رواية حرب سقطت راءها الفصل الثامن والثلاثون والاخير بقلم نور زيزو
بعنـــوان " وبقي الحُـب 🖤♟️ "
[[ كل الحروب تنتهي يومًا...
وحين سقطت الراء من كلمة حرب، لم يبقَ إلا حب، ذلك الذي وُلد من بين الرماد، وغسل القلوب من وجعها، وكتب النهاية التي استحقها الجميع ♥🍂 ]]
استيقظت "قُدس" على خيوط شمسٍ ذهبية تسللت بخجل عبر ستائر الغرفة، ففتحت عينيها بكسلٍ لذيذ، ومدّت يدها تتحسس المكان بجوارها، لكنها توقفت فجأة وباقةٌ كبيرة من الورود الحمراء تستقر فوق الوسادة المجاورة، تعبق برائحةٍ عذبة ملأت الغرفة ارتسمت على شفتيها ابتسامة تلقائية، وما إن جلست حتى وقع بصرها على صندوقٍ أنيق موضوع أسفل الباقة فتحته بفضول، لتتسع عيناها بإعجاب فستانٌ طويل بلونٍ أسود ملكي، بأكمامٍ محتشمة، وانسدالٍ ناعم يفيض رقيًا، وكأنه صُمم خصيصًا لها وبين طيات القماش، وجدت بطاقةً صغيرة بخطٍ تعرفه جيدًا، ابتسمت قبل أن تقرأها، وكأن قلبها سبق عينيها إلى صاحبها
"سأنتظركِ الليلة... يا حبيبة قلبي."
وضعت البطاقة فوق صدرها، وأغمضت عينيها للحظة، بينما تسللت حمرةٌ خجولة إلى وجنتيها تمتمت بدلالٍ وهي تضحك وحدها:-
_ والله يا جارحي... بعد العمر ده كله لسه بتعرف تكسفني
أعادت النظر إلى الفستان، ثم إلى الورود، ولم تستطع منع قلبها من الخفقان كفتاةٍ تعيش موعدها الأول، لا كامرأةٍ تجاوزت سنواتٍ طويلة من التعب وأدركت بابتسامةٍ دافئة، أن بعض الرجال لا يتأخرون في الحب، وإنما ينتظرون اللحظة التي يصبح فيها الحب آمنًا ليستطيعوا أن يعيشوه كاملًا
في الطابق السفلي، داخل شقة الجدة، كانت شمس الصباح تتسلل إلى الصالة الهادئة، بينما وقفت "آسيا" إلى جوار والدتها، تضع ذراعها حول خصرها برفق، تساعدها على الوقوف للمرة الأولى منذ أسابيع طويلة، استندت "مديحة" إلى عكازها الأسود، وجبينها يتصبب عرقًا من شدة المجهود، بينما ارتجفت ساقاها اللتان أنهكتهما الغيبوبة الطويلة فابتسمت "آسيا" بحنان، وقالت تشجعها كأنها أمٌّ تحتضن طفلتها:-
_ شاطرة يا ماما... واحدة واحدة، أنا جنبك
أومأت "مديحة" برأسها، ثم حاولت أن تخطو خطوةً صغيرة، لكن قدمها خانتها، فكادت تسقط، لتسارع "آسيا" بإسنادها، تنهدت "مديحة" بيأس، وأغمضت عينيها قائلة بصوتٍ منكسر:-
_ مش هعرف... خلاص يا آسيا
أمسكت "آسيا" بكفيها، ونظرت إليها بعينين مليئتين بالإصرار وقالت بحماس:-
_ هتعرفي... طول ما نفسك طالع هتعرفي إحنا محاربناش كل ده علشان نستسلم قبل آخر خطوة
ابتسمت "مديحة" ابتسامة باهتة، ثم تشبثت بعكازها من جديد، هذه المرة دفعت قدمها اليمنى إلى الأمام خطوة ثم أخرى وتوقفت كانت تقف وحدها دون أن تستند إلى ابنتها، اتسعت عينا "آسيا" بعدم تصديق، وسرعان ما غمرتهما الدموع، بينما وضعت يدها فوق فمها، تضحك وتبكي في آنٍ واحد تقول:-
_ برافو يا ماما... والله برافو... مش مسكاكي، بصي... إنتِ واقفة لوحدك!
نظرت "مديحة" إلى قدميها، ثم إلى ابنتها، وكأنها هي الأخرى لا تصدق ما حدث وارتجفت شفتاها، وانحدرت دمعة دافئة فوق خدها، قبل أن تهمس بصوتٍ اختلط فيه الامتنان بالأمل:-
_ الحمد لله...
فأسرعت "آسيا" تحتضنها بحذر، وكأنها تخشى أن يوقظها أحد من هذا الحلم الجميل ولأول مرة منذ زمنٍ طويل لم تكن الخطوتان مجرد حركةٍ لجسدٍ أنهكه المرض؛ بل كانتا أول خطوتين نحو حياةٍ بدأت تعود إليهما من جديد
___________________________
داخل وكالة القماش بالغورية، كانت الحركة لا تهدأ كعادتها، أصوات العمال، ولفائف الأقمشة، وطلبات التجار التى لا تنتهى لكن صاحب المكان اليوم لم يكن حاضرًا بعقله وقف "الجارحي" يراجع آخر الفواتير بسرعة، ثم أغلق الملف أمامه وهو ينظر إلى ساعة معصمه للمرة العاشرة خلال دقائق تنهد بضيق يتمتم:
_ يا ساتر... الساعة بقت كام؟
اقترب منه أحد العمال يسأله عن شحنة جديدة، فأجابه باقتضاب وهو يوقع الأوراق:-
_ خلصوا تحميلها وابعتوا الفاتورة للمخزن وأنا ماشي
وقبل أن يغادر، خرج صوت والده "فؤاد" الذي داخل المكتب:-
_ على فين يا سيادة البيه مستعجل كده؟ وعمال تتصل بيا لما صدعتني
استدار "الجارحي" بابتسامة لا يستطيع إخفاءها، وقال وهو يلتقط مفاتيح سيارته:-
_ عندى ميعاد أهم من الدنيا كلها
رفع "فؤاد" حاجبه بمكر وقالت:-
_ ميعاد مع مين؟
ضحك "الجارحي" وهو يعدل ساعة يده وقال:-
_ مع مراتى... النهارده عيد جوازنا الأول
هز "فؤاد" رأسه ساخرًا وجلس على المقعد:-
_ الله... ده أنت قلبت رومانسى على كبر!
اقترب "الجارحي"، ووضع بين يديه مجموعة من الملفات وقال بثقة:-
_ حضرتك هتمسك الوكالة النهاردة
فتح "فؤاد" عينيه بصدمة وهو لا يعرف شيء عن التجارة من الأساس:-
_ نعم؟! وأنا مالى بتجارة القماش؟ يا ابنى أنا معرفش أفرق بين الكتان والقطيفة!
انفجر "الجارحي" ضاحكًا لأول مرة منذ زمن طويل، ثم قال وهو يخرج:-
_ اسأل العمال... هم هيعلموك
وقبل أن يغلق الباب عاد برأسه إلى الداخل محذرًا:-
_ آه... ومتنساش، لو حد سأل عليا قولهم فى مهمة قومية.
ضحك العمال، بينما صاح "فؤاد" خلفه:-
_ مهمة قومية إيه؟
رد "الجارحي" وهو يختفى خارج الوكالة:-
_ إنقاذ عيد جوازى الأول... ودى أخطر مهمة فى الدنيا
غادر بخطوات سريعة، وما إن استقل سيارته حتى أخرج هاتفه، واتصل بالمطعم للمرة الأخيرة يتأكد من الحجز الذى أعده باسمه، ابتسم فى رضا بعدما جاءه التأكيد، ثم ضغط على دواسة الوقود، ولم يكن فى قلبه اليوم تجارة، ولا صفقات، ولا حروب
كان كل ما يشغل باله امرأة انتظرها طويلًا، وأراد أن يمنحها ليلةً تستحقها، بعد عامٍ كاملٍ من الألم، ليبدأ معها عامًا جديدًا عنوانه الحب فقط
______________________________
تسللت أشعة الصباح الذهبية عبر ستائر الغرفة البيضاء، لتستقر فوق وجه "ليان"، التى بدأت أصابعها تتحرك ببطء، قبل أن تفتح عينيها بصعوبة شديدة، كل شيءٍ كان ضبابيًا ورائحة المعقمات، صوت الأجهزة الطبية المنتظم، وضوء الغرفة الهادئ
حاولت أن تستوعب أين هى، قبل أن تشعر بثقلٍ خفيف فى جسدها، ووخزٍ يمتد عبر صدرها، فتذكرت العملية رفعت يدها المرتجفة تلقائيًا إلى بطنها، ولم تنطق، وفى اللحظة نفسها، نهضت "هدير" من مقعدها المجاور للفراش بعدما غلبها النعاس طوال الليل، وما إن رأت عينيها مفتوحتين حتى شهقت بفرحة كبيرة تناديها:-
_ ليان...!
ابتسمت "ليان" ابتسامةً واهنة، بالكاد ظهرت فوق شفتيها:-
_ عمتى...
أسرعت "هدير" تمسك يدها بكلتا يديها، وقد اغرورقت عيناها بالدموع قائلة:-
_ الحمد لله... الحمد لله إنك فوقتى
تنفست "ليان" ببطء، ثم همست بصوتٍ متعب:-
_ بابا... فين؟
ابتسمت "هدير" وأشارت إلى الفراش المجاور، استدارت "ليان" برأسها بصعوبة، فرأت "هادى" نائمًا بعمق، تتصل بذراعه المحاليل الطبية، بينما يرتفع صدره ويهبط فى هدوء، ابتسمت رغم تعبها وهمست بخفوت:
_ نام...
اقتربت "هدير" تربت على يدها بحنان:-
_ الدكتور قال تأثير العملية عليه هيكون أصعب بسبب سنه... لكنه بخير، وكل التحاليل مطمنة.
أغمضت "ليان" عينيها للحظة، ثم فتحتهما مجددًا وقد لمعت داخلهما دموع امتنان وهتفت:-
_ عملها...
هزت "هدير" رأسها مبتسمة وربتت على يدها بحنان قائلة:-
_ عملها... وأنقذك بإذن ربنا
ساد صمتٌ قصير، قبل أن تسأل "ليان" بخوف الأم الذى لم يفارقها حتى وهى بين الحياة والموت:-
_ والبيبى...؟
ابتسمت "هدير" هذه المرة ابتسامة واسعة وقالت بإريحية:-
_ زى الفل... الدكتور قال إنه بخير، وأنتِ كمان بخير.
انفرجت شفتا "ليان" بابتسامة امتزجت بدمعةٍ صغيرة انسابت فوق خدها همست شاكرة:-
_ الحمد لله...
وفى الجهة الأخرى من الغرفة، كان هاتف "ليان" موضوعًا فوق الطاولة الجانبية شاشته انطفأت منذ ساعات تخفى خلفها رسالةً لم تُقرأ بعد ورسالةً صوتية وكلمةً واحدة كتبها رجلٌ رحل قبل أن يعرف أن المرأة التى أحبها انتصرت أخيرًا على الموت أما "هدير" فنظرت إلى الهاتف للحظة، ثم مدت يدها إليه فى هدوء، وأغلقته تمامًا، قبل أن تعيده إلى مكانه لن تدع شيئًا الآن يسرق من "ليان" فرحة نجاتها فهناك جراحٌ حتى الحقيقة نفسها تنتظر الوقت المناسب لتفتحها..
______________________________
عاد "يزيد" إلى شقته بعد يومٍ طويل، وما إن أغلق الباب خلفه حتى استقبله هدوء المنزل لكن ضوء غرفة السفرة كان لا يزال مشتعلًا عقد حاجبيه باستغراب، واتجه إليها بخطوات هادئة ليتوقف عند بابها ابتسم دون أن يشعر وكانت "ليل" نائمة فوق المقعد وقد استسلمت للإرهاق بينما كانت تذاكر، تناثرت الكتب والأوراق أمامها وسقط القلم من بين أصابعها بينما استقرت رأسها فوق ذراعها الصغيرة وقف يتأملها طويلًا، خصلات شعرها الأسود انسدلت فوق وجنتها، وأنفاسها المنتظمة جعلتها تبدو كطفلةٍ غرقت فى النوم بعدما قاومت كثيرًا تنهد بهدوء وقال مُتمتم:-
_ يا مجنونة...
همس بها وهو يجمع الكتب برفق حتى لا تسقط، ثم عاد ينظر إليها مترددًا، كيف سيتركها هكذا؟ ستستيقظ وآلام رقبتها ستقتلها لكن كيف يحملها؟، مجرد الاقتراب منها كان يومًا كافيًا ليوقظ كوابيسها هو أكثر من يعرف ذلك ولم يكن مستعدًا أن يهدم، فى لحظة، كل الثقة التى بنتها معه بصعوبة ظل واقفًا دقائق كاملة يتقدم خطوة، ثم يعود أخرى حتى ابتسم لنفسه باستسلام وهمس:-
_ حاضر يا رب... هحاول
اقترب ببطء شديد، وكأنه يخشى أن يخيف فراشةً حطت فوق كفه، مد ذراعيه المرتجفتين أسفلها، ثم حملها برفقٍ بالغ وفى اللحظة التى ارتفع فيها جسدها بين ذراعيه مالت رأسها تلقائيًا لتستقر فوق صدره وتجمد مكانه واتسعت عيناه، وتسارعت أنفاسه بصورة لم يعرفها من قبل، كان يسمع دقات قلبه؛ بل كان يخشى أن توقظها من شدتها واحمرت وجنتاه، وسرت قشعريرة خفيفة فى جسده كله، بينما تمسك بها بحرصٍ شديد كأنها أغلى ما امتلك يومًا ابتلع ريقه بصعوبة، ثم بدأ يسير نحو غرفتها، كانت خطواته بطيئة مرتبكة حتى إنه كاد يتعثر أكثر من مرة من فرط ارتباكه وحين وصل إلى الفراش انحنى بحذر شديد، ووضعها فوقه كما لو كانت قطعةً من الزجاج، ظل يتأكد لثوانٍ أن الغطاء لم يلتف حولها، وأن رأسها استقرت براحة فوق الوسادة ثم تنفس أخيرًا، زفرة طويلة، كأنه كان يحبس أنفاسه منذ حملها، ابتسم وهو يرفع يده يمسح برفق فوق خصلات شعرها المبعثرة، وهمس بصوتٍ بالكاد يُسمع:-
_ أنا حبيتك أوى كده... إمتى؟
وصمت لحظة، قبل أن تخرج اعترافاته دون إرادة منه:-
_ وإزاى يا فراشتى؟
ظل ينظر إليها ثانيةً، ثم استدار مغادرًا الغرفة بهدوء، وأغلق الباب خلفه برفق وما إن اختفى حتى فتحت "ليل" عينيها ببطء، كانت مستيقظة منذ اللحظة التى حملها فيها فوضعت يدها فوق صدرها، تحاول تهدئة نبضاته التى كادت تقفز من مكانها ثم همست، وعيناها معلقتان بالباب المغلق، وكأنها ما زالت تسمع صوته:-
_ بتحبنى...؟
ولأول مرة لم تشعر بالخوف من رجلٍ يقترب منها بل شعرت بالأمان فى ذراعين حملتاها بكل هذا الاحترام، وكل هذا الحب...
______________________________
كان الليل قد ألقى عباءته الهادئة فوق الحديقة، تتراقص أضواء الأشجار بين الأغصان، بينما وقف "الجارحي" بجوار سيارته، ينظر كل بضع ثوانٍ نحو باب العمارة لم يكن ينقصه شيء إلا ظهورها وفجأة، ظهرت... هبطت درجات السلم بخطوات هادئة، مرتدية الفستان الأسود الطويل الذى اختاره لها بنفسه، بأكمامه المحتشمة وانسيابه الراقى، بينما انسدل شعرها الذهبى بحرية فوق كتفيها، واكتفت بلمساتٍ بسيطة من مساحيق التجميل زادت ملامحها نعومة دون أن تُخفى براءتها توقف الزمن بالنسبة له، شعر بأن قلبه نسى كيف ينبض ثم عاد ينبض بعنف، ابتلع ريقه وهو يحدق بها غير قادر على إزاحة عينيه عنها، حتى وقفت أمامه مبتسمة بخجل أخذ نفسًا عميقًا ثم قال وهو يهز رأسه بإعجاب:
_ هو أنا اتجوزت ملاك... ولا إيه؟
احمر وجه "قدس"، وخفضت بصرها أرضًا وهى تبتسم، اقترب منها بخطوة واحدة، ثم رفع يده يمسح خصلة شاردة من شعرها خلف أذنها، قبل أن يطبع قبلةً ناعمة فوق جبينها بكل رقة همس بالقرب منها:-
_ كل سنة وأنتِ أجمل حاجة حصلتلى
رفعت عينيها إليه فوجدت نظراته مليئة بذلك الحب الذى لم يعد يعرف كيف يخفيه فتح لها باب السيارة بنفسه، وانتظر حتى جلست، ثم أغلق الباب برفق كعادته، واستدار إلى مقعد القيادة فانطلقت السيارة تشق شوارع القاهرة الهادئة وكانت يده اليمنى تستقر فوق عجلة القيادة بثبات، بينما امتدت يده الأخرى تبحث عن يدها وتشابكت أصابعهما وضغط عليها بحنان دون أن ينظر إليها، ابتسمت "قدس" وهى تراقبه بطرف عينها لاحظت أنه يقود بهدوء شديد حتى إنه كان يخفف السرعة عند أصغر مطب، ويلتفت إليها بين الحين والآخر مطمئنًا فضحكت بخفة وقالت:-
_ إنت ماشى أربعين!
نظر إليها مبتسمًا وقال:-
_ وأقل كمان لو هيريحك أنتِ وابنى، المهم سلامتكم
ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها، بينما أشعل هو إحدى الأغنيات الرومانسية الهادئة التى كانت تعشقها، فامتلأت السيارة بموسيقى ناعمة جعلت الصمت بينهما أجمل من أى حديث وبعد دقائق توقفت السيارة أمام أحد المطاعم الفاخرة المطلة على النيل ورغم فخامته، كان "الجارحي" قد اختاره بعناية مكان راقٍ، هادئ بعيد عن الاستعراض الذى يعرف "قدس" أنها لا تحبه، أمسك يدها حتى دخلا معًا، حيث كانت طاولتهما المطلة على صفحة النيل فى انتظارهما جلسا يتناولان عشائهما وسط أضواء الشموع، وأحاديثهما التى لم تنقطع، وضحكاتهما الصغيرة التى كانت تملأ المكان دفئًا وبعد انتهاء العشاء، اقترب النادل وهو يحمل تورتة صغيرة على شكل قلب ابتسم وهو يضعها أمامهما وقال بلطف:-
_ كل سنة وأنتم بخير
نظرت "قدس" إلى التورتة، ثم إلى زوجها الذى كان يبتسم كطفل نجحت مفاجأته أخرج علبة مخملية صغيرة من جيبه، ومدها إليها فتحدثت بعفوية وسعادة تغمر قلبها:-
_كل دا عشاني أنا
_معنديش أغلي ولا أثمن منك فى الدنيا دى كلها، أنتِ قُدسي وعمري
قالها وهو يمسك يدها بحنان وبيدها الأخرى فتحَت هديته بفضول فشهقت من جمالها وكان داخلها ساعة رقيقة مرصعة بالألماس، تلمع تحت الأضواء فى رقةٍ تشبهها رفعت عينيها إليه بدهشة وقالت:-
_ يا جارحى...
ابتسم وهو يأخذ الساعة من العلبة، ويلبسها لها بنفسه وقال:-
_ تستاهلى أكتر من كدة بكتير ومهما أجبلكِ ميغلاش عليكِ يا قُدس ولا يقدر بثمن جنبكِ يا روحي
ظلت تتأملها لحظات، ثم ابتسمت بعفوية طفولية وقالت:-
_ أنا كمان جبتلك هدية
أخرجت من حقيبتها علبة صغيرة، ودفعتها إليه بحماس فتحها ثم انفجر ضاحكًا كانت بداخلها جوارب صغيرة جدًا لطفل حديث الولادة رفعها أمامه وهو يضحك من قلبه بعفوية:-
_ دى هديتى؟
هزت رأسها بخجل وقالت ببراءة ونبرة رقيقة:-
_ أول حاجة ابننا هيستعملها.
لم يستطع مقاومة تلك البراءة أغلق العلبة، ثم جذبها إليه يحتضنها بقوة، وقبّل رأسها بحنان بالغ فى تلك اللحظة تعالت تصفيقات الزبائن من حولهما بعدما تابعوا المشهد بابتساماتٍ صادقة، ارتبكت "قدس" فورًا، واحمر وجهها حتى أذنيها، أطلقت ضحكة خجولة ثم أخفت وجهها بالكامل داخل صدر زوجها، تتمسك بقميصه كطفلة تهرب من الجميع أما "الجارحي" فضحك وهو يضمها أكثر ثم رفع رأسه يشكر الحاضرين بابتسامة امتنان همس بالقرب من أذنها وهو يربت على ظهرها:
_ خلاص يا قلبى... متتكسفيش وافرحي بيومك
رفعت وجهها قليلًا، ونظرت إليه بعينين تلمعان بالسعادة كان عيد زواجهما الأول لكن هذه المرة لم يكن يحتفل بمرور عامٍ على زواجهما فقط؛ بل بانتهاء كل الحروب التى خاضها حتى يصل إليها ويجلس اليوم، ممسكًا بيد زوجته، منتظرًا مولودهما الذى سيبدأ معه فصلًا جديدًا من الحياة بعد انتهاء العشاء لم يعودا إلى السيارة مباشرة اختار "الجارحي" أن يسير معها بمحاذاة النيل، حيث الهواء الليلى البارد يداعب الوجوه، وأضواء المراكب تنعكس فوق صفحة الماء فى لوحةٍ ساحرة تشابكت أصابعهما دون أن يشعر وكأن يدها أصبحت مكانها الطبيعى داخل يده، كانت "قدس" تسير بجواره مبتسمة، تراقب الماء تارة، وتراقب زوجها تارة أخرى همست بخفوت:-
_ وحشتنى الخروجات دى
التفت إليها مبتسمًا وقال بحُب:-
_ طول ما أنا عايش... كل يوم هخرجك كانت فترة صعبة وعدت على خير يا حبيبتي وكل اللى جاي ليكي وبس
ضحكت بخفة وهى تضع يدها على صدره بحنان:-
_ كل يوم؟
أومأ بثقة يكرر جملتها:-
_ كل يوم... لو طلبتى
وقبل أن ترد اهتز هاتف "الجارحي" نظر إلى الشاشة، فاتسعت ابتسامته وهو يقول:-
_ دى هدير
ضغط زر الإجابة، لتتحول المكالمة إلى فيديو وما إن ظهرت الصورة حتى شهقت "قدس" بسعادة وهى تجذب الهاتف نحوها:-
_ ليــــــــان!
ظهرت "ليان" على الشاشة جالسة فوق سرير المستشفى، وقد عاد اللون تدريجيًا إلى وجهها، بينما جلست "هدير" بجوارها تلوح لهما مبتسمة قال "الجارحي" بارتياح:-
_ الحمد لله... بقيتى أحسن بكتير
ابتسمت "ليان" بخفة وقالت:-
_ الحمد لله الدكتور قال كام يوم وهخرج.
لم تنتظر "قدس" أكثر، واقتربت من الهاتف حتى كادت تلتصق بالشاشة هاتفة بحُب:-
_ وحشتينى أوى...
ضحكت "ليان" وهي تقول:-
_ وإنتِ أكتر
أخذت كل واحدة منهما تسأل الأخرى عن أدق التفاصيل، حتى ضحكت "هدير" قائلة:-
_ خلاص يا جماعة سيبوا المريضة ترتاح شوية
ضحك الجميع وقبل إنهاء المكالمة، رفع "الجارحي" الهاتف قائلًا:
_ المرة الجاية إن شاء الله... المكالمة تبقى من مصر
ابتسمت "ليان" بثقة وقالت:-
_ إن شاء الله
انتهت المكالمة لكنها تركت داخل قلوبهم طمأنينةً كبيرة، عادا إلى المنزل فى ساعةٍ متأخرة من الليل كانت "قدس" ما تزال تبتسم وهى تتذكر حديث شقيقتها، بينما أغلق "الجارحي" باب الشقة خلفهما التفت إليها، ثم قال وهو يعقد ذراعيه:-
_ اي؟... بعد اليوم الجميل ده كله اى؟
رمشت بعدم فهم وحدقت بعينيه قائلة:-
_ نعم؟
اقترب منها خطوة ثم أخرى وابتسامته تزداد اتساعًا وقال:-
_ مش هتقولى حتى كل سنة وأنت طيب بطريقة حلوة؟
ضحكت وهى تتراجع للخلف وقالت:-
_ قولتهالك
_ لا...
هز رأسه باعتراض هاتفٍ بحزم:-
_ دى كانت بالكلام
رفع يده يعبث بخفة بسحاب فستانها من الخلف، وهو يقول بمكر:-
_ وأنا عايز الاحتفال يبقى.....
لكنها لم تمنحه فرصة لإكمال الحديث أو مداعبة يده فشهقت بخجل، ثم ركضت كطفلة ضاحكة نحو غرفتها ليصرخ بغضب وهو ينزع سترة بدلته:-
_ قدددددددس!
أغلقت الباب بسرعة، ليستند هو بكفيه على خصره وهو يهتف بغضبٍ مصطنع:-
_ معقول بعد الليلة دى كلها؟! هنام على الكنبة
وصل إليه صوت ضحكتها الرنانة من خلف الباب:-
_ أيوه!
هز رأسه مستسلمًا، ثم ابتسم فجأة، وقد لمع بريق المكر فى عينيه وقال بنبرة هادئة للغاية:-
_ خلاص طيب ... افتحى بس وهكون مؤدب
لم تجبه فقال بعد ثوانٍ بمكرٍ أكثر:-
_ طيب... هاتى البيجامة بتاعتى اغير هدومي طيب
ساد الصمت لحظة ثم جاءها صوته مرة أخرى بنبرةٍ مظلومة:-
_ والله عايز أغير
عضّت "قدس" شفتها، ثم هزت رأسها وهى تضحك وهتفت:-
_ حاضر
فتحت الباب مسافةً صغيرة، ومدت يدها بالملابس لكن قبل أن تستوعب ما حدث دفع الباب برفق، ودخل بسرعة ثم أغلقه خلفه فاتسعت عيناها، وأطلقت ضحكة عالية وهى تتراجع للخلف
_ غشـــــــااااااش !
ضحك "الجارحي" من قلبه، وقد نجحت خطته أخيرًا وامتلأت الشقة بصوت ضحكاتهما، ضحكاتٌ لم يعد يعكر صفوها خوف، ولا حرب، بل بيتٌ امتلأ أخيرًا
_________________________
مرّت الأيام هادئةً لأول مرة، حتى بدا الزمن وكأنه قرر أخيرًا أن يمنح تلك العائلة هدنةً استحقّتها بعد سنواتٍ طويلة من الحروب، كانت "ليل" تغرق بين كتبها ومراجعاتها، لا تكاد ترفع رأسها من فوق مكتبها إلا لتلتقط أنفاسها قبل أن تعود إلى مذاكرتها من جديد، بينما أصبح "يزيد" يحفظ جدول امتحاناتها أكثر مما يحفظ مواعيد عمله، يوقظها قبل الامتحان، ويترك لها كوب الشيكولاتةالساخنة فوق مكتبها فى صمت، ثم يرحل مبتسمًا كلما وجدها مندمجةً بين صفحات كتبها أما "قُدس"، فقد انشغلت هى الأخرى بمشروع تخرجها فى كلية الفنون الجميلة، تقضى ساعاتٍ طويلة ترسم وتلوّن وتصنع مجسماتها، بينما كانت يد "الجارحي" لا تفارقها، يحمل عنها اللوحات الثقيلة، ويصرّ أن يرافقها أينما ذهبت، وكأن حملها جعله أكثر خوفًا عليها من نفسه.
واستعادت "مديحة" صحتها شيئًا فشيئًا، حتى أصبح العكاز الأسود رفيقها الوحيد بعد أن كان الفراش سجنها ولم تعد تحتاج إلى من يسندها، كانت تصعد وتهبط درجات العمارة ببطء، واصبحت روحها أهدا بكثير من قبل وتخلت عن حدتها وعدوانيتها
وفى صباحٍ دافئ، خرجت "خديجة" من عيادة الطبيب بصحبة "قُدس"، وعلى وجهها ابتسامة لم تستطع إخفاءها مهما حاولت، أغلقت باب السيارة، ثم أخرجت هاتفها بسرعة واتصلت بزوجها وما إن أجاب "فؤاد" حتى قالت بفرحةٍ طفولية:-
_ مبروك يا أبو الجارحي... هنشيل حفيدنا على إيدينا، الدكتور أكد إنه ولد
على الجانب الآخر، تعالى صوت ضحكته الصادقة، وهو يردد بحمدٍ وامتنان:-
_ الحمد لله... الحمد لله.
ابتسمت "قُدس" بخجل، وأخفضت رأسها تمسد بطنها بحنان، بينما كانت السعادة تفيض من عينيها دون كلمة وعندما عادتا إلى العمارة، وجدتا "آسيا" تجلس فى الحديقة، وقد افترشت الطاولة بعشرات الرسومات، ولفائف الأقمشة، ودفاتر التصميم، وأقلام الألوان فتوقفت "خديجة" بجوارها، تتأمل ما تصنعه بإعجاب، ثم سألتها مبتسمة:-
_ إيه الجمال ده كله يا آسيا؟
رفعت "آسيا" رأسها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مختلفة، ابتسامة امرأة استعادت نفسها أخيرًا وقالت بثقة:-
_ ببدأ مشروعى
عقدت "قُدس" حاجبيها بدهشة، بينما تابعت "آسيا"توضح لهما فوضويتها:-
_ هفتح أتيليه للأزياء وأشتغل بالشهادة اللى رميتها فى الدرج سنين
مررت أصابعها فوق أحد التصميمات بحنان، ثم أضافت بابتسامة هادئة:-
_ ضيعت عمرى كله وأنا بنسى نفسى مرة فى جواز، ومرة فى وجع، ومرة فى تربية بنتى وضيعت عمري كله على ليل واهى كبرت وبقيت عروسة واتجوزت، جه الوقت أفتكر إن ليا حلم أنا كمان وأعيش الباقي من عمري
اقتربت "خديجة"، وربتت على كتفها بحنان أم، وقالت بفخر:-
_ الباقي من عمرك، إنتِ مكبرتيش يا آسيا حتى مكملتش الأربعين وإن شاء الله تنجحي وتكسري الدنيا وأنا أول زبونة عندك... وأول واحدة هتلبس من تصميمك
ضحكت "آسيا" بعفوية وقالت بلطف:-
_سامحيني أول زبون ليا النونو الجميل
ضحكت معها "قُدس" بسعادة وعمتها تفكر فى طفلها الصغير ، بينما كانت الشمس تنثر دفئها فوق الحديقة، وكأنها تبارك لكل واحدٍ منهم بدايةً جديدة فبعض الانتصارات لا تكون فى ساحات الحروب، بل فى تلك اللحظة التى يقرر فيها الإنسان أن يعيش من جديد
ساد الهدوء فى الحديقة، ولم يقطعه سوى صوت سيارة سوداء توقفت أمام العمارة والتفتت جميع الرؤوس فى اللحظة نفسها ابتسمت "خديجة" فور أن تعرفت على السيارة، بينما اتسعت عينا "قُدس" بلهفة، وهمست دون وعى:-
_ ليان...
لم تنتظر أكثر تركت كل ما بيدها، وانطلقت مسرعة نحو البوابة الخارجية توقفت السيارة، وترجل منها "الجارحي" أولًا، ثم أسرع إلى الباب الخلفى يفتحه بنفسه، خرجت "هدير" بهدوء ثم مدّت يدها إلى الداخل تساعد "ليان" على النزول فكانت أضعف قليلًا مما كانت عليه، فقد سرقت رحلة العلاج شيئًا من وزنها، لكن الحياة عادت تتوهج داخل عينيها، وابتسامتها الهادئة كانت وحدها تكفى لتعلن انتصارها وما إن رأتها "قُدس" حتى اندفعت نحوها، وارتمت بين ذراعيها بقوة، شهقت "ليان" من شدة العناق، ثم ضحكت وهى تضم أختها إليها وقالت:-
_ متجريش أنتِ حامل
ضحكت "قُدس" وسط دموعها، وأخذت تتحسس وجهها بكلتا يديها كأنها تتأكد أنها أمامها حقًا وقالت:-
_ وحشتينى أوى
ربتت "ليان" على ظهرها بحنان وهمست:-
_ وأنا أكتر.
فى تلك الأثناء، فتح "يزيد" الباب الآخر للسيارة، بينما ساعد "الجارحي" رجلًا آخر على النزول أُخرج المقعد المتحرك أولًا، ثم بحذرٍ شديد، أمسك الاثنان بـ"هادى"، يساعدانه حتى استقر فوقه وساد الصمت للحظة، لمعت عينا "قُدس"، بينما تجمدت "آسيا"، وأطرقت "خديجة" رأسها حمدًا لله أما "هادى"فكان يبتسم ابتسامة رجلٍ دفع أغلى ما يملك، لكنه لم يندم لحظة، نظر إلى ابنتيه، ثم إلى بطن "ليان"، وقال بصوتٍ يفيض رضا:-
_ الحمد لله
ثم ابتسم أكثر وهو يربت على ذراع المقعد المتحرك وقال هامسًا:-
_ كام خطوة كنت همشيهم فى الدنيا دى برجلي، لكن ربنا كتبلى أشوف بنتى عايشة وأشوف حفيدى جاى فى الطريق... والله كفاية عليا النعمة دى.
لم تتمالك "قُدس" نفسها فانحنت أمامه، وأحاطت عنقه بذراعيها، تبكى كما لم تبكِ منذ زمن وبادلها العناق بكلتا يديه، ثم قبل رأسها بحنانٍ أبوى أما "ليان"، فقد وقفت بجواره وأسندت يدها فوق كتفه وعيناها تمتلئان بالامتنان فاقتربت "خديجة"، واحتضنت "هدير" بحرارة، بينما صافح "فؤاد" شقيقه، وربت على كتفه قائلًا بابتسامة امتزجت بالدموع:-
_ نورت بيتك يا حج هادى
أجابه الأخير وهو ينظر إلى العمارة التى احتضنت عائلته من جديد:-
_ البيت عمره ما كان بالطوب... البيت باللى فيه وناسه
وفى تلك اللحظة، امتلأت الحديقة بالضحكات، والعناق، والدموع الدافئة ولأول مرة منذ سنوات، اجتمعت العائلة كلها دون خوف، ودون خصام، ودون حرب وكأن القدر أراد أن يمنحهم أخيرًا المشهد الذى انتظروه طويلًا.. مشهد العائلة الكاملة
وسط موجة الترحيب التى ملأت الحديقة، مسح "يزيد" كفيه ببعضهما، ثم قال بحماس وهو ينظر إلى الجميع:-
_ خلاص بقى نكمل فرحتنا النهاردة، أنا هعمل حفلة صغيرة عشان ليل نجحت وبتفوق
نظروا إليه باستغراب، فأكمل مبتسمًا:-
_ الليلة كلها احتفال والجنينة هتكون جاهزة، وأنا عامل سهرة مخصوص علشان ليل
فى تلك اللحظة، خرجت "وصيفة" من داخل العمارة على عجل، وما إن وقعت عيناها على "هادى" حتى توقفت مكانها ارتجفت شفتاها، وامتلأت عيناها بالدموع اقتربت من ابنها ببطء، ثم انحنت تحتضنه بحنانٍ أمٍ تخشى أن تؤلمه وهمست بصوتٍ مرتعش:-
_ حمد لله على سلامتك يا ابنى...
رفع "هادى" رأسه إليها مبتسمًا، وربت على يدها برفق:-
_ الله يسلمك يا أمى
ابتسمت وسط دموعها، ثم قبلت رأسه طويلًا، وكأنها تستعيد ابنها الذى كاد القدر أن يخطفه منها وفى تلك اللحظة، هبطت "ليل" درجات السلم تحمل بين يديها هاتفها، وما إن رأت الجميع مجتمعين حتى ابتسمت بسعادة ولوّح لها
انشغل "يزيد" بعد ذلك بتجهيز الحديقة، ينقل الطاولات بنفسه، ويعلق الأضواء بين الأشجار، وكلما حاول أحد مساعدته رفض بإصرار:-
_ النهارده... كل حاجة لازم تبقى كاملة... علشان مراتى.
ابتسم "الجارحي" وهو يراقبه، ثم هز رأسه ضاحكًا، بينما عاد الجميع إلى الداخل ليستريحوا قليلًا قبل حلول المساء
أما داخل غرفتها...
جلست "ليان" وحدها بجوار النافذة، ينساب ضوء العصر فوق وجهها الشاحب الذى بدأ يستعيد شيئًا من عافيته ووضعت هاتفها فوق الطاولة، لتضيء الشاشة بإشعارٍ مؤجل وصل منذ أسابيع، رسالة من "جلال" تجمدت أناملها لثوانٍ، ثم ضغطت عليها ببطء وانطلق صوته...
(أنا معرفتش أبقى الراجل اللى وعدتك بيه... ومعرفتش أخرج من الحياة اللى غرقت نفسى فيها لكن معرفش معنى الحياة وأنه على بيتنفس غير معاكي وبوجودكِ، أنا معرفتش يعنى أى أحب حد ولا أخاف على حد ولا اشتاق لحد غيرك، يمكن واحدة زيك متستحقيش واحد زيّى أصلًا لكن لو الرسالة دى وصلتك يبقى أنا خلاص مشيت متخافيش منى بعد النهاردة وعيشى... عيشى إنتِ وابننا ومتخليهوش يبقى شبهى ومتقولهوش أنى وحش خليكى فاكرة... إن أكتر واحد أذاكى... هو أكتر واحد حبك)
ساد الصمت لم تتحرك ظلت تحدق فى الهاتف طويلًا، بينما انحدرت دمعة دافئة فوق خدها لم تكن دمعة حب ولا ندم بل دمعة إنسانٍ أدرك أن رجلاً عاش حياته كلها يركض خلف القوة، ولم يفهم معنى الحياة إلا فى لحظاته الأخيرة أغلقت التسجيل ببطء ثم فتحت الرسالة الأخيرة التى وصلت من "الجارحي" يوم الحادث لم تكن سوى كلمات قليلة...
"البقاء لله... جلال الصياد مات."
أغمضت عينيها، وأخذت نفسًا طويلًا، ثم وضعت كفها برفق فوق بطنها ابتسمت ابتسامة صغيرة، امتزجت بدموعها، وهمست وكأنها تخاطبه عبر المسافات التى لا يعود منها أحد:-
_ مش... ابن.
سكتت لحظة، ثم قالت برقةٍ هادئة:-
_ دى بنت...
وكانت تلك أول مرة يعرف فيها قلبها أن بعض الأخبار تصل متأخرة، لتؤلم وتمنح السلام فى الوقت نفسه وبدأت الدموع تسيل بغزارة واعترف قلبها بالهزيمة والخسارة....
________________________
فى الجهة الأخرى...
خرجت "هدير" من مبنى شركة الإعلان، وما إن تجاوزت البوابة الزجاجية حتى توقفت للحظة تحدق فى العقد الذى تحمله بين يديها وابتسمت ثم ضمته إلى صدرها بقوة لقد تحقق حلمها أخيرًا، وقّعت عقد أول برنامج لها، وقُبلت رسميًا كمذيعة، لتبدأ حياةً جديدة كتبتها بيديها، بعيدًا عن كل ما سرق منها سنوات عمرها رفعت رأسها نحو السماء وهمست بحمدٍ صادق:-
_ الحمد لله...
رن هاتفها فجأة نظرت إلى الساعة، فاتسعت عيناها:-
_ يا نهار أبيض... اتأخرت!
أسرعت تركض نحو سيارتها، تضحك على نفسها، وانطلقت بأقصى سرعة نحو العمارة، حيث ينتظرها الجميع ومع حلول المساء، كانت الحديقة تتلألأ بمئات الأضواء الصغيرة المعلقة بين الأشجار بينما امتلأت الطاولات بأشهى الأطعمة، وتعالت الضحكات فى كل مكان وقف الجميع ينتظرون وفى تلك اللحظة هبطت "ليل" درجات السلم كانت ترتدى فستانًا بسيطًا يليق ببراءتها، وتلف حجابها بحرية حول رأسها، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة ما إن ظهرت حتى دوّى التصفيق فى الحديقة وابتسمت بخجل، بينما اقتربت "وصيفة" تحتضنها بفخر وقالت:-
_ ألف مبروك يا روحي
وتوالت التهانى، بعدما أصبحت "ليل" ضيفة شرف الليلة، احتفالًا بتخرجها من الجامعة امتلأت الحديقة بالضحكات والأحاديث والحياة، وقف "الجارحي" إلى جوار "قُدس" يلف ذراعه حولها بحب بينما كانت تستند برأسها إلى كتفه وتمسد بطنها التى بدأت تستدير مع الحمل، تأملهما "يزيد" من بعيد وابتسم ثم تنهد فى هدوء، وهمس لنفسه:-
_ يا رب... ارزقنى اليوم اللى تبقى فيه ليل مرتاحة معايا بالشكل ده
وما إن انتهت الأمنية داخل قلبه حتى شعر بأصابع صغيرة تشد طرف ذراعه التفت باستغراب فوجد "ليل" تقف خلفه فتنظر إليه بخجلٍ شديد واقتربت خطوة ثم وقفت على أطراف أصابعها ولأول مرة ورفعت يدها إلى وجنته مداعبة لحيته بخفة ثم طبعت قبلة صغيرة فوق خده وهمست بصوتٍ لم يسمعه سواه:-
_ بحبك
تجمد "يزيد" مكانه اتسعت عيناه وشُلّ جسده تمامًا ظل ينظر إليها غير قادر على استيعاب ما حدث ثم خرج صوته هامسًا، مرتعشًا من شدة الدهشة:-
_ إنتِ... عملتى إيه؟
خفضت رأسها بخجل، ثم ابتسمت بعفوية وقالت:-
_ هو حرام يعنى؟... مش إنت جوزى؟
فى تلك اللحظة انهارت آخر الأسوار التى كانت تفصل بين قلبيهما فلم يشعر بنفسه إلا وهو يجذبها إليه بقوة ثم رفعها بين ذراعيه وأخذ يدور بها فى منتصف الحديقة كطفلٍ وجد الدنيا كلها دفعةً واحدة، كانت تضحك بصوتٍ عالٍ بينما اختبأت بين ذراعيه من شدة الخجل أما هو فلم يعد يهتم بأحد وصاح بكل ما يملك من فرحة حتى التفت إليه كل من فى الحديقة:-
_ بحبــــــك!
تعالت ضحكات الجميع صفق "الجارحي" وهو يهتف ضاحكًا:-
_ أخيرًا يا يزيد!
ومسحت "وصيفة" دموعها وهى تضحك، بينما أخفت "آسيا" وجهها من شدة التأثر واطمئن قلبها على ابنتها وسعادتها أما "ليل" فكانت للمرة الأولى تضحك من قلبها بين ذراعى الرجل الذى لم يكتفِ بأن ينقذ حياتها؛ بل أعاد إليها القدرة على الحب من جديد
مرّت شهور سريعًا حتى جاء اليوم الذى قرر فيه القدر أن يكتب فصلًا جديدًا للعائلة كلها فى اللحظة نفسها تحديدٍ داخل شقة "الجارحي" فكانت "قُدس" ترتب بعض ملابس صغيرها فوق الفراش، بينما كان "الجارحي" يجلس على الأرض يجمع سرير الطفل الصغير، يتذمر كل دقيقة من كثرة القطع يستعدا لحضور طفلهما رفع رأسه إليها متنهدًا:-
_ والله اللى اخترع السرير ده كان قاصد يعذب الرجالة
انفجرت "قُدس" ضاحكة وقبل أن ترد توقفت فجأة ووضعت يدها فوق بطنها وعقدت حاجبيها انتبه "الجارحي" إليها فورًا:-
_ مالك؟
همست وهى تلتقط أنفاسها:-
_ مفيش...
ثم صرخت فجأة:-
_ آآآه!
قفز واقفًا مذعورًا وهو يقول:-
_ قُدس!
أمسكت ياقة قميصه بكلتا يديها، ثم جذبتها بعنف حتى كادت تخنقه صارخة بأذنه بكل قوتها:-
_ أنا بولدددددد
شهق وهو ينظر إلى بطنها ثم إلى الساعة وكادت تخرم طلبة اذنيه وقال:-
_ بس... لسه بدرى!
صرخت فيه من جديد، وهى تشد شعره هذه المرة:-
_ هو أنا اللى محدداله معاد؟! اتحرك يا جارحى! بقولك بولد، الواد هينزل منى هنااااااا ااااااااه
بعد دقائق كانت السيارة تشق الطريق بأقصى سرعة، يجلس "الجارحي" خلف المقود، بينما كانت "قُدس" بجواره تكاد تكسر عظام يده من شدة قبضتها ثم صرخت فجأة:-
_ أسرع!
_ يا بنتى هنتحبس!
_ اتحبس بعدين!
قالتها صارخة ثم جذبت شعره مرة أخرى
_ ركز فى الطريق!
هتف متألمًا:-
_ طب سيبى شعرى الأول!
وما إن توقفت السيارة أمام المستشفى حتى اندفع الأطباء والممرضون إليها وفى اللحظة نفسها كانت سيارة أخرى تتوقف أمام المدخل وترجلت منها "ليان"، واضعة يدها فوق بطنها الكبير، تتنفس بصعوبة ومعه أفراد العائلة ودلفوا إلى المستشفي يركضون وأثناء الركض توقفت" ليان" للحظة تكتم غيظها فنظرت إلى "هدير" بدهشة وقالت:-
_ شكله... جه معاده هو كمان.
اتسعت عينا "هدير" وقالت بعدم تصديق وتنظر تارة إلى "فؤاد" الذي يدفع مقعد اخاه ويسرع أمامهما:-
_ لا... إنتِ لسه قدامك شهر!
لكن "ليان" انحنت قليلًا، وهى تضع يدها فوق بطنها ثم قالت بابتسامة متعبة:-
_ بنتى... عندها رأى تانى
نظر الجميع إليها بصدمة ليصرخ الطبيب بسرعة:-
_ حالة ولادة!!
وفى أقل من دقيقة اختفت "قُدس" فى غرفة، وخلفها "ليان" فى الغرفة المجاورة بينما خارج غرف العمليات وقف الجميع فى الممر وكان "الجارحي" يسير ذهابًا وإيابًا كالمجنون أما "هادى"، فجلس فوق مقعده المتحرك يسبح فى صمت بينما اقترب "فؤاد" من ابنه احتضنه بقوة، وربت على ظهره قائلًا:-
_ اهدى... إن شاء الله هيبقوا بخير.
تنهد "الجارحي" وهو يمسح وجهه بكفيه وقال:-
_ أول مرة أخاف بالشكل ده، أنا حاسس أن أنا اللى بولد
ابتسم "فؤاد" وقال بلطف:-
_ الأبوي مش سهلة
على الجانب الآخر جلست "هدير" إلى جوار "آسيا" ثم نظرتا إلى باب غرفة العمليات وانفجرتا ضاحكتين فسألت "آسيا":-
_ هما حتى الولادة قرروا يعملوها مع بعض؟
هزت "هدير" رأسها وهى تضحك:-
_ واضح إن التوأم دا... مستحيل يفترقوا حتى فى الولادة
أما بعيدًا قليلًا فكان "يزيد" يقف ممسكًا بكوب قهوة، يحاول أن يبدو هادئًا واقتربت منه "ليل" ثم أمسكت يده برفق فنظر إليها مبتسمًا وقال بعفوية:-
_ عقبالك يا ست البنات
ابتسمت بخجل واقتربت أكثر منه وتبدو أن كل أمنياته تتحقق فى لحظتها ثم همست فى أذنه بكلمة واحدة:-
_ أنا حامل!!
تجمد مكانه سقط كوب القهوة من يده دون أن يشعر وظل ينظر إليها كأنه لم يسمع وقال بتلعثم:-
_ إيه؟
ضحكت وهى تومئ برأسها وقالت بخجل شديد:-
_ هتبقى بابا
ظل صامتًا ثوانى ثم احتضنها بقوة حتى ضحكت من شدة فرحته وفى تلك اللحظة دوّى داخل الممر صوت بكاء طفل حين خرجت الممرضة تحمله ثم بكاء طفلٍ آخر.
نظر الجميع إلى بعضهم وارتسمت فوق الوجوه ابتسامة واحدة، ابتسامة نهايةٍ تشبه البداية، فبعد أعوامٍ من الدموع، والحروب، والفقد امتلأ المكان أخيرًا بأجمل الأصوات، أصوات الحياة وانتهت الحرب وسقطت راؤها ولم يبقَ إلا... حب. 🕊️🤍
فى يومٍ بدأت فيه الحكاية بحربٍ مزقت القلوب... انتهت بصراخ أطفالٍ يعلنون ميلاد حياةٍ جديدة
انتهت الحرب... وسقطت راؤها، فلم يبقَ سوى الحب.
ليس كل منتصرٍ من بقي واقفًا، ولا كل مهزومٍ من سقط على أرض المعركة. فبعد كل حربٍ خسر فيها الجميع شيئًا من أرواحهم، اختارت الحياة أن تُزهر من جديد، وأن تُداوي ما مزقته الأيام
وحين أسدل القدر ستاره الأخير، سقطت الراء من كلمة حرب، فلم يبقَ إلا حب... حبٌّ وُلد من بين الرماد، وغسل القلوب من وجعها، وأثبت أن بعض الأرواح لا تنتصر بالسلاح، بل بالغفران، والرحمة، ومنح الحياة فرصةً جديدة لتبدأ من جديد. 🕊🌼
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
