رواية استثنائية في دائرة الرفض الجزء الثاني الفصل السابع والثلاثون
في المستشفى...
الوقت بقا متأخر، حسام بص لمامته اللي لاحظ إنها قاعدة بتنام، بص لباباه وقال بهدوء
"خد ماما وروحوا... أصلا إحنا الصبح هنمشي."
باباه بص ناحية منى، كانت قاعدة على الكرسي وساندة راسها، عينيها بتقفل من التعب، رجع بص لحسام وقال
"الصبح هنكون عندك."
حسام هز راسه، باباه قرب من منى وقال برفق
"يلا نمشي."
منى فتحت عينيها بالعافية وقالت باعتراض
"وأسيبهم؟"
ابتسم وقال
"هنرجعلهم الصبح."
بصت لفريدة وبعدين حسام وقالت
"طيب... خدوا بالكوا من نفسكوا"
قاموا يودعوا فريدة وحسام وبعدها خرجوا من الأوضة بهدوء، قبل ما باب الاوضة يتقفل ايناس دخلت وكان معاها علي جوزها، أول ما دخل ابتسم وقال
"ألف مليون سلامة يا فريدة."
فريدة ابتسمت بتعب وقالت
"الله يسلمك."
علي قرب من السرير، بص ناحية صوفيا اللي كانت نايمة بهدوء، ابتسم ابتسامة واسعة
" تتربي في عزكوا "
لسه هيقرب ناحيتها حسام قال بابتسامة خفيفة
"متلمسهاش."
علي ضحك وقال
"يا عم أنا هبص بس."
حسام رد بسرعة
"حتى البص ممنوع."
إيناس ضحكت وهيا بتبص لعلي وقالت
"قولتلك... من ساعة ما جت ومحدش عارف يقرب منها."
علي هز راسه وهو بيضحك وقال
"واضح، بس بصراحة معاك حق، ربنا يحفظها ليكم."
حسام رد بهدوء
"آمين."
إيناس وعلي فضلوا قاعدين شوية وبعدين حسام طلب منهم يروحوا، وبعد مشادة مع إيناس حسام قدر يقنعها، إيناس ميلت على فريدة باست راسها وبعدها بصت لصوفيا وقالت وهيا بتبتسم
"تصبحي على خير يا أحلى صوفيا."
قبل ما تخرج لفت تاني ناحية فريدة وقالت
"أنا هروح أريح كام ساعة... وأول ما الصبح يطلع هكون عندك، متفكريش في أي حاجة."
فريدة هزت راسها وهيا مبتسمة
"مستنياكي."
إيناس ابتسمت وقالت
"ولو احتاجتي أي حاجة في أي وقت، كلميني حتى لو نص الليل."
حسام قال
" أومال أنا موجود بعمل ايه"
إيناس بصتله وقالت
"عارفة... بس برضو لو احتاجتوا حاجة كلموني"
ابتسمت آخر مرة وبعدها خرجت هيا وعلي وحسام قفل الباب وراهم بهدوء، لف ناحية فريدة، وبمجرد ما عينه وقعت عليها ابتسم ابتسامة هادية، كأن كل التعب اللي كان شايله طول اليوم بدأ يخف، قرب من السرير ومد إيده بمنتهى الرقة شال صوفيا من حضن فريدة، سندها بين إيديه بحرص وباس جبينها ببطء، وبعدها قربها منه وهو بيشم ريحتها وغمض عينيه لحظة كأنه بيطمن نفسه إنها فعلًا بين إيديه، فريدة كانت بتبصله وتبتسم، قالت وهيا بترفع حاجبها
"شكلها جت اللي أخدت مكاني."
حسام ضحك بخفة
"محدش يقدر ياخد مكانك."
فريدة قالت وهيا عاملة نفسها متضايقة
"صح؟... مهو واضح، ده إنت بتحبها أكتر مني."
رفع عينه ليها وابتسم ابتسامة كلها حب وقال
"أنا بحبها... عشان هيا حتة منك."
ابتسمت ابتسامة واسعة، حسام باس صوفيا مرة أخيرة وبعدها حطها برفق في السرير الصغير اللي جنب سرير فريدة وعدل البطانية عليها، فضل واقف ثانيتين يتأكد إنها مرتاحة قبل ما يرجع يبص لفريدة، فريدة فضلت ساكتة شوية، عينيها متعلقة بيه، وسعتله مكان جنبها وبصتله، كان لسه هيتحرك ناحية الكنبة عشان مش عايز يضايقها بس هيا بصتله بصة هو حافظها كويس، حسام ابتسم وقال وهو بيشاور على الكنبة
"أنا هنام هناك... عشان مضايقكيش."
فريدة ضيقت عينيها وهيا باصاله من غير ما تنطق ولا كلمة، فضل يبصلها ثواني وبعدها ضحك باستسلام
"خلاص... فهمت."
قرب من السرير، مدد جنبها بهدوء، أول ما حط راسه على المخدة فريدة اتحركت تلقائيًا، قربت منه وحطت راسها على صدره وهو لف دراعه حواليها وضمها بحنان، فضلوا ساكتين لحظات، الأوضة هادية ومفيش أي صوت.
بعد شوية، فريدة قالت بصوت واطي
"احكيلي... حصل إيه بالظبط؟"
حسام اخد نفس طويل وبدأ يحكيلها كل اللي حصل من أول ما شاف الرسالة لحد ما جاب صوفيا بس كان بينقي كلامه، اتخطي حاجات كتير وحكالها باختصار، فضل يحكي لحد ما وصل للحظة اللي شال فيها صوفيا من إيد الممرضة وسكت، فريدة رفعت راسها من على صدره، بصتله وقالت بهدوء
"حسيت بإيه لما عرفت إن دي مش صوفيا؟"
حسام أخد نفس طويل وعينه راحت تلقائيًا ناحية صوفيا وبعدها رجع يبص لفريدة وقال بصوت هادي مليان وجع
"حسيت إن روحي بتتسحب مني... أو أسوأ، مش عارف أوصف، أفكار كتير كانت بتجري في دماغي، كنت خايف... مرعوب، ساعتها عرفت إني جبت نقطة ضعف تانية ليا في الحياة."
فريدة نزلت عينيها وقالت بهدوء
"أنا بالرغم إني مكنتش أعرف، بس أول ما عرفت حسيت إني هموت، إحساس وحش أوي... والأوحش كلمة لو اللي فضلت تلف في دماغي بأكتر من احتمال وحش."
حسام مد إيده مسك إيديها وربت عليها برفق وقال
"المهم إنها معانا... واتأكدنا إنها بنتنا بجد، ده اللي يهم."
فريدة ابتسمت وهيا باصاله وقالت
"بقالي قد إيه مقولتلكش بحبك."
حسام ابتسم وقال
"كتير... أوي."
فريدة ضحكت بخفة وقالت
"بكاش... قولتهالك قبل ما أولد."
حسام هز راسه وهو بيبتسم
"طب ما ده من كتير."
بصتله في عينه وقالت بهدوء
" طيب بحبك."
من غير ما يفكر، رد عليها فورًا
"بموت فيكي."
تيم كان قاعد في مكتبه في البيت من أول الليل مخرجش منه، قدامه فنجان قهوة برد من ساعات، الوقت كان بيمر ببطء غريب، كل شوية يبص في الساعة ويرجع يسند ضهره على الكرسي، كان عارف إن سرور اتحرك، وعارف إن كل الأماكن اللي بلغ عنها بتتداهم في نفس التوقيت، بس ميعرفش حصل إيه بعدها، مرت ساعة... واتنين... وتلاتة... وكل دقيقة كانت بتزود القلق اللي جواه، حاول يقنع نفسه إن عدم وصول أي خبر معناه إن الخطة ماشية، لكن عقله مكانش بيسكت، كل الاحتمالات كانت بتلف في دماغه، الليلة دي أهم ليلة من سنين، رفع عينه للشباك واتنهد بهدوء، الشمس بدأت تشرق، كان فاتح التليفزيون قدامه على قناة اخبارية وموطي الصوت ومستني، بص على التليفزيون ولقى المذيع على التلفزيون قطع البرامج العادية وقال بصوت جاد
"في واحدة من أكبر الضربات الأمنية، تمكنت قوات الأمن خلال الساعات الماضية من القبض على تشكيل إجرامي واسع، بعد مداهمات متزامنة استهدفت عددًا كبيرًا من المواقع..."
تيم ثبت عينه على الشاشة، قلبه دق بقوة، فضل يسمع باقي الخبر من غير ما يتحرك، كل اسم وكل كلمة كانت بتأكدله إن اللي كان فاكر إنه مستحيل يحصل... حصل فعلًا.
مرر إيده في شعره، وبص قدامه، مكانش عارف هو حاسس بإيه دلوقتي.
هل ارتاح؟
ولا خايف؟
ولا حزين؟
ولا فرحان؟
ولا كل ده مع بعض؟
كل اللي كان متأكد منه... إن الليلة دي قفلت عمر كامل.
فضل ثابت مكانه ثواني، بعدها مد إيده ببطء ناحية اللابتوب، فتحه واستنى الشاشة تنور قدامه، دخل على الأماكن اللي طول عمره بيتابع منها الأخبار أول بأول، وبدأ يراجع بنفسه، مكان ورا التاني، كل شوية يعمل تحديث، يفتح موقع، يقفل واحد ويفتح غيره، لحد ما بدأت الأخبار تنزل تباعًا، مخزن اتشمع... شركة اتحط عليها حراسة... مزرعة اتداهمت... شقق اتقفلت بالشمع الأحمر... وأسماء كتير كان حافظها عن ظهر قلب، اتكتب جنبها كلمة واحدة... تم القبض عليه.
فضل أكتر من ساعة على نفس الوضع، مبيتكلمش، ولا بيقوم من مكانه، كل همه يتأكد بنفسه إن كل حاجة انتهت، قفل اللابتوب ببطء وسند ضهره على الكرسي، وبص قدامه من غير ما يشوف حاجة.
خلاص... كل حاجة انتهت، الشبكة اللي عاش وسطها سنين... وقعت، الأماكن كلها اتشمعت والكل بقا في قبضة الشرطة.
أول مرة يحس إن الدنيا ساكتة بالشكل ده... لكن الغريب إنه مكانش عارف هو المفروض يحس بإيه، لا عارف يفرح، ولاعارف يرتاح، ولا حتى عارف يزعل، كل اللي كان بيلف في دماغه إن الصفحة دي اتقفلت فعلًا... ومبقاش فاضل غير الصفحة الأخيرة... صفحته هو.
بص في ساعته، قلبه كان بيدق بعنف وهو نفسه مش عارف ليه، فضل واقف ثواني مكانه وبعدها قفل اللابتوب، خرج من المكتب بهدوء وطلع أوضته، غير هدومه من غير استعجال، لبس هدوم بسيطة، بص لنفسه في المراية لحظة وبعدها خرج ونزل السلم.
أول ما وصل آخر سلمة لمح يونس، يونس أول ما شافه جري عليه وهو ملامحه كلها اندهاش وفرحة وقال
"تيم... الدنيا مقلوبة، بجد سرور اتحرك."
تيم هز راسه بهدوء وقال
"آه... خلاص، مفيش حد فلت."
يونس بصله بعدم تصديق وقال
"يعني خلاص؟... مبقاش حد موجود تاني يهددك؟"
تيم رد بهدوء
"الظاهر كده."
يونس مقدرش يمسك نفسه، ابتسم ابتسامة واسعة وقال بفرحة واضحة
"أخيرًا... والله أخيرًا، يعني خلاص... خلاص يا تيم."
كان فرحان بشكل عفوي، كأنه هو اللي اتحرر من حمل كان فوق كتفه، أما تيم فكان ماشي بهدوء ناحية الباب، لا ابتسم، ولا حتى ملامحه اتغيرت، كان سامع كلام يونس بس عقله كان في مكان تاني خالص، يونس وقف قدامه وقال باستغراب
"إيه يا بني؟... أنا مستني أشوفك فرحان أكتر مني."
تيم فضل ساكت، يونس بصله باستغراب، كان مستني يشوف منه أي فرحة بس تيم فضل ساكت، يونس سأل باستغراب
"إيه يا تيم... مالك؟ مش المفروض تكون أسعد واحد دلوقتي؟"
تيم بصله بهدوء وقال
"هما اتقبض عليهم... بس لسه متحاكموش."
يونس هز راسه وقال بسرعة
"بس هيتحاكموا، كل دول هيتحكم عليهم."
تيم فضل ساكت لحظة وبعدها قال بهدوء
"أتمنى."
يونس فضل باصصله، كان حاسس إن فيه حاجة مش طبيعية، سأل
"إنت رايح فين؟"
تيم رد وهو بيمشي من قدامه
"عندي حاجة لازم أعملها."
يونس لحقه، مد إيده مسك دراعه قبل ما يخرج وقال بقلق
"حاجة إيه؟!"
تيم بص لإيده اللي ماسكة دراعه وبعدها رفع عينه ليونس وقال بهدوء
"مش مهم."
يونس قال بسرعة
"طب استنى... هاجي معاك."
تيم هز راسه برفض وفك دراعه من إيده بهدوء وقال
"لاء خليك، وخلي بالك على نفسك."
يونس فضل واقف مكانه وهو بيبصله، حاسس إن في حاجة غلط، بس تيم مدالوش فرصة يسأل أكتر، فتح الباب وخرج من البيت وركب عربيته واتحرك، بعد دقايق فونه رن، بص للشاشة وكانت سديم.
فضل باصص للاسم ثواني من غير ما يرد لحد ما الرنة خلصت، بعدها بثواني رجعت ترن تاني بس مردش، فضلت ترن كتير بس هو مش بيرد، وبعد آخر محاولة زفر بهدوء، مد إيده مسك الموبايل وقفله وكمل طريقه في صمت.
سديم كانت قاعدة في أوضتها موبايلها في إيديها، من وقت ما سمعت الأخبار وقلبها بيدق بعنف، الدنيا كلها كانت مقلوبة وكل شوية إشعار جديد يظهر قدامها، مواقع الأخبار، القنوات، السوشيال ميديا... كله بيتكلم عن الضربة الأمنية اللي حصلت، والقبض على واحدة من أخطر الشبكات، فتحت أكتر من قناة، نفس الخبر بيتعاد، ونفس الصور بتتعرض، وكل مرة كانت بتدور بعينيها يمكن تلاقي أي حاجة تطمنها.
مسكت الموبايل واتصلت بتيم، رن بس مردش، قفلت ورنت تاني برضو مردش، عضت على شفايفها بضيق ورنت بس نفس النتيجة لحد ما لقته اتقفل، نفخت بضيق واتصلت المرادي على سرور بس فونه مقفول، عقدت حواجبها وبعدت الموبايل عنها وهيا بتبصله باستغراب، من امبارح بالليل وهيا بتحاول توصله ونفس النتيجة.
فضلت قاعدة ثواني مش قادرة تستوعب، كانت حاسة إن المفروض في اللحظة دي تيم يكلمها، أو هيا تكلمه، يحكيلها اللي حصل يقولها إن كل حاجة انتهت... يشاركها إحساسه، أيًا كان هو إيه، لكن الصمت اللي حواليها كان بيقلقها أكتر.
قامت فجأة من مكانها، فتحت الدولاب بسرعة، غيرت هدومها على عجل، ولمت شعرها، واخدت موبايلها ومفاتيحها، خرجت من أوضتها ونزلت السلم بسرعة وهيا بتسأل نفسها سؤال واحد... إيه اللي بيحصل؟
تيم وصل القسم بعد وقت قصير، نزل من عربيته وقف لحظة قدام المبنى، رفع عينه يبصله وبعدها دخل بخطوات ثابتة، القسم كله كان في حالة استنفار، ضباط داخلين خارجين، أفراد بيتحركوا في كل اتجاه، اتجه فورا ناحية مكتب سرور، خبط على الباب ودخل.
سرور كان قاعد ومعاه كام ظابط، أول ما شاف تيم وقف من مكانه بابتسامة واضحة وقال بفخر
"اتفضل يا تيم."
وبعدها بص للضباط اللي قاعدين وقال
"أحب أعرفكم... تيم أكبر مساهم في حل القضية دي، لولا المعلومات اللي وصلت منه، مكانناش هنقدر نوصل للنهاية دي بالشكل ده."
الضباط بصوا لتيم بانبهار واضح، واحد منهم مد إيده يسلم عليه وهو بيقول "تشرفنا."
تيم صافحه بسرعة وبعدين بص لسرور مباشرة وقال بهدوء
"لازم أتكلم معاك."
سرور لمح الجدية اللي على وشه فبص للضباط وقال
"لو سمحتوا... سيبونا شوية."
الكل خرج وقفلوا الباب، ساد صمت قصير، تيم قعد على الكرسي اللي قدام المكتب وسرور فضل مستنيه يتكلم.
تيم قال من غير مقدمات
"أنا جاي هنا عشان أسلم نفسي."
سرور بصله كأنه مسمعش الكلمة صح، فضل ساكت ثواني وبعدها قال بصدمة حقيقية
"تسلم نفسك؟... بتهمة إيه؟ ده إنت حتى تستحق الشكر بسبب اللي عملته."
تيم قال بهدوء
"أنا فاهم إنت هتقول إيه، ومقدر كل كلمة، بس أنا مش جاي أتناقش، أنا جاي أسلم نفسي بتهمة التستر على شبكة إجرامية كبيرة، آه... بلغت، بس بعد مدة كبيرة من التستر، كان ممكن أبلغ عنهم من بدري جدًا، بس معملتش ده، ونتيجة اللي عملته... كام شخص اتقتل، كام عملية حصلت، التفكير في الموضوع أصلًا بيخليني أحس بالذنب، أنا شخص مذنب... وعارف ده كويس."
سرور سند ضهره على الكرسي وقال وهو بيحاول يهديه
"بس صحيت... وبلغت، وأنقذت ناس كتير جدًا من القتل في نفس الوقت، وإحنا هنعتبرك شاهد ملك في القضية، لكن إني أقبض عليك... دي حاجة ملهاش لازمة، بص لنص الكوباية المليان."
تيم هز راسه بهدوء وقال
"أنا قولتلك إني مش جاي أتناقش... لأني واخد قراري، مينفعش حد يحكم على حياتي من بره لمجرد اللي شايفه، ورا البني آدم اللي قدامك ده كواليس صعبة جدًا عدت عليه... حاجات صعب حد حتى يتخيلها، واللي الناس بتستغربه في شخصيتي... للأسف شخصيتي مكتسبة من اللي عيشته، وبقيت أنا كده، الحياة اختارتني أفضل أعاني... وأنا اتقبلت ده، وموافق جدًا أعيش باقي عمري بدفع تمن غلطة أنا آه معملتهاش... بس اتسترت عليها، والغلطة دي مش غلطة عادية عشان أعديها، فأنا بطلب منك دلوقتي... تقبض عليا، وياريت تنفذ ده."
سرور فضل باصصله مستغرب كلامه، قال بعد لحظة
"بس أنا شايف إنك تستحق حياة أفضل، لسه قدامك الوقت تعيش... أكيد عيلتك مش هتوافقك على ده."
تيم نزل عينه ثواني وبعدها رفعها وقال بنفس الهدوء
"أنا مصمم."
وقف مكانه وحط إيده على المكتب وهو بيقول
"بعد إذنك..."
سرور فضل باصص لتيم فترة من غير ما ينطق، كان واضح على وشه إنه رافض القرار بكل تفاصيله، بس في نفس الوقت شايف قدامه راجل مستحيل يرجع في كلامه، زفر ببطء وبعدها مد إيده للتليفون الداخلي وقال بصوت هادي
" ابعتلي عسكري."
بعد أقل من دقيقة الباب خبط ودخل عسكري، وقف باحترام وقال
" أفندم."
سرور فضل ساكت ثواني وبعدها قال بصعوبة
" نفذ إجراءات القبض على الأستاذ."
العسكري قرب من تيم، تيم مد إيديه قدامه بهدوء، العسكري طلع الكلابش من حزامه وبعدها حطه في إيده وقفله من غير ما تيم يتحرك أو يبدي أي مقاومة، أول ما الكلبش اتقفل في إيده، أخد نفس طويل جدًا، وقف مغمض عينه لحظة، وكأن حمل كان شايله بقاله سنين نزل عن كتفه أخيرًا، فتح عينه وبص لسرور
" شكرًا."
سرور ضحك ضحكة قصيرة كلها مرارة وقال
"دي أول مرة في حياتي حد يشكرني بعد ما أقبض عليه."
تيم رد بهدوء
"لأنك عملت اللي طلبته منك."
سرور وقف قدامه، قال وهو باصص في عينيه
"أنا لحد آخر لحظة كنت بتمنى تغير رأيك."
تيم هز راسه وقال
"لو غيرته... مش هعرف أبص لنفسي في المراية تاني."
سرور اتنهد وقال
"أنا كنت أتمنى نهاية غير دي."
تيم ابتسم ابتسامة بسيطة جدًا وقال
"وأنا كمان... بس دي النهاية اللي أستحقها."
سرور سكت ومردش، وتيم مشي مع العسكري بهدوء.
فتح العسكري الباب، وخرج تيم قدامه بخطوات ثابتة، سرور فضل واقف مكانه، متابع خروجه بعينه، لأول مرة يحس إن أصعب أمر قبض صدره في حياته كان على الشخص الوحيد اللي كان نفسه يخرجه من كل اللي عاشه، مش يدخله فيه من جديد.
تيم خرج من المكتب والعسكري ماشي جنبه والكلابش مقيد إيديه قدام جسمه، وقبل ما يكمل كام خطوة... رفع عينه واتجمد مكانه... سديم.
كانت داخلة القسم بخطوات سريعة، ملامحها كلها قلق، وعينيها بتلف في المكان وأول ما رفعت عينيها... شافته.
وقفت مكانها فجأة وكأن رجليها اتثبتوا في الأرض، عينيها نزلت ببطء على الكلابش اللي في إيده، رجعت بصتله تاني، مستوعبتش، فضلت ثواني كاملة مش قادرة تنطق كأن عقلها رافض يصدق اللي شايفاه.
همست بصوت بالكاد خرج
"تيم...؟"
تيم بصلها وهيا جريت ناحيته، وقفت قدامه وهيا بتبص للكلابش، وبعدها لعينيه وقالت بصوت مهزوز
"إيه ده؟"
محدش رد، لفت بسرعة للعسكري وقالت بعصبية
"إنتوا قبضتوا عليه ليه؟!"
رجعت بصت لتيم، قربت خطوة وإيديها كانت بتترعش وهيا بتمسك دراعه
"رد عليا... إيه اللي حصل؟"
تيم نزل بعينه على إيديها اللي ماسكة دراعه، وبعدها رفع عينه ليها، كانت نظرته هادية بشكل وجعها.
سديم كانت باصاله بعيون مليانين ذعر، ولسه عقلها رافض يستوعب اللي قدامها. قربت منه خطوة وقالت بصوت مهزوز
"تيم... إنت عملت إيه؟... إيه اللي حصل؟ قولي... متسبنيش كده."
تيم فضل باصصلها ثواني وقال بهدوء
"سديم... الموضوع انتهى، ربنا يوفقك في حياتك."
الكلمات نزلت عليها تقيلة اوي، بصتله بعدم استيعاب وهزت راسها برفض وهيا بتقول بسرعة
"إيه؟... يعني إيه؟"
تيم مشي مع العسكري وسديم فضلت واقفة مكانها، عينيها متعلقة بيه وهو بيبعد عنها خطوة... والتانية... والتالتة، ولما بدأ يختفي من قدامها، خرج منها همس مكسور
"يعني إيه...؟"
دموعها نزلت من غير ما تحس
"تيم... متعملش فيا كده."
فضلت واقفة في نص الممر، مش قادرة تتحرك ولا تستوعب، بسرعة جريت ناحية مكتب سرور من غير ما تحس بنفسها، فتحت الباب بعنف، سرور رفع عينه بسرعة عليها، أول ما شافته وقفت قدامه وهيا حرفيًا نفسها مقطوع ودموعها بتنزل من غير ما تحس
"إنت قبضت على تيم؟!"
سرور قام من مكانه باستغراب وقال
"سديم..."
قاطعته وهيا بتزعق بانهيار
"رد عليا! ليه قبضت عليه؟! عمل إيه؟! تيم ملوش دعوة بأي حاجة، ده هو اللي ساعدك، هو اللي وصلك لكل حاجة، إزاي بعد كل ده تعمل كده؟!"
سرور حاول يهديها وقال
"اهدي الأول..."
هزت راسها بعنف وهيا بتمسح دموعها بعشوائية
"لا مش ههدى! أنا شوفته بعيني، شوفته خارج من عندك وهو متكلبش! فهمني إيه اللي حصل!"
سرور فضل ساكت ثواني، مش عارف يقولها إيه، سديم قربت من المكتب وقالت بصوت مكسور
"هو عمل إيه؟... رد عليا."
سرور أخد نفس طويل وقال بهدوء
"تيم مجاش هنا متهم..."
سديم قاطعته بسرعة
"أومال إيه؟!"
سرور نزل عينه للحظة وبعدها قال
"هو اللي طلب يتقبض عليه."
سديم اتجمدت مكانها
"إيه؟"
"هو اللي سلم نفسه."
هزت راسها بعنف وهيا مش مصدقة
"مستحيل."
"دي الحقيقة."
"لاء إنت أكيد فاهم غلط."
سرور قال بهدوء
"مفيش أي غلط."
سديم قربت خطوة وعينيها كلها دموع
"يعني إنت وافقت؟! إنت ازاي توافق؟! ده خاطر بحياته عشان القضية دي!"
سرور غمض عينيه لحظة وقال بصوت مليان تعب
"أنا رفضت وحاولت أقنعه بكل الطرق بس هو كان مصمم."
سديم هزت راسها وهيا بترجع لورا خطوة
"لاء..."
سرور كمل
"قال إنه متسترش يوم ولا اتنين... قال إنه اتستر سنين، وإن ناس ماتت وهو ساكت، ومهما عمل دلوقتي... هو شايف إنه لازم يتحاسب."
سديم غمضت عينيها بقهر ودموعها نزلت أكتر، همست بصوت مكسور
"غبي..."
فتحت عينيها تاني وقالت
"هو غبي... ليه يعمل كده في نفسه؟"
بصت لسرور برجاء واضح وقالت
"طب خليني أتكلم معاه... وأنا هقنعه، مينفعش تبقى دي النهاية."
سرور زفر ببطء، وهز راسه بأسف وقال
"سديم... حاولت، والله حاولت، بس هو جاي واخد قراره من قبل ما يدخل القسم."
سديم هزت راسها بعنف وهيا بتمسح دموعها وقالت بسرعة
"لاء أنا هتكلم معاه، هقنعه والله، مينفعش يعمل كده... مينفعش يضيع نفسه بإيده، عشان خاطري... سيبني أتكلم معاه قبل المحكمة."
قربت خطوة وقالت برجاء
" إديني فرصة بس."
سرور نزل بعينه وبعدها رفعها تاني وقال
"لو وافقت ووصلتيله، ومغيرش رأيه..."
قاطعته بسرعة
"حتى لو مغيروش... يكفيني إني حاولت."
سرور فضل باصصلها شوية وبعدها هز راسه باستسلام.
A FEW MINUTES LATER
سديم كانت قاعدة قدام تيم، دموع نازلة وكل ما تبصله تحس إن اللي قدامها شخص غير اللي عرفته، كان قاعد قدامها بهدوء غريب، هزت راسها وهيا بتحاول تسيطر على صوتها وقالت
"ليه عملت كده؟... حرام عليك نفسك، ليه مش بتفكر في اللي حواليك؟"
تيم بصلها بهدوء وقال
"قولتلك قبل كده... أنا نهايتي واحدة، ودي النهاية الوحيدة المناسبة."
سديم دموعها زادت وهيا بتبصله بعدم استيعاب وقالت
"بس أنا مستنتش النهاية دي... أنا... أنا توقعت كل حاجة هتتحسن، وفعلاً اتحسنت، وإنت... إنت حر أساسًا، ليه تعمل كده؟"
تيم أخد نفس هادي وقال
"اسمعي... أنا مش عايز أتكلم ولا قادر، أنا أصلًا مكنتش هقابلك، بس حبيت أقولك تنسيني... لأن مفيش مني رجا، أنا عمري ما اديتك أمل في حاجة، ودايمًا كنت صريح معاكي، الحياة مبتقفش على حد، وإنتي لازم تشوفي حياتك مع إنسان صح."
سديم هزت راسها بعنف وهيا بتمسح دموعها وقالت
"بس هيبقى حرام تكون دي حياتك."
تيم ابتسم ابتسامة بسيطة وقال
"يا ستي أنا راضي، أنا مشتكتش من حياتي."
نزلت من على الكرسي وقعدت قدامه على الأرض، مدت إيديها مسكت إيده الاتنين وقالت وهيا بتعيط
"أنا هستناك... وهعمل كل جهدي عشان تخرج، ولو قعدت هنا ألف سنة هستناك برضو... عمري ما همل من الانتظار."
تيم فضل باصصلها ثواني وبعدها شدها برفق وخلاها تقف قدامه وقال بهدوء
"مش هتكسبي حاجة لما تستني، اللي هيفرحني أكتر لو شوفتي حياتك بجد، وبعدين الشركة أمانة في رقبتك... أنا مبثقش غير فيكي."
سديم هزت راسها وهيا بتعيط وقالت بصوت مكسور
"تيم... متسبنيش."
تيم غمض عينه للحظة وبعدها فتحها ولف ناحية العسكري، شاورله بهدوء إنه يمشي، العسكري قرب منهم، سديم كانت ماسكة في إيد تيم بكل قوتها، تيم نزل بعينه على إيدها اللي كانت متعلقة فيه، وبلطف شديد فك صوابعها واحدة واحدة من على إيده رغم إنها كانت بتقاوم وبتشد فيها جامد ومشي مع العسكري.
في المستشفى...
الأوضة كانت أهدى من امبارح بس مليانة أكتر، إسلام كان موجود من الصبح وفرح كانت معاه، ويسر موجودة، وإيناس ومنى قاعدين جنب فريدة، وحسام كان قاعد على طرف السرير شايل صوفيا بين إيديه بمنتهى الحنان، وفريد واقف قدامه مركز معاها بكل فضول.
حسام نزل لمستوى فريد علشان يبقى وشهم في نفس المستوى، وقربها منه بحرص وهو بيبتسم، فريد فضل يبصلها شوية بفضول وعينيه الصغيرة بتتنقل بين وشها وإيديها قبل ما يسأل بعفوية
"هتلعب معايا؟!"
حسام ابتسم وقال
"أكيد لما تكبر هتلعب معاك، دلوقتي هيا لسه صغيرة."
فريد قال بتذمر
"بس أنا كنت عايز أخ."
حسام ضحك وبص لفريدة لحظة قبل ما يرجع يبص لفريد ويقول
"بس ربنا بعت أخت، وهتحبها أوي، وهيا كمان هتحبك إنت أكتر واحد."
فريد رفع عينيه بسرعة وقال
"هتحبني أكتر منك؟"
ضحكة حسام وسعت وقال وهو بيهز راسه
"آه أكيد... مش إنت أخوها الوحيد؟"
ابتسم فريد أخيرًا ورجع يبص لصوفيا وبعدها سأل بجدية
"هيا هتبقى كبيرة زيي إمتى؟"
حسام قال
"علشان تكون كبيرة زيك... هيعدي يوم، ويوم، ويوم، ويوم... لحد ما تكبر."
فريد بص لإيده، وقعد يعد على صوابعه وهو بيقول
"وبعدين هتبقى قدي؟"
حسام هز راسه بابتسامة
"أيوه... كل يوم هتكبر أكتر، لحد ما تبقى قدك... ويمكن أكبر كمان."
فريد قرب من صوفيا أكتر وقال بحماس
"خليها تكبر بسرعة... عشان تلعب معايا في البيت."
هز حسام راسه وهو بيضحك وقال
"حاضر."
يسر كانت قاعدة جنب فريدة، بصتلها وقالت بهدوء
"إنتي كويسة دلوقتي؟"
فريدة ابتسمت ابتسامة بسيطة وقالت
"الحمد لله... بقيت أحسن."
يسر هزت راسها وقالت
"أنا لحد دلوقتي مش فاهمة اللي حصل بالظبط بس بحاول استوعب"
فريدة قالت بهدوء
"ولا أنا كنت مستوعبة... اللي حصل كان كابوس بالنسبالي."
يسر قالت
" طب عرفتوا ازاي؟"
فريدة أخدت نفس طويل وبعدين بصتلها وقالت
"لما نروح البيت هحكيلك كل حاجة من أولها لآخرها، دلوقتي مش قادرة أتكلم."
يسر ابتسمت وربتت على إيدها وقالت
"ولا يهمك، ارتاحي إنتي بس، ونتكلم...."
قاطعها رنة فونها، طلعته من شنطتها، وشافت المتصل كان يونس، قامت بهدوء وقالت
"هطلع أرد وأجيلك."
فريدة هزت راسها ويسر خرجت برا الأوضة وقفلت الباب وراها بهدوء، حطت الفون على ودنها وقالت
"أيوه يا يونس."
يونس رد عليها بسرعة وصوته كان متوتر بشكل واضح
"إنتي فين؟"
يسر استغربت وقالت
"في المستشفى عند فريدة... في إيه؟"
يونس سكت لحظة كأنه مش عارف يبدأ منين وبعدها قال
"تيم... اتقبض عليه."
يسر اتجمدت مكانها وقالت بعدم استيعاب
"إيه؟!"
يونس قال
"راح القسم بنفسه... وسلم نفسه."
يسر هزت راسها بعنف وقالت بسرعة
"مستحيل... ايه يخليه يعمل كده."
يونس زفر وقال
"عملها وخلاص، أنا وسالي في القسم"
يسر سألت بسرعة
"وشوفتوه؟"
يونس رد بغيظ
"لاء... مرضيش يقابلنا."
يسر قطبت حواجبها باستغراب
"يعني إيه مرضيش؟"
يونس رد بضيق
" يعني رافض يشوف حد، وإحنا مستنيين بنشوف هنشوفه ازاي"
يسر قالت
" طيب انا جاية، مسافة السكة هكون عندكوا"
قفلت المكالمة وفضلت واقفة مكانها ثواني، زفرت بضيق ودخلت الأوضة تاني، اتحركت بهدوء ناحية الكرسي اللي كانت حاطة عليه شنطتها، فريدة أول ما بصتلها وشافتها متوترة سألت
"في إيه يا يسر؟"
يسر حاولت تبتسم بس فشلت
"في مشكلة كبيرة..."
فريدة قلبها اتقبض وقالت بسرعة
"خير؟"
يسر بلعت ريقها وقالت بصوت مبحوح
"تيم... اتسجن."
فريدة عينيها وسعت بصدمة وقالت باستغراب
"ليه؟! إيه اللي حصل؟"
يسر هزت راسها وهيا بتاخد شنطتها
"مش عارفة لسه."
سكتت لحظة وبعدها قالت
"هبقى أقولك بعدين."
فريدة فضلت باصالها بعدم استيعاب، لكن يسر مدتهاش فرصة تسأل تاني، مسكت شنطتها، بصتلها نظرة سريعة كلها اعتذار ولفت بسرعة وخرجت من الأوضة.
يسر وصلت القسم بسرعة، أول ما نزلت من العربية بصت حواليها ودخلت بسرعة وهيا بتدور بعينيها عليهم، شافتهم وراحت ناحيتهم بسرعة، قالت أول ما وقفت قدامهم
"إيه اللي حصل؟ ليه تيم سلّم نفسه؟"
يونس زفر بعصبية، مرر إيده في شعره وقال
"مش عارف ليه عمل كده... عيل غبي."
سالي هزت راسها بحزن وقالت
"ومش راضي يقابلنا... بقالنا ساعتين واقفين أهو مش عارفين ندخله."
يسر بصتلهم بعدم استيعاب وقالت
"طب هو سلم نفسه بمناسبة إيه؟"
يونس قال
"ما الشبكة اللي اتكشفت والدنيا اللي مقلوبة عليهم دي هيا نفس الشبكة اللي كانت بتطارد تيم، لما بلغ عنهم اتقبض عليهم... بس هو سلم نفسه بتهمة التستر."
يسر شهقت بصدمة وقالت
"بس دي شبكة كبيرة جدًا... هو ماله بيهم؟! إنت بتقول بلغ عنهم!"
يونس هز راسه وقال بقهر
"وده اللي مجنني... هو اللي بلغ، وهو اللي ساعد في القبض عليهم، والمقدم اللي ماسك القضية أصلًا مكانش راضي يقبض عليه، بس تيم كان مصمم."
سكتوا التلاتة، وكل واحد فيهم باصص قدامه، فضلوا وقفين مستنيين أي حاجة، اخيرا سرور جه وأول ما يونس شافه اتحرك ناحيته بسرعة وقال بسرعة
"هنقدر ندخل؟"
سرور بصلهم بهدوء وهز راسه بنفي
"وجودكم ملوش لازمة... هو مش ناوي يقابل حد."
يونس قال بضيق
"طب دخلنا ليه غصب عنه مش مهم؟"
سرور رد وهو باصصله
" طالما هو رافض بلاش احسن، سيبوه حاليا"
سالي قالت برجاء
"طب دقيقة واحدة... إحنا لازم نتكلم معاه"
سرور هز راسه تاني
" اسف... طالما هو رافض مش هقدر اساعدكوا"
يونس فضل واقف مكانه ثواني، حاسس بعجز عمره ما حس بيه قبل كده، حتى ابسط حاجة مش قادر عليها، لف بعينيه حواليه بعصبية، فجأة وقعت عينه على كمبيوتر موجود فوق مكتب جانبي قدام ظابط، مشى ناحيته بخطوات سريعة، وقبل ما أي حد يستوعب هو ناوي يعمل إيه، مد إيده وشد الكمبيوتر من فوق المكتب ورماه بكل قوته على الأرض.
سالي شهقت وهيا بتجري عليه
"يونس!"
يسر بصتله بصدمة، مش مستوعبة اللي عمله، أما الظابط فقام من مكانه بسرعة وهو بيقول بغضب
"إنت اتجننت؟!"
يونس كان واقف، صدره بيطلع وينزل بعنف، بص مباشرة ناحية سرور وقال بصوت كله تحدي وقهر
"اتعديت على ممتلكات دولة."
مد إيده ناحيته وقال
"اقبض عليا يلا."
سرور فضل باصصله كام ثانية من غير ما يتكلم وهو بيستوعب اللي عمله، يونس زعق أكتر
"واقف بتبصلي ليه؟! اقبض عليا... ولا اكسر واحد كمان"
سالي قربت منه بسرعة ومسكت دراعه وهيا بتحاول تهديه
"يونس... إهدى."
هز دراعه بعنف وبصلها وعينيه كلها قهر
"أهدى إيه؟! متلقح واقف بقالي قد ايه وبعد كل ده مش هشوفه برضو."
يونس فضل باصص لسرور، إيده لسه ممدودة قدامه وقال بثبات
"اقبض عليا... يلا."
سرور بص للظابط اللي جنب المكتب وقال
"حطله الكلابش."
الظابط قرب من يونس، ويونس مد إيده بكل صدر رحب، يسر وقفت قدامه وهيا مصدومة وقالت بعصبية
"إنت اتجننت؟!"
يونس بصلها وقال بهدوء غريب
"آه انا اتجننت وكل كلمه هتقوليها خلاص، لو شوفت تيم في جهنم هاخدها بالحضن من غير ما افكر"
يسر قالت بقهر
"وإنت لما تدخل الحجز معاه هتعمله إيه؟! هتطلعه؟! هتلغي الحكم؟!"
يونس رد بلا مبالاه
"مش مهم."
يسر زعقت
"إزاي مش مهم؟!"
يونس قال وعينيه كلها إصرار
"المهم إنه ميبقاش لوحده."
سالي قال برجاء
"يونس... بالله عليك."
يونس قال
" بالله عليكوا إنتوا سيبوني في حالي، أنا عارف انا بعمل ايه كويس."
الظابط شده يتحرك ويونس مشي معاه من غير ما يبص وراه، يسر جريت ورا سرور قبل ما يونس يختفي من قدامها، وقفت قدامه بسرعة وقالت بلهفة
"لو سمحت... متدخلوهوش الحجز، يونس معملش كده عشان يتعدي على حد، هو بس... هو بس مش عارف يعمل إيه."
سرور بصلها بهدوء وقال
"أنا عارف."
يسر قالت وهيا بتحاول تمسك دموعها
"هو مش مجرم، هو عمل كده عشان تيم... بالله عليك."
سرور هز راسه وقال
"متقلقيش، أنا فاهم هو عمل كده ليه، هسيبه مع تيم شوية... هو أصلًا ده اللي كان عايزه."
يسر قالت بسرعة
"وبعدين؟"
سرور رد
"وبعدين هطلعه متقلقوش"
يونس كان لسه بيمشي مع العسكري ولما سمع الجملة وقف لحظة ولف بصلهم، سرور بصله وقال
"متفتكرش إنك هتضحك عليا بحركة زي دي، هسيبك مع أخوك شوية تهدى وبعدها هتخرج."
يونس رد بثبات
"أنا مش خارج."
سرور ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
"ده مش قرارك."
شاور للعسكري وقال
"خده... وبعد نص ساعة رجعهولي."
العسكري هز راسه، وكمل طريقه، بينما يسر فضلت واقفة تبص على يونس وهو بيبعد، وسالي قعدت مكانها وهيا بتزفر بتعب.
يونس دخل الحجز وهو بيبص حواليه بعينيه بسرعة، بيدور على تيم وسط اللي موجودين، عينيه وقعت عليه، لقاه قاعد في ركن بعيد، ضهره للحيطه وغرقان في أفكاره لدرجة إنه حتى مرفعش عينه يشوف مين اللي دخل، يونس جري ناحيته وهو بينادي
"تيم!"
تيم رفع راسه باستغراب وأول ما شاف يونس عقد حواجبه وقال
"يونس؟! إنت دخلت هنا إزاي؟"
يونس وقف قدامه وقال من غير تردد
"مش هسيبك لوحدك، قولتلك قبل كده إني معاك دايمًا... في الوحش قبل الحلو."
تيم زفر بضيق وقال
"يونس... مصممين تضايقوني برضو."
يونس قعد جنبه على الأرض وهو بيبصله مباشرة وقال
"أنا برضو؟! أنا اللي سلمت نفسي؟! مع إن المفروض أفرح إني خلصت من هم كبير، ليه مصمم تضيع نفسك دايمًا؟"
تيم قال بهدوء
"أنا شايف إن ده الصح... وأنا حر."
يونس هز راسه بعصبية وقال
"لاء ده مش صح، عادي، الكل بيغلط، بس المهم إنك في الآخر عملت الصح."
تيم بصله وقال
"ده لما تكون الغلطات عادية... بس دي مش مجرد غلطة، وإنت عارف كده كويس."
يونس قال بسرعة
"بس إنت كنت معذور، وبعدين حتى لو مسلمتش الشبكة دي، اللي كانوا بيعملوه في الناس كان هيفضل مستمر، وفي شبكات أكتر بكتير حوالين العالم برضو... فده ذنبك؟! إنت اللي قولتلهم يعملوا كده؟! أكيد لاء، إنت لازم تخرج من هنا."
سكت لحظة وبعدين كمل وهو بيبصله بإصرار
"وعمومًا... لو إنت مخرجتش، أنا كمان مش هخرج، وهفضل معاك."
تيم ناداله بنبرة تحذير
"يونس."
يونس قاطعه وقال
"كده أنا هخاف يعني؟ أنا أصلًا داخلك بتهمة."
تيم هز راسه بعدم تصديق وقال
"لاء إنت شكلك اتجننت رسمي."
يونس ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
"ده أنا اللي مجنون؟ مش إنت؟"
تيم قال بجدية
"لازم تخرج يا يونس، إنت ملكش دعوة بوجودي هنا... أنا حر."
يونس رد فورًا
"وأنا حر. ولو خرجت من دي... هرتكب المرة الجاية جريمة بجد بقا."
تيم بصله وقال بضيق
"ما تبطل استظراف."
يونس قال بثبات
"هتخرج... هخرج، غير كده... أنا معاك."
تيم سند راسه على الحيطة وقال
"ريح نفسك... مش هخرج."
يونس ابتسم وقال
"ولا أنا هخرج."
بالليل، البيت كان هادي أخيرًا بعد يوم طويل مليان أحداث، فريدة كانت قاعدة على الكنبة، وصوفيا نايمة في حضنها، إيناس قاعدة جنبها، كل شوية تبص على صوفيا وتعدل الغطا عليها أو تسأل فريدة لو محتاجة حاجة، الباب اتفتح وحسام دخل وهو باين عليه الإرهاق، أول حاجة عملها إنه قرب من صوفيا، انحنى وباس راسها الصغيرة وبعدها بص لفريدة وهو بيطمن عليها بعينيه.
قال وهو بيقعد قدامها
"تعرفي إن النهارده اتقبض على شبكة كبيرة بيتاجروا بالأعضاء... وبيعملوا حاجات تانية غير قانونية."
فريدة رفعت عينيها بسرعة واتعدلت في قعدتها وقالت
"آه... سمعت."
حسام هز راسه وقال
"بس مش هتصدقي اللي حصل."
فريدة بصتله باستغراب وقالت
"في إيه؟"
حسام اخد نفس وقال
"داليا كانت بتشتغل مع واحد من اللي اتقبض عليهم... وهيا كمان اتقبض عليها، وطلعت مشتركة في خطف تسع أشخاص من المستشفى اللي بتشتغل فيها."
فريدة شهقت بصدمة، بصتله وهيا مش مستوعبة اللي سمعته، أما إيناس فبصت لحسام بعدم تصديق، حسام كمل وهو لسه مذهول من اللي عرفه
"والله أول ما عرفت مكنتش مصدق، كنت عايز أعرف مين اللي واقف وراها، بس عمري ما كنت هعرف، ولا حتى كنت هعرف أقف في وشه، أنا عمري ما اتخيلت إنها تكون بتتعامل مع ناس زي دي."
فريدة قالت وهيا لسه مصدومة
"لاء... إزاي؟! يعني إيه بجد؟!"
حسام هز راسه وقال
"أنا برضو مكنتش مصدق، بس تصدقي... العدالة الإلهية اتدخلت في الوقت المناسب، ورحمتها من اللي كنت ناوي عليه."
سكتت فريدة لحظة وهيا بتستوعب، حسام كمل بعد لحظة صمت
"المشكلة إن الشبكة دي بتضم ناس كبيرة في البلد... ناس مناصبهم ومكانتهم حساسة جدًا، أنا لما قريت أسامي الناس دي اتصدمت... البلد كلها مقلوبة من الصبح، وكل القنوات بتتكلم عن القضية."
فريدة كانت مصدومة، لكن عقلها كان في حتة تانية خالص، أول ما حسام قال إن الشبكة اتقبض عليها، افتكرت كلام يسر قبل ما تمشي... "تيم اتسجن"، قلبها انقبض فجأة وبدأت تربط الكلام ببعضه، صابرين كانت منهم... معقول تيم دخل معاهم؟ لاء... مستحيل، هيا عارفة تيم كويس، مستحيل يكون واحد منهم، يبقى اتقبض عليه ليه؟ فضلت سرحانة في الفكرة، ومركزتش في باقي كلام حسام أصلًا.
حسام لاحظ إنها مش معاه فناداها بهدوء
"فريدة... إنتي معايا؟"
فريدة انتبهت على صوته، بصتله بسرعة وهزت راسها من غير وعي وهيا بتقول
"معاك... معاك."
حسام ابتسم ابتسامة بسيطة وقال وهو بيتنهد براحة
"الأكشن اللي في حياتنا خلص خلاص... وأول ما يتحكم عليها هعرف، يا رب يجيلها مؤبد."
فريدة هزت راسها تلقائيًا وقالت وهيا لسه عقلها مشغول
"إن شاء الله."
AFTER SIX MONTHS
من بدري جدًا، كانت المحكمة محاطة بقوات أمن من كل ناحية، عربيات الشرطة واقفة في كل مكان، وكاميرات القنوات الإخبارية مالية الساحة، وصحفيين بيتسابقوا ينقلوا أي خبر، لأن النهارده مش مجرد جلسة... النهارده النطق بالحكم النهائي في أكبر قضية هزت البلد خلال السنين الأخيرة.
القاعة نفسها كانت مختلفة عن أي محكمة عادية، مليانة ناس بشكل غير معتاد؛ محامين، ظباط، صحفيين، وأهالي المتهمين، وكل واحد مستني اللحظة اللي هيتنطق فيها بالحكم.
سديم كانت قاعدة في الصفوف الأولى، ماسكة شنطتها بإيديها الاتنين بقوة وقلبها بيدق بسرعة رهيبة، من ساعة ما دخلت وهيا كل شوية تبص ناحية القفص اللي بيدخلوا منه المتهمين مستنيه تشوفوا.
ست شهور... ست شهور كاملة معداش عليهم يوم واحد من غير ما تفكر فيه، كان نفسها تشوفه، تتكلم معاه، حتى لو دقيقة... لكنه رفض كل الزيارات، وكل المحاولات اللي عملتها هيا ويونس وسالي بائت بالفشل، ورغم كده... مغابتش عن أي خطوة تخص قضيته.
جابت أكبر محامي قدرت توصله، وقعدت شهور تدور ورا كل دليل ممكن يثبت إن تيم مكانش مجرم، وإن اللي عمله في النهاية هو اللي أنقذ بلد كاملة، لكن كل ده مغناش عن خوفها من اللحظة دي.
اخيرا الباب الجانبي للقاعة اتفتح وكل اللي في القاعة لفوا في نفس اللحظة، دخل المتهمين واحد ورا التاني، عدد كبير دخل القفص من المتهمين آخرهم تيم، أول ما وقع نظر سديم عليه قلبها وجعها، كان أضعف بكتير من آخر مرة شافته فيها، شكله انحف ودقنه طولت اكتر بس الغريب إن ملامحه كانت هادية... هدوء غريب، كأنه استسلم لكل حاجة حواليه، كان ماشي بخطوات ثابتة، عينيه قدامه ومبصش لأي حد.
سديم فضلت تبصله والدموع لمعت في عينيها، دي أول مرة تشوفه بعد ست شهور...
ويونس، يونس كان بيدور بعينه وسطهم من أول لحظة لحد ما شاف تيم، قلبه دق بعنف، من غير ما يحس بنفسه قام من مكانه بسرعة واتحرك ناحية القفص وهو بينادي
"تيم!"
قبل ما يقرب، العسكري وقف قدامه ومد إيده يمنعه
"ارجع مكانك يا أستاذ... ممنوع."
يونس حاول يبص من وراه وقال
"دقيقة واحدة بس... هكلمه دقيقة."
العسكري هز راسه بحزم، يونس قال بعصبية
" انا بس هتطمن عليه."
العسكري بصله وقال بجدية
"لو سمحت يا أستاذ... ارجع مكانك."
تيم وقتها رفع عينه ناحية يونس وسالي اللي واقفة وراه، شافهم الاتنين واقفين قدام العساكر، فضل باصصلهم ثواني وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا بالكاد اتلاحظت، رفع إيده المكبلة بالكلبشات حركة بسيطة كأنه بيطلب منهم يهدوا، يونس هز راسه بعصبية وقال بصوت عالي
"أنا هنا... سامعني؟"
تيم هز راسه هزة خفيفة من بعيد، أما سديم فكانت مركزة معاه، دموعها نزلت وهيا عينيها عليه، تيم اخيرا بصلها وهز راسه هزه خفيفة، سديم ابتسمت وهيا لسه عينيها عليه، في اللحظة دي دخل الحاجب وقال بصوت جهوري
"محكمة..."
فورًا رجع الكل أماكنهم وساد الصمت في القاعة، بعد ثواني دخلت هيئة المحكمة يتقدمهم القاضي، وقعد كل واحد في مكانه، والحاجب كرر بصوت واضح
"اتفضلوا... المحكمة."
الكل قعدوا مكانهم بهدوء، القاضي فتح الملف الضخم اللي قدامه وقلب كذا ورقة، وبعدها رفع عينه على القاعة كلها وقال بصوت هادي حازم
"بسم الله الرحمن الرحيم... تُستأنف اليوم الجلسة الختامية في القضية رقم..."
بدأ يذكر رقم القضية وبعض البيانات الرسمية
"بعد الاطلاع على أوراق القضية، وما قدمته النيابة العامة من أدلة، وما استمعت إليه المحكمة من أقوال الشهود، وتقارير الجهات المختصة، ومرافعات الدفاع... تُعطى الكلمة للدفاع."
أول محامي وقف كان بيدافع عن واحد من أكبر المتهمين في القضية، عدل روب المحاماة وبدأ يتكلم بثقة، كان بيحاول يشكك في الأدلة، ويأكد إن موكله ملوش علاقة مباشرة بالوقائع، وإن اسمه ذُكر بناءً على أقوال متهمين تانيين فقط، النيابة ردت عليه بسرعة واستعرضت جزء من الأدلة، وتقارير التحريات، والتسجيلات، وتحويلات الأموال، فالمحامي رجع يقعد وهو واضح إنه خسر جزء كبير من دفاعه، بعده وقف محامي تاني... وتالت... وكل واحد كان بيحاول يلاقي ثغرة ينقذ بيها موكله، لكن مع كل مرافعة كانت الأدلة اللي قدام المحكمة بتأكد أكتر إن الشبكة كانت موجودة فعلًا، وإن كل واحد من المتهمين كان ليه دور محدد فيها.
الوقت عدى، والقاعة بدأت يدخلها الملل، لولا إن كل شوية اسم كبير يتقال، أو دليل جديد يتعرض، فيرجع التوتر يسيطر على المكان.
سديم كانت قاعدة طول الوقت، لكنها ولا سمعت كلمة من مرافعاتهم، كل تركيزها كان على تيم وكل شوية تبص عليه، وهو واقف في نفس مكانه بنفس الهدوء.
بعد ساعات من المرافعات، القاضي بص في الملف اللي قدامه، وقلب كام ورقة وبعدين قال
"يتفضل الدفاع عن المتهم الأخير."
في اللحظة دي... سديم أخدت نفس عميق، بصت للمحامي اللي كانت موكلاه.
المحامي وقف بهدوء، أخد الملف من على الترابيزة، واتجه خطوتين لقدام، وبص للقاضي وبعدين قال بثبات
"سيادة المستشار... قبل ما أبدأ مرافعتي، أحب أوضح للمحكمة إن موكلي يختلف اختلافًا كاملًا عن باقي المتهمين الواقفين داخل هذا القفص."
الجملة لوحدها خلت أغلب اللي في القاعة يرفعوا راسهم ويركزوا، المحامي كمل وهو بيشاور ناحية تيم
"موكلي ليس متهمًا لأنه اشترك في إدارة هذه الشبكة، ولا لأنه استفاد منها، ولا لأنه ارتكب الجرائم المنسوبة لباقي المتهمين... موكلي يقف اليوم أمام عدالتكم بسبب شيء واحد فقط... تأخره في الإبلاغ."
ساد هدوء غريب في القاعة، أما تيم... ففضل واقف مكانه، ملامحه ثابتة كأنه مش هو الشخص اللي بيتكلموا عنه.
المحامي سكت ثواني وبعدين فتح الملف اللي قدامه وبص للقاضي بثبات وقال
"سيادة المستشار... النيابة وجهت لموكلي تهمة التستر على شبكة إجرامية، وهيا تهمة لا ننكر وجود سبب ظاهر لها، لكن السؤال الحقيقي الذي أطلب من عدالتكم الإجابة عنه... هل كان هذا التستر بإرادة إجرامية؟ أم كان ضرورة فرضتها طبيعة القضية؟"
القاضي فضل باصصله باهتمام والمحامي كمل
"إحنا مش بنتكلم عن عصابة مكونة من أربعة أو خمسة أفراد، ولا قضية مخدرات عادية، ولا تشكيل إجرامي صغير يسهل الإبلاغ عنه."
رفع ملف القضية بإيده وقال
"إحنا بنتكلم عن أكبر شبكة إجرامية تم ضبطها في البلاد خلال السنوات الأخيرة... شبكة امتدت لسنوات، وتشعبت في أماكن مختلفة، وضمت عشرات الأشخاص، منهم أصحاب مناصب ونفوذ، وكل مستوى في الشبكة لا يعرف إلا المستوى اللي فوقه أو تحته."
القاعة كلها كانت ساكتة وبتسمع باهتمام، المحامي كمل
"حضراتكم... القضية دي نفسها وبعد ما أصبحت كاملة، احتاجت قوة ضخمة من أجهزة الدولة للتعامل معاها، وشاركت فيها جهات أمنية متعددة، وتم التخطيط للمداهمات في توقيت واحد حتى لا يهرب أي متهم."
لف ناحية القاضي وقال
"فهل يُعقل... أن شخصًا واحدًا، مهما كانت شجاعته، يبلغ عن هذه الشبكة قبل أن يمتلك الدليل الكامل؟"
سكت ثانية
"لو فعل ذلك... ماذا كانت النتيجة؟"
"كان هيموت."
قالها واحد من الموجودين فالمحامي بصله وقال
" بالظبط، وليس هو فقط... بل كل من يقترب منه."
بص ناحية تيم
"موكلي لم يكن يواجه مجرمًا واحدًا... كان يواجه تنظيمًا كاملًا، يستطيع أن يخفي الأدلة، ويقتل الشهود، ويمحو أي أثر يدل عليه."
المحامي فتح ورقة تانية وقال
"ولو أن موكلي أبلغ بعد أول معلومة وصلته... هل كانت القضية ستصل إلى ما وصلت إليه اليوم؟ بالطبع لا، كان سيتم القبض على فرد أو اثنين، بينما يختفي الباقون، وتستمر الشبكة في العمل بأسماء جديدة."
لف ناحية القاضي مرة تانية وقال
"لكن موكلي اختار طريقًا أصعب، اختار أن يجمع الأدلة، اختار أن يتحمل الخطر، واختار في النهاية أن يضع أمام أجهزة الدولة قضية مكتملة الأركان."
قال بهدوء
"ولو كانت هذه الأدلة غير مكتملة... لما كانت القضية التي أمام عدالتكم اليوم بهذا الحجم."
المحامي أخد نفس هادي وبعدها قال وهو بيبص مباشرة للقاضي
"سيادة المستشار... اسمحلي أوضح نقطة يمكن تكون أهم نقطة في القضية كلها، النيابة الموقرة نفسها أثبتت إن البلاغ اللي قدمه موكلي لم يكن مجرد بلاغ شفهي، وإنما كان ملفًا كاملًا."
رفع إيده وبدأ يعد
"أماكن، أسماء، مستويات، طرق التواصل، مواعيد، مخازن، حسابات، وتوقيت مناسب للتنفيذ."
سكت لحظة وقال
"أنا بسأل عدالتكم... كام شخص يقدر يعمل ده؟"
محدش اتكلم، المحامي كمل
"إحنا قدام ملف احتاج أجهزة كاملة عشان تراجعه، واحتاج ظباط متخصصين عشان يتأكدوا من صحته، وبعدها اتحطت خطة مداهمات استمرت أسابيع، واشتركت فيها جهات مختلفة، وكل ده علشان يتم القبض على جميع أفراد الشبكة في وقت واحد، هل كان من المنطقي أن موكلي، بمجرد ما عرف أول خيط، يروح يبلغ؟ أكيد لاء، لأنه لو عمل كده... القضية كانت انتهت قبل ما تبدأ."
بدأ صوته يعلى تدريجيًا وهو بيقول
"كان هيتم التخلص من الأدلة، وكان هيتم تهريب القيادات، وكان هيتم قتل أي شخص يوصلوا إنه بلغ، وكان النهارده... مكانش هيكون فيه أصلًا قضية تُنظر أمام عدالتكم اليوم"
المحامي بص
