رواية أسرار المقابر الفصل الثالث بقلم محمود الأمين
شوفت الراجل ده واقع على الأرض، وفاتح عينيه على الآخر لدرجة إني حسيت إنها هتخرج من وشه. بوقه كان بينزف دم، وفي اللحظة دي صحيت. كنت مش عارف أتصرف إزاي بعد اللي عرفته، وفي نفس الوقت الكوابيس بقت مُزعجة بشكل كبير. أنا مش قادر أتعايش مع الوضع ده.
بصيت في الساعة، وكان خلاص الشيفت بتاعي قرّب. قُومت، ودخلت الحمّام، وجهزت نفسي عشان أنزل.
لكن قبل ما أنزل، أمي نادت عليا:
_ نعم يا أمي، محتاجة حاجة قبل ما أنزل؟
= أنا مكنتش أعرف إن أبوك ماشي في السكة دي. طول عمري فاكرة إنه بيأكلنا بالحلال، أنا مش عارفة هو عمل كده ليه؟ إحنا طول عمرنا عايشين مستورين، وما كناش محتاجين الفلوس دي في حاجة.
_ وأنا والله يا أمي، ما قادر أتخيل إن الشخص اللي الناس بتحكي وبتتحاكى بيه، وبيقولوا عليه إنه راجل محترم، يطلع منه كل ده.
= طيب إنت ناوي على إيه يبني؟
_ هكمّل شغل، وفي نفس الوقت هدور على شغلانة جديدة. أنا مش عاوز أقعد في المقابر، عاوز أبعد عن المكان ده خالص.
= وده رأيي برضه يبني، حاول تلاقي حاجة، وربنا معاك.
...
بُوست إيديها، وخرجت من البيت، واتحركت على المقابر وأنا قلبي مقبوض، مش عارف مالي... كأني أول مرة أروح هناك.
لما وصلت، كان عم بسطاوي قاعد كالعادة قدّام الأوضة. سلّمت عليه، وقولتله
_ أنا عرفت كل حاجة عن بسطاوي.
= كل حاجة اللي هي إيه؟
_ عرفت إن إنت وأبويا كنتوا بتبيعوا الجثث أو أعضاء منها، وبتقبضوا فلوس.
= إنت جبت الكلام ده منين؟
_ أنا شوفت الراجل بنفسي وهو بيحاول يفتح القبر، وهو حكالي على كل حاجة.
= لازم تعرف إن إحنا كنا مضطرين. الناس دي مش سهلة، واللي يوقف في طريقها بيموت. أبوك كان خايف عليك إنت وأمك، وأنا كنت خايف على مراتي وبنتي، واضطرّينا نوافق.
_ مفيش مبرر للي إنتوا عملتوه. إنتوا ناس باعت ضميرها عشان الفلوس.
= سيبك من الشعارات دي، لا هتقدّم ولا هتأخّر. ولازم تعرف إنك هتعمل زي ما أبوك كان بيعمل، وإلا الناس دي مش هتسيبك.
_ أنا مستحيل أعمل كده... انسى.
= صدقني، ساعتها الناس دي هتخلّص عليك إنت وأمك، بس قبل ما يقتلوك هيخلوك تتمنى الموت ألف مرة. فكر صح، ده هيبقى معاك فلوس مش هتعرف تعدها.
...
سبته ومشيت وهو بيتكلم، ولقيته جاي ورايا، وكان بيقول:
_ ميبقاش مخّك ناشف. افهم، عشان الناس دي لو خدت خبر إنك عرفت، ومش ناوي تشتغل، هيخلّصوا عليك.
لكن في اللحظة دي، أنا وهو وقفنا مصدومين، عشان القبر اللي قصادنا كان مفتوح، وده مش أي قبر... ده نفس القبر اللي أنا شُوفته في الحلم.
بسطاوي نزل قدامي، وأنا نزلت وراه، وشوفت نفس المشهد؛ الراجل على الأرض، فاتح عينيه على الآخر، وبوقه بينزل منه دم.
جري بسطاوي ناحيته، ولكن وقتها اتأكد إنه مات.
بسطاوي أخدني وخرجني بره القبر، وكان خايف وبيترعش. ولقيته طلع تليفونه، واتصل بواحد معرفوش، وبلّغه بخبر موت الساعي، ده كان اسمه.
وطلب مني إني مفتحش القبر ده لحد ما نتصرف ونعرف نخلّص من الجثة.
وبعدها مشي.
مشي وأنا قعدت لوحدي، وبعد تفكير كتير، لقيت دماغي بتتقل، وعندي إحساس إني عايز أنام.
كنت بقاوم الإحساس ده، وعاوز أقوم أشربلي كوباية شاي عشان أفوق، بس حتى لما جيت أقوم لقيت نفسي مش قادر، وغصب عني روحت في النوم.
حلمت إني ماشي وسط المقابر. الدنيا كانت هادية، لكن فجأة كل أبواب المقابر بدأت تتفتح لوحدها، وبيخرج منها ميّتين بيزحفوا على بطنهم. شكلهم مرعب زي الزومبي بتوع الأفلام، وكلهم كانوا بيقرّبوا مني.
كان خارج منهم صوت فحيح التعبانين. كنت بحاول أهرب، لكن مش عارف، وفجأة لقيت حد بيحط إيده على كتفي.
فتحت عينيّا على واحد لابس أسود في أسود، عنده دقن طويلة، وقالي:
_ الساعي مدفون في أي تربة؟
= إنت مين؟
_ ما تسألش، إنت تنفّذ وبس. إنت ابن مختار، مش كده؟
= أيوه.
_ إنت اللي هتكمل بعد أبوك. هنتصل بيك ونبلّغك إحنا محتاجين إيه، وهييجي واحد هيمسك مكان الساعي، وإنت بس هتحدّدله التربة، وهتوصلك الفلوس.
= أنا مش هكمّل مكان حد، أنا هسيب الشغلانة دي كلها وأمشي.
_ ههههههه... إنت فاكر الموضوع بالسهولة دي؟ إنت عرفت خلاص كل حاجة عننا، واللي يعرف كل حاجة عننا يا إما يبقى معانا، يا إما يبقى ميت.
= مش خايف من تهديدك ده، واعمل اللي عندك.
_ طيب مش خايف على نفسك؟ خاف على والدتك، ولا هي مش غالية عليك؟
= اللي هيقرّب من أمي، أنا هقتله.
_ صدقني، إنت هتكمل مكان أبوك. أبوك كان راسه ناشفة زيّك، بس في النهاية عرف مصلحته، ولو كان لسه عايش كان نصحك تكمل من بعده.
عمومًا، بكرة هييجيلك الراجل عشان تورّيه تربة فيها واحد مكملش أسبوع على وفاته.
هسيبك دلوقتي، وحاول تراجع نفسك قبل فوات الأوان.
...
مشي الراجل ده، وسابني في حيرة.
طب أعمل إيه؟
أنا عمري ما هعمل كده... عمري ما هغضب ربنا.
أنا اتربيت على كده، ومستحيل أتغيّر.
اليوم عدى بسرعة، وجه عم بسطاوي استلم مني الشيفت، ومشيت ورجعت على البيت.
لكن أول ما دخلت البيت، لقيت أمي مربوطة من إيديها ورجليها، وبوقها عليه لزق، والشقة كانت متبهدلة.
قرّبت منها، وشلت اللزق من على بوقها. كانت منهارة من العياط، وقالتلي على اللي حصل.
قالت إن في اتنين طفّشوا الباب ودخلوا، وربطوها، وطلبوا مني إنهم يوصلولي رسالة:
إنك تعقل وتوافق على كل حاجة، وإلا المرة الجاية هترجع تلاقيني ميتة.
...
الموضوع كان واضح، الناس دي واصلة، وبكل سهولة وصلولي رسالة إنهم يقدروا يأذوا أمي.
مكنش قدامي حل غير إني أوافق.
من غير ما أدخل في تفاصيل مش مهمة، تاني يوم جالي الراجل اللي استلم مكان الساعي.
ورّيته التربة، وطلب مني أنزل معاه عشان نشيل الجثة وننقلها للعربية.
بس أول ما نزلنا القبر، الراجل مسك قلبه وصرخ، ولقيت إيد متلّجة مسكتني من إيدي، وشدتني، وخلّتني وقعت، وبقى وشي مقابل وشها.
بس الصدمة إن دي كانت جثة... جثتي، جثتي أنا!
حاولت أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، لكني فوقت.
فوقت وأنا لسه واقف قدّام القبر، والراجل ده واقف جنبي، وقالي:
_ هو إنت ملبوس؟ ولا حكايتك إيه؟
= بلاش ندخل... بلاش الموضوع ده.
_ هو إيه اللي بلاش يا عم إنت؟ هو إنت مستغني عن عمرك؟ ما تفتح يا عم التربة، خلينا ناخد المصلحة ونتكّل.
= انزل إنت، أنا مش هنزل معاك، واستحمل بقى اللي يجرالك.
...
فتح التربة ونزل لوحده، وكان عمال يبرطم بالكلام، وبيقول:
قال يعني لما أنزل لوحدي هخاف!
ولقيته شال الجثة وطلعها، وحطها في العربية، ويا دوب لسه بيشغّل العربية، سمع صوت فحيح جاي من جنبه.
نوّر الكشاف ناحية الكرسي، وفي اللحظة دي، تعبان أسود اتلف حوالين رقبته، وفضل يعصر
كان بيحاول يستنجد بيا، لكن أنا كنت مرعوب.
وفجأة...
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
