رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل السابع والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
أحيانًا يجد الإنسان نفسه عالقًا في المنتصف بين كل شيء، لا يجرؤ على التقدم خطوة إلى الأمام، ولا يملك شجاعة التراجع إلى الخلف. يقف كالغريق في ظلمة البحر، باحثًا عن يابسة تنقذه أو شاطئ يحتضن جسده المُنهك. ينظر إلى كل ما يحيط به بعينين تملؤهما الخيبة والعجز، فبرغم اتساع الكون من حوله لا يجد ركنًا آمنًا من شأنه أن يتخذه ملجأً لأوجاعه الناجمة عن ذلك الجرح الغائر في منتصف صدره، الذي لم يكتفِ بنزف الدماء فقط، بل نزف معه سنوات من العمر لا يعرف كيف مرت، ولا يستطيع إعادتها، فهي لم ترحل وحيدة بل رحلت و أخذت معها أحلام كانت تنبض بالحياة ذات يوم.
عادةً، في مثل تلك اللحظات العصيبة، لا يحتاج الإنسان إلى معجزات كي يهدأ ألمه، جلّ ما يحتاجه هو يد حانية تلتف كالضماد حول جُرحه، وربتةٌ هادئة تخبره أن القادم سيكون أجمل بكثير. فبعض الكلمات الدافئة من شأنها أن تعيد إحياء الحياة بداخلنا من جديد، فقسوة العالم لا يخفف من وطأتها سوى لحظة حنان صادقة، تتمثل في صدرٍ يمكننا الاستناد إليه بكل ما نحمل من ألم ولوعة.
لكن... ماذا لو كان الشخص الذي من شأنه أن يداوي أوجاعنا هو نفسه من تسبب بها؟ وأي مرارة تلك التي تفتك بالروح حين نرى اليد التي انتظرنا منها أن تضمد جراحنا هي ذاتها من غمست الجمرات فيها؟ فجعلت من احتراقنا أمرًا واقعًا؟
وهنا لا يبكي الإنسان لأن أحدًا آذاه، الأمر أعمق من ذلك بكثير. فالمرء قد يدرك أن الأذى أحد ضرائب الحياة التي يجب عليه دفعها، لكنه لا يتقبل فكرة أن يتأذى على يد ظنها يومًا نجاته من كل شيء، فذلك هو الوجع الذي لا تداويه الأيام، ولا يبرأ منه القلب بسهولة، لأنه لا يؤلم فحسب بل يسرق منا الطمأنينة، و يفقدنا القدرة على منح الثقة، و الأكثر من ذلك أنه يترك في القلب سؤال مرير لا يخبو و لا يهدأ طنينه بداخلنا: كيف يتحول شخص كان بمثابة درع الأمان إلى أكثر شيء مخيف في الحياة؟
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ جابر راح مني يا ياسر… سابني من غير ما حتى يعرفني ولا ينبهني. مات و سابني يا ياسر…
هكذا تحدثت هيام وهي تبكي بكاءً مريرًا كطفلة انتُزع منها أمانها بغتة بعدما شُيِّع جثمان جابر الذي اختطفته أزمةٌ قلبيةٌ حادة وهو في طريقه إلى المشفى، وكأن الموت لم يمهله حتى فرصةً أخيرة لوداع أحبته. لم تحتمل هيام وقع الفاجعة، فتهاوى جسدها كغصنٍ يابسٍ كسرته عاصفة عاتية، وسقطت مغشيًا عليها قبل أن تستوعب أن نصف روحها قد غادر إلى الأبد.
وحين استعادت وعيها، وجدت نفسها في بيتها الذي كان في السابق يمتليء بصوته، فإذا به يصبح موحش كالقبر، فراحت عيناها تجوبان الأركان بلهفة الغريق الذي يبحث عن طوق نجاة، وكأنها تنتظر أن يخرج جابر من إحدى الغرف مبتسمًا، ليخبرها أن كل ما حدث لم يكن سوى كابوس ثقيل. لكن الخيبة كانت أصدق من كل الأمنيات المستحيلة، وكان غيابه حاضرًا في كل زاوية، ينهش قلبها نهشًا حتى شعرت أن الهواء نفسه قد أصبح عاجزًا عن الولوج إلى صدرها.
عندها اقترب منها ياسر بخطواتٍ مثقلة، واحتضنها بقوة، وكأنه يحاول أن يمنع قلبها من التفتت بين ضلوعها. أما عنه فكان الحزن يعصف بروحه هو الآخر كما تعصف الرياح الهوجاء بسفينة ضلت الطريق إلى مرفأها. فهذا الرجل الذي توارى جسده تحت الثرى اليوم لم يكن مجرد زوج شقيقته بل كان بمثابة أب سند احتمى به طويلًا. لذا كان فقده بالنسبة إليه مؤلمًا للحد الذي جعل عينيه تمتليء بعبرات غزيرة مما جعل نبرته تخرج متحشرجة حين قال:
ـ وحدي الله يا هيام. محدش له في نفسه حاجة..
كانت في حالة يُرثى لها تتساقط العبرات من عينيها كالشلال الذي لا يردعه سد، و تتعالى نهنهاتها بشكل تتقطع له نياط القلوب، مما جعل غنى تشقق عليها كثيرًا فاقتربت منها تربت على كتفها بحنو وهي تواسيها قائلة:
ـ شدي حيلك يا حبيبتي، وادعيله بالرحمة..
التفتت هيام تنظر إليها بأسى تجلى في نبرتها وهي تقول:
ـ عمك جابر مات يا غنى. مات و سابني لوحدي. طب كان ياخدني معاه.
ـ بعد الشر عنك متقوليش كدا. كلنا معاكي و حواليكي..
أنهت غنى جملتها وعانقتها بقوة وهي تشاركها نوبة البكاء الحارة ليتراجع ياسر إلى الخلف يحاول الثبات قدر الإمكان ليجد صافية تربت على كتفه بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ شد حيلك يا ياسر. شد حيلك يا ولدي…
ربت ياسر على كتفها و تراجع إلى الخلف لتتوجه صافية إلى هيام التي كانت ملقاه بين ذراعي غنى لتهتف بمواساة:
ـ حبيبة جلبي يا هيام. وحدي الله. مش هيغلى على اللي خلجه يا نور عيني..
ارتمت هيام في أحضان صافية وأخذت تبكي حتى جفت مياة عينيها، ولم تجف جذور الحزن في قلبها، فقد غادر نصفه الآخر بلا رجعة ليتركه غارقًا في نقصًا أبديًا لا يملؤه أحد، ولا يجبر كسره الزمن.
اللهم اجعل السعادة رفيقة أيامي، وافتح لي أبواب الخير من حيث لا أحتسب، وأبعد عني كل همٍّ وحزنٍ وضيق، واملأ قلبي نورًا ويقينًا وراحةً لا تزول. ❤️
★★★★★★★★★
كانت تقف في منتصف غرفة مهجورة، تحيط بها الجثث من جميع الجهات و رائحة الموت تعبأ المكان و أصوات طلقات الرصاص تصُم آذانها، لتشعر بجسدها يرتجف من شدة الخوف و فجأة ظهر أمامها رجل تتساقط الدماء من جرحٍ غائر في صدره ليقترب منها بعينين يملؤهما الغضب و هو يُشير إليها بإصبع الإتهام، و يقول بصوت جهوري ارتعدت له فرائسها:
ـ أنتِ اللي قتلتيني..
كان صوتها مكتومًا و و الأنفاس مختنقة بصدرها، فقط كل ما يصدر عنها عبارات غزيرة و نهنهات متقطعة، و ضربات قلب يكاد الخوف أن يقتله و خاصةً حين اقترب منها الرجل لتخرج منها صرخة قوية انتفض على إثرها جسدها لتهب من نومتها مفزوعة، فقد كان كابوسًا مروعًا ما كانت تحياه لتشعر بيدين حانيتين تطوقانها بقوة و صوت كمال المتلهف يحاول طمأنتها قائلاً:
ـ اهدي يا قلبي دا كابوس…
أخذت تنتفض بين يديه، وهي تهتف بكلمات متقطعة:
ـ قتلته. أنا يا كمال. قتلته. الراجل . اصله كان عايز. عايز يقتلك. أنا. مقصدتش.
مد كمال كفوفه يحتوي وجهها بين يديه وهو يقول بلهفة:
ـ لا لا. آسيا أنتِ مموتيش حد. دا عابد والله. الطلقة بتاعتك مجتش فيه.
ـ هاااه..
تجمدت بين يديه تنظر إليه وكلماته تطن في أذنيها يحاول عقلها استيعابها لتنظر إليه بأعيُن تملؤهما الحيرة ليقترب كمال واضعًا قبلة قوية فوق جبهتها قبل أن يقول أمام عينيها ليقول مرة آخرى بصوتٍ أجش:
ـ آسيا. حبيبتي. أنتِ معملتيش كدا. مقتلتيش حد..
انكمشت ملامحها بألم وهي تقول من بين عبراتها:
ـ أنت مبتكذبش عليا صح!
كمال بلهفة:
ـ لا والله العظيم مبكذبش. أنتِ معملتيش كدا. الطلقة اللي خدها كانت من ضهره.
كانت تود الصراخ من شدة فرحتها بأنها لم تصبح قاتلة، ولكن وهن جسدها لم يطاوعها لتعبر عن ما ثقل ما تشعر به بأنهار من الدمع الذي لا ينضب ولا يجف ليجذبها كمال بقوة إلى داخل ذراعيه وهو ينثر بتلات عشقه فوق خصلات شعرها لتمر دقائق قبل أن تهدأ ثورة انفجارها لتتراجع عنه لتنظر في عينيه لتجده يقول باهتمام:
ـ أحسن دلوقتي؟
أومأت برأسها دون حديث ليتابع مشاكسًا:
ـ اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكيش وأنتِ جيبالي السلاح و بتديهولي. ايه اللي حصل! حبوب الشجاعة مفعولها خلص ولا ايه؟
ضيقت عينيها بغضب من حديثه الذي ظنته سخرية لتهتف ساخطة:
ـ عقبال حبوب الظرافة اللي انت واخدها ما مفعولها يخلص هي كمان
قهقه كمال بقوة على حديثها، فقد عادت حبيبته ذات اللسان السليط مرة اخرى ليقرر العبث معها قليلًا حين قال:
ـ لا بس الحق يقال. كنت بطل في المعركة. معرفش انك جامد كدا، ولا دي غلاوتي عندك هي اللي جمدت قلبك كدا!
رجفة قوية أصابت جسدها أمام نظراته التي تشاكسها ليغمرها الخجل كُليًا، ولكنها لم تسمح له أن يربكها لذا هتفت باستنكار:
ـ لحظة لحظة. مين اللي غالي عليا دا؟ عايزة اقولك ان اللي عملته ده كنت هعمله مع أي حد تاني. اومال اسيبهم يموتونا!
كان ينظر إليها بانبهار يخالطه شغفًا قاتلًا يمتلئ به صدره لأجلها. لم يكن أسيرًا لجمالها فحسب بالرغم من أن ملامحها كانت كفيلة لإرباك أقسى الرجال بل كان مأخوذًا بتلك الروح التي تسكنها والتي لا تعرف معنى الانكسار، فقد رأى كيف تقف في وجه الخطر بعناد المقاتلين وهي التي لم تحمل سلاح بحياتها، كان كل ما بها يأسره، ثورتها تسلب منه اتزانه، وشجاعتها تشعل داخله نارًا لا يستطيع شيء إخمادها حتى صار يشعر أن الدنيا بأسرها تضيق إن ابتعدت عنه، وتتسع بمجرد أن تقع عيناه عليها. فأخذ يراقب ذلك التحدي في عينيها الزمرديتين، وهو يزداد يقينًا أنه هالك أمامها لا محالة. تلك المرأة لم تقتحم قلبه فحسب، بل اجتاحته كإعصار بعثر كل ما كان يؤمن به، وجعلها الاستثناء الوحيد في حياته. لم يعد يملك رفاهية النجاة منها لقد أصبحت نبضه الذي يحييه، وجنونه الذي لا يتجزأ عن شخصيته، فالمشاعر التي كانت تثيرها داخله مشاعر متناقضة على نحوٍ مرهق، فقد عاد من سفرته وهو عازم على إلقائها بعيدًا عن عالمه، واليوم ها هو أمامها لا يرتجي شيء في الحياة سوى رضاها. يريد أن يصفق لها كلما رأى شجاعتها، وأن يحتضنها كلما تذكر أنها ألقت بنفسها في قلب الخطر دون تردد لأنقاذه. يغضب منها لأنها لا تخشى شيئًا، ثم يعشقها أكثر لأنها لا تعرف سوى المواجهة. إمرأة كهذه لا يليق بها أن يُحبها فحسب، بل إن يعشقها. أن تصبح إدمان بالنسبة إليه و قدره الذي لا يمكنه الفكاك منه.
ابتسم رغمًا عنه وهو يتأملها، فبكل يوم يمر عليه تنتزع جزءًا جديدًا من عقله واتزانه حتى لم يعد يعرف من أين يبدأ وكيف ينتهي. جل ما يدركه أنه على وشك الجنون بها، وأنه لو خُير بين العالم كله وبين تلك المجنونة التي أمامه، لاختارها ألف مرة، وهو ممتن للقدر لأنه منحه فرصة أن يعشق امرأة مثلها. امرأة خُلقت من نورٍ و نار واجتمع فيهما الجمال والتمرد في أخطر صورة عرفها.
جف حلقها وهي ترى نظراته التي كانت تذيب عظامها لتتحمحم وهي تبلل حلقها الجاف، فجاءها حديثه الماكر حين قال:
ـ يعني مش عشان كنتِ مرعوبة عليا؟
ارتبكت الحروف فوق شفتيها وهي تقول باستنكار:
ـ مرعوبة عليك! طب على فكرة أنا لو بعرف استخدم السلاح دا كان زمان اول حد ضرباه طلقتين هو أنت..
اقترب كمال منها، فكادت أن تتراجع للخلف لتحيط يديه بخصرها حتى يمنعها من الحركة وهو يقول بنبرة عابثة:
ـ طب عيني في عينك كدا…
كادت أن تذوب أمام اغواء عينيه اللتين يتماوج بهم العشق و الشوق معًا، ولكنها استطاعت السيطرة على نفسها في آخر لحظة لتدير وجهها إلى الجهة الأخرى وهي تقول بارتباك:
ـ لا والله ماليش مزاج أحط عيني في عين حد…
اغتاظ منها لأنها حرمته من جنة عشقها ليحاول استفزازها قائلًا:
ـ تبقي بتكذبي.
آسيا بنبرة مغترة:
ـ براحتي..
تذكر كلمات خالد بأنها بالتأكيد غاضبة من موضوع لورا إذا قرر عدم الضغط عليها و إعطاءها الفرصة لتقبل وجوده في حياتها مرة آخرى ليهمس بنبرة صادقة:
ـ موتيني من القلق عليكي. لما وقعتي حسيت أن روحي راحت، كان قلبي هيقف لما اتخيلت انك اتصابتي..
أصابت كلماته أعماق قلبها، وقد عادت ذكرى ما حدث في عقلها لتلتفت إليه قائلة بنبرة خافتة:
ـ الحمد لله أنها عدت على خير. هو ايه اللي حصل دا؟ و مين الناس دول وليه كانوا عايزين يموتونا…
شعر بارتجافة الخوف في كلماتها ليقول بجمود:
ـ لسه مش متأكدين. بس على الأغلب دا حد له تار معانا من سنين..
ـ معاكوا! معاكوا مين مش فاهمة؟
ـ الوتايدة..
تشدقت ساخرة:
ـ اها قولتلي.. أنا كان قلبي حاسس ان العيلة دي هتجيب أجلي…
ابتسم كمال على حديثها، ليقول بلهفة:
ـ بعد الشر عنك…
تحمحمت بخفوت قبل أن تقول باستفهام حزين:
ـ سوزي عرفت اللي حصل!
كمال بخشونة:
ـ عرفت.
ـ طيب عايزة أشوفها..
أجابها كمال بأسف:
ـ للأسف مش هينفع دلوقتي. لأن الحاج جابر جوز هيام توفى والكل هناك معاها، و سوزان راحت معاهم.
اللهم إنّي أسألك قلبًا مطمئنًا، ونفسًا راضية، وروحًا هادئة، وحياةً يملؤها الفرح، وأيامًا تُزهر فيها الأمنيات، وحقق لي ما أتمنى إن كان فيه خير، واصرف عني ما يؤذيني وإن تعلّق به قلبي.❤️
★★★★★★★★★
انقضت أيام العزاء الثلاث، و قد كان الجميع حول الأشقاء الثلاثة يأخذون واجب العزاء ليأتي وقت الرحيل، فاقترب رحيم من ياسر قائلًا بمواساة:
ـ البقاء لله يا ياسر. شد حيلك أكده ما دايم إلا وچه الله.
ياسر نبرة مشجبة:
ـ لا إله الا الله….
رحيم بنبرة مُتجهمة:
ـ أني غصب عني هضطر أعاود البلد النهاردة. أنت عارف ايه اللي مستنيني هناك يا واد عمي..
ياسر بتفهم:
ـ الله يعينك يا رحيم. سافر بالسلامة ربنا معاك…
اقترب خالد منهما ليقول بنبرة خشنة:
ـ سافر انت يا رحيم بالسلامة، واطمن كلنا هنا موجودين ياسر مش لوحده…
ياسر بامتنان:
ـ والله يا خالد اللي يكون عنده ولاد عم زيكوا يبقى ربنا بيحبه…
ربت خالد على كتفه ثم التفت إلى رحيم قائلاً:
ـ رحيم. مش هوصيك. قدام ياسر أهو. مش عايز جنان الله يباركلك.
اومأ رحيم برأسه وهو يقول بغموض:
ـ خير ان شاء الله يا خالد…
رن هاتف عمر الذي كان يجلس بين الرجال يأخذ العزاء بجانب يزيد ليهب من مكانه حين رأى رقم المتصل، فتوجه إلى الخارج وهو يجيب بلهفة:
ـ الووو..
أجابه الحارس على الطرف الآخر:
ـ الآنسة هايدي أخت حضرتك طلعت الشقة اللي كلفتنا نراقبها…
كاد عمر أن يصاب بذبحة صدريه في هذه اللحظة ليهتف بأنفاس مقطوعة:
ـ أنت متأكد أن دي هايدي أختي مش حد شبهها؟
الحارس بتأكيد:
ـ أيوا يا فندم. هي الأنسة هايدي أنا متأكد.
طحن عمر أسنانه بغل تجلى في نبرته وهو يقول:
ـ طيب خليك عندك أنا جاي حالًا…
اغلق الهاتف واندفع كالإعصار إلى سيارته يقودها كالمجنون، فمنذ تلك الليلة التي رأى شقيقته مع ذلك الرجل في المطعم، وهو يراقب شقته للتأكد من أن ذلك الحقير لا تربطه أي علاقة بشقيقته، فهو أكثر من يعلم مدى دناءته، وقد كان بداخله يتوسل إلى الله أن تكن شكوكه في غير محلها، حتى أنه حاول أن يتحدث مع والدته قبل ثلاثة أيام
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ ماما. ممكن قبل أي حاجة اتكلم معاكي في موضوع مهم؟
هكذا تحدث عمر حالما جلس على الأريكة أمام نبيلة التي قالت بلهفة:
ـ طبعا يا عمر. اتكلم…
عمر بنبرة حاول جعلها هادئة:
ـ ياريت تسمعيني للآخر. عشان أنا من يوم ما شوفت هايدي مع الحيوان دا وانا مبنمش..
هتفت نبيلة بامتعاض:
ـ في ايه يا عمر؟ أنت مكبر الموضوع كدا ليه؟
حاول أن لا ينفعل ليقول بنبرة يشوبها التوسل:
ـ يا ماما اسمعيني وافهميني. أنا اكتر حد عارف مصطفى وعارف قذراته، ودي أختي مقدرش مخافش عليها.
نبيلة بتقريع:
ـ ولما أنت بتخاف عليها اوي كدا. سايب البيت و سايبنا و قاعد فين! احنا لينا حقوق عليك يا دكتور عمر. بس أنت مش معترف بيها، وعايزنا نسمع كلامك ونقولك سمعًا و طاعة و خلاص…
هب عمر من مكانه وهو يصيح بانفعال:
ـ أنا بكلمك في ايه وأنتِ بتكلميني في ايه؟ يا ستي اعتبريني ابن ستين كلب. أنتِ مش خايفة على بنتك؟
هبت نبيلة مدافعة:
ـ بنتي متربية أحسن تربية، و مصطفى عارف كدا، وحتى لو كان له علاقات مش كويسة عمره ما يقدر يعمل كدا مع هايدي، ولا هي هتسمحله. ايه يا دكتور أنت شايف أختك دي أيه؟ ولا انت مش شايف حد كويس غير الست شروق هانم…
ناظرها بتعب و قد تأكد بأنه لن يصل معها إلى نقطة التقاء واحدة، لذا قرر أن ينحي النقاش جانبًا حين قال بوعيد:
ـ حلو اوي كدا اسمعيني بقى. عشان ننهي القصة دي. مصطفى دا زبالة، ولو عرفت ان بنتك ليها أي علاقة بيه من قريب أو بعيد مش هيكفيني موتهم اللتنين.
عودة إلى الوقت الحالي..
قام عمر بجذب سلاحه الناري أسفل مقعده و هو يترجل من سيارته و داخله نيرانًا هوجاء من شأنها أن تحرق الجميع، فما أن شاهده الحرس حتى هرولوا تجاهه ليشير إليهم بيده، وهو يزمجر كالوحوش:
ـ محدش ييجي ورايا. خليكوا هنا لحد ما انزل…
أنهى جملته و هرول إلى الأعلى وهو لا ينوي خيرًا أبدًا…
اللهم أسعدني سعادةً تُنسيني كل ألم، وعوّضني عن كل وجعٍ مررت به، واجعل القادم من عمري أجمل مما مضى، واكتب لي من الخير فوق ما أرجو، ومن الفرح فوق ما أدعو. ❤️
★★★★★★★★★★
ـ بتجول ايه؟ يعني ولد الرفدي ده شون البضاعة عِند ولاد الوزان؟
هكذا صاح رماح بانفعال وهو يكاد يُجن حين علِم تلك المؤامرة التي أُحيكت ضده ليقوم بإلقاء الهاتف من يده وهو يكاد يطحن ضروسه من فرط الغِل لتهرول بدرية إليه وهي تقول بذعر:
ـ حوصول ايه يا رماح؟ صوتك واصل آخر البلد فيه ايه؟
التفت رماح ناظرًا اليها بغضب جعلها تتراجع إلى الخلف من فرط الذعر ليهمس بنبرة مخيفة:
ـ بتك فين؟
ـ أني أهوه.
هكذا تحدثت نجاة التي دلفت إلى داخل الغرفة بملامح واجمة و أعيُن احترق بياضها من فرط البكاء ليهوي قلبها بين ضلوعها حين وجدته يتوجه إليها لتشعر بأن هلاكها أصبح قريبًا، ولكنها تفاجئت به يحتضنها بقوة جعلت أعينها تبرقان من فرط الصدمة و كذلك بدرية التي توسعت حدقتيها حين سمعته يقول:
ـ اخ يا بت أبوكي لو تعرفي وچودك دلوك مهم لأبوكي كد ايه؟
كانت لحظةً اصعب من أن يستوعبها عقلها. فهذا أول عناق تتلقاه من والدها طوال حياتها، العناق الذي انتظرته الطفلة بداخلها لسنوات، حتى كادت تيأس من وجوده. كانت تعرف جيدًا من يكون وتحفظ سواد روحه كما تحفظ اسمها، وتدرك أن هذا الرجل خلف في قلبها من الندوب ما لن يمحوه الزمن أبدًا. ومع ذلك، خانتها فطرتها و ارتبكت مشاعرها على نحو موجع، فعقلها يصرخ فيها أن تبتعد، أن تتذكر كل ما فعله، وكل دمعة كان سببًا فيها، لكن قلبها. ذلك القلب اليتيم من حنان الأب لم يكن يسمع شيئًا. كل ما كان يريده هو أن يتذوق، ولو لمرة واحدة، شعور الابنة التي تختبئ في حضن أبيها دون خوف.
ارتجفت أصابعها واشتعل صراع مرير داخلها. كانت تتمنى أن ترفع ذراعيها وتبادله العناق، أن تتشبث به كما تفعل كل البنات مع آبائهن، أن تغمض عينيها وتسمح لنفسها ولو للحظة أن تنسى أنه شيطان يرتدى ثوب والدها.
يا لقسوة الاحتياج كيف يجبر القلب على الاشتهاء ممن قتله؟ وكيف تظل الطفلة التي حُرمت من أبيها تمد يدها إليه رغم أنها تعرف يقينًا أن تلك اليد قد تكون أول من يدفعها إلى الهاوية؟
لأول مرة أدركت أن احتياج الابنة إلى أبيها لا يموت بسهولة حتى وإن كان ذلك الأب لا يستحق أن يُسمى أبًا. ففي أعماقها، كانت لا تزال هناك طفلة صغيرة، كل أمنيتها أن تشعر، ولو لمرة واحدة فقط بأن لها أبًا يحتضنها كما يحتضن الآباء بناتهم.
ـ أني عارف انهم جدروا يكرهوكي فيا يا بتي، بس لازمن تعرفي أنهم كذابين، الناس دي معندهمش لا جلب ولا ضمير…
هكذا تحدث رماح مستغلً اضطرابها و ذلك الاحتياج والتخبط في عينيها لتهمس أمامه بخيبة أمل:
ـ و أنت عِنديك؟
رماح بقوة:
ـ بكرة الايام توريكي يا بتي. اني أي كلمة هجولها مش هتصدجيها. اني عارف اني جيبتك اهنه غصب، و چبرتك تجولي اللي جولتيه و هددتك بأمك. بس حطي نفسك في مكاني. أسيب بتي وسط اللي جتلوا أبوي و اخوي…
كادت نجاة أن تتحدث ليتابع رماح بانفعال:
ـ لو مش مصدجاني امشي في النچع كلاته و أسألي الناس لساتهم فاكرين الليلة اللي اتجتل فيها جدك وهو بيصلي الفچر في الچامع على يد الكلاب دول.
اقشعر جسدها من حديثه لتهتف بنبرة خافتة:
ـ أنت بتجول ايه؟
ـ بجول الحجيجة. خلي امك تحكيلك. اهي عِندك..
لم يكد يكمل جملته حتى جاءهم أحد الغفر مهرولًا وهو يصرخ مفزوعًا:
ـ الحج يا كبير المقابر بتاعتنا النار دبت فيها…
"ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحًا ترضاه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين." (النمل: 19)❤️
★★★★★★★★★★
ـ ممكن تسيب كل اللي في ايدك، وتشرب العصير دا عشان اللي انت بتعمله دا غلط على صحتك جدًا..
هكذا تحدثت زينة وهي تضع كوب من العصير أمام عز الدين الذي كان ينظر في الأوراق أمامه بتركيز سرعان ما تبدد ليتحول إلى شيء يشبه العشق وهو ينظر إلى تلك الجميلة التي غيرت عالمه بالكامل، مما جعله يقول بحب:
ـ تعبتي نفسك يا زينة…
تغنجت وهي تقول:
ـ تعبك راحة يا روحي…
كانت جميلة بشكلٍ كبير و كل شيء بها ينطق بإغراء قاس خاصةً وهي ترتدي تلك الملابس التي تبرز جمال قوامها الممشوق، و تزيد من توهج بشرتها الوضاحة و ملامحها الرائعة و تلك النظرات القاتلة التي تحدجه بها، ليقوم بمد يده و جذب كوب العصير ليرتشف منه بلهفة، فقد جف حلقه من النظر إلى تلك المرأة الفاتنة، والتي كان الخُبث يلتمع في نظراتها وهي تراه يتجرع العصير دفعةٍ واحدة، فقد كان أضعف من أن يقاومها وخاصةً حين تابعت بدلال:
ـ بألف هنا يا عمري. تعرف يا عز! أنا بتمنى اغمض عيني وافتحها الاقي نفسي بقيت مراتك و معاك على طول. عشان اعرف اهتم بيك، وادلعك و اخلي بالي منك…
كانت تجيد العبث بإعداداته وإعادة تشكيل نبضاته بمنتهى الاحترافية التي أثارت حواسه كرجل، و عززت رغبته بها، فقد أرادت أن تساهم بدورها مع تلك الحبوب المنشطة التي وضعتها في كوب العصير خاصته، وقد قامت بتهيئة كل شيء حولها ليخدم مخططها الدنيء الذي نفذت كل خطوة منه بإتقان، فراحت تتحرك بدلال يبدو في ظاهره بأنه غير مقصود، لتتجول في المكان بخطوات مغوية تقف هنا وهناك تتفحص أحد الملفات، ثم تأخذها خطواتها إلى حيث مكتبها لتقوم بجلب الجهاز اللوحي الخاص بها لتجلس على الأريكة أمام عينيه واضعة ساقٍ فوق الآخرى لتكشف عن ساقيها الممشوقتين، وقد بدأ مفعول الحبوب يعمل فشعر عز بأن جبينه يتعرق و حلقه يجف أكثر حيث لم يعد يستطيع رفع أنظاره عنها يتابع كل همسة منها، ليتفاقم الأمر بداخله حين انحنت تلتقط ورقة سقطت من بين يديها، لتغلبه غريزته و يتحرك من مكانه متجهاً صوبها، و عينيه تلتهمان تفاصيلها دون احتراز، لتشعر بقدومه، فلمع الخُبث في عينيها وهي تنظر إلى الورق أمامها، لترفع رأسها حين جلس عز بجانبها لتهديه اجمل ابتسامة تمتلكها وهي تقول برقة:
ـ أيه يا حبيبي. محتاج حاجة ولا اي؟
بدأ الأمر يتفاقم أكثر فأكثر داخله مما جعله يقول بأنفاس مقطوعة:
ـ أنا بحبك أوي يا زينة. عايز اتجوزك النهاردة قبل بكرة.. مبقتش قادر ابعد عنك أبدًا…
كان كل شيء يسير وفق الخطة لتهمس أمامه بدلال:
ـ بكرة نتجوز ياروحي و تبقى معايا وفي حضني على طول…
كانت كلماتها كالوقود الذي يزيد من اشتعال ألسنة الرغبة بصدره أكثر ليقترب منها حتى لم يعد يفصل بينهم شيء، و يقول بأنفاس لاهثة:
ـ طيب ما تديني تصبيرة على ما نتجوز.
أنهى جملته و هو يندفع نحوها ليقبلها مما جعلها تهب من مكانها و تبتعد عن مرمى يديه، وهي تصيح متصنعة الخوف:
ـ أيه يا عز اللي بتعمله دا؟
لم تزيده كلماتها الا اشتعالًا ليندفع نحوها وهو يقول برغبة مقززة:
ـ اسمعيني يا زينة. احنا كدا كدا هنتجوز. ايه المشكلة لو نقرب من بعض شوية..
كان يتقدم خطوة لتتراجع هي آخرى، وهي تتصنع الخوف لتصيح بانفعال:
ـ أنت أتجننت يا عز. ايه اللي بتعمله دا؟ ارجع ارجوك..
كانت قد دلفت إلى أحد الغرف الداخلية الخاصة بالموظفين ليندفع نحوها وهو يقول بأنفاس مهتاجة:
ـ أنا بحبك يا زينة. بحبك و مبقتش قادر ابعد عنك اكتر من كدا…
صرخت زينة حين أنقض عليها لتهرب خلف أحد المكاتب، وهي تصرخ بذعر:
ـ لا يا عز. لا…
أنهت جملتها و قامت بإلقاء أحد الأجهزة اللوحية في وجهه فأصابت كتفه ليتألم بقوة، وتستغل هي ذلك لتهرول إلى خارج الغرفة، ومنه إلى غرفة المكتب الخاص به، وهي تحاول اغلاق الباب خلفها ليندفع عز تجاهها وهو يهتف محاولًا إقناعها:
ـ افتحي يا زينة. أنا عز حبيبك. افتحي….
في هذه اللحظة قامت بالتوجه إلى الهاتف الموضوع فوق مكتبه لتحاول الاتصال بخالد الذي كان يدلف إلى غرفته بعد عودته من العزاء و بجانبه أشجان التي كان التعب بادٍ على محياها لتلقي بحقيبتها فوق اقرب مقعد، وتسقط جالسة فوق السرير خلفها مما أثار انتباه خالد الذي تقدم نحوها وهو يقول باهتمام:
ـ مالك يا حبيبي؟
رفعت عينيها الجميلة تناظره وهي تطمئنه قائلة:
ـ متقلقش يا حبيبي أنا كويسة..
تربع بجانبها على السرير ليحتضنها بين يديه ويقربها منه حتى اشتبكت أنفاسهم ثم قال بنبرة خشنة:
ـ تعبتي أنتِ اوي اليومين اللي فاتوا..
أشجان بخفوت:
ـ مش. أوي. شوية إرهاق بس…
اقترب اكثر يتنفس عبير أنفاسها وهو يقول بصوتٍ أجش:
ـ سلامتك.
أشجان بنبرة عاشقة:
ـ الله يسلمك يا روحي. أنت اللي تعبت اوي يا خالد
تراجع ليُلثم جبينها قبل أن يتراجع ناظرًا إلى الزبرجد الذي يتلئلئ بإغواء في مقلتيها ليقول بنبرة خشنة:
ـ تعرفي أن نظرة واحدة من عيونك الحلوين دول بيهونوا عليا كل التعب اللي في الدنيا…
تدللت قائلة:
ـ بجد؟
اومأ برأسه وهو يقوم بفك حجابها ثم سحب المشبك من خصلات شعرها التي تهادت بدلال خلف ظهرها ليقترب دافنًا رأسه في عنقها وهو يقول بنبرة عاشقة:
ـ قربك دا هو الدوا لكل حاجة متعبة في الدنيا….
احتوته بحنو وهي تربت فوق كتفه ويدها الآخرى تمر فوق وجنته لتهمس باهتمام:
ـ أنا حاسة انك قلقان من حاجة يا خالد.
أجابها وهو يغمض عينيه مستمتعًا بدفء قربها:
ـ عرفتي منين؟
أشجان بخفوت:
ـ عيونك فيها توهة مش متعودة عليها، ونفسك حساك بتاخد نفسك بصعوبة وكأنك متوتر وقلقان. طمني عليك. مش لازم تحكيلي بالتفصيل لو مش حابب…
اتسعت عيناه قليلًا، ثم رفع رأسه ينظر إليها وكأنه يراها للمرة الأولى. كيف استطاعت أن تقرأ كل الفوضى المختبئة خلف ابتسامته من مجرد أنفاس مضطربة؟ كيف استطاعت أن تلمح ذلك القلق الذي أخفاه عن الجميع، لتراه هي دون أن ينطق بحرف!
في تلك اللحظة، أدرك أن أخطر ما فيها لم يكن جمالها الأخاذ، ولا طبيعتها الرقيقة التي خطفت قلبه منذ البداية. بل ذلك القلب الرهيف الذي يلتقط ارتجافة روحه قبل أن يشعر بها هو نفسه. كانت تراه كما لم يره أحد قط، تحفظ ملامحه عن ظهر قلب، وتقرأ صمته كما يقرأ الآخرون الكلمات المدونة أمامهم. ليشعر بقلبه يلين أمامها على نحو مثير فتلك المرأة هي نقطة ضعفه الوحيدة، والثغرة التي عبر منها الحب ليحتل كيانه بالكامل. معها فقط يسقط قناعه، وتخونه قوته، ويصبح رجلًا لا يجيد سوى التأمل في وجهها بانبهار يزداد كل يوم حتى أوشك أن يتحول إلى جنون.
ليستمع إلى قلبه يهتف:
" يا الله. إلى أي مدى يمكن لإنسان أن يعشق؟"
كان يظن أنه بلغ أقصى درجات الحب معها، لكنها في كل مرة تثبت له أن قلبه ما زال قادرًا على الغرق بها أكثر. فقد كان حنانها يأسره، وكلماتها البسيطة تزلزل داخله حصونًا شيدها عبر سنوات طويلة. يكفي أن تهمس بكلماتها الحانية حتى يشعر أن العالم كله أصبح أهون، وأن كل ما كان يثقل صدره يتلاشى لمجرد أنها انتبهت إليه.
ابتسم ابتسامة صغيرة غلبها التأثر، وعيناه لا تفارقان وجهها. كان ينظر إليها بعشقٍ يفيض من نظراته قبل كلماته، وقد أيقن للمرة الألف أن هذه المرأة ليست حبيبته فحسب. بل وطنه، وراحته، واليد الوحيدة القادرة على تهدئة كل العواصف التي تعصف بقلبه
ـ اعمل فيكِ ايه دلوقتي؟ كل مرة بتهزميني برقتك و حنيتك بحس أني عايز أحطك جوا قلبي واقفل عليكِ بمليون مفتاح.
لم يعد يسعفه للحديث في التعبير عن ما يجيش بصدره داخلها، فنحى كل شيء جانبًا واندفع يسكب عشقه فوق ثغرها بضراوة علّ الأفعال تخبرها ما تعجز الكلمات عن وصفه، ليظل يأسرها بين شباك عشقه أكثر و أكثر إلى أن شعر بحاجتها للهواء، فتراجع عنها وهو يقول بأنفاس محرورة:
ـ بحبك يا شجني.
أنهى جملته تزامنًا مع رنين هاتفه الذي أخرجهم من لجة المشاعر العاتية التي جرفتهم، ليحاول خالد استجماع نفسه قبل أن يلتقط هاتفه مُجيبًا ليأتيه صراخ زينة على الناحية الآخرى:
ـ الحقني يا خالد…
هب خالد من مكانه وهو يهتف بخوف:
ـ في ايه يا زينة؟
صرخت زينة بذُعر:
ـ عز بيحاول يغتصبني. الحقني أرجوك….
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
أحيانًا يجد الإنسان نفسه عالقًا في المنتصف بين كل شيء، لا يجرؤ على التقدم خطوة إلى الأمام، ولا يملك شجاعة التراجع إلى الخلف. يقف كالغريق في ظلمة البحر، باحثًا عن يابسة تنقذه أو شاطئ يحتضن جسده المُنهك. ينظر إلى كل ما يحيط به بعينين تملؤهما الخيبة والعجز، فبرغم اتساع الكون من حوله لا يجد ركنًا آمنًا من شأنه أن يتخذه ملجأً لأوجاعه الناجمة عن ذلك الجرح الغائر في منتصف صدره، الذي لم يكتفِ بنزف الدماء فقط، بل نزف معه سنوات من العمر لا يعرف كيف مرت، ولا يستطيع إعادتها، فهي لم ترحل وحيدة بل رحلت و أخذت معها أحلام كانت تنبض بالحياة ذات يوم.
عادةً، في مثل تلك اللحظات العصيبة، لا يحتاج الإنسان إلى معجزات كي يهدأ ألمه، جلّ ما يحتاجه هو يد حانية تلتف كالضماد حول جُرحه، وربتةٌ هادئة تخبره أن القادم سيكون أجمل بكثير. فبعض الكلمات الدافئة من شأنها أن تعيد إحياء الحياة بداخلنا من جديد، فقسوة العالم لا يخفف من وطأتها سوى لحظة حنان صادقة، تتمثل في صدرٍ يمكننا الاستناد إليه بكل ما نحمل من ألم ولوعة.
لكن... ماذا لو كان الشخص الذي من شأنه أن يداوي أوجاعنا هو نفسه من تسبب بها؟ وأي مرارة تلك التي تفتك بالروح حين نرى اليد التي انتظرنا منها أن تضمد جراحنا هي ذاتها من غمست الجمرات فيها؟ فجعلت من احتراقنا أمرًا واقعًا؟
وهنا لا يبكي الإنسان لأن أحدًا آذاه، الأمر أعمق من ذلك بكثير. فالمرء قد يدرك أن الأذى أحد ضرائب الحياة التي يجب عليه دفعها، لكنه لا يتقبل فكرة أن يتأذى على يد ظنها يومًا نجاته من كل شيء، فذلك هو الوجع الذي لا تداويه الأيام، ولا يبرأ منه القلب بسهولة، لأنه لا يؤلم فحسب بل يسرق منا الطمأنينة، و يفقدنا القدرة على منح الثقة، و الأكثر من ذلك أنه يترك في القلب سؤال مرير لا يخبو و لا يهدأ طنينه بداخلنا: كيف يتحول شخص كان بمثابة درع الأمان إلى أكثر شيء مخيف في الحياة؟
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
انطلق خالد نحو سيارته يقودها بجنون و صوت زينة المرتعب لازال يتردد في أذنه كالصواعق، فلم يلتفت لنداءات كمال من خلفه والذي استرعى انتباهه صوت أشجان ليستدير ناظرًا إليها فوجد القلق مرتسم على ملامحها و نبرتها حين تقدمت منه وهي تقول:
ـ الحق خالد يا كمال…
كمال بلهفة:
ـ حصل ايه وخالد رايح فين؟
ارتبكت الحروف فوق شفتيها حين قالت:
ـ رايح عند عز في المكتب. روح وراه الله يخليك…
اندفع كمال يستقل سيارته خلف خالد الذي وصل إلى البناية التي يتواجد بها مكتب عز ليهرول رأسًا إلى هناك، فإذا به يجد الباب مغلق و صراخ زينة يأتي من الداخل ليزأر بوحشية وهو يحاول دفع الباب بكتفه، ولكنه لم ينفتح، ليلحق به كمال الذي صاح باستفهام:
ـ في ايه يا خالد؟
خالد بشراسة وهو لايزال يحاول كسر الباب بكتفه:
ـ مش وقته كلام افتح الباب دا معايا.
لم يُزيد كمال حرفًا بل اندفع يساند شقيقه لخلع الباب الخشبي، ليفزع الرجلان حين وجدا عز الذي يحاول الاعتداء على زينة أو هكذا خُيل لهم، ليندفع الرجلين تجاهه و يقوم خالد جذبه بعُنف من كتفه ليوجه إليه لكمة قوية في أنفه و آخرى في عينه اليمنى ليتدخل كمال و ينقذ عز من يده، وهو يصرخ في شقيقه:
ـ سيبه وشوف زينة يا خالد…
التفت خالد ليجد زينة والتي كان مظهرها مروعًا وهي تقف في أحد الأركان تنتفض بذُعر وثيابها ممزقة، و خصلاتها مشعثة ليندفع خالد تجاهها وهو يخلع عنه قميصه ليلبسها إياه حتى يستر جسدها العاري، ليتفاجأ بها تندفع نحو أحضانه وهي تصرخ بقوة:
ـ خااالد…
حاول إيقاف اندفاعها إلى أحضانه، وهو يقول بتحذير:
ـ اهدي يا زينة. خلاص انا هنا.
التصقت له كالعلقة تحاوط خصره بذراعيها واضعة رأسها فوق صدره العاري وهي تصيح بنبرة مُرتجفة:
ـ ابعده عني يا خالد. أبعده عني أرجوك..
كان الأمر كارثيًا و محرجًا بالنسبة إليه، ولكنها لم تمهله الفرصة بل ارتخت أقدامها ليشعر بها تفقد الوعي، فصرخ وهو يضع يدًا خلف ظهرها و الآخرى أسفل ركبتيها و يحملها بين يديه:
ـ زينة…
هتف كمال من الخلف:
ـ خدها على المستشفى، و سيبهولي..
اندفع خالد إلى سيارته ليضع زينة في المقعد الخلفي و ينطلق بها نحو المشفى، وما أن وصل حتى أدخلوها إلى قسم الطوارئ فورًا، فيما كان خالد في الخارج يرغي و يزبد من فرط الغضب ليجذب هاتفه و يقوم بالاتصال بكمال ليهتف به بقسوة:
ـ الكلب دا تحبسه عندك لحد ما اطمن عليها و افضاله…
كان كمال ينظر إلى عز الذي كان مظهره مُذريًا وجهه متورم، و جبينه متعرق بشدة، ولكن المثير للدهشة هي عينيه التي كان الذهول و الألم يرتسم فيها بطريقة لا توحي بأن هذا الشخص منذ لحظات كان يحاول ارتكاب جريمة مثل الاغتصاب.
ـ قوم تعالى اغسل وشك. قوم يا راجل يا محترم ياللي عندك ولاد طولك. بدل ما تخليهم يفتخروا بيك. رايح تغتصب واحدة و تحط راسهم في الطين، ونعم الأبهات والله…
ناظره عز بصدمة ممزوجة بألم قاتل، و هو لا يتخيل أنه منذ لحظات كان سيصبح مغتصبًا، ولمن؟ للمرأة التي يعشقها مد يده ليضعها فوق قلبه يحاول التغلب على هذا الألم الكبير الذي يكاد يفتك به وهو يغمض عينيه بقوة، لتتساقط منها بعض قطرات من الدمع، ليضيق كمال عينيه وهو يناظره باستنكار تجلى في نبرته حين قال:
ـ عز. أنت سامعني؟
فتح عينيه بإرهاق وهو لازال واقعًا تحت سطوة هذا الألم الضاري لتخرج نبرته مبحوحة حين قال:
ـ اسندني يا كمال. مش قادر أقف..
كمال بصدمة:
ـ نعم! اسندك! اومال كنت هتغتصبها ازاي؟
كان للكلمة وقعًا مؤلماً على قلبه لتنكمش ملامحه بألم وهو يطلق العنان لعبراته الغزيرة، لتنهمر على وجنتيه وهو يقول بنبرة مُلتاعة:
ـ أنا معرفش عملت كدا ازاي؟ أنا….
لم يستطِع اكمال جملته فقد طغى ألمه على كل شيء ليشعر كمال بأن هناك شيئًا خاطيء يحدُث لذا تحمحم قبل أن يقول بجمود وهو يمد يده يساعده بالنهوض:
ـ طب قوم معايا. قوم اغسل وشك يالا.
صرخ عز بألم:
ـ أنا عايز أروحلها. عايز اشوف زينة. أنا لازم أعتذر لها.
صاح كمال بقسوة:
ـ أنت هتستعبط. تشوف مين! و تعتذر لمين؟ هو انت دوست على رجليها! دا انت حاولت تغتصبها…
لم يحتمل سماع هذه الكلمة مرة آخرى ليصرخ بملء فمه:
ـ متقولش كدا تاني. أنت مش فاهم حاجة.
هتف كمال بانفعال:
ـ مش فاهم ايه؟ احنا دخلنا لقيناك بتحاول تعدي عليها….
اهتاج عز صارخًا:
ـ أنا بحبها. افهم. أنا معرفش عملت كدا ازاي؟ أنا. أنا كنت كويس فجأة.
صمت لا يعرف ماذا يخبره، فما كان يشعر به لم يستطِع أن يصيغه في كلمات، فقط اكتفى بإضافة هذه الجملة الحازمة:
ـ أنا وزينة متفقين على الجواز و أنا هاخد المأذون و أروح على المستشفى حالًا..
بهتت ملامح كمال من حديثه و خيمت الدهشة على وجهه لثوان وهو يتابع عز الذي استند على المقعد خلفه ليهب واقفًا وهو يتوجه إلى الباب الخارجي، لتتبدد دهشة كمال و تتحول لغضبٍ عارم تجلى في نبرته حين قال:
ـ استنى عندك. أنت مجنون؟ تقف هنا كلمني…
أنهى جملته وهو يقف كالسد المنيع أمامه ليجد وجه عز قد تحول لساحة من مشاعر الخيبة والألم و الضعف الذي تجلى في نبرته حين قال:
ـ اوعى من قدامي يا كمال. سيبني اصلح الجريمة اللي عملتها. أنا بحبها و مقدرش أعيش من غيرها…
خرجت الكلمات من أعماق غريزته ليقول باستنكار:
ـ طب ونبيلة! أنت نسيت انك متجوز ولا ايه؟
زاغت أنظار عز وهو لا يعرف كيف يجيبه، ولكنه اكتفى بذريعة معظم الرجال لتبرير خيانتهم:
ـ الشرع محللي أربعة. اوعى خليني امشي..
صاح كمال بعُنف:
ـ استنى عندك. مفيش خروج من هنا. أنت عارف خالد هيعمل فيك ايه لو روحت المستشفى؟ هيدفنك حي.
أوشك عز على الحديث فلم يعطه كمال الفرصة للمتابعة إذ قال بحدة:
ـ قصتك معاها دا مش وقتها. لما تبقى هي تقول عايزة تشوفك تبقى تروح….
أنهى كمال جملته ليجذب عز من يده ليتوجه إلى المرحاض، فلم يعترض عز ليتراجع كمال إلى النافذة، فإذا به يجد اتصالًا هاتفيًا من آسيا، و الذي جاء في وقته الصحيح، فقد كان في أمس الحاجة لسماع صوتها فأخذته خطواته إلى النافذة ليجيب بنبرة مُشجبة:
ـ آسيا.
هتفت آسيا بسخط:
ـ قصدك خدامتك آسيا…
أطلق كمال تنهيدة قوية، فأكثر شيء يبغضه الآن هو الشجار معها، ولكنها لم تمهله الوقت للحديث بل تابعت بغضب:
ـ اقدر افهم البقر اللي حاطتهم على البوابة مانعين خروجي ليه؟
أجابها كمال بنبرة مقتضبة:
ـ عشان مينفعش تخرجي بعد اللي حصل لوحدك.
أوشكت على الحديث، فأخرستها كلماته المتعبة حين قال:
ـ بلاش تجادليني في الوقت دا بالذات عشان أنا فعلًا مش قادر اعمل كدا…
شعرت بأن هناك خطبًا ما يحدث معه، فحاولت أن تجرد نبرتها من اللهفة حين قالت بجمود:
ـ في حاجة حصلت..
كمال باختصار:
ـ في كارثة حصلت…
لا إراديًا اندفعت الكلمات من فمها محملة بلهفة وخوفٍ وعشق:
ـ أنت كويس؟ حصلك حاجة؟!
انتفض قلبه بقوة حين لامس اللهفة في نبرتها و كلماتها التي أججت مشاعره بقوة، ولكن الوضع حوله لا يسمح له بالتعبير عن ما يشعر به لذا قال بنبرة متعبة:
ـ أنا كويس اطمني. اللي حصل مالوش علاقة بيا.
تشعب القلق إلى كل ذرة داخلها لتهتف باستنكار:
ـ طب ايه هتفضل في الساسبنس دا كتير! ما تقول في ايه؟ رعبتني..
زفر بقوة قبل أن يقول بجفاء:
ـ عز حاول يغتصب زينة، و خالد خدها على المستشفى…
ما أن أنهى كمال جملته حتى تفاجيء لدى رؤيته لعز الذي استغل انشغاله في الحديث على الهاتف ليتسلل بهدوء و يخرج من المكان متوجهًا إلى المشفى، فصرخ كمال بغضب:
ـ اقفلي دلوقتي يا آسيا أما اشوف الغبي دا رأيك فين؟ خالد هيخلص عليه لو راح المستشفى…
أغلقت آسيا الهاتف وهي تشهق بعُنف حالما سمعت حديث كمال ليأتيها صوت أشجان المرتعب خلفها و معها شروق:
ـ في ايه يا آسيا؟
التفتت آسيا إليها بلهفة قبل أن تجيبها قائلة بتردد:
ـ عز. عز جوز نبيلة الحرباية. اغتصب زينة في مكتبه…
اندفعت شروق قائلة بلهفة:
ـ بتقولي ايه يا آسيا!
تدخلت أشجان قائلة باندفاع:
ـ أن شاء الله يكون خالد لحقه قبل ما يعملها…
هتفت آسيا ساخطة:
ـ عز دا الله يخربيته في السن دا و يفكر يعمل كدا، و في مكتبه، وبصراحة أنا أصلًا ماحبتش البت دي أبدًا.
أيدتها شروق قائلة بغضب:
ـ ولا أنا بطيقها. واحدة زيها قاعدة مع واحد زي عز دا في مكتبه تهبب ايه؟
نفذت الكلمات كالخنجر إلى صدر نبيلة، التي كانت كمن لدغته أفعى فقد جاءت لتوها لتسمع حديث كُلّا من آسيا و شروق لتشخص بنظراتها إلى البعيد وهي تحاول استيعاب ما يُتلى على مسامعها لتهمس بضياع:
ـ هو. هو اللي أنا سمعته دا صح؟ عز. عز جوزي. كان معاه واحدة في المكتب؟
صححت آسيا معلوماتها قائلة ببراءة:
ـ قصدك كان هيغتـ.صب واحدة في المكتب.
ـ آسيا…
هكذا هتفت أشجان بحدة قبل أن تلتفت ناظرة إلى نبيلة وهي تقول بتوتر:
ـ احنا لسه منعرفش حاجة..
جذبتها آسيا من يدها وهي تقول ساخطة:
ـ اركني انتِ على جنب دلوقتي. هتكذبي على الست ليه؟ لازم تعرف الحقيقة.
التفتت تنظر إلى نبيلة المصدومة وهي تقول بنبرة باردة:
ـ جوزك يا حاجة نبيلة قفشوه بيحاول يغتصب الحرباية اللي اسمها زينة في مكتبه، و خالد شكله طقمله على وشه و خدها و طلع على المستشفى، و اعتقد أن الحاج عز هو كمان طلع على هناك. بقولك لو حبيتي تاخدي تارك وتخلصي عليه و تريحينا منكوا أنتوا اللتنين…
كادت أن تصاب بذبحة صدرية حالما سمعت حديث آسيا الذي لم يتخيله عقلها في يوم من الأيام، لتظل تهز برأسها يميناً و يسارًا وهي غير مصدقة أن هذا الرجل الذي عاش عمرًا بأكمله تحركه كالعروس الماريونيت قد يفعل بها هذا؟ توجهت نحو البوابة الخارجية للقصر وهي لا ترى أمامها لتجد هايدي تنوي الدلوف إلى الداخل بسيارتها، فما أن رأتها حتى أوقفت السيارة و ترجلت منها بلهفة خشية أن يكون عمر قد أخبرهم بشيء لتهتف بارتباك:
ـ في ايه يا ماما؟ راحة فين؟
صرخت نبيلة بنبرة مغلولة:
ـ وديني المستشفى بتاعتنا بسرعة.
فزعت هايدي من مظهرها وصراخها فلم تجادلها بل أجابت بلهفة:
ـ تعالي اركبي…
استقلت نبيلة السيارة لتنطلق هايدي إلى المشفى، تزامنًا مع مجيء أحد الحرس إلى أشجان ليخبرها باحترام:
ـ أشجان هانم. خالد بيه بيقول لحضرتك هو عايز قميص وانا هوديهلوه على المستشفى.
بهتت ملامح أشجان من حديث الحارس لتقول بنبرة مقطوعة الأنفاس:
ـ قميص! ليه؟ ماهو خارج من هنا بهدومه. القميص بتاعه جراله اي؟
شعر الحارس بالحرج ليقول بتوتر:
ـ مجرالوش حاجة هو أصلًا مش لابسه.
لتلتفت آسيا قائلة باستنكار:
ـ جوزك واقف في المستشفى عريان ايه يا أشجان؟ القميص بتاعه راح فين؟
جنت أشجان من حديث آسيا لتهتف بحدة:
ـ أنا أعرف منين دلوقتي؟
تشدقت آسيا ساخرة:
ـ و هتعرفي أمتى أن شاء الله؟ لما تعرفي أن الممرضات اتحرشوا بيه! ولا زينة اغتصبته؟
هبت أشجان بانفعال:
ـ أنتِ بتقولي ايه أنتِ كمان؟
آسيا بنبرة آمرة:
ـ انجري روحي هاني قميص و روحي شوفي جوزك. لسه هتسألي..
كانت الغيرة تكاد تقتلها خاصةً بعد حديث آسيا لتأمر الحارس قائلة:
ـ استناني هنا. هجيبله قميص وهاجي معاك، و أياك تتصل تقوله، و إلا والله تروح تدورلك على شغل في مكان تاني….
اومأ الحارس باحترام:
ـ أوامرك يا هانم..
توجهت أشجان للداخل فيما هتفت آسيا بحماس:
ـ أيوا بقى يا شوشو. مرات الكبير وكدا. سيطري ووريهم..
هدرت شروق بسخط:
ـ ممكن اعرف أنتِ فرحانه كدا ليه؟
آسيا بحدة:
ـ أنتِ حولة! طبعًا فرحانه في نبيلة ربنا يهدها. متقوليش انك زعلانه عليها هي و خالك العرة دا؟
شروق بنبرة حزينة:
ـ خالي ايه بس؟ أنا كل زعلي على عمر. هيلاقيها منين ولا منين؟
تحولت نبرة آسيا إلى الحزن الحقيقي حين قالت:
ـ الصراحة عمر هو اللي في العيلة المعفنة دي. طيب بقولك أيه؟ تعالي نروح مع أشجان المستشفى، أهو لو حصل أي حاجة تكوني جنبه.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضَلَع الدَّين وغلبة الرجال. ♥️
★★★★★★★★★
كان ينازع ألمًا يُشبه الموت في قسوته، ألم ينهش روحه و يتضاعف بكل خطوة يخطوها نحو تلك شقة مصطفى، و بداخله يتضرع إلى الله ألا يرى إذلالًا سيحني ظهره إلى الأبد، توقفت أقدامه أمام باب الشقة فأخذ صدره يعلو و يهبط بعُنف، و أنفاسه تتزاحم بداخله و كأنها تهرب من الحرائق المندلعة في قلبه، تشرست ملامحه وهو يوجه سلاحه إلى قفل الباب ليقوم بإطلاق رصاصة اخترقت سكون المكان حوله لينفتح الباب، و يدلف عمر الى الداخل ليتفاجيء حين وجد مصطفى يخرج من الغرفة مذعورًا من صوت الرصاص وهو يصيح:
ـ في أي؟
لم يُعطيه عمر الفرصة لاستيعاب ما حدث بل اندفع يكلمه بقوة في أنفه ليفترش الأرض من شدة اللكمة ليتجاوزه وهو يندفع نحو الغرفة الرئيسية يبحث بها عن شقيقته فلم يجد أحد، فاندفع يفتش في جميع الغرف، فلم يجد أحد، ليشعر بأنه يكاد يُجن من فرط الذهول الذي سرعان ما تحول الى جنون جعله يصرخ حتى ارتجفت الجدران من صراخه:
ـ هي فين؟؟؟ أخرجي يا زبالة. هخلص عليكِ وعليه…
عودة إلى ما قبل دقائق من الآن:
ـ ممكن بقى أعرف أنت فين و مبتردش على تليفونك ليه؟
هكذا تحدثت هايدي بسخط إلى مصطفى، وهي تلتقط سيجارة لتشعلها، بينما الأخير كان يجيبها بملل:
ـ مش فاضي. هو أنا قاعدلك كل ما تكلميني هتلاقيني..
هبت هايدي من مقعدها و توجهت إلى النافذة وهي تنهره قائلة:
ـ هو ايه الكلام الزفت اللي بتقوله دا! مش ملاحظ انك متغير، وطريقتك دي مش مريحاني.
هدر بها مصطفى:
ـ بقولك ايه يا هايدي متاكليش دماغي. خلينا نفض الحوار دا. عشان أنا اتخنقت…
اسكتته صرخة هايدي المفزوعة:
ـ يا مصيبتي.
مصطفى باستنكار:
ـ متكبريش الموضوع. مصيبة اي؟
صاحت هايدي بذعر والتي لمحت عمر أسفل البناية:
ـ عمر تحت. أكيد عرف اني هنا..
قفز مصطفى من فوق الأريكة مفزوعًا، وهو يهرول إلى النافذة فوجد عمر يشهر سلاحه فهوى قلبه بين ضلوعه ليصيح كالفرخ المذعور:
ـ دي تبقى كارثة لو شافك هنا.
هايدي بفزع:
ـ أروح فين انا دلوقتي؟ مش هعرف انزل قدام الحرس..
صاح مصطفى بلهفة وهو يناولها أحد المفاتيح:
ـ بسرعة خدي المفتاح دا و ادخلي الشقة اللي قدامي. الست اللي فيها مشلولة مبتقومش من السرير، و الممرضة بتيجي تاخد المفتاح مني الصبح و ترجعه بالليل.
عودة إلى الوقت الحالي:
لم يكد عمر يُنهي جملته حتى تفاجئ بشيء قوي يضرب رأسه من الخلف، ليفقده الألم اتزانه لثوان قبل أن يلتفت، فوجد مصطفى يحمل أحد التُحف الثقيلة بيده ليحاول استعادة توازنه وهو يوجه سلاحه نحوه قائلاً بشراسة:
ـ والله ما هسيبك يا كلب أنت وهي…
مصطفى بخسة:
ـ أنا اللي مش هسيبك. جاي تتهجم عليا في بيتي و بتضرب عليا نار كمان، والله لهبلغ البوليس..
صرخ عمر بزئير وهو يدفعه ويتفقد كل ركن بالمنزل:
ـ ودتها فين؟ انطق…
ادعى مصطفى عدم الفهم ليقول بصراخ:
ـ هي مين!
كان قد انتهى من تفتيش المنزل، فلم يجد أحد، وقد فطن إلى أنها من المؤكد غادرت الشقة ليتوعده بأنفاس مقطوعة:
ـ بتستعبطني أنت وهي! ماشي. أنا هوريكوا، و اعرف ان المرة الجاية و عهد الله لهخلص عليكوا هنا…
أنهى جملته وغادر و الدماء تتساقط من رأسه جراء تلك الضربة التي تلقاها من مصطفى، ولكنه لم يهتم، فقد كان يشعر بنيرانٍ موقدة تكاد تجهز عليه، ليمسك هاتفه حتى يجري اتصالًا هاتفياً ليجد اتصال من كمال الذي هتف بلهفة:
ـ عمر. قابلني على المستشفى حالًا..
عمر بلهفة:
ـ في ايه يا كمال؟ حد جراله حاجة؟
احتار كمال بماذا يجيبه، فانطلق بسيارته وهو يهتف بحدة:
ـ قابلني على هناك، و هتعرف كل حاجة..
اللهم يسّر لي أمري، واشرح لي صدري، واحلل عقدةً من لساني، وافتح لي أبواب الخير والتوفيق، واجعل لي من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل عسرٍ يسرًا، إنك على كل شيء قدير ♥️
★★★★★★★★★
ـ بالله عليكِ حطي لقمة في بقك. مينفعش كدا. هتقعي مننا..
هكذا تحدثت غنى إلى هيام التي كانت تبكي بصمت لتجيبها بنبرة جريحة:
ـ ماليش نفس يا غنى.. ماليش نفس لحاجة..
ربتت غنى فوق كتفها بحنو وهي تواصل إلحاحها قائلة:
ـ طب عشان خاطر حمادة. كلي أي حاجة عشان تقدري تصلبي طولك..
صمتت هيام تبكي لتتابع زينة بلهفة:
ـ طب بصي لو مش قادرة هأكلك بايدي..
تدخلت صافية قائلة بنبرة حادة بعض الشئ:
ـ چرا ايه يا هيام؟ البنية ليها ساعة بتتحايل عليكِ. متكسفيهاش اومال. دي وجفت عملتلك الوكل مخصوص عشان تاكلي، و طول الليل واجفة بحماده تسكت فيه و تطبطب عليه. دا كفاية البصة في وشها الحلو ده…
ابتسمت غنى صافية وهي تقول بامتنان:
ـ ربنا يخليكِ ليا يا عمتو…
تحدثت هيام وهي تنظر إلى غنى بامتنان:
ـ غنى دي بت أصول و مفيش زيها. عمري ما هنسالها وقفتها جنبي دي أبدًا..
تأثرت غنى من حديثها لتضع الطعام جانبًا و تقترب لتحتضن كتف هيام وهي تقول بنبرة متأثرة:
ـ متقوليش كدا أبدًا. هو احنا مش أهل ولا ايه؟
أسندت هيام رأسها إلى رأس غنى وهي تربت بلطف على يدها قائلة:
ـ طبعًا أهل. ربنا ما يحرمني منكوا أبدًا…
في الخارج كان يزيد يحاول الاتصال بعمر الذي غادر بشكل مفاجيء، ليجيبه الأخيرة بعد عدة محاولات مما جعل يزيد يهتف بغضب:
ـ تصدق بفكر أهزقك. هو أنا صاحبتك و انت كارفلي ولا حاجة؟ رنيت عليك خمسين مرة مردتش ليه؟
هدر عمر ساخطًا:
ـ أنجز عايز اي؟ مش رايقلك..
يزيد بحدة:
ـ تصدق أنا غلطان اني قلقت عليك و عبرتك لما مشيت فجأة كدا!
زفر عمر بتعب تجلى في نبرته حين قال:
ـ بقولك ايه أنا قرفان، و كمال مكلمني عايزني أروح كالمستشفى بسرعة. أنت تعرف في أي؟
يزيد بجمود:
ـ لا معرفش. طيب روحله وانا هقابلك على هناك. سلام..
«اللهم إني عبدُك، وابنُ عبدِك، وابنُ أمتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميتَ به نفسك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي ♥️
★★★★★★★★★
ـ حالتها النفسية سيئة جدًا و اضطرينا نديها حقنة مهدئة. طبعًا دي محاولة اغتصاب واضحة، وآثرها النفسية بتكون سيئة، و المفروض اني لازم ابلغ البوليس.
هكذا تحدث الطبيب إلى خالد الذي قال بقسوة:
ـ هيحصل متقلقش. تفوق هي بس، و هعمل دا…
ـ زينننة…
هكذا صاح عز وهو يتوجه بخطوات متعثرة في الممر ليلتمع الغضب في عيني خالد و يتحول الجمود في ملامحه الى وحشية تجلت في نبرته حين قال:
ـ أنت كمان ليك عين تيجي هنا يا كلب؟
اندفع خالد نحوه ليلكمة بقوة، تراجع على إثرها للخلف، تزامنًا مع وصول كمال الذي اندفع ليقف أمام خالد يمنعه من مواصلة ضرب عن الذي صرخ بعُنف:
ـ و أنت مالك! اوعى من وشي. أنا هدخلها غصب عنك..
زمجر خالد بشراسة وهو يحاول الإفلات من بين براثن كمال ليجهز على عز:
ـ لو راجل قرب خطوة واحدة، و أنا ورحمة أمي هدفنك هنا.
صاح عز بملء فمه:
ـ متدخلش بيني وبينها. زينة خطيبتي وهتبقى مراتي.
وقعت هذه الجملة وقوع الصاعقة على مسامع عمر الآتي من الخلف ليتجمد جسده لثوان، وهو يتذكر تلك المرأة التي رآها معه عدة مرات، فقد كان يراها من الخلف، ولم يرى مرة واحدة وجهها، ولكن ما جعل الأمر صاعقًا بالنسبة إليه هي محادثته معها ذلك اليوم حين جاءت للأطمئنان على سوزان
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ زينة كنت حابب اتكلم معاكِ في موضوع. اذا ممكن!
هكذا تحدث عمر بحرج لتجيبه زينة بنبرة رقيقة:
ـ أنت هتستأذن عشان تتكلم معايا يا عمر! اتكلم على طول…
تحمحم عمر قبل أن يقول:
ـ أنا عرفت من ماما انك بتشتغلي مع بابا، و أكيد يعني. ملاحظة أنه متغير الفترة اللي فاتت دي…
صمتت زينة تنظر إلى ملامح عمر تبحث عن أي شيء غير طبيعي، فلم تجد سوى الحزن لتقول بترقب:
ـ عمر ممكن توضح اكتر..
أجابها عمر بنفاذ صبر:
ـ زينة أنتِ غالية عندي و قريبة مننا كلنا، وعارف انك مش هتترددي تساعديني. عشان كدا هحكيلك. أنا عرفت أن بابا يعرف ست تانية غير ماما، و عايز يتجوزها، وبما انك شغاله معاه اكيد ملاحظة عليه حاجة..
كلماته اضرمت القلق بأوردتها، ولكن من حديثه أدركت أنه لا يعرف هوية هذه المرأة لتجيبه بنبرة يشوبها التوتر:
ـ بصراحة يا عمر. أنا أكيد شايفة حاجات. بس دي اسرار أنا. مينفعش اقولها لحد، لكن أنا مقدرة الموقف اللي أنت فيه طبعًا..
أومأ عمر برأسه قبل أن يقول بغضب:
ـ طيب انا مش هقولك تخرجي أسراره بس ياريت تتكلمي معاه، و تقوليله أن ماما بتحبه بالرغم من كل عيوبها بس بتحبه، و كمان هو مش صغير على اللي بيعمله دا..
زينة بمكر:
ـ حاضر يا عمر. هتكلم معاه اكيد. سيب الموضوع دا عليا…
عودة إلى الوقت الحالي
ـ هي مين دي اللي هتبقى مراتك؟
هكذا تحدث عمر بغضب مكتوم وهو يتوجه إلى عز الذي ارتبك حين وجد عمر أمامه، فقد كان ينوي الحديث معه في هذا الأمر في أقرب وقت، ولكن لم تجري الأمور كما أراد لكنه حاول الثبات على موقفه حين قال:
ـ زينة هتبقى مراتي….
زمجر خالد بحدة:
ـ مش مكسوف من نفسك وانت عايز تتجوز واحدة في عمر ابنك الكبير.
تدخل كمال قائلًا بجفاء:
ـ معلش أنت عمال تقول هتبقى مراتي و مخطوبين. لما هو الموضوع كدا. عملت عملتك السودا دي ليه؟
ـ هو عمل ايه يا كمال؟ حد يفهمني..
هكذا صاح عمر بانفعال ليجيبه خالد بغضب:
ـ البيه حاول يغتصب زينة لولا انا وكمال وصلنا في الوقت المناسب…
شعر عمر و كأنه تلقى طعنة قاسية في صدره، فانمحى اللون من وجهه و توسعت حدقتيه وهو ينظر إلى عز الذي كان في أسوأ موقف يمكن أن يُضع به شخص طوال حياته لينتزع نفسه من براثن نظرات عمر ويلتفت صارخًا في خالد:
ـ قولتلك زينة هتبقى مراتي، و أنتمش من حقك تدخل بيني وبينها..
شهقة قوية جاءت من الخلف وكان مصدرها نبيلة التي لم تصدق ما تسمعه لتهتف بنبرة يغلب عليها القهر:
ـ عز.
كان الوضع يزداد سوء، فقد جاءت أكثر انسانة لا يريد أن يراها الآن، ليستدير ناظرًا إلى نبيلة التي كانت على وشك السقوط من فرط الألم الذي يعصب بها، لتستند على الحائط بجانبها ومن خلفها هايدي التي شلت الصدمة حركتها.
ـ ايه اللي أنا سمعته دا يا عز؟ أن. أنت. عايز تتجوز واحدة تانية غيري؟
لم يعد هناك مجال للتراجع ولا الإنكار مما جعله ينظر إلى الجهة الآخرى وهو يجيبها بجمود:
ـ أيوا فعلًا أنا بحب زينة و هتجوزها..
وقعت كلمته كالخنجر فوق عنقها ليذبح كبريائها دون أدنى ذرة شفقة ورحمة فخرجت منها صرخة وجع قوية اخترقت آذانهم جميعًا لتدفع يد هايدي التي تمسك بيدها وتقترب منه قائلة بصراخ:
ـ بصلي. ازاي قدرت تعمل فيا كدا؟
استدار ينظر إلى الجهة الآخرى وهو يقول بجفاء:
ـ اعمل اللي أنا عايزه أنا راجل والشرع محللي أربعة..
لم تكن تجهل معدنه؛ فقد خابرت كم هو حقير منذ زمن طويل، لكنها لم تكن عابئة بذلك طالما الأمر يصُب في مصلحتها و يخدم أهوائها، فلم يؤلمها ظلمه لشقيقته، ولا بطشه بها عدة مرات أمام أعينها، ولا تجبره على والدته، لأنها أرادت ذلك، لكنها ما إن وجدت نفسها تقف في الجهة الأخرى من السكين، حتى أدركت أن النصل الذي صفقت له طويلًا لا يفرق بين ضحية وأخرى. حينها فقط أصبحت غير قادرة على الاحتمال، لا لأنها اكتشفت مدى حقارته بل لأن تلك الحقارة أخيرًا نالت منها لتهتف بملء فمها:
ـ راجل! أنت حاسب نفسك راجل؟؟
لم تكد تُنهي جملتها حتى نال خدها صفعة قوية من يد عز الذي لم يحتمل تلك الإهانة، والتي لم يحتملها خالد هو الآخر ليقترب و يقوم برد الصفعة إليه بأقوى منها، فاندلعت الشهقات من أفواه الجميع فقد وصلت الفتيات الثلاثة إلى المكان ليشاهدوا اندفاع عمر الذي وقف كالسد المنيع بين والده و بين خالد، فبالرغم من كل شيء لم يحتمل أن يحدث ذلك أمام عينيه ليهتف بغضب:
ـ كفاية كدا يا خالد….
دفع عز عمر و قام بتوجيه لكمة قوية إلى خالد تفاداها الأخير ليرفع يده حتى يناوله الآخرى، فإذا بأشجان تصرخ وهي تندفع من الخلف:
ـ خالد…
تراجع خالد الى الوراء حالما سمع صوتها ولكن هناك صوتًا آخر جذب اسماع الجميع و أنظارهم، وهو لزينة التي كانت تقف أمام غرفتها بجسد ينتفض كليًا، فما أن رآها عز حتى نسى كل شيء و صرخ باسمها بلهفة:
ـ زينة…
ما أن سمعت صوته حتى انتفضت بقوة، و سرعان ما اندفعت إلى أحضان خالد على مرآى ومسمع من الجميع وهي تصرخ بفزع:
ـ أبعده عني يا خالد. أبعده عني مش عايزة أشوفه…
كانت لحظة تجمد بها الجميع في مكانه، فبدا المشهد من بعيد شروق و آسيا يقفون في بداية الممر، و أمامهم نبيلة التي كان جسدها يرتجف من فرط الغضب و الألم و الإذلال بين يدي هايدي، ثم أشجان التي تنظر بذهول إلى تلك المرأة التي تعانق زوجها بقوة، وكأنه الصخرة التي ترتكز عليها حياتها، ثم عمر الذي كان كالصنم يقف بجمود وهو غير مصدق لكل ما يراه عينه، ثم عز الذي اندلعت النيران في عينيه و قلبه حالما سمع حديثها و لجوئها إلى أحضان خالد، ثم خالد الذي كان لايزال عاريًا تعانقه زينة بقوة جمدته لثوان بمكانه، ثم لا إراديًا التفت إلى أشجان التي خيم الألم على ملامحها بدرجة لم يحتملها، لتقوم هي بإلقاء القميص التي كانت تمسك به أرضًا قبل أن تستدير مغادرة وهي تبكي بقوة، فكان الأمر كارثيًا بالنسبة إليه ليقوم بفك يد زينة التي تحيط به بعُنف و هو ينتزع نفسه من بين يديها، صارخًا في كمال بعُنف:
ـ دخلها أوضتها وخلي الدكتور يشوفها بسرعة، و اياك تسمح للحيوان دا يقرب منها.
أنهى حديثه وهو يدفع بزينة إلى كمال الذي سارع بحملها وسط ذهول كبير منها، و غضب كبير من آسيا ليندفع هو خلف أشجان التي كانت تهرول إلى الخارج لتمتد يده ويمسك بمعصمها ليديرها نحوه، حتى اصطدمت بصدره العاري لتحاول جذب يدها من بين يديه وهي تصرخ بغضب:
ـ ابعد عني.
حاول خالد تهدئتها والسيطرة على ثورتها قائلًا بلهفة:
ـ حبيبتي اسمعيني.
حاولت مقاومته وهي تضربه في صدره بعُنف لتهتف من بين كلماتها:
ـ مش حبيبتك ولا زفت سيبني…
كان يشعر بالرعب عليها وعلى جنينها من مقاومتها و حزنها مما جعله يقوم بحملها واضعًا يده خلف ظهرها والآخرى أسفل ركبتيها ليتوجه بها إلى أحد الغرف التي كانت من حسن حظه فارغة، ليقوم بضرب الباب بقدمه بقوة ثم استدار يغلقه وهي لازالت تقاومه ليقوم بوضعها فوق المكتب الخشبي مكبلًا كلتا يديها خلف ظهرها بيد و بالآخرى أمسك ذقنها ليثبت وجهها أمام وجهه مباشرةً ثم قال بنبرة خشنة:
ـ اهدي يا أشجان و اسمعيني..
كان مشهده وتلك المرأة تحتضنه أشبه بخنجر صُقِل بعناية ثم انغرس في قلبها بلا رحمة، فقد ظنت بأن ذراعيه ملجأها وحدها لم تتخيل أن ترى امرأة أخرى تحتمي بها، فتحول الأمر إلى شوكٍ مسموم يغرس نفسه في أعماق روحها دون رحمة. بل أنها شعرت وكأن أحدهم ينتزع قلبها من بين ضلوعها ببطء، حتى عجزت عن التقاط أنفاسها، وانفرطت دموعها كالأنهار لا تنساب على وجنتيها فحسب، بل تهوي عليها كأنها شظايا زجاج مكسور لتهمس بصوتٍ أنهكه الوجع:
ـ سيبني..
هز رأسه بالنفي، وقد انعقدت ملامحه بألمٍ لا يقل قسوة عن ألمها، ثم قال بصوتٍ أجش:
ـ مقدرش. أنا اسيب و روحي ولا أقدر أسيبك أبدًا.
لم تكن كلماته بلسمًا كما أراد لها أن تكون، بل كانت سكينًا أخرى شقّت قلبها النازف إلى نصفين فكيف يعجز عن تركها، بينما سمح لامرأة أخرى أن تستوطن صدره أمام ناظريها؟ أي تناقضٍ هذا الذي يمزقها بين دفء كلماته وبرودة أفعاله؟ أحست أن روحها تختنق داخل جسدها، وأن الدموع لم تعد تكفي لتغسل هذا القدر من الوجع، فأدارت وجهها إلى الجهة الأخرى، تنتحب بصمتٍ مرير ليديرها مرة آخرى إليه وهو يهمس بنبرة جريحة:
ـ حقك عليا. الموقف كله كان غصب عني…
كانت تعلم ولكن ذلك لم يشفع للألم الذي يكاد يقتلها في هذه اللحظة لتهمس بنبرة ملتاعة:
ـ سيبني يا خالد ارجوك.
كان على وشك أن يفقد صوابه وهو يراها تُصِر على الابتعاد عنه، وكأنها تنتزع روحه من بين ضلوعه بيديها. لأول مرة في حياته يعجز عن إخضاع موقفٍ ما بقوتة المعهودة، أو حسمه بصلابة قرارته، فقد أراد أن يلعن الظروف التي دفعت بهما إلى هذه الهاوية، ويلعن زينة وعز، وكل شخصٍ أو حدثٍ كان سببًا في إحزانها بتلك الطريقة، حتى صارت تنظر إليه بعينين يقطر منهما الوجع، مما جعل أنفاسه تضيق، واشتعلت عروقه بغضبٍ لم يكن موجّهًا إليها بل إلى نفسه، وإلى الحياة التي وضعت المرأة الوحيدة التي أحبها في مواجهة مع قلبه، فقد كان رجلًا اعتاد أن تُطاع كلمته، وأن ترتعد القلوب من هيبته، ولم يعرف يومًا كيف يتوسل، أو ينحني، أو يمد يده متشبثًا بأحد، كبرياؤه كان حصنه المنيع الذي لم يجرؤ أحد على اقتحامه، غير أنها وحدها استطاعت أن تهدمه بكلمة واحدة منها كامت كفيلة بأن تُسقط كل حصونه. لأول مرة شعر أن هيبته، وصلابته، وكبرياءه... لا تساوي شيئًا أمام احتمال أن يرحل عنها. ولو خُير بين أن يتخلى عن الدنيا بأسرها أو أن يترك يدها، لاختار الأولى دون أن يتردد. فما عاد يملك من أمره شيئًا، وكأن قلبه لم يعد يسكن صدره، بل أصبح أسيرًا بين يديها، ترحمه إن شاءت، وتذبحه إن شاءت ليهتف بنبرة يشوبها التوسل:
ـ وحياة غلاوتي عندك ما تقوليلي سيبني دي تاني. عشان أنتِ عارفة اني مقدرش اسيبك أبدًا.
كلماته زعزعت كل شيء بها لتندفع إلى أحضانه وهي تصرخ بألم:
ـ غصب عني يا خالد. شكلها وهي في حضنك دبحني. لو كنت مكاني..
تراجع عنها ليضع كفه فوق فمها يمنعها من مواصلة الحديث فقد كان مجرد تخيل الأمر جعل النيران تندلع في مقلتيه ليزمجر بوحشية:
ـ كنت هديت المستشفى عاللي فيها.
ما أن أنهى جملته حتى تجمدت الدماء في عروقهم حين سمعوا صوت طلقات نارية آتيه من الخارج…
