فاقدة للوعي، ليستدير كمال حين سمع صوت ارتطامها بالأرض، فشعر و كأنه طُعِن في أعماق قلبه ليترك السلاح من يده، وهو يتوجه إليها صارخًا:
ـ آسياااا….

كانت خسارتها تعني خسارة حياته، لذا ترك كل شيء و احتضنها بقوة ظنًا منه أنها قد أُصيبت ليقوم باحتضان جسدها بقوة، فلم ينتبه إلى ذلك السلاح المسلط تجاه رأسه، و قبل أن تندلع منه رصاصة الغدر جاء زئير خالد من الخلف متبوعًا بوابل من الأعيرة النارية ليتخطاه عمر و يندفع نحو كمال الذي كان يحتضن آسيا بقوة و عبراته تغرق صدره و وجهها ليقترب عمر منهم يمد يده و يتفحص نبضها و سائر جسدها باحثًا عن أي أصابة ليقول بلهفة:
ـ الحمد لله متصابتش هي مغمى عليها متخافش…
و تدخل يزيد هو الآخر هاتفًا:
ـ يالا نمشي بسرعة قبل ما ولاد الكلب دول يصحوا…

هب كمال من مكانه وهو يحملها برفق ليجد خالد أمامه وهو يقول بلهفة:
ـ أنت كويس؟ جرالك حاجة؟؟

كمال بأنفاس لاهثة:
ـ أنا كويس. مفيش حاجة. آسيا اللي اغمي عليها. 

خالد بنبرة آمرة:
ـ هاتها و يالا من هنا… 

ماهي إلا لحظات و كان جميع الرجال بالأسفل ليقابلهم سالم الوزان الذي ترجل من سيارته متوجهًا ناحيتهم وهو يقول بقلق:
ـ حد اتصاب؟ 

خالد بجفاء:
ـ لا. الحمدلله وصلنا في الوقت المناسب. 

سالم بحدة:
ـ اللي حصل دا مالوش غير معنى واحد يا خالد..

خالد بقسوة:
ـ أنه عرف اللعبة اللي اتعملت عليه.

ـ خالد أنت وسالم. اعملوا حسابكوا أني لازم اعرف  اللعبة اللي بتتكلموا عنها دي، وكل حاجة بتخططولها، لأني ورحمة أمي ما هعدي اللي حصل دا على خير. اطمن على آسيا بس…

هكذا هتفت كمال بشراسة قبل أن يتوجه إلى السيارة وهو لا يزال يحمل آسيا التي حاول عمر إفاقتها، بينما تبادل كُلًا من خالد وسالم نظرات ذات مغزى ليقول الأخير بغضب:
ـ كان عندك حق لما قولت انك معندكش ثقة في حد. 

زمجر خالد بوحشية:
ـ المشكلة أن حتى اللي بثق فيهم بيصعبوا كل حاجة عليا. مش عارف هيفوقوا امتى؟ 

اجابه سالم قائلاً:
ـ اعتقد كمال أول واحد فاق..

خالد بوعيد:
ـ سيبك من كمال دلوقتي. أنا مش عايز اورطك مع الكلب دا اكتر من كدا. كفاية أنك خدت البضاعة عندك، و انك خاطرت بنفسك و برجالتك و جيت لحد هنا…

سالم بجفاء:
ـ لا بقولك ايه أوامرك دي تمشيها على الوتايدة إنما الوزانين مبياخدوش أوامرهم من حد، أنا معاك لحد ما نخلص الليلة دي…

ابتسامة بسيطة ارتسمت فوق ثغر خالد الذي علق على حديثه قائلاً:
ـ اهي جدعنتك دي اللي مخليني متحملك السنين اللي فاتت دي…

ابتسم سالم قبل أن تستعيد ملامحه جديتها و كذلك نبرته حين قال:
ـ لازم ترد يا خالد بس بالطريقة…

خالد بوعيد:
ـ بالظبط. بس الرد مش هيبقى من هنا.. عشان يوجع صح…

اللهم إني أشكو إليك ضعفي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، فرّج همي، ونفّس كربي، ويسّر أمري، واجعل لي من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل همٍّ فرجًا، ومن كل بلاءٍ عافية، وارزقني السكينة والطمأنينة، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين. ❤️

★★★★★★★★

قتلتها الانتظار وكأن عقارب الساعة تلدغها بكل دقيقة تمر، فبعد أن غادر بهذه الطريقة حتى أيقنت بأن هناك مكروه حدث، وقد تعاظم خوفها حين شاهدت عودة كُلًا من رحيم و ياسر بينما هو لم يعود، فأخذت تطوف في الغرفة بقلق لم يعد باستطاعتها احتماله وخاصةً و أن جميع هواتفهم مغلفة بما فيهم هاتف شقيقتها فهتفت بانفعال:
ـ لا أنا مش هقدر اتحمل القلق دا. أنا كدا هيجرالي حاجة بجد.

هبت غنى من مكانها وهي تقول بأسى:
ـ أنا قلقانه على آسيا و نجاة اوي. ومش مصدقة اللي حصل دا و انها قدرت تخون رحيم. أكيد في حاجة غلط…

و أيدتها شروق قائلة:
ـ عندك حق يا غنى.. احنا لازم نتواصل معاها. نجاة عمرها ما تكون خاينة…

تدخلت سوزان قائلة:
ـ والله من اللي سمعته عن أبوها دا احتمال كبير يكون مهددها. متستبعدوش حاجة..

زفرت أشجان بتعب قبل أن تقول:
ـ ثواني و هجيلكوا… 

قالت جملتها و توجهت للخارج قاصدة غرفة المكتب لتبحث عن ياسر أو رحيم لتستفهم عن ما يحدث، فوصلها صوت جدال حاد أتٍ من غرفة الجلوس، فتوجهت إلى هناك لتصطدم بصوت رحيم الغاضب:
ـ كنك اتچنيت يا ياسر! ازاي متجوليش على اللي حوصول؟ يوبجى هما هناك في جلب النار واحنا اهنه جاعدين كيف الولايا؟ 

اجابه ياسر بنبرة حادة كالسيف:
ـ هو أنت شايفني مبسوط بالقاعدة هنا؟ بس غصب عننا مينفعش كلنا نسيب البيت و نمشي. افرض حصل حاجة. الناس اللي هنا دي مين هيلحقها؟ 
 حاولت صافية تهدئة الأمر قائلة:
ـ اهدوا يا ولاد، و وطوا حسكوا معيزيينش حد يدرى باللي حوصول..

لم تستطيع الا ان تدلف إلى داخل الغرفة وهي تهتف بذُعر:
ـ في ايه يا صافية؟ و مين في قلب النار يا رحيم؟ 

تبادل الثلاثة النظرات  ليتحمحم ياسر وهو يجيبها قائلًا:
ـ مفيش حاجة. نار أيه وبتاع أيه؟ 

أشجان بانفعال:
ـ ياسر لو سمحت متكذبش عليا. أنا عايزة اعرف في ايه؟ 

في هذه اللحظة شعرت بالألم يجتاح أسفل بطنها لتتغضن ملامحها بالألم، مما جعل صافية تهب من مكانها وهي تتوجه ناحيتها قائلة بلهفة:
ـ يا حبيبتي مفيش حاچة. تعالي اجعدي..

استفهم ياسر هو الآخر بقلق:
ـ أنتِ كويسة؟ 

أشجان بنبرة متألمة:
ـ كويسة. قولي في ايه يا ياسر أرجوك…

تدخل رحيم مُجيبًا:
ـ اجعدي طيب ارتاحي و أني هحكيلك. جعديها يا صافية….

جذبتها صافية لتجلسها على أحد المقاعد ليصل إليهم صوت نبيلة الآتي من الخلف:
ـ هو عمر لسه مجاش برن عليه تليفونه مقفول..
 
تولى ياسر الإجابة قائلًا باقتضاب:
ـ لسه مجاش…

تفرقت نظرات نبيلة بينهم قبل أن تقول باستفهام:
ـ في حاجة ولا اي؟

اجابها رحيم بنفاذ صبر:
ـ حوصول حريج في مخزن من مخازننا، و خالد ومعاه الرچالة بيشوفوا الموضوع هناك و زمانهم چايين…

شهقت أشجان بذُعر، فلم تُزيدها إجابته إلا خوفًا، كما أنها شعرت بأنه اخفى عنها الكثير، ولكنها ما كادت أن تتحدث حتى سمعوا أصوات سيارات في الخارج ليندفع الرجال الى الخارج تليهم أشجان، فصرخت بها صافية:
ـ حاسبي يا بتي…

ضيقت نبيلة عينيها ولكنها لم تعلق بل تبعت أشجان التي ما أن شاهدت خالد يتقدم منها حتى اندفعت إلى احضانه التي احتوتها بقوة، فقد انتفض قلبه حالما رآها تهرول بتلك الطريقة مما جعله يعاتبها بنبرة يشوبها القسوة حين قال:
ـ بتجري كدا ليه؟ 

كانت ترتجف بين يديه من فرط القلق عليه، وهو الذي دفعها إلى أن تهرول إليه غير عابئة بأي شيء لتهمس بنبرة مُرتجفة:
ـ أنا. أنا. مقصدتش. كنت قلقانه عليك…. آسيا..

هكذا صرخت بذُعر ما أن وجدت كمال يحمل آسيا و يترجل من السيارة ليحاول خالد تهدئتها قائلًا:
ـ اهدي متخافيش. هي كويسة. اغمي عليها بس….

اختتم حديثه وهو يضمها بقوة إلى صدره في محاولة منه لتهدئتها، وكان كل ذلك يحدث أمام نبيلة التي كانت ترتاب فيما يحدث فلاحظتها صافية التي اقتربت منها قائلة بجفاء:
ـ مالك عنيكِ هتطوج شرار ليه؟ تكونيش بتغاري على اخوكي من مرته ولا ايه؟ 

ارتبكت نبيلة من حديث صافية لتقول بتلعثُم:
ـ هاه. لا. أه. مش أخويا حبيبي. بغير عليه طبعًا. بس يعني فرحانه أنه بيحب مراته وهي بتحبه… 

صافية بسخرية:
ـ طول عمرك طيبة يا نبيلة و بتحبي الخير للكُل..

شعرت نبيلة بالسخرية في حديثها فحدجتها بنظرة جافة قبل أن يلفت انتباهها عمر الذي كان يسابق الريح ليذهب الى شروق ولكنها لم تكن تسمح بذلك إذ هرولت إليه لتحتضنه وهي تقول بقلق:
ـ عمر حبيبي انت كويس؟ 

عمر بعُجالة:
ـ كويس يا ماما. عن اذنك…

أمسكت بذراعه وهي تهتف باصرار:
ـ استنى رايح فين؟ تعالى عيزاك ضروري

عمر بسخط:
ـ عيزاني في ايه يا ماما؟ 

ذرفت عبراتها الزهيدة وهي تقول بانكسار مزيف:
ـ هو أنا يا ابني مش بوحشك؟ طيب انا كنت قلقانه و هتجنن عليك. اقعد معايا شوية اطمن عليك و بعدين روح مطرح ما تروح..

كانت تعرف جيدًا السبيل إلى قلبه وتبرع في اللعب على ضميره، وقد نالت مبتغاها حين قال عمر بنبرة جافة:
ـ طيب يا ماما. اللي تشوفيه…

اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك... أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي.» ❤️

★★★★★★★★★

توجه خالد الى الداخل وهو يمسك بيد أشجان ليمنعها من التوجه خلف كمال وآسيا لتلتفت إليه قائلة بعتب:
ـ خالد سيب ايدي عايزة اطمن على آسيا…

عاندها قائلاً:
ـ آسيا كويسة، ومعاها جوزها، و أنا عايز مراتي..

اغضبها حديثه لتهتف بغضب:
ـ طيب هطمن عليها بس…

خالد بنبرة لينة لطمأنتها:
ـ قولتلك هي كويسة.. لو فيها حاجة هقولك. سبيها تنام و ترتاح النهاردة، والصبح روحي اطمني عليها…

كانت تعلم أنه لا يكذب و على الرغم من ذلك كانت  غاضبة منه لكونه منعها من الذهاب إلى شقيقتها، فزفرت بغضب وهي تتوجه معه إلى غرفة مكتبه فما أن أغلق الباب حتى استفهمت بلهفة:
ـ طب ممكن تحكيلي حصل أيه؟ و ايه الحريق اللي حصل في المخازن دا؟ و ايه علاقته بآسيا؟ 

توجه خالد الى خلف مكتبه يقوم بالبحث في أحد الأدراج، فأخرج مظروفًا كبيرًا فتحه ليتفقد محتوياته باهتمام قبل أن يغلقه مرة آخرى وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ حريق حصل في مخزن من المخازن لسه منعرفش ايه السبب، و دا مالوش اي علاقة بآسيا.

ـ اومال مالها؟ ايه اللي خلاها يغمي عليها كدا؟ 

خالد بجمود وهو يتوجه ناحيتها:
ـ وهي جاية مع كمال على هنا عملوا حادثة صغيرة، و هي اتخضت مش اكتر….

شعرت بأنه اخفى عليها الكثير لتهتف بعتب:
ـ خالد….

مد يده يجذبها إليه وهو يقول بنبرة شبه آمره:
ـ تاني مرة متجريش بالشكل دا… افرض وقعتي ولا اتكعبلتي..

مدت يدها تحيط عنقه وهي تقول بهمس:
ـ خايف عليا ولا على البيبي؟

قربها منه أكثر حتى اسكنها بين ضلوعه ثم قال بأنفاس محرورة:
ـ خايف عليكِ عشان أنتِ أحلى و اغلى حاجة في حياتي، وخايف عليه هو كمان عشان دا الأمنية اللي اتمنتها من ربنا طول عمري…

شعرت بأنه يتألم بشكل أو بآخر لتتراجع عنه لتنظر في عينيه قائلة بحنو:
ـ مالك يا خالد؟ أنت مخبي عني ايه؟ 

خالد بنبرة تزاحم بها الألم إلى جانب العشق:
ـ خليكِ متأكدة اني مش بخبي عليكِ حاجة غير وانا عارف ان دا أحسن ليكِ…

كانت ترى في عينيه الكثير لذا قررت أن تجازف و تقترب من حدود تفكيره لتقول بنبرة هامسة مترددة:
ـ الحريق دا بفعل فاعل مش كدا؟ 

خالد بابتسامة هادئة:
ـ ومالك بتتكلمي وأنتِ مترددة كدا؟ 
أشجان بخفوت:
ـ خايفة يكون تخميني غلط، فتضايق…

ابتسم خالد على طيبتها الزائدة، وقد كانت هي الشيء الوحيد المُضيء في عالمه الموحش مما جعله يحتوي وجهها بين يديه وهو يقول بنبرة خشنة مُحببة كثيرًا إليها:
ـ قولي كل اللي نفسك تقوليه. غلط ولا صح. متفكريش حتى. أنتِ بالذات أنا بسمعك بقلبي..

بادرت هذه المرة، واقتربت تعانقه بقوة، لا كزوجة تحتضن زوجها، بل كأم تضم طفلها الذي أثقلته الحياة حتى أوشك على الانكسار. لتنساب أناملها بين خصلات شعره برفقٍ بالغ، تربت عليه بحنان وكأنها تنتزع من روحه كل ما علق بها من وجع.
لم يقاومها بل ترك نفسه لها، وقد كان ذلك وحده  كالمعجزة، فذلك الرجل الذي كانت هيبته تُجبر الجميع على الانحناء، وقف بين ذراعيها ساكنًا على نحوٍ لم يعتده أحد. بدا وكأن كل صلابته قد ذابت بمجرد أن لامسته، وكأن الوحش الذي أرعب الجميع قد ألقى مخالبه عند قدميها طواعية، وكأنه لا يثق  بأي شخص في العالم سواها، فهي  الوحيدة التي تستطيع أن تُسكت العاصفة المستعرة داخله، والوحيدة التي إذا احتضنته، تخلت هيبته عن سطوتها، وتراجعت قسوته إلى الخلف، وانحنى كبرياؤه دون أن يشعر بالهزيمة. معها لم يكن قائدًا، ولا رجلًا يخشاه الجميع. كان مجرد روح أنهكتها الحروب، ووجدت أخيرًا وطنًا تأوي إليه.
كان هذا ما رأته زينة التي كانت تراقبهما من خلف النافذة بعينين تكادان تشتعلان فلم يكن العناق ما يحرقها بقدر ما أحرقها ما رأته فيه، فللمرة الأولى تشاهد ذلك الجبل الذي لا تهزه الرياح، يلين بين ذراعي امرأة، ولأول مرة ترى الوحش الكاسر يطأطئ رأسه طواعية وكأن كل ما امتلكه من قوة وهيبة وسلطان يتنحى في حضرتها، فهي الوحيدة التي اعطاها حق الوصول إلى الرجل المختبئ خلف جدران الصلابة و القوة التي تحيط به.
و في تلك اللحظة أدركت حقيقةً موجعة وهي أن ليس جميع الرجال قد يخضعون بالقوة، فهذا الرجل لم يخضع في حياته إلا للحب، ولم تنجح في بلوغ تلك المكانة بداخله سوى امرأةٍ واحدة. أشجان…
لذا التمع المكر في عينيها وهي تهمس بوعيد:
ـ ماشي يا خالد. بقى دا اللي بيجيب معاك! طب قابل بقى على اللي هتشوفه، ويانا يا حبيبة القلب في البيت دا…

لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ❤️

★★★★★★★★★

ـ بتجول ايه يا بغل أنت؟ كيف خرچوا منيها؟ أني باعت نسوان ولا ايه؟ 

هكذا صرخ رماح بانفعال ما أن علِم بأن مخططه للإطاحة بأحد أوتاد هذه العائلة باء بالفشل، ليتلقى باقي الحديث على الطرف الآخر مما جعله يصرخ بانفعال:
ـ طب غور من وشي. جبر يلمك…

ـ عايز ايه من بتي يا رماح؟
هكذا تحدثت بدرية من خلفه ليستدير ناظرًا إليها و الجنون بادٍ على ملامحه، فشعرت بأنها هالكة لا محالة، ولكن سرعان ما تبدد هذا الجنون ليحل محله الهدوء الذي تجلى في نبرته حين قال:
ـ بتك فين ؟ 

بدرية بجفاء:
ـ متجلجش. نايمة. اديتها چرعة المنوم عشان نعرفوا نتحدتوا براحتنا..

تربع رماح على المقعد خلفه وهو يقول باطراء:
ـ يا زين ما عملتي.. طول عمرك بتفهميني.. اجعدي عشان نعرِفوا نتحدتوا.

اطاعته و هي تقول باستفهام:
ـ أول حاچة ليه چبتنا السرايا أهنه؟ 

رماح بسخرية:
ـ مش بجول طول عمرك بتفهميني. اجولك يا ستي. جبتكوا اهنه عشان أجدم حسن النية. لو بتك سمعت كلامي و نفذته هدوقكوا عز عمر أبوكي ماشافه ولا حلم بيه، ولو قلت عقلها و رفضت هرميكي أنتِ وهي للسباع تتغدى بيكوا بعد ما تاخدوا لفة حلوة في الوكر…

اقشعر جسدها من فرط الخوف، ولكنها ظلت على ثباتها حين قالت:
ـ عايز بتي تعمل ايه؟

رماح بشر:
ـ بتك دي الخنچر اللي هقتل بيه رحيم الوتيدي. ازاي؟ دي تخصني. هي بس توافج..

بدرية بثبات:
ـ اعتبرها وافجت..

رماح بتحذير:
ـ بتك بتحبه يا ولية، و عشان أكده لازمن تعرفيها اللي هيچرالها لو قلت عقلها لو عملت غير اللي هجولها عليه…

سخرت بدرية من حديثه قائلة:
ـ متخافش بتي لسه الحب مطيرش عقلها. تجدر تجول طالعة لأمها…

كان يعلم إلى ما ترمي من حديثها، ليهب من مكانه وهو يتوجه تجاهها ليقوم برفع يده و يهوي بقوة فوق خدها قبل أن يقول بوعيد:
ـ اخلص على الوتايدة، و هفضالك، وربنا المعبود لهخلي الديابة تنهش في لحمك و أنتِ صاحية على كل البلاوي اللي عملتيها…

كان الألم الخارجي والداخلي أعظم من أن تصفهم الكلمات، و لكن عينيها كانت تتوعد له بالكثير والكثير مما لا يجب أن يُقال…

حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. ❤️

★★★★★★★★★

ـ اعمل حسابك أن الرد هيكون من عندك. رماح خد نجاة و أمها على البلد..

هكذا تحدث خالد إلى رحيم الذي أجابه بشراسة:
ـ وأني چاهز، و من بكرة هعاود على البلد..

تدخل ياسر قائلًا:
ـ على فكرة أنا حاسس أن نجاة دي مظلومة اللي حصل النهاردة دا و كمية الغل اللي كانت باينه في كل حاجة حصلت بتقول أن الراجل دا هيموت من الغيظ. مش راجل انتصر علينا.

خالد مُصححًا:
ـ لا وانت الصادق هيموت من الخسارة، و على فكرة أنت عندك حق. يمكن لو كانت بنته فعلاً معاه زي ما قالت لرحيم مكنش هيعمل اللي عمله بالغل دا…

كانت الكلمات تقتله من الداخل، ولكنه حاول ألا يُظهر تأثره حين قال بجمود:
ـ كل حاچة هتبان، ولحد ما تبان الهلالية تمًا دمهم حلال بالنسبالي… 

كان هذا أكثر ما يخشاه لذا خاطبه خالد بنبرة يغلب عليها نفاذ الصبر:
ـ رحيم. عشان خاطر ربنا. ياريت قبل ما تمشي خطوة نكون حاسبين حسابها كويس. الغلطة ممكن تضيع الدنيا. اديك شوفت كنا هنخسر كمال النهاردة و أنت امبارح لولا ربنا سترها معانا…

أومأ رحيم برأسه قبل أن يقول بوعيد:
ـ متجلجش اني عارف هعمل ايه، وزي ما جولت كل حاجة هنرتبلها صوح…

اللهم إن كان ما أرجوه خيرًا لي، فيسره لي، وبارك لي فيه، وقرّبه إليّ من غير حولٍ مني ولا قوة، وإن كان غير ذلك فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به. ❤️

★★★★★★★★★

ـ بتقولي ايه يا ماما؟ دا وقته! بقولك الدنيا خربانه هنا و نجاة اتخطفت، وانتُ تقوليلي كلمي ياسر يشارك أبوكي.. ارحميني. مش وقته الكلام دا…

هكذا تحدثت غنى بحدة إلى والدتها التي قالت بضعف مصطنع:
ـ يا بنتي حقك عليا عارفة اني بتقل عليكِ. بس والله دا من عشمي، وبصراحه ابوكي كان هيقع النهاردة من طوله وهو في الشغل. دا اللي خلاني اكلمك..

هبت غنى من مكانها مفزوعة وهي تقول:
ـ بتقولي ايه يا ماما؟ بابا يتعب و متقوليليش؟ 

ـ اوعي يا غنى تقوليله أنه قولتلك. دا محلفني مجبلكيش سيرة..
غنى بلهفة:
ـ حاضر مش هقوله. بس بكرة لازم هاجي أشوفه و اطمن عليه، و هحاول افاتح ياسر في الموضوع…

في هذه اللحظة دلف ياسر الى الغرفة مما جعلها تنهي الحديث مع والدتها، و تبتسم في وجهه بارتباك ليقول باستفهام:
ـ كنتِ بتكلمي مين؟ و موضوع ايه اللي هتفاتحيني فيه؟ 

ارتبكت أمام نظراته المتفحصة، لتتعثر الحروف فوق شفتيها حين قالت وهي تقترب تساعده في خلع ملابسه:
ـ دي. دي ماما.. كانت. بتطمن علينا، وووو..

كانت تعطيه ظهرها وهي تعلق ملابسه على شماعة الملابس ليقترب منها ياسر يحتضن خصرها من الخلف وهو يقول باستفهام:
ـ بتهربي بعنيكي ليه يا غريبة قلبي؟ 

تعالت أنفاسها و اهتاجت دقات قلبها، فهي تخجل من الحديث معه في الأمر، ولا تعرف كيف تصبغ كلماتها، ووالدتها لا تنفك تحاصرها من جميع الجهات لتضعها في مأزق كبير معه، ولكن ما باليد حيلة فهي مجبرة حتى ترحم والدها من هذا الشقاء مما جعلها تستدير وهي لازالت بين يديه لتبتسم بتوتر قبل أن تقول بارتباك:
ـ أبدًا. أنا. أنا.بس كنت عايزة اتكلم معاك في موضوع…

ياسر باستفهام:
ـ موضوع ايه؟

غنى بتوتر:
ـ يعني لو ينفع. بابا كان. كان يعني معاه مبلغ و يعني بقول لو تقدر انك تشغل. تشغلهوله معاك. أنا عارفة أنك لسه مبدأتش بس. لو تفكر في الموضوع!!

لم تستطِع أن تكمل حديثها، فملامحه لم تكن تبشر بالخير، لم يكن غاضبًا بالمعنى الحرفي، ولكن تعابير وجهه كانت توحي بأن الأمر لا يعجبه، فأخذت تنظر إلى وجهه بترقب حتى سمعته يقول بجمود:
ـ أنتِ عارفة اني لسه مبدأتش شغل أصلًا يا غنى، و بعدين الشغل اللي أنا داخل فيه دا بملايين..

خرجت الكلمات مندفعة بين شفتيها حين قالت:
ـ أيوا مانا عارفة، ماهو معاه حوالي مليون و نص. يقدر يعني يشاركك بيهم وكدا…

ضيق ياسر عينيه حين سمع حديثها ليستفهم باستنكار:
ـ مليون ونص مرة واحدة! هو مش من كام شهر لما كان بيعمل العملية ممتك قالت إن ظروفكوا وحشة وأنهم مش عارفين يعملوله العملية بسبب قلة الفلوس؟!

كان الموقف مهينًا إلى الحد الذي جعلها تتمنى لو تنشق الأرض تحت قدميها فتبتلعها. فالمرأة تستطيع أن تحتمل قسوة الدنيا بأسرها، إلا أن ترى كرامتها تُسحق على يد أهلها أمام الرجل الذي اختارته سندًا لها، فما من إذلال يفوق أن تتحول العائلة التي يُفترض أن تكون سندًا، إلى اليد التي تهدر كرامة الزوجة أمام زوجها.
رفع عنها الحرج حين قال باقتضاب:
ـ تعالي ننام دلوقتي و بعدين نبقى نتكلم في الموضوع دا….

كادت الدموع تفر من عينيها من فرط الخزي، وتمنت في تلك اللحظة لو أن الكلمات اختنقت في حلقها قبل أن تغادر شفتيها، حتى لا تجد نفسها واقفة في هذا الموقف الذي يطحن كرامتها أمامه، فاومأت برأسها وتوجهت إلى السرير هربًا من مواجهته، فشعر بالغضب من نفسه كونه احرجها بهذه الطريقة، ليتوجه هو الآخر إلى مخدعهم، لتشعر به يقترب منها فحاولت أن تقمع عبراتها المنسابة فوق وسادتها لتجد ذراعيه تعانقان خصرها ليقربها منه واضعًا قبلة دافئة فوق كتفها قبل أن يشاكسها قائلًا:
ـ و يجيلك قلب تنامي من غيري وكمان تديني ضهرك! لا دا أنتِ قلبك مات بقى، و لا عيزانى اعملك قفلة؟

ابتسمت على حديثه مرغمة، فلم تكن تريد أن يطول الأمر أكثر من ذلك لتلتفت دون أن تنظر إليه وتدفن رأسها في جنبات صدره، لتسمعه يطلق زفرة حارة من جوفه قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ حاضر يا غنى. هعملك كل اللي أنتِ عايزاه…

لم يكد ينهي جملته حتى سمع رنين هاتفه فاعتدل ليلتقطه من فوق الطاولة بجانب السرير ليتفاجئ حين رأى رقم هيام، فأجاب على الفور ليصل إليه صوت صراخها و تصيح بفزع جعل الدماء تتوقف في أوردته خاصةً حين قالت…. 

تعليقات